الجمعة، 25 يونيو 2021

كتاب : ثمرات النظر في علم الأثر المؤلف : محمد بن إسماعيل الأميرالصنعاني

كتاب : ثمرات النظر في علم الأثر
المؤلف : محمد بن إسماعيل الأميرالصنعاني

ثمرات النظر في علم الأثر

مقدمة المصنف

بسم الله الرحمن الرحيم
حمدا لك يا واهب كل كمال وشكرا لك يا مانح الجزيل من النوال ويا فاتح الأقفال عن أبواب كل إشكال
وصلاتك وسلامك على من ختمت ببعثه سلسلة الإرسال وعلى آله أئمة المعارف والعوارف خير آل
وبعد فإنه لما من الله بمذاكرة مع بعض الأعلام في شرح نخبة الفكر للحافظ الإمام العلامة الشهاب أحمد بن علي بن حجر أفاض الله عليه شآبيب الإنعام وأنزله بفضله بحبوحة دار السلام

وانتهت إلى بحث الجرح والتعديل عرضت عند المذاكرة فروع ناشئة عن ذلك التأصيل فرغب ذلك القلم إلى تحريرها في الأوراق تحريرا للفظها وحفظا لمعناها وإبانة للحق النافع يوم يعنو كل نفس ما عناها فأخذت في رقم ما وقع ثم اتصل به ما هو أرفع قدرا وأنفع والله أسأله أن يخلص لوجهه الأعمال ويعيذنا من موبقات الأفعال والأقوال وسميته ثمرات النظر في علم الأثر

رواية صاحب البدعة المكفرة والمفسقة

فأقول قسم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى البدعة في النخبة إلى قسمين إلى ما يكون بمكفر أو بمفسق واختار

في شرحها أن الأول لا يكون قادحا في الراوي إلا إذا كان ردا لأمر معلوم من الدين ضرورة أو عكسه أي إثباتا لأمر معلوم بالضرورة أنه ليس منه
وإنما فسرنا العكس بهذا لأن ذكر الاعتقاد لا دخل له في كون الفعل بدعة فلا بد من حمله على إثبات أمر ليقابل إنكار أمر فيكون إلماما بالأمرين اللذين هما مرجع البدعة ومنشؤها وهما

النقص في الدين والزيادة فيه كما صرح بذلك صاحب الإيثار فالأول إشارة إلى الثاني والثاني إشارة إلى الأول
أو هما إلا إذا كان ردا لأمر معلوم
ولقد وهم من فسر العكس بإنكار أمر واعتقاد خلافه وزحلق العبارة عما تفيده إذ لا بد من حمل الاعتقاد على إثبات أمر مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب وكان حق العبارة أن يقول أو إثبات غيره أي إثباتا لأمر في الدين معلوم بالضرورة أنه ليس منه قلت إلا أنه لا يخفى أنه من كان بهذه الصفة فهو كافر لرده ما علم من الدين ضرورة وإثباته ما ليس منه ضرورة وكلا الأمرين كفر وإنه تكذيب للشارع وتكذيبه في أي أمر علم من الدين ضرورة إثباته أو نفيه كفر فهذا ليس من محل النزاع إذ النزاع في مجرد الابتداع لا في الكافر الكفر الصريح فلا نزاع

فيه
وإذا كان من هو بهذه الصفة فقد جاوز رتبة الابتداع إلى أشر منه وأنه لا يرد من أهل ذلك القسم إلا هذا عرفت أنه لا يرد أحد من أهل هذا القسم وأن كل مبتدع مقبول
وأما ما يكون ابتداعه بمفسق فقد اختاره لنفسه ونقله عن الجماهير أنه يقبل ما لم يكن داعية وحينئذ فرده لأجل كونه داعية إلى بدعته لا لأجل بدعته فتحصل من هذا أن كل مبتدع مقبول سواء كان بمكفر أو بمفسق واستثناؤه لمن رد ما علم فاثبت من الدين ضرورة أو زاد فيه ما ليس بضرورة ليس لأجل بدعته بل لرده وإثباته ما ليس من الدين ضرورة وكذا رد الداعية لأجل دعوته لا لأجل بدعته والكل ليس من محل النزاع

ثم لا يخفى أن الحافظ وأهل مذهبه لا يرون التكفير بالتأويل

فكأنه قسم البدعة على رأي غيره إذ لا يرى كفر أحد من أهل القبلة والآتي بما يكفره به من يرى كفر التأويل مبتدع واضح البدعة كما قال ابن الحاجب ومن لم يكفر فهو عنده واضح البدعة انتهى

مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه

وهذه هي مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه وقد نقل صاحب العواصم إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل من عشر طرق في كتبه الأربعة ونقل أدلة غير الإجماع واسعة إذا عرفت هذا فحق عبارة النخبة أن يقال ونقبل المبتدع مطلقا إلا الداعية
وقال الذهبي في الميزان في ترجمة أبان بن تغلب ما لفظه

البدعة على ضربين فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كان التشيع بلا غلو ولا تحرق فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو ذهب حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة
ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك فهذه النوع لا يحتج بهم ولا كرامة انتهى
قلت هذا المثيل لأحد أنواع الابتداع وإلا فمن الابتداع النصب بل هو شر من التشيع لأنه التدين ببغض علي رضي الله عنه كما في القاموس فالأمران بدعة إذ الواجب والسنة محبة كل مؤمن بلا غلو في المحبة
أما وجوب محبة أهل الإيمان فأدلته طافحة كما في صحيح مسلم مرفوعا ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ) الحديث
بل حصر صلى الله عليه و سلم الإيمان في الحب

في الله كما في حديث ( وهل الإيمان إلا الحب في الله )

الغلو في الدين

وأما تحريم الغلو في كل أمر من أمور الدين فثابت كتابا وسنة ( لا تغلوا في دينكم ) ( إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) أخرجه أحمد والنسائي وابن

ماجه والحاكم
إلا أنه لا يتحقق الغلو إلا بإطلاق ما لا يحل إطلاقه في المحبوب المغلو في حبه أو فعل ما لا يحل فعله أو ذكر الغير بما لا يحل لأجله
وأما زيادة صحبة الشخص لبعض أهل الإيمان مع محبته لهم جميعا فهذا لا إثم فيه ولا قدح به وإن سمي غلوا وقد كان بعض المؤمنين عند رسول الله صلى الله عليه و سلم أحب إليه من بعض واشتهر أن أسامة ابن زيد رضي الله عنه حب رسول الله وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه
إذا عرفت هذا فالشيعي المطلق قد أتى بالواجب من محبة هذا البعض من المؤمنين فإن كان غاليا فقد ابتدع بالغلو وأثم إن أفضى

به إلى ما لا يحل
وأما مجرد زيادة المحبة والميل فهو إذا صح أنه غلو فلا إثم فيه

أقسام التشيع

وقد اتضح لك أن الحافظ الذهبي قسم التشيع ثلاثة أقسام
الأول تشيع بلا غلو وهذا لا كلام فيه كما أفاده قوله أو كان التشيع بلا غلو ولا تحرق
ولا يخفى أنه صفة لازمة لكل مؤمن وإلا فما تم إيمانه إذ منه موالاة المؤمنين سيما رأسهم وسابقهم إليه فكيف يقول فول ذهب حديث هؤلاء يريد الذين والوا عليا رضي الله عنه بلا غلو وما الذي يذهبه بعد وصفه لهم بالدين والصدق والورع ليت شعري أيذهبه فعلهم لما وجب من موالاة أمير المؤمنين الذي لو أخلوا به لأخلوا بواجب وكان قادحا فيهم ولله

در كثير من التابعين وتابعيهم فقد أتوا بالواجب ودخلوا تحت قوله تعالى ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) وتحت قوله تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان )
ومن ها هنا تعلم أن القول بأن مطلق التشيع بدعة ليس بصحيح والقدح به باطل ولا قدح به حتى يضاف إليه الرفض الكامل وسب الشيخين رضي الله عنهما وحينئذ فالقدح فيه بسب الصحابي لا بمجرد التشيع
والقسم الثاني من غلا في التشيع وأسلفنا لك أنه أتى بواجب وابتدع فيه إن سلم أن مجرد الغلو بدعة إلا أنها بدعة لم

تفض بصاحبها إلى كفر ولا فسق فهو غير مردود اتفاقا إذ قد قيل عند الجماهير من أفضت به بدعته إلى أحدهما كما سلف آنفا
الثالث من أقسام التشيع من غلا وحط على الشيخين فهذا قد أفضى به غلوه إلى محرم قطعا وهو سباب المسلم وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أن سباب المؤمن فسوق فهذا فاعل المحرم قطعا خارج عن حد العدالة فاسق تصريحا فاعل لكبيرة كما يأتي وتارك أيضا لواجب وحينئذ فرده والقدح فيه ليس لأجل مطلق تشيعه وهو موالاته لعلي رضي الله عنه بل لسبه المسلم وفعله المحرم فعرفت أن التشيع المطلق ليس بصفة قدح وجرح من

حيث هو بل هو صفة تزكية لأنه لا بد للمؤمن من موالاة أهل الإيمان فإذا عرف بها صارت تزكية فإذا وقع في عباراتهم القدح بقولهم فلان شيعي فهو من القدح المبهم لا يقبل حتى يتبين أنه من النوع القادح وهو غلو الرفض

تعريف النصب

وأما النصب فعرفت من رسمه عن القاموس أنه التدين ببغض علي رضي الله عنه فالمتصف به مبتدع شر ابتداع أيضا فاعل لمحرم تارك لواجب فإن محبة علي رضي الله عنه مأمور بها عموما وخصوصا
أما الأول فلأنه داخل في أدلته إيجاب محبة أهل الإيمان
وأما الخاصة فأحاديث لا يأتي عليها العد آمرة بحبه ومخبرة بأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق وقد أودعنا الروضة الندية شرح

التحفة العلوية من ذلك شطرا من الأحاديث بحمد الله معزوة إلى محله مصححة ومحسنة فالناصبي أتى بمحرم قطعا ولم يأت بالواجب الآخر من موالاة سائر أهل الإيمان كالصحابة إذ ليس من لازمه محبة بقية الصحابة وهب أنه من لازمه فلا يخرجه عن الإخلال بواجب محبة علي رضي الله عنه وفعله لمحرم من بغضه
فالشيعي المطلق في رتبة علية أتى بالواجب وترك المحرم والناصبي في أدنى رتبة وأخفضها فاعل للمحرم وتارك للواجب فإن انتهى نصبه إلى إطلاق لسانه بسب الوصي رضي الله عنه فقد انتهت به بدعته إلى الفسق الصريح كما انتهت بالشيعي الساب بدعة غلوه إلى ذلك وخير التشيع تشيع من قال
(
أنا شيعي لآل المصطفى ... غير أني لا أرى سب السلف )
(
أقصد الإجماع في الدين ومن ... قصد الإجماع لم يخش التلف )
(
لي بنفسي شغل عن كل من ... للهوى قرض قوما أو قذف )
والشيعي إن انضاف إلى حبه لعلي رضي الله عنه بغض أحد من السلف فقد ساوى مطلق الناصبي في بغضه لبعض أهل

الإيمان فإن قلت هل يقدح في دينه ببغضه لبعض المؤمنين قلت البغض أمر قلبي لا يطلع عليه فإن اطلع عليه كما هو المفروض هنا كان قدحا إذ الكلام في الناصبي ولا يعرف أنه ناصبي إلا بالاطلاع على بغضه لرأس أهل الإيمان
فمن عرف بمثل هذه المعاصي ردت روايته لأنه ليس بعدل على تعريف ابن حجر للعدالة إذ قد حد في رسمها اللغوي عدم الابتداع ولا يتم إلا بخلو القلب عن بغض أهل الإيمان كيف وقد ثبت أن بغضه رضي الله عنه علامة النفاق

وبهذا عرفت أن الناصبي المطلق خارج عن العدالة فإن انضاف إلى نصبه إطلاق لسانه فيمن يبغضه فقد ازداد عنها بعدا والشيعي المطلق محقق العدالة وإن أبغض وسب فارق العدالة وحينئذ يتبين لك أنه كل التمثيل ببدعة النصب للابتداع الخارم للعدالة أولى إذ هو على كل حال بدعة قادحة بخلاف التشيع فالمطلق منه ليس ببدعة بل فعله واجب
وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح
التشيع محبة علي عليه السلام وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهو غال في التشيع ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي فإن انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغال في الرفض انتهى كلامه
فقسم التشيع أيضا ثلاثة أقسام رفض وغلو في الرفض وتشيع
فالأول انضاف إلى محبته لعلي رضي الله عنه تقديمه على الشيخين والثاني انضاف إليها بغض الشيخين والسب لهما

والثالث المحب فقط وهذا التقسيم وقع في ذكره لبدعة التشيع
وأقول أما محبته مطلقا وهو القسم الثالث فإنه شرط في إيمان كل مؤمن وليس من البدعة في دبير ولا قبيل
وهل الإيمان إلا الحب في الله وحينئذ عرفت أن كل مؤمن شيعي
وأما الساب فسب المؤمن فسوق صحابيا كان أو غيره إلا أن سباب الصحابة أعظم جرما لسوء أدبه مع مصحوبه صلى الله عليه و سلم ولسابقتهم في الإسلام
وقد عدوا سب الصحابة من الكبائر كما يأتي عن الفريقين الزيدية ومن يخالف مذهبهم
وقد عرفت أنه دل كلام الذهبي وكلام الحافظ ابن حجر على أن التشيع بكل أقسامه بدعة ولا يخفى أن مطلق التشيع

الذي هو موالاة علي واجب وفاعل الواجب لا يكون مبتدعا
فإن قلت هذا كله مبني على أن قول الحافظ وتقديمه على الصحابة ليس من جملة رسم التشيع وأي مانع عن جعله قيدا فيقيد أن التشيع محبة علي رضي الله عنه مع تقديمه على الصحابة فلا يتم أن مجرد محبته تشيع قلت يمنع عنه أنه إن حمل لفظ الصحابة في كلامه في الرسم على من عدا الشيخين لزم أن من قدمه على أي صحابي ولو من الطلقاء أو ممن ثبت له مجرد اللقاء يكون شيعيا لأن لفظ الصحابة للجنس فهو في قوة من قدمه على أي صحابي وهذا لا يقوله أحد فإنه من السابقين الأولين من العشرة المشهود لهم بالجنة وهم مقدمون على غيرهم بالنصوص
ولأنه بالاتفاق ليس يسمى الشيعي من قدم عليا على أي فرد من أفراد الصحابة أو حمل على الشيخين فقط فيكون التشيع محبة علي رضي الله عنه وتقديمه على الشيخين فهذا بعينه هو الذي أفاده

بقوله فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال فحينئذ تداخل الأقسام ولا يشمل كلامه وضابطه رسم التشيع المطلق أو حمل على المشايخ الثلاثة فهذا الإشكال باق إذ من قدمه على الثلاثة فقد قدمه على الشيخين مع الخلل الذي عرفته أيضا
وإنما بلغت عبارته إلى هذا الخلل على التقادير الأربعة بسبب جعل قوله تقديمه على الصحابة قيدا تعين حملها على ما تصح به وتفيد وأن قوله وتقديمه استئنافية والواو للاستئناف قدمها إرهاصا لقوله فمن قدمه على أبي بكر وعمر وأن المراد من الصحابة الشيخان ذكرهما ألا إجمالا ثم ثانيا تفصيلا وأن قوله

محبة علي فقط هو رسم مطلق التشيع وأيد هذا قوله وإلا فشيعي فإن مراده وألا يقدمه على الشيخين لدي بل يحبه فقط وهذا هو المطلق
وأيده أيضا بما عرفناه من تصرفاتهم في كتب الرجال وتسمع من كلامنا الآتي كثيرا من عباراتهم في ذلك وأيده قول الحافظ الذهبي في ضابطه أو كان التشيع بلا غلو
فهذان الحافظان يوافقان أن التشيع أقسام ثلاثة تشيع مطلق هو محبته رضي الله عنه فقط
ومحبته مع تقديمه على الشيخين ومحبته مع التقديم والسب الأول شيعي والثاني غال في التشيع ويطلق عليه رافضي الثالث غال في الرفض
هذا مفاد كلام الحافظين وهما إماما الفن

وعلى كلامهما وقع البحث في هذه الرسالة

حقيقة البدعة

ثم اعلم أن البدعة وحقيقتها الفعلية المخالفة للسنة ولها تعاريف حاصلها ما لم يكن على عهده صلى الله عليه و سلم
وتنقسم إلى ثلاثة أنواع لا يقتضي كفرا ولا فسقا وهي التي قال فيها عمر رضي الله عنه في جماعة التراويح نعمت

البدعة قال المناوي في كتابه في التعاريف قد يكون من

البدعة ما ليس بمكروه فتسمى بدعة مباحة وهو ما يشهد لحسنه أصل الشرع واقتضته مصلحة تندفع بها مفسدة
والنوعان الآخران ما يؤول إلى أحد الأمرين كما عرفت
فالأولى لا قدح بها اتفاقا ولا تخل بالعدالة وإن دخلت في مسمى البدعة وشملها اشتراط فقدها في حصول العدالة وذلك لأنه لا يخلو عنها طائفة بل يكاد أنه لا يخلو عنها فرد إلا في عصمة الله وإن كانت عباراتهم في رسم العدالة عامة والأحاديث الآتية دالة على أنه لا فرق بين أنواعها إلا أنهم كما عرفت قسموها هذا التقسيم وقسموها أيضا إلى مستحسنة وغير مستحسنة وما أظن هذا التقسيم إلا من جملة الابتداع وها هنا أبحاث تتعلق بكلامهم

اشتراط العدالة في رسم الصحيح والحسن

الأول أنهم أخذوا في رسم الصحيح والحسن عدالة الراوي كما سبق للحافظ في النخبة ومثله في كتب صاحب العواصم وفي جميع كتب أصول الحديث وفسر الحافظ العدالة بأنها ملكة

تحمل على ملازمة التقوى والمروءة
وفسر التقوى بأنها اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة فأفاد أن العدالة شرط للراوي
وقد عرفت أن ترك البدعة من ماهية العدالة فالعدل لا يكون عدلا إلا باجتناب البدعة بأنواعها
ولا يخفى أن هذا يناقض ما قرره الحافظ من القول بقبول المبتدع مناقضة ظاهرة على أن في رسم الحافظ للتقوى قصورا فإنها اجتناب المحرمات والإتيان بالواجبات وقد اقتصر على الفصل الأول من فصلي رسمها
ومنهم من فسرها بالاحتراز عما يذم شرعا وهو صحيح شامل للأمرين
إن قلت أخذهم الفسق في رسم العدالة فيه أيضا إخلال فبأنهم قبلوا فاسق التأويل وقد أخذوا العدالة له شرطا في الراوي وأخذوا عدم الفسق في رسمها فالفاسق غير عدل قلت يتعين حمل الفسق في الرسم على الفسق الصريح لأنه المتبادر عند

الإطلاق وليندفع التناقض

ذم المبتدعة

المبحث الثاني لا يخفى ما ورد في السنة من الأحاديث الواسعة في ذم المبتدعة والوعيد الشديد لهم أخرج مسلم وابن ماجه وغيرهما من حديث جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيه أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
وأخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته قال الحافظ المنذري إسناده حسن ورواه ابن ماجه أيضا وابن أبي حاتم في كتاب السنة عن ابن عباس رضي الله عنه لفظه أبى الله تعالى أن

يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته ورواه ابن ماجه أيضا من حديث حذيفة مرفوعا ولفظه لا يقبل الله تعالى لصاحب بدعة صوما ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا ويخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين

وفي الزواجر لابن حجر الأخير أنه صح لعن من أحدث حدثا
وأخرج الطبراني ما من أمة ابتدعت بعد نبيها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة وقد صح حديث ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة

@ 51 @

وقد عد منهم تارك السنة
قال في الزواجر وقد عد شيخ الإسلام الصلاح العلائي في قواعده والجلال البلقيني وغيرهما البدعة من الكبائر ولفظ الجلال البلقيني في تعداد الكبائر السادسة عشرة البدعة وهي المراد بترك السنة
إذا عرفت هذا فلا يخلو إما أن يقول قائل المبتدع عدل وإن ابتداعه لا يخل بعدالته فهذا رجوع عن رسم العدالة بما ذكره فهذه الأحاديث وأقوال العلماء منادية على أن الابتداع من الكبائر وقد رسموا الكبيرة بما توعد عليه بخصوصه وهو صادق على البدعة
ومن هنا ينقدح لك أن من حذف البدعة من رسم

العدالة فلدخولها في لفظ الكبائر المذكورة في الرسم
أو يقول إنها تخل بالعدالة فهذا يعود على شرطية العدالة في الراوي بالنقض

تفسير العدالة

المبحث الثالث تفسير العدالة بما ذكره الحافظ تطابقت عليه كتب الأصول وإن حذف البعض قيد الابتداع إلا أنهم الكل اتفقوا أنها ملكة إلى آخره وهذا ليس معناها لغة ففي القاموس العدل ضد الجور وهو إن كان كلامه في هذه الألفاظ قليل الإفادة لأنه يقول والجور نقيض العدل فيدور
وفي النهاية العدل الذي لا يميل به الهوى
وهو وإن كان تفسيرا للعادل فقد أفاد المراد في غيرها العدل الاستقامة
وللمفسرين في قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )

أقوال في تفسيره قال الرازي بعد سرده للأقوال إنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهو قريب من تفسيره بالاستقامة
وقد فسر الاستقامة الصحابة وهم أهل اللغة بعدم الرجوع إلى عبادة الأوثان وأنكر أبو بكر رضي الله عنه على من فسرها بعدم الإتيان بذنب وقال حملتم الأمر على أشده وفسرها الوصي كرم الله وجهه بالإتيان بالفرائض

نقد العدالة بالملكة المذكورة

والحاصل أن تفسير العدالة بالملكة المذكورة ليس معناها لغة ولا أتى عن الشارع حرف واحد بما يفيدها والله تعالى قال في الشهود ( وأشهدوا ذوي عدل ) ( ممن ترضون من الشهداء ) وهو كالتفسير للعدل والمرضي من تسكن النفس إلى خبره ويرضى به القلب ولا يضطرب من من خبره ويرتاب ومنه ( تجارة عن تراض )
وفي كلام الوصي رضي الله عنه حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عمر وقال صلى الله عليه و سلم ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه )

فالعدل من اطمأن القلب إلى خبره وسكنت النفس إلى ما رواه

وأما القول بأنه من لو هذه الملكة التي هي كيفية راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة يمتنع بها عن اقتراف كل فرد من أفراد الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة تمرة والرذائل الجائزة كالبول في الطرقات وأكل غير السوقي فيه فهذا تشديد في العدالة

لا يتم إلا في حق المعصومين وأفراد من خلص المؤمنين بل قد جاء في الأحاديث أن كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون ) وأنه ما من نبي إلا عصى أو هم بمعصية فما ظنك عمن سواهم وحصول هذه الملكة في كل راو من رواة الحديث عزيز الحصول لا يكاد يقع
ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك وأنه ليس العدل إلا من قارب وسدد وغلب خيره شره وفي الحديث ( المؤمن واه ) أي واه لدينه

بالذنوب راقع له بالتوبة فالسعيد من مات على رقعه أخرجه البزار وإن كان فيه ضعف فهو منجبر بحديث ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) وهو حديث

صحيح فالمؤمن المرضي العدل لا بد مقارفته لشيء من الذنوب لكن غالب حاله السلامة ويأتي عن الشافعي رضي الله عنه قول حسن في العدالة
وهذا بحث لغوي لا يقلد فيه أهل الأصول وإن تطابقوا عليه فهو مما يقوله الأول ثم يتابعه عليه الآخر من غير نظر
إذا عرفت ما أسلفناه وقد عرفت نقل الإجماع عن الصحابة رضي الله عنهم في قبول خبر المبتدع كما قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة رضي الله عنه إن من تصفح آثارهم واقتص أخبارهم عرف أنهم لما صاروا أحزابا وتفرقوا فرقا وانتهى الأمر بينهم إلى القتل والقتال كان بعضهم يروي عن بعض من غير مناكرة بينهم في ذلك بل اعتماد أحدهم على رواية من يخالفه

كاعتماده على رواية من يوافقهم
ومثله قال الشيخ أحمد الرصاص في كتاب الجوهرة إن الفتنة لما وقعت بينهم كان بعضهم يحدث عن بعض من غير مناكرة ويسند الرجل إلى من يخالفه كما يسند إلى من يوافقه
علمت أن ذلك يستلزم الإجماع على أن مدار قبول الرواية ظن صدق الراوي لا عدالته المفسرة بحد الحافظ وغيره
قال ابن الصلاح كتب الأئمة طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة
قلت ما ذاك إلا لكون الابتداع غير مخل بالعدالة قطعا بل هو مخل بها لكنه دار القبول على ظن الصدق وذلك لأدلة
الأول أن خبر المبتدع يفيد الظن والعمل بالظن حسن

عقلا
الثاني أن في مخالفتهم مضرة مطنونة ودفع الضرر المظنون عن النفس واجب
الثالث إما أن يحصل بخبرهم الرجحان أو لا إن حصل فإما أن يعمل به أو بالمرجوح أو يساوي بينهما وقد علمت أن ترجيح المرجوح على الراجح أو المساواة بينهما في الترجيح قبيح عقلا فوجب العمل بالراجح إذا عرفت أنه يفيد الظن وأنه يجب العمل بالظن عقلا

الأدلة على وجوب العمل به شرعا كثيرة
الآية الأولى قوله تعالى ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) وهو عام في كل ما جاء عن الله تعالى سواء كان من كلامه أو كلام رسوله صلى الله عليه و سلم وسواء كان معلوما أو مظنونا فكل خبر عن الله تعالى أو عن رسوله حصل الظن به فقد صدق عليه أنه جاءنا عن الله تعالى
الثانية قوله تعالى ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) فهذا عام فيما أتانا عن الله تعالى والآية وإن كانت خطابا لأهل الكتاب فهي في حقنا كذلك وتقرير الحجة بها كما سلف
الثالثة قوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) الآية
وتقريرها كما سلف والخبر المظنون عن الرسول قد أتانا عنه فيجب العمل به والأدلة من هذا النوع واسعة جدا أو ناهضة على المدعي وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما

استطعتم ) فيجب في تعرف ما أتانا الله تعالى وأمرنا بأخذه بذل الوسع في ذلك بحسب الطاقة كما قال تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وهنا رتب ثلاث
الأولى أن يعلم اللفظ الوارد عن الشارع والمعنى وهذا يكون كثيرا في القرآن والسنة المتواترة
الثانية أن يعلم اللفظ ويظن المعنى وذلك أيضا يكون في القرآن كثيرا والمتواتر من السنة
الثالثة أن يظن اللفظ والمعنى أو يعلم المعنى ويظن اللفظ وكلاهما في السنة

فإن قلت يلزم على هذا قبول خبر الكافر والفاسق الصريح أيضا إذا حصل الظن لوجود العلة
قلت منع منه الإجماع فخصص العلة

قبول فاسق التأويل

واعلم أنه قد استدل في العواصم على قبول خبر فاسق التأويل بحديث أنه قبل الأعرابي الذي شهد برؤية هلال رمضان فقال له ( أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا ) أو بنحوه من الأدلة إلا أن في استدلاله بذلك بحثا لأنه

@ 66 @

بناه على أن عدالة أهل ذلك العصر كانت غير منوطة بإسلامهم وهو قائل بخلافه لذهابه إلى أن أهل ذلك العصر كانت العدالة منهم منوطة بالإسلام والقيام بأركانه واجتناب معاصي الخوارج كما نقله عن أبي طالب واختاره فهذا لا يتم به الاستدلال على قبول قول المبتدعين إذ قد بني على عدالة أهل ذلك العصر

النبوي إلا من ظهر منه ما يخرج به
الكلام الآن معه على من تحقق جرح عدالته وأنه إنما قبل لحصول الظن بخبره
وكذلك استدلاله بخبر الأمة السوداء التي سألها صلى الله عليه و سلم ( هل هي مؤمنة فأشارت أن الله ربها فقال صلى الله عليه و سلم هي مؤمنة )

وكذلك ذكره الحديث ( إن ابني هذا سيد ويصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين )
قال في الأول هذا دليل على قبول كل من آمن بالله ورسوله من أهل الإسلام ما لم يثبت فيه فعل ما يجرح به وقال في الثاني فسماهم مسلمين والمسلم مقبول ما لم يظهر جرحه فإنه يقال هذا يقتضي أنك تريد أن من أسلم وآمن من أهل ذلك العصر

فإنه عدل وهو الظاهر من كلامه وهذا غير محل النزاع إذ الكلام مع من يرد فساق التأويل والمبتدعة
لا يقال لعل صاحب العواصم يختار في رسم العدالة غير ما يختاره الجمهور وأنه من ثبت إسلامه ثبتت عدالته من أهل ذلك العصر وغيره لأنا نقول هذا مسلم في أنه اختاره لكن في حق الصحابة وأهل العصر النبوي إذ الظاهر فيهم العدالة كما سبق نقل اختياره له وبه قال المحدثون وأهل الأثر وأما في حق غيرهم فغير مسلم
وجعله ظن الصدق علة في قبول الرواية دليل على أنه لا يرى ذلك وإلا لما افتقر إلى إقامة الأدلة على ذلك ولكان أحوج على إقامة الدليل على هذا الأصل الكبير ولأنه صرح أن ظاهر العلماء العدالة ما لم يظهر ما يجرحهم وينفي العلم بالظاهر وجعل هذا القول المختار القوي حيث قال المختار القوي ما ذهب إليه

أبو عمر بن عبد البر وأبو عبد الله بن المواق وهو أن كل حامل علم معروف بالعدالة فإنه مقبول في علمه محمول أبدا على السلامة حتى يظهر ما يجرحه وذكر أدلة هذا القول وهذا ظاهر في أنه يرى رأي الجمهور في أن الأصل الفسق ولذا عين هذه الطائفة بالعدالة وسرد أدلة ذلك هنالك إلا أنه يختار في الصحابة وأهل العصر النبوي أن الظاهر فيهم العدالة ما نقله هو عن الشافعي رضي الله عنه فإنه قال متى سلم أن العدالة هي ترك جميع الذنوب والمعاصي عز وجودها في جميع المواضع التي يشترط فيها كعقد النكاح والطلاق على السنة وعقد البيوع والعقود والحدود وقد دل الشرع على ما تبين أن العدالة مرتبة دون هذه المرتبة
وقد حسن ابن كثير حديث أبي هريرة مرفوعا ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار ) ومن ذلك ما ورد في الحديث

وأجمعت الأمة عليه من أنه لا يقبل من بينه وبين أخيه إحنة مع أنه مقبول على من ليس بينه وبين أخيه إحنة فلم يخرج المسلم الثقة بالإحنة التي بينه وبين أخيه ما لم يسرف في العداوة إلى حد لا يتجاوز إليه أهل الدين

كلام مستحسن للشافعي في العدالة

قال وقد قال الشافعي في العدالة قولا استحسنه كثير من العقلاء من بعده قال لو كان العدل من لم يذنب لم نجد عدلا ولو كان كل ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحا ولكن من ترك

الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل انتهى
قلت وهذا قوله حسن ويؤيده أن أهل اللغة فسروا العدل بنقيض الجور وليس الجور عبارة عن ملكة راسخة توجب إتيان كل معصية ولا الجائر لغة كل من يأتي معصية بل من غلب جوره على عدله وفي الحديث ( بعثت في زمن الملك العادل ) يعني كسرى وإن كان الحديث ضعيفا
ومعلوم أنه يأتي من الجور

جانبا لو لم يكن إلا كفره بالله ورسله هذا
وأما القول بأن الأصل الفسق كما قال العضد في شرح مختصر المنتهى وتابعه عليه الآخذون من كتابه وغيرهم واستدل بأن العدالة طارئة ولأنه أكثر ففيه تأمل لأن الفسق أيضا طارىء فإن الأصل أن كل مكلف يبلغ من سن تكليفه على الفطرة فهو عدل فإن بقي عليها من غير مخالفته لم يفسق ويأتي بما يجب فهو على عدالته مقبول الرواية وإن لابس المفسقات فله حكم ما لابسه
ثم رأيت السعد في شرح الشرح قد أشار إلى هذا وتعقبه صاحب الجواهر بما ليس بجيد
وأما الاستدلال بأن الأصل هو الغالب والفسق في المسلمين أغلب فقد قيد هذا بعض المحققين بأن الأغلبية إنما هي في زمن تبع تبع التابعين لا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم لحديث ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب ) قلت وقوله صلى الله عليه و سلم ( ثم يفشو

الكذب ) يشعر بأن الخيرية بالنظر إلى صدق الأقوال
وأما استدلال من استدل على أغلبية الفسق بقوله تعالى ( وقليل ما هم ) ( وقليل من عبادي الشكور )

( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) فغير جيد إذ المراد أن المؤمنين قليل بالنسبة إلى الكفار كما يدل عليه سياق الآيات إلا أن أهل العدالة قليل بالنسبة إلى المسلمين الذين ليسوا بعدول
ثم قال فيحمل الفرد المجهول على الأعم الأغلب فهذا بعد تسليم أن الأغلب الفسق ليس لنا أن نحمل المسلم المجهول العدالة على الأعم الأغلب وهو فسقه لأنه إضرار به وتفسيق لا بنص ولا قياس ولا شيء من الأدلة مع أنه قد تقرر أنه لا تفسيق إلا بقاطع
ثم نعود إلى الاستدلال على أن المعتد في قبول الأخبار حصول ظن الصدق وأن مجهول العدالة مقبول خبره لما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه كان يستحلف الراوي ومعلوم أنه لا يحلف معروف العدالة إذ العدالة مانعة من الكذب ومحصلة للظن بصدق خبره
ولا يحلف المعروف بالفجور وعدم العدالة إذ يمينه لا ترفع الريبة عن خبره فالمحلف من يجهل حاله فيجوز أن تكون يمينه

رافعة للريبة محصلة للظن ولذا قال وحدثني أبو بكر وصدق فإنه لما عرف عدالته لم يستحلفه كما هو ظاهر كلامه ولفظه كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثا ينفعني الله به ما شاء أن ينفعني وإن حدثني غيره استحلفته وحدثني أبو بكر وصدق ذكره الحافظ الذهبي في تذكرته وقال هو حديث حسن وساق طريقه
ففيه دليل أن مناط القبول ظن الصدق وطلب الظن الأقوى مهما أمكن من وظيفة من يتقي الله حق تقاته وقد أمكن ها هنا تحصيله بيمين الراوي

ويدل لذلك أنه صلى الله عليه و سلم كان يقبل خبر من يخبره ومعلوم أنه لظنه بالصدق حتى يبين الله له بالوحي عدم صدق المخبر مثل خبر زيد ابن أرقم حين أخبره بمقالة عبد الله بن أبي ثم لما جاء ابن أبي وعاتبه صلى الله عليه و سلم على ما قاله وبلغه وأقسم بالله ما قال شيئا وإن زيدا كاذب فعذره وصدقه صلى الله عليه و سلم وقال لزيد عمه ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه و سلم
وفشت الملامة لزيد في الأنصار وكذبوه حتى أنزل الله تعالى سورة المنافقين بتصديق زيد رضي الله عنه وتكذيب ابن أبي فقد قبل صلى الله عليه و سلم خبر زيد أولا ورتب عليه عتاب ابن أبي ثم قبل حديث ابن أبي ورتب عليه الناس تكذيب زيد
فإن قلت ابن أبي منافق والمنافق كافر فيلزم قبول خبر الكافر قلت قد ثبت بالإجماع بأن المنافقين لهم في الدنيا أحكام

المؤمنين ومنها قبول أخبار من يظن صدقه منهم وهذا الحديث من أدلته في الباب وغيره من الأدلة فإنه صلى الله عليه و سلم قبل خبره مع علمه بنفاقه حتى أكذبه الله
وكذلك قصة بني أبيرق وقوله صلى الله عليه و سلم ( هم أهل بيت يذكر عنهم إسلام وصلاح ) لما أخبره مخبر أنهم كذلك ثم أخبره تعالى

بحقيقة حالهم وأنزل فيهم الآيات في سورة النساء
فقد كان صلى الله عليه و سلم يقبل خبر من يخبره عن هؤلاء ويرتب عليه أحكاما ومعلوم أنه لا يعمل إلا بظن أو بعلم لا سبيل إلى الثاني هنا فهو يعمل استنادا في حصول الظن بخبرهم أو إحسان الظن بهم فإنهم لا يكذبون فإنه قد كان يتنزه عن الكذب الكفار لقبحه عندهم
بل أبلغ من هذا أنه صلى الله عليه و سلم أمر بغزو بني المصطلق لما أخبره الوليد بن عقبة أنهم تجمعوا لرد رسوله حتى أنزل الله تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية
إن قلت لعله صلى الله عليه و سلم ماكان يعمل بأخبار أهل ذلك العصر إلا لعدالتهم لا بمجرد حصول الظن بأخبارهم قلت الإنصاف أن أهل

ذلك العصر كغيرهم فيهم العصاة وأهل التقوى ففيهم من ارتكب فاحشة الزنى وفيهم من شرب المسكر وحد عليه ومنهم من قذف المحصنات وفيهم من قتل النفس التي حرم الله وفيهم من غل من المغنم وفيهم من سرق وقطعت يده هذا في حياته صلى الله عليه و سلم
وفيهم المنافقون لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم كما قال تعالى ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ) وفيهم المرجفون ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ) وإذ كان لا يعلمهم صلى الله عليه و سلم ولا يعرف نفاقهم فيكف يميز العدل عن غيره وأما المنافقون المعروفون بالنفاق كابن أبي فسلف آنفا قبول أخبارهم ومعاملتهم معاملة من يظن صدقه صلى الله عليه و سلم من المؤمنين ما

لم يكذبهم الله نعم من صحب المصطفى صلى الله عليه و سلم واتبعه حق الإتباع أمم من أهل ذلك العصر متقون رضي الله عنه ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا إلا أنه لا يقتضي الحكم على أهل كل عصر بالعدالة
إن قلت قوله صلى الله عليه و سلم ( خير القرون قرني ) الحديث
تزكية منه صلى الله عليه و سلم لأهل عصره ومن بعدهم ممن ذكرهم
قلت تقدمت الإشارة إلى أنه إخبار عن خيريتهم بالنظر إلى الصدق والعدالة أخص منه وكذلك الصدق شعار الأغلب منهم ولذا قال ثم يفشو الكذب فإنه يشعر أن ثم كذبا في تلك الأعصار المخبرة إلا أنه لا فشو غلبة
فإن قلت الممادح جملة الواردة كتابا وسنة أدلة على عدالة أهل ذلك العصر
قلت قد وردت الممادح في جملة الأمة ولا تقتضي تزكية

الأفراد اتفاقا فكذلك هنا لأن الثناء على الجملة لا يقتضي الثناء على كل فرد فرد
فإن قلت قبوله صلى الله عليه و سلم لأخبار أهل ذلك العصر دليل على عدالتهم ولا يقدح فيه أنه أتاه الوحي أن فيهم كذابين وأن ممن أخبره فاسقا قلت ومتى سلمنا أن العدالة التي رسموها شرط في قبول الرواية وأين دليلها ولا يتم الاستدلال بأن قبوله صلى الله عليه و سلم دليل لها حتى يتم أنها شرط وإلا فهو دور
فإن قلت قد دار قبوله صلى الله عليه و سلم لأخبارهم على أحد الأمرين إما حصول الظن أو عدالة الراوي فحمله على أحد الأمرين دون الآخر تحكم
قلت عدالة الراوي ما قام الدليل على شرطيتها وظن الصدق أمر لا بد منه إذ لا عمل إلا عن علم أو ظن فحملناه على المتيقن
ونحن في مقام النفي لشرطية العدالة المخصوصة فالدليل

المثبت على أنه قد قام الإجماع على قبول غير العدل على رسمهم العدالة والعمل بروايتهم من كل الأمة كما سنحققه الآن في سرد من رووا عنه في الأمهات التي هي عمدة أهل الإسلام من غير العدول على رسمهم العدالة

قف على هذه النكتة

ثقة المبتدع

وقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري إنه لا أثر للتضعيف مع الصدق والضبط انتهى
وهما مظنتا حصول الظن بصدق الراوي ورووا عن الخوارج وهم أشد الناس بدعة
لأنهم يكفرون من يكذب فقبولهم لحصول الظن بخبرهم
قال أبو داود ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج

وفي البخاري من المبتدعة أمم لا يحصون وفي غيره من الأمهات وناهيك أنه أخرج لعمران بن حطان الخارجي المادح لقاتل علي رضي الله عنه بالأبيات المشهورة السائرة

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال المبرد وكان عمران بن حطان رأس القعد من الصفرية وخطيبهم

وشاعرهم انتهى
والقعد قوم يقولون بقول الخوارج ولا يرون الخروج بل يزينونه وكان عمران داعية إلى مذهبه أخرج له البخاري في المتابعات
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي لعمران بن مسلم القصير قال يحيى القطان كان يرى القدر وهو مستقيم الحديث وأخرج الستة للفضل بن دكين وهو شيعي وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير قال الحاكم احتجا به وقد اشتهر عنه الغلو
قال الذهبي غلو التشيع وقد وثقه العجلي

وأخرجوا أيضا لعدي بن ثابت وقد قال فيه ابن معين شيعي مفرط وقال الدارقطني رافضي غال
وأخرج البخاري لإبراهيم بن طهمان وقد رموه بالإرجاء وأخرج البخاري لإسماعيل بن أبان وهو أحد شيوخه قال الجوزجاني كان مائلا عن الحق ولم يكن يكذب في الحديث قال ابن عدي يعني ما عليه الكوفيون من التشيع
قال الحافظ ابن حجر الجوزجاني كان ناصبيا منحرفا عن علي فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان والصواب موالاتهم جميعا ولا ينبغي لنا تسمع قول مبتدع في مبتدع انتهى
وأخرج الشيخان لأيوب بن عايذ بن مدلج وثقة ابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي وأبو داود وزاد أبو داود وكان مرجئا وقال البخاري وكان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق

وأخرج الجماعة لثور بن يزيد الديلمي شيخ مالك وثقة ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم وقال ابن عبد البر صدوق لم يتهمه أحد وكان ينسب إلى رأي الخوارج والقول بالقدر ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك وقال ابن عبد البر فيه سئل مالك كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن يزيد وذكر غيرهما وكانوا يرون القدر فقال كانوا لئن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا
وأخرج البخاري لثور بن يزيد الحمصي واتفقوا على تثبته في الحديث مع قوله بالقدر وكان يرمى بالنصب قال يحيى بن معين وكان يجالس قوما ينالون من علي رضي الله عنه لكنه كان لا يسب قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى احتج به الجماعة
وأخرج البخاري وأصحاب السنن لحريز بن عثمان الحمصي

ووثقه أحمد وابن معين والأئمة وقال الفلاس كان يبغض عليا رضي الله عنه وقال أبو حاتم لا أعلم بالشام أثبت منه ولم يصح عندي ما يقال فيه من النصب قال الحافظ ابن حجر جاء عنه ذلك من غير وجه وجاء عنه خلاف ذلك وروي عنه أنه تاب من ذلك
وأخرج البخاري عن شيخه خالد القطواني قال ابن سعد كان متشيعا مفرطا وقال صالح جزرة ثقة إلا أنه يتشيع
وأخرج البخاري وأصحاب السنن لحصين بن نمير الواسطي أبو محصن الضرير ووثقه أبو زرعة وغيره وقال أبو خيثمة كان يحمل على علي رضي الله عنه فلم أعد إليه
وأخرج البخاري وغيره لهشام بن عبد الله الدستوائي أحد الأثبات مجمع على ثقته وإتقانه قال محمد بن سعيد كان

حجة ثقة إلا أنه كان يرى القدر
وأخرج البخاري والترمذي والنسائي ليحيى بن صالح أبو حائطي الحمصي وثقه ابن معين وأبو اليمان قال إسحاق بن منصور كان مرجئا
إذا عرفت هذا فهؤلاء جماعة بين مرجىء وقدري وشيعي وناصبي غال وخارجي أخرجت أحاديثهم في الصحيحين وغيرهما ووثقوا كما سمعت وهم قطرة من رجال الكتب الستة الذين لهم هذه البدع وحكموا بصحة أحاديثهم مع الابتداع الذي ليس وراءه وراء وهل وراء بدعة الخوارج من شيء
فهو دليل ناهض على إجماعهم على أن عمدة قبول الرواية وعلتها حصول الظن بصدق الراوي وعدم تلوثه بالكذب ألا ترى قول مالك في جماعة لا عدالة لهم كانوا لئن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا فما لاحظ إلا ظنه بصدقهم وقول من قال في إسماعيل بن أبان كان مائلا عن الحق إلا أنه كان

لا يكذب في الحديث

مناقشة غريبة

وكذا توثيقهم لجميع من سمعت مع ذكرهم لعظائم بدعهم ما ذاك إلا لأن المدار على ظن الصدق لا غير
وكفاك بقول الحافظ ابن حجر إنه لا أثر للتضعيف مع ظن الصدق والضبط
وإذا عرفت هذا اتضح لك ما في رسم الصحيح والحسن من الاختلال حيث أخذوا عدالة الراوي شرطا فيهما وفسروا العدالة بما لا بدعة معه ووصلوا إلى محل التصحيح والتحسين فحكموا على أحاديث المبتدعة بهما
وقد أطبقت على تلك الشريطة كتب أصول الحديث وكتب أصول الفقه حتى إنه لم يستدل ابن الحاجب في مختصر المنتهى ولا من تابعه كمؤلف نهاية السؤل وشرحها على شرطية العدالة في الراوي وإنما اشتغلا بتفسيرها

كأن شرطيتها أمر قد علم من الدين ضرورة

أقسام الرواة

إنما قسموا الرواة ثلاثة أقسام معروف العدالة ومعروف الفسق ومجهول الحال لا يعرف فسقه ولا عدالته واستدلوا على عدم قبول الآخرين وأشار ابن الحاجب إلى دليل قبول العدل بالإجماع ولكن قبوله على غير شرطيته إذ معناه العدل مقبول ومعناها لا يقبل إلا العدل
وكأنهم يقولون إذا تم الدليل على عدم قبول الآخرين علم أنه لا بد من شرطية العدالة إلا أن ما سمعته من أحوال رواة الصحيح والحسن يقلع هذا الاشتراط لهذه العدالة المعروفة عندهم كما عرفت بالكلية مع أنه إنما يلزم العلم بذلك لو كانت القسمة حاضرة وهي ليست كذلك لإمكان واقع وهو مفترق متغاير

الحسنة

الفرق بين الشهادة والرواية

إن قلت لعلهم يقولون دليل شرطية عدالة الراوي القياس على عدالة الشهود الثابتة بالنص قلت اختلافهما في الشروط يمنع عن الإلحاق فإنه شرط في الشهادة العدد والذكورة وعدم القرابة للمشهود له وعدم العداوة للمشهود عليه ولم يشترط في الرواية ذلك فلا سبيل إلى الإلحاق

مع أنهم قد صرحوا أنه لا يلزم في الرواية ما يلزم في الشهادة لأن باب الشهادة أضيق ولإلحاق الأخف على الأغلظ
وبعد هذا يظهر لك أنه لا اعتماد إلا على ظن الصدق وكون الراوي مصونا عن الكذب كما عرفت من نصوص أئمة الحديث
نعم الإشكال عليهم في قبول رواية الرافضي الساب للصحابة والناصبي الساب لعلي رضي الله عنه مع عدهم السب للصحابة من الكبائر كما صرح به في جمع الجوامع وفي الفصول فإذا

قبلوا فاعل الكبيرة وليس إلا لظن صدقه مع أن مرتكب الكبيرة فاسق تصريح لا تأويل
وقد سبق في تفسير العدالة أنه لا بد من السلامة منه وقد نقل الإجماع على عدم قبول قول فاسق التصريح كما في الفصول وغيره واستدل له صاحب الفصول بقوله تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية
وأصاب في الاستدلال بها على ذلك لأنها نزلت في الوليد ابن عقبة كما تطابق عليه أئمة التفسير وهو فاسق تصريح بشربه الخمر كما في صحيح مسلم وذكره بشرب الخمر ابن عبد البر والذهبي وإن كان نزول الآية لسبب قضيته مع بني المصطلق وكذبه عليهم كما هو معروف
ولم يصب ابن الحاجب وصاحب الغاية في الاستدلال

بها على رد فاسق التأويل لما سمعت من أنها نزلت في فاسق التصريح ولا يقال لا يقصر العام على سببه بناء على أن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم كما ذكره شارح جمع الجوامع ونسبه إلى ابن الحاجب لأنه بعد تسليم ذلك

فسق التأويل

ففسق التأويل اصطلاح عرفي ليس له في اللغة ذكر والآية لا تحمل على المعاني العرفية الحادثة والاصطلاح الجديد اتفاقا فعلى تسليم العموم شمل كل فاسق تصريح
على أن في الاستدلال بها على عدم قبول خبره أبحاث ذكرها في العواصم تشير إلى شيء من ذلك وهو أنه تعالى قال ( فتبينوا ) أي فتوثقوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا يعتمد قول الفاسق لأن من لا يتحامى عن جنس

الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه
هذا كلامه ولا يخفى أنه قد مر غير مرة في هذه الرسالة التصريح بعدم لزوم الكذب للفسق بل للكفر وأنه تتنزه عنه الكفار فضلا عن الفساق وسيأتي تصريحه بتنزه الفساق عنه فيما سننقله من تنقيحه
وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه فتثبتوا والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف وفي تفسير البيان أوجب الله تعالى على المؤمنين التبين والتثبت عند إخبار الفاسق وشهادته
قلت فالآية أمرت بالتبين كما في قوله تعالى ( إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) الآية وليس أمرا بالرد كما في قوله

تعالى عند الأمر بالقذف ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) وفي غيرهم ( لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) وفي الآية الأخرى ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين )
فإن قلت الأمر بالتبين لخبره في معنى الأمر برده قلت لا بل رتب الله تعالى واجبا على خبره هو التبين فقد ثبت بخبره حكم بخلاف الرد فإنه لم يثبت بالمردود حكما أصلا إنما بقي شيئا معه على الأصل وهو براءة الذمة عدم الحكم بشيء فوجوده وعدمه سواء
وقد عد صاحب العواصم في الاستدلال على عدم دلالة الآية على رد خبر فاسق التأويل كما صنع ابن الحاجب وصاحب الغاية ما ينيف على خمسة

عشر إشكالا

وإذا تتبعت ما سلف علمت أن الآية دلت على أنه يتوقف في خبر الفاسق تصريحا لا يرد بل يقتضي البحث عما أخبر به لا رد خبره
فإن قلت قد وقع الإجماع على عدم قبول خبره ورده فيكف نافى الإجماع الآية قلت لا نسلم الإجماع كيف وهؤلاء أئمة الحديث رووا عن فساق التصريح الذين يسبون الشيخين ويسبون عليا وغيرهم وحينئذ فلا بد من تخصيص الكبائر في رسم العدالة بما عدا سب المسلم
ومن هنا تزداد بصيرة في أن رسم العدالة بذلك الرسم لا يتم في حق الرواة وأن المرجع ليس إلا في ظن الصدق
فإن قلت قد أبطل الله تعالى شهادة القاذف فقال ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) والقذف كبيرة فيلحق به سائر الكبائر في عدم القبول لأخبار مرتكبها

قلت أما أولا فإنه قياس فاسد الوضع لمصادمته آية التبين
وثانيا إنه لا قياس لكبيرة على كبيرة لعدم معرفة الوجه الجامع وإلا لزم إيجاب حد القذف في كل كبيرة بالقياس عليه
فالحق أن القذف لعظم حرمة المؤمنات وهتك حجاب عفتهن كانت عقوبة القاذف شديدة في الدنيا بأمرين جلده ثمانين جلدة ثم إسقاطه عن قبول الشهادة ولو في حبة خردل فلا يحلق به غيره
فإن قلت وكيف يعرف أن المخبر يفيد خبره الظن فإنه إنما يعرف ذلك من خالط المخبر قلت ما يعرف به عدالة المخبرين الذين لم يلقهم المخبر له يعرف صدق المخبرين فإن معرفة أحوال الرواة من تراجمهم يفيد ذلك

المبتدع الداعية إلى بدعت

تنبيه

سبقت الإشارة إلى أنهم قد استثنوا من المبتدعة الداعية فقالوا ولا يقبل خبره قال في التنقيح فإن قلت ما الفرق بين الداعية وغيره عندهم قلت ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئا ولكن نظرت فلم أجد غير وجهين
أحدهما أن الداعية شديد الرغبة في استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه فربما حمله عظيم ذلك على تدليس أو تأويل
الوجه الثاني أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهي إظهار أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة وذلك تغرير لمخالطته وفي مخالطة من هو كذلك للعامة مفسدة كبيرة
قلت وهذا الوجه الآخر قد أشار إليه أبو الفتح القشيري نقله عنه الحافظ ابن حجر ثم قال في التنقيح والجواب عن الأول أنها تهمة ضعيفة لا تساوي الورع أي المانع الشرعي الذي يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق في الدين وارتكاب دناءة الكذب

الذي يتنزه عنه كثير من الفسقة المتمردين
كيف والكاذب لا يخفى تزويره وعما قليل ينكشف تدليسه وتغريره ويفهمه النقاد وتتناوله ألسنة أهل الأحقاد وأهل المناصب الرفيعة يأنفون من ذلك فكيف إذا كانوا من أهل الجمع بين الصيانة والديانة
وقد احتجوا بقتادة لما قويت عندهم عدالة أمانته وهو داعية على أصولهم إلى بدعة الاعتزال
قال الذهبي في التذكرة كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى كان يصيح به صياحا
ثم قال صاحب التنقيح والجواب عن الثاني أنا نقول إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أو لا إن لم يدل على

وجوب قبولهم لم نقبلهم دعاة كانوا أو غير دعاة وإن دل على وجوب القبول لم يصلح ما أورده مانعا من امتثال الأمر ولا مسقطا انتهى
فعلمت من هذا كله قبول من لم يتهم بالكذب وعدم شرطية العدالة بالمعنى الذي أرادوه وهو أنه لا يرد من المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية

جلالة الصحابة

واعلم أنها سبقت إشارة إلى شأن الصحابة رضي الله عنهم عند ذكرنا أهل العصر النبوي فهو أعم من أصحابه وأما الصحابة رضي الله عنهم فلهم شأن جليل وشأو نبيل ومقام رفيع وحجاب منيع فارقوا في دين الله أهلهم وأوطانهم وعشائرهم وإخوانهم وأنصارهم وأعوانهم وهم الذين أثنى الله جل جلاله عليهم في كتابه وأودع ثناءهم شريف كلامه وخطابه

وفيهم الممادح النبوية والأخبار الرسولية بأنه لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهبا
إلا أن تفسير الصحابي بمن لقيه صلى الله عليه و سلم أبو بمن رآه وتنزيل تلك الممادح عليه فيه بعد يأباه الإنصاف ولا يقال لرعية الملك أصحاب الملك وإن رأوه ورآهم ولقوه ولقيهم بل أصحابه من لهم به اختصاص وهم طبقات في ذلك متفاوتة نعم هذا

اللفظ الذي هو لفظ الصاحب فيه توسع في اللغة كثير يطلق على من لابس أي شيء ولو من الجمادات ( يا صاحبي السجن ) ( أصحاب الجنة ) و ( أصحاب النار ) وعلى من ليس على ملة من أضيف إليه ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت ) وبالجملة فاللفظ متسع نطاق إطلاقه غير مقيد بشيء يخصه

إلا أن الفرد الكامل عند إطلاقه على الملازم لمن أضيف إليه وإن أطلق على من رآه أو لقيه فإنه أقل من الأول قطعا استعمالا وتبادرا حال الإطلاق وليس كل من رأى من أضيف إليه يصلح إطلاقه عليه فإن أهل الجنة يرون النار وأهلها ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) ( فرآه في سواء الجحيم ) ولا يقال لهم أصحاب النار
ولم يدر الإطلاق على الرؤية كما دار على الملازمة فإنه يطلق على من لم يره المصاحب ولا لاقاه كما يقال قتل من أصحاب الملك في المعركة الفلانية كذا ومن أصحاب عدوه كذا ولعل فيمن قتل من لم يلق الملك ولا رآه بل يقال لمن في مصر مثلا أصحاب السلطان وما رآهم ولا رأوه لما كانوا ينتسبون إليه في أي أمر
وإذا تقرر هذا فهو وإن صح الإطلاق على من لاقاه صلى الله عليه و سلم ولو لحظة من ليل أو نهار إلا أن الممادح القرآنية والأحاديث النبوية والصفات الشريفة العلية التي كانت هي الدليل على عدالتهم وعلو

منزلتهم ورفعة مكانهم تخص الذين صحبوه صحبة محققة ولازموه ملازمة ظاهرة الذين قال الله تعالى فيهم ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود )
فهذه الصفات إما كاشفة أو مقيدة وعلى كل تقدير فليس كل من رآه له هذه الصفات ضرورة وكذلك الصفات التي بعدها في قوله تعالى ( ومثلهم في الإنجيل )
نعم لمن رآه مؤمنا به ولاقاه واكتحل بأنوار محياه شرف لا يجهل وقد قال صلى الله عليه و سلم ( طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني طوبى لهم وحسن مآب ) أخرجه الطبراني وفيه بقية إلا أنه صرح

بالسماع فزال ما يخاف من تدليسه كما قاله الهيثمي
إلا أنه قال لا يبلغ إلى محل من لاقاه ولازمه في صباحه ومساه ولازمه في حله وأرحاله وتابعه في جميع أفعاله وأقواله واستمر على طريقته التي كان عليها بعد وفاته فهؤلاء هم أعيان الصحابة وهم أعني
هؤلاء أمم لا يحصون أهل بدر وأحد والحديبية وبيعة الرضوان

والمحدثون وإن أطلقوا أن كل الصحابة عدول فقد ذكروا قبائح لجماعة لهم رؤية تخرجهم عن عموم دعوى العدالة كما قال الحافظ الذهبي في النبلاء في مروان بن الحكم لعنه الله ما لفظه بعد سياق طرف من أحواله وحضر الوقعة يوم الجمل وقتل طلحة ونجا وليته ما نجا انتهى
وفي الميزان مروان بن الحكم له أعمال موبقة نسأل الله السلامة رمى طلحة بسهم وفعل وفعل
فهذا تصريح بفسقه وقال في ترجمة طلحة من النبلاء إن مروان بن الحكم قاتل طلحة ثم قال قاتل طلحة في الوزر كقاتل علي رضي الله عنه
وقال ابن حزم في أسماء الخلفاء والأئمة أن مروان

ابن الحكم أول من شق عصا المسلمين بلا شبهة ولا تأويل وذكر أنه قتل النعمان بن بشير أول مولود في الإسلام للأنصار صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر أنه خرج على ابن الزبير بعد أن بايعه على الطاعة
وقال ابن حبان في صحيحه عائذا بالله أن يحتج بمروان وذويه في شيء من كتبنا وكل من أئمة الحديث تكلم بما هو وقع منه
والعجب من الحافظ ابن حجر حيث قال مروان بن الحكم يقال له رؤية فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه ثم قال فأما قتل طلحة فكان فيه متأولا كما قرره الإسماعيلي وغيره
ثم قال إنما حمل عنه من روى عنه البخاري عن مروان أنه قبل خروجه على ابن الزبير ثم قال وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم انتهى
فقوله إن ثبتت له رؤية فلا يعرج على من تكلم فيه
هو محل

التعجب كادت الرؤية تجاوز حد العصمة وأن لا يخرج من ثبتت له بقتل نفس معصومة ولا غيرها من الموبقات وكلام الذهبي فيه هو الإنصاف دون كلام الحافظ ولو اقتصر في العذر لرواية البخاري وغيره عنه بما نقله عن عروة بن الزبير أن مروان باغ كان لا يتهم في الحديث لكان أقرب وأن العمدة تحري الصدق
وأما اعتذاره بأنه قتل طلحة متأولا فعذر لا يبقى معه لعاص معصية بل يدعي له التأويل وهو كتأويل من تأول لمعاوية في فواقره أنه مجتهد أخطأ في اجتهاده مع أنه قد نقل العلامة العامري الإجماع على أنه باغ والباغي غير مجتهد في بغيه وإلا لما سمي باغيا
وفي العواصم وقد اعترف أهل الحديث بأجمعهم بأن المحاربين لعلي رضي الله عنه معاوية ومن تبعه بغاة عليه وأنه صاحب الحق انتهى
وأما قبول روايتهم عن البغاة فلما عرفت من الإجماع على

قبولهم وأنه ليس مدار الرواية إلا على ظن الصدق وأحسن من قال
(
قالوا النواصب قد أخطأ معاوية ... في الاجتهاد وأخطأ فيه صاحبه )
(
والعفو في ذاك مرجو لفاعله ... وفي أعالي جنات الخلد راكبه )
(
قلنا كذبتم فلم قال النبي لنا ... في النار قاتل عمار وسالبه ) ثم قوله فلا يعرج على من تكلم فيه إن ثبتت له الرؤية مراده إلا إذا لم يثبت فيقبل فيه القدح وقد نقضه آخر لما قال إنما روى عنه من روى قبل خروجه على ابن الزبير انتهى
إلا أن يقال مراده أنه لم يصح ثبوتها له ولو سلمنا أنه سمع فيه القدح فيجاب عنه بأنه لا يضر ذلك في الرواية عنه قبل وقوع ما جرح به فلا يخدش ذاك في هذا وقد خالف المحدثون ابن

حجر فإنهم صرحوا بفسق من له رؤية كبسر بن أرطاة
قال الدارقطني كانت له صحبة ولم تكن له استقامة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال ابن عبد البر كان ابن معين يقول إنه رجل سوء قال ابن عبد البر وذلك لعظائم ارتكبها في الإسلام
وكذلك الوليد بن عقبة قال الذهبي في النبلاء في ترجمته كان يشرب الخمر وحد على شربها وروي شعره في شربها قال وهو الذي صلى بأصحابه الفجر أربعا وهو سكران ثم التفت إليهم وقال أزيدكم وقد ذكر المحدثون في كتب معرفة الصحابة من ارتد وكفر من الصحابة بعد إسلامه والكفر أعظم الكبائر

والقصد من هذا بيان أن أقوال الحافظ إن ثبتت رؤية لمروان فلا يعرج على من تكلم فيه في أنه جعل الرؤية كالعصمة وكلامه خلاف ما عليه أئمة الحديث
ولا يقال من ارتد فقد استثنوه من اسم الصحبة لأنا نقول ليس مرادنا إلا أن الرؤية ليست بمانعة من ارتكاب المعاصي ولا يقال فيها إن ثبتت فلا يعرج على كلام من تكلم في صاحبها فإن هذا أصل لم يوافق قائله عليه ولا يطابق ما عرف من كلام أئمة الحديث

نتائج البحث

وإذا أحطت علما بما أسلفناه فها هنا فوائد هي كالنتائج والفروع لما قدمناه
الأولى أن التوثيق ليس عبارة عن التعديل في اصطلاحهم بل عن أن الموثق اسم مفعول صادق لا يكذب مقبول الرواية كما سمعته من توثيقهم من ليس بعدل
فالعدالة في اصطلاحهم أخص من التوثيق ووجود الأعم

لا يستلزم وجود الأخص
الثانية التعديل بأنه أخرجه له الشيخان كما يقولونه كثيرا أو أحدهما أو احتجا به أو أحدهما ليس تعديلا بل هو توثيق أيضا
فقول الشيخ أبي الحسن المقدسي في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة حتى لا يلتفت إلى ما قيل فيه كأنه يريد كثير منهم جازها وإلا فكيف يجوزها النواصب وغلاة الشيعة وأهل الإرجاء والمبتدعة ممن هم في الصحيح
الثالثة قدح المبتدع في المبتدع لا يقبل على أصلهم كما قال الحافظ في الرد على الجوزجاني في قدحه على إسماعيل بن أبان بالتشيع وهذه فائدة جليلة تؤخذ من غضون الأبحاث وقد صرح بها الأصوليون حيث قالوا لا يقبلان أي الجرح والتعديل إلا من عدل

ولكنه لا يتم إلا لمن عد ترك البدعة من ماهية العدالة كما فعله الحافظ وابن الحاجب لا كما نقله صاحب غاية السؤل فإنه حذف قيد الابتداع ولم يبين في شرحه وجه حذفه كأنه لما قاله السعد في شرح الشرح إن في كون البدعة مخلة بالعدالة نظر انتهى ولم يبين وجه النظر إلا يكون أن الغزالي لم يذكرها في رسم العدالة ولم يتكلم صاحب جواهر التحقيق على هذا
وقد عرفت مما أسلفناه أن الأولى ترك قيد الابتداع إلا أن يدرج في الكبائر لما عرفت من نهوض الأدلة على أنها منها وقد عده صاحب الزواجر منها وهو صادق عليه حدها بأنها ما توعد عليه بعينه كما في الفصول وجمع الجوامع فما نظره السعد غير صحيح إلا أن يريد أنها قد دخلت في قيد من قيود حد العدالة وإلا صح أن هذا مراده فإنه جعل محل النظر إخلالها بالعدالة
وإذا عرفت أنه لا يقبل مبتدع في مبتدع فقد قل من خلا عن الابتداع من الجارحين لغيرهم فلا ينبغي على ما قالوا إنه يقبل قول

جارح حتى يعلم خلوه من البدعة بجميع أنواعها لإطلاقهم إياها في الرسم
الرابعة من يقبل فساق التأويل وينقل الإجماع على قبولهم كالأمير الحسين صاحب الشفاء فإنه قال في كتابه شفاء الأورام في كتاب الوصايا وأما الفاسق التأويل فإنا لا نبطل كفاءته في النكاح كما تقدم ونقبل خبره الذي نجعله أصلا للأحكام الشرعية لإجماع الصحابة على قبول أخبار البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام وإجماعهم حجة انتهى
فلا يعاب عليه روايته عن المغيرة بن شعبة أول حديث في كتابه وغيره يعاب عليه قدحه في جرير بن عبد الله ورده لخبره بعد ما جعل غيره مقبولا معه وهو البغي
الخامسة قول الأصوليين من طرق التعديل رواية من لا يروي إلا عن عدل طريقة عزيزة الوجود بل عديمة فإن هذين

الشيخين صاحبي الصحيح هما أحسن الناس رجالا وكذلك النسائي قال الذهبي وابن حجر يتعنت في الرجال وقد سمعت ما في كتبهم ممن ليس بعدل أو غيرهم أبعد وأبعد عن ذلك الالتزام
وبه يعلم أن قول الحافظ ابن حجر إن شرط الصحيح أن يكون رواية معروفا بالعدالة فمن زعم أن أحدا منهم أي ممن في الصحيحين مجهول العدالة فكأنه نازع المصنف أيضا في دعواه أنه معروف ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم انتهى
هذا مسلم في هذا النوع لكن كيف يتم فيمن عرف بعدم العدالة كعمران بن حطان من رجال البخاري ومروان من رجالهما لما عرفت من اعتماد مالك على مروان واعتماد الشيخين على مالك وقولهم ليس لمروان في مسلم سلم لكن مالك من

رجال مسلم وربما كان فيه من حديث مروان من طريقه وقد تقرر أن الجارح أولى من المعدل لأن عنده زيادة علم ولأن قبوله عمل بالجارح والمعدل والإعمال أولى من الإهمال
إن قلت ما روى ملتزم الرواية عن العدول إلا عن عدل في ظنه ولعله لم يطلع على ما فيه من قدح أو كان يرى إنما قدح به ليس بجارح عنده لاختلاف أنظار النظار إلى ذلك
قلت معلوم أن هذا مراد الملتزم وعذره إلا أنا نقول بعد تتبع النقاد لرواية ذلك الملتزم ووجودهم في رواية المجروحين وغير العدول شكك ذلك على الناظر في عدالة من روى عنه هؤلاء الملتزمون لعدالة الرواة لتجويز أنه ليس بعدل ودليل التجويز ظهور غير العدل في روايتهم وحينئذ فلا يبقى مجرد روايات من لا يروي إلا عن عدل تعديلا وهذا أوضح ويأتي هذا في الفائدة العاشرة

السادسة من البعد عن الإنصاف قول ابن القطان إن في رجال الصحيحين من لا يعلم إسلامه فضلا عن عدالته وكم بين هذا وبين قول الحافظ السابق آنفا وكلام ابن القطان وإن تلقاه بعض محققي المتأخرين بالقبول فليس بمقبول إذ من المعلوم أنه لا يروي أحد من أهل العلم كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم عن غير مسلم فلا بالإفراط ولا بالتفريط وكلا طرفي قسط الأمور ذميم
السابعة قول الذهبي إن أهل البدعة الكبرى الحاطين على الشيخين الدعاة إلى ذلك لا يقبلون ولا كرامة غير صحيح فقد

خرجوا الجماعة من أهل هذا القبيل كعدي بن ثابت وتقدم لك أنه قال الدارقطني رافضي غال
وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير قال الذهبي إنه غال في التشيع ووثقه العجلي ولا يخفى من وثقوه من أهل هذه الصفة
ولا تراهم يعولون إلا على الصدق كما قال البخاري في أيوب ابن عائذ بن مدلج كان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق وقد وثقه من سلف
والعجب من قول غلاة الشيعة ورد مثل الحارث الأعور والقدح فيه بالتشيع حتى تكلف مسلم في مقدمة صحيحه بذكر أشياء عن الحارث لا تعد قدحا ولا جرحا كقوله إنه قال تعلمت الوحي في سنتين أو في ثلاث سنين وفي الرواية الأخرى القرآن هين الوحي شديد

قال في شرح مسلم للنووي ذكر مسلم هذا في جملة ما أنكر على الحارث الأعور وجرح به وأخذ عليه من قبيح مذهبه وغلوه في التشيع وكذبه انتهى
قلت العجب من القدح بهذه العبارات التي ما يكاد يتبين المراد بها مع صحة حملها على ما لا ضير فيه كما تسمعه عن الخطابي وأعجب من ذلك قول شارح مسلم إنها من قبيح مذهبه وغلوه في التشيع وأي مآس لهذه الألفاظ بالتشيع ما هذا بإنصاف
ولقد أحسن القاضي عياض حيث قال أرجو أن هذا يعني الكلام الذي نقله مسلم عن الحارث من أخف أحواله لاحتماله الصواب فقد فسره بعضهم بأن الوحي هنا الكتابة ومعرفة الخط قال الخطابي يقال أوحى ووحي إذا كتب
وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك انتهى
إن قلت قد قدحوا فيه بالكذب قلت تعجبنا من

قدحهم فيه بالتشيع ومن إثباتهم كلاما ليس فيه شيء من قدح ولا تشيع
الثامنة أهل الحديث اتفق لهم في مخالفة فروعهم لأصولهم مثلما اتفق لأهل سائر الفنون أصلوا أنه لا يقبل الداعية وسمعت قبولهم له وأصلوا أنه لا يقبل غلاة الروافض وسمعت قبولهم لهم وأصلوا أنه لا يقبل غلاة أهل الإرجاء ونراهم يقبلونهم وأصلوا أنه لا يقبل أهل القدر ونراهم يقبلون من اتصف به وهذا كله يرشدك إلى صحة ما قررناه من أنه لا يلاحظ إلا ظن الصدق وأنه مدار الرواية
ولقد كرر في العواصم أن المعتبر في الراوي ظن الصدق
التاسعة كلام الأقران والمتضادين في المذاهب والعقائد لا ينبغي قبوله فقد فتح باب التمذهب عداوات وتعصبات قل من سلم منها إلا من عصمة الله قال الحافظ الذهبي في ترجمة أحمد

ابن عبد الله بن أبي نعيم ما لفظه كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصمه الله وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت لسردت لك من ذلك كراريس انتهى

وهذا كلام الذهبي ونصه وقد عيب عليه ما عابه عليه غيره قال ابن السبكي في الطبقات نقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائي ما لفظه الشيخ شمس الدين الذهبي لا شك في دينه وورعه وتحريه فيما يقول ولكنه غلب عليه منافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم لأحد منهم أطنب في محاسنه وتغافل عن غلطاته وإذا ذكر أحدا من أهل الطرف الآخر كالغزالي وإمامه الجويني لا يبالغ في وصفه ويكثر من أقوال من طعن فيه وإذا ظفر لأحدهم بغلطة ذكرها
وكذا في أهل عصرنا إذا لم يقدر على التصريح يقول في ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك
وسببه المخالفة في العقيدة
انتهى

قال ابن السبكي وقد وصل يريد الذهبي من التعصب وهو شيخنا إلى حد يسخر منه وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على شيخنا الذهبي في ذم أشعري ولا مدح حنبلي
وأقول الصلاح العلائي وابن السبكي شافعيان إمامان كبيران والذهبي إمام كبير الشأن حنبلي المذهب وبين هاتين الطائفتين في العقائد وفي الصفات وغيرها تنافر كلي فلا يقبلان عليه تعين ما قالاه
وقال ابن السبكي قد عقد ابن عبد البر بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء
قال ابن السبكي وقد

عيب على ابن معين كلامه في الشافعي وتكلمه في مالك بن أبي ذئب وغيره
قلت إذا كان الأمر كما سمعت فكيف حال الناظر في كتب الجرح والتعديل وقد غلب التمذهب والمخالفة في العقائد حتى إنه يوصف الرجل بأنه حجة أو يوصف بأنه دجال باعتبار اختلاف حال الاعتقادات والأهواء
فمن هنا كان أصعب شيء في علوم الحديث الجرح والتعديل فلم يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحد ثم ما بعد قول ابن السبكي إنه لا يقبل قول الذهبي في مدح حنبلي ولا ذم أشعري

وقد صار الناس عالة على الذهبي وكتبه ولكن الحق أنه لا يقبل على الذهبي بما ذكره هو وبما ذكره الذهبي أنهم لا يقبلون الأقران بعضهم على بعض
ثم إن كان مرادهم بالأقران المتعاصرون في قرن واحد والمتساوون في العلوم فهو مشكل لأنه لا يعرف حال الرجل إلا من عاصره ولا يعرف حاله من بعده إلا بأخبار من قارنه
إن أريد الأول وإن أريد الثاني فأهل العلم هم الذين يعرفون أمثالهم ولا يعرف أولي الفضل إلا ذوو الفضل فالأولى إناطة ذلك لمن يعلم أن بينهما تنافسا أو تحاسدا أو شيئا يكون سببا لعدم الثقة لقبول بعضهم في بعض لا لكونه من الأقران فإنه لا يعرف عدالته ولا جرحه إلا من أقرانه وأعظم ما فرق بين الناس هذه العقائد والاختلاف فيها فليحذر عن قبول المختلفين فيها بعضهم في بعض قبل البحث عن سبب القدح والتثبت في صحة نسبته إليه وأعون شيء على معرفة ذلك في هذه الأعصار البحث في كتب الرجال المتعددة المختلف مؤلفوها وسنقرر آخرا ما يكشف هذه الغمة
العاشرة وجود الحديث في الصحيحين أو أحدهما لا

يقضي بصحته بالمعنى الذي سبق لوجود الرواية فيهما عمن عرفت أنه غير عدل فقول الحافظ ابن حجر أن رواتهما قد حصل الاتفاق على تعديلهم بطرق اللزوم محل نظر لقوله إن الأمة تلقت الصحيحين بالقبول هو قول سبقه إليه ابن الصلاح وأبو طاهر المقدسي وأبو عبد الرحيم عبد الخالق وإن اختلف هؤلاء في إفادة هذا التلقي العلم أو الظن
وبسط السيد محمد بن إبراهيم الأمير رحمه الله سبب الخلاف في كتبه وأنه جواز الخطأ على المعصوم في ظنه أو عدمه وطول الكلام في ذلك أيضا
ولنا عليه أنظار وأودعناها رسالتنا المسماة حل العقال وصحته في حيز المنع
بيان ذلك أنا نورد عليه سؤال الاستفسار عن طرفي هذه

الدعوى فنقول في الأول هل المراد أن كل الأمة من خاصة وعامة تلقتها بالقبول أو المراد علماء الأمة المجتهدون ومن البين أن الأول غير مراد وأن الثاني دعوى على كل فرد من أفراد الأمة المجتهدين أنه تلقى الكتابين بالقبول فلا بد من البرهان عليها وإقامته على هذه الدعوى من المتعذرات عادة كإقامة البينة على دعوى الإجماع الذي جزم به أحمد بن حنبل وغيره أن من ادعاه فهو كاذب
وإن كان هذا في عصره قبل عصر تأليف الصحيحين فكيف من بعده والإسلام لا يزال منتشرا وتباعد أطراف أقطاره والذي يغلب به الظن أن من العلماء المجتهدين من لا يعرف الصحيحين إذ معرفتهما بخصوصهما ليست شرطا في الاجتهاد وبالجملة فنحن نمنع هذه الدعوى ونطالب بدليلها

السؤال الثاني على تقدير تسليم الدعوى الأولى فهل المراد بالتلقي بالقبول تلقي أصل الكتابين وجملتهما وأنهما لهذين الإمامين الجليلين الحافظين فهذا لا يفيد إلا الحكم بصحة نسبتهما إلى مؤلفيهما
ولا يفيد المطلوب أو المراد بالتلقي بالقبول لكل فرد من أفراد أحاديثهما وهذا هو المفيد المطلوب إذ هو الذي رتب عليه الاتفاق على تعديل رواتهما فإن المتلقي بالقبول هو ما حكم المعصوم بصحته ظنا كما رسمه بذلك السيد محمد بن إبراهيم رحمه الله وهو يلاقي قول الأصوليين إنه الذي يكون الأمة بين عامل به ومتأول له إذ لا يكون ذلك إلا فيما صح لهم
ويحتمل أنه يدخل في الحسن فلا يلاقي رسمه رسمهم إلا أنه لا يخفى عدم صحة هذه الدعوى وبرهان ذلك ما سمعته مما نقلناه من كلام العلماء من عدم عدالة كل من فيهما بل بالغ ابن

القطان فقال فيهما من لا يعلم إسلامه وهذا تفريط وقد تلقاه بعض محققي المتأخرين كما أسلفناه
وإنما قلنا إنه تفريط لما علم من أنه لا يروي أحد من أئمة المسلمين عن غير مسلم أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم كما أن دعوى عدالة كل من فيهما إفراط وإذا كان كذلك فمن أين يتلقى بالقبول إلا أنه قد استثنى ابن الصلاح من التلقي بالقبول لأحاديثهما ما انتقاه الحفاظ كالدارقطني وابن مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني قال الحافظ ابن حجر وهو احتراز حسن

وقال وعده ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وشاركه مسلم في بعضها مئة وعشرة أحاديث وتتبعها الحافظ في مقدمة الفتح وأجاب عن العلل التي قدح بها وبسط الأجوبة
وقال آخر ليست كلها واضحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل واليسير منه في الجواب عنها تعسف انتهى معنى كلامه
وأقول فيه أن المدعي تلقي الأمة بالقبول وهو أخص من الصحة وقد ذهب الأكثر ومنهم ابن حجر إلى إفادته العلم بخلاف ما حكم له لمجرد الصحة فغاية ما يفيد الظن ما لم ينضم إليه غير ذلك فيفيده وهذه الأحاديث مخرجة عن الصحيحين لا عن التلقي بالقبول فإن كان ما لم يصح غير متلقي فالصواب في العبارة أن يقال غير صحيحة لا غير متلقاه بالقبول لإيهامه أنها صحيحة إذ ليس عنها إلا التلقي بالقبول وهو أخص من الصحة ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم والحال أنها ليست

بصحيحة
وأما قول السيد محمد بن إبراهيم الأمير رحمه الله إن الأمة تلقتها بالقبول وإن صاحب الكشاف والأمير الحسين ذكرا الصحيحين بلفظ الصحيح ونقل منهما ذلك
ففي الاستدلال بهذا الإطلاق توقف عندي لأن لفظ صحيح البخاري وصحيح مسلم صارا لقبين للكتابين فإطلاق ذلك عليهما من إطلاق الألقاب على مسمياتها ولا يلزم منه الإقرار بالمعنى الأصلي الإضافي
نعم لا شك أن الصحيحين أشرف كتب الحديث قدرا وأعظمها ذكرا وأن أحاديثهما أرفع الأحاديث درجة في القبول من غيرها لخصائص اختصا بها منها جلالة مؤلفيها وإمامتهما في هذا الشأن وبلوغهما غاية في الديانة والإتقان
ثم ما رزق هذان الكتابان من الحظ والقبول عند أئمة هذا الشأن

وفرسان ذلك الميدان فبحثوا عن رجالهما وتكلموا على كل ذرة فيهما مما لهما وعليهما فغالب أئمة الإسلام وأعلام الأعلام ما بين خادم لهما بالكلام عليهما على رجالهما أو معانيهما أو على لغتهما أو على إعرابهما أو مختصر فيهما أو مخرج عليهما
فهما أجل كتب الحديث وأحاديثهما السالمة عن التكلم فيهما أقرب الأحاديث تحصيلا للظن المطلوب ونفس العالم أسكن إلى ما فيهما منها إلى ما في غيرهما هذا شيء يجده الناظر من نفسه إن أنصف وكان من أهل العلم إنما لا ندعي لهما زيادة على ما يستحقانه ولا يهضم منهما ما هو أهل له
وأما قول البخاري لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر
وقوله ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح فهو كلام صحيح إخبار عن نفسه أنه تحري الصحيح في نظره
وقد قال زين الدين إن قول المحدثين هذا حديث صحيح

مرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الإسناد لأنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة انتهى
قلت فيجوز الخطأ والنسيان على البخاري نفسه فيما حكم بصحته وإن كان تجويزا مرجوحا لأنه بعد تتبع الحفاظ لما في كتابه فإظهار ما خالف هذا القول المنقول عنه فيه من الشرطية ما ينهض التجويز ويقود العالم الفطن النظار إلى زيادة الاختبار وهذا ما وعدنا به في آخر الفائدة الخامسة
على أن البخاري ومسلما لم يذكرا شرطا للصحيح وإنما استخرج الأئمة لهما شروطا بالتتبع لطرق رواتهما ولم يتفق المتتبعون على شرط معروف بل اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا
يعرف ذلك من مارس كتب أصول الحديث
والأقرب أنهما لا يعتمدان إلا على الصدق والضبط كما اخترناه
وقد صرح به الحافظ ابن حجر فيما أسلفناه عنه أنه لا أثر للتضعيف مع الصدق والضبط وأنهما لا يريدان العدل إلا ذلك إن ثبت عنهما أنهما شرطا أن لا تكون الرواية إلا عن عدل وسلمنا ثبوت اشتراطهما العدالة في الراوي فمن أين علم أن معناها

عندهما ما فسرتموها به مما أسلفناه في رسمهما
قال ابن طاهر شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع عليه ثقة نقله إلى الصحابي المشهور قال زين الدين ليس ما قاله بجيد لأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهما الشيخان أو أحدهما
قال السيد محمد بن إبراهيم رحمه الله ليس هذا مما اختص به النسائي بل قد شاركه غير واحد في ذلك من أئمة الجرح والتعديل كما هو معروف في كتب هذا الشأن ولكنه تضعيف مطلق غير مبين السبب وهو غير مقبول على الصحيح انتهى
قلت ليس ما أطلقه السيد محمد رحمه الله بصحيح فكم من جرح في رجالهما مبين السبب كما سمعته فيما سلف ولئن سلم فأقل أحوال الجرح المطلق أن يوجب توقفا في الراوي وحثا على البحث عن تفصيل أحواله وما قيل فيه
ولا شك أن هذا يفت في عضد القطع بالصحة
وهذه فائدة مستقلة أعني تأثير القدح المطلق توقفا في المجروح يوجب عدم العمل بروايته حتى يفتش عما قيل وإلا لزم العمل والقطع بالحكم مع الشك والاحتمال وذلك ينافي القطع قطعا

ولا نغتر بقولهم الجرح المطلق لا يعتبر به ففيه ما سمعت
فإن قلت إذا كان الحال ما ذكرت من أنه لا يقبل الأقران بعضهم في بعض ولا التمذهب في غير أهل مذهبهم فقد ضاق نطاق معرفة الجرح والتعديل ولا بد منهما للناظر لنفسه وأهل المذاهب في هذه الأزمة كل حزب بما لديهم فرحون وكل فريق في غيرهم يقدحون
قلت إن شددت يديك على ما أسلفناه لك من الأدلة أنه ليس الشرط في قبول الرواية إلا صدق الراوي وضبطه هان عليك هذا الخطب الجليل وحصل لك في أصل الرواية أصل أصيل وذلك أن غالب الجرح والتضعيف بمثل القول بالقدر والرؤية وبالإرجاء وبغلو التشيع وغيرها مما يعود إلى العقائد والمذاهب كخلق القرآن ومسألة الأفعال
وليست عندنا هذه قوادح في الراوي من حيث الرواية وإن كان

بعضها قادحا من حيث الديانة فباب الرواية غير باب الديانة وإذا كان قد تحقق الإجماع عل قبول رواية من سفك دم أهل الإسلام كسفك دماء عبدة الأوثان وأقدم عليهم بالسيف والسنان وأخاف إخوانه من أعيان أهل الإيمان لظن صدقه في الرواية وتأويله في الجنان وإن كان تأويله ترده العقول ولا تقبله الفحول كتأويل معاوية أن قاتل عمار رضي الله عنه هو علي عليه السلام لأنه الذي جاء به إلى رماحهم وألقاه بين سيوفهم وكفاحهم وقد ألزمه عبد الله بن عمر بأن قال حمزة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فأفحمه

فالأولى قبول من يرى الإرجاء والقدر ونحوهما فإنه لم يعتقد ذلك ويدعو إليه إلا لاعتقاده أنه دين الله تعالى الذي قامت عليه الأدلة فلم يبق القدح عندنا إلا بالكذب أو سوء الحفظ أو الوضع وما لاقاه في معناه مع أن الكذب عنه رادع طبيعي في الجبلة ولذا قيل يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب وليس بحديث كما قد توهم
وقد كان يتنزه عنه أشر خلق الله كالتسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم قالوا ( لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) فإنه كما قال جار الله رحمه الله وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم
ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتصونون بها عن الكذب انتهى
وفي خبر أبي سفيان مع هرقل الذي ساقه البخاري أوائل

صحيحه أنه ترك الكذب لئلا يؤثر عنه هذا فكيف لا يتنزه عنه المسلمون بل أعيانهم وهم رواة كلامه صلى الله عليه و سلم فإن الراوي قد يلابس بعض ما ينكر عليه ولا يصدر عنه الكذب في روايته
وهذا الزهري كان يخالط خلفاء الأموية ويلبس زي الأجناد ويفعل ما عابه عليه نظراؤه من أهل العلم في عصره وعدوه قبيحا عليه ولما ذكر له بعض خلفائهم كلاما في قوله تعالى ( والذي تولى كبره منهم ) الآية وكذب الزهري لما ذكر له الحق قال ما معناه والله لو كان إباحة الكذب بين دفتي المصحف أو نادى مناد من السماء بإباحته لما فعلته انتهى
فتحرز عن الكذب وبالغ في التنزه عنه مع غشيانه لما عيب عليه
وأما حديث ثم يفشو الكذب فلا ينافي أن تكون طائفة من الأمة متحرزة عنه فقد ثبت أنها لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم وأي طائفة أعظم من

رواة حديثه صلى الله عليه و سلم ويؤيد ذلك حديث ( إنه يحمل هذا العلم عن كل خلف عدوله ) صححه ابن عبد البر وروي عن أحمد بن حنبل أنه

@ 145 @

حديث صحيح
واعلم أنه ليس مرادنا من هذا نفي وقوع الكذب من الرواة بل قد تحقق وقوعه بلا ريب بل مرادنا أنه لا يقبل القدح بالكذب والوضع إلا فيمن علم خلاعته وتساهله في الدين وارتكابه للعظائم فإنه لا يقدم على الكذب عليه صلى الله عليه و سلم إلا من كان لا ديانة له محققة

فلا يقال يعارض ما ذكرت من الورع عنه الداعي إليه وهو ما في النفوس من محبة الرئاسة بالتسمي بالمحدث والترفع والدعوى الباطلة بأنه حافظ للأحاديث راولها صاحب الروايات حافظ العصر ونحو ذلك من الألقاب القاطعة للأعناق الحاملة على تحلي الإنسان بغير ما هو أهله
لأنا نقول هذا لا يكون إلا لمن له إلمام بمخافة الله وتقواه السامع للوعيد فيمن تقول عليه صلى الله عليه و سلم ما لم يقله ولا يصدر هذا إلا عن خليع تفضحه خلاعته وتنفر عنه وعن الرواية عنه وعن قبوله
ولا يخفى على ناقد حقيقة حاله ومثل هذا لا يكون بحمد الله مقبولا عن أحد من طوائف الرواة ولا يقبل ترويجه بل هو أقرب شيء إلى الافتضاح فهو مأمون دخوله في الرواة الذين قبلهم أساطين الحفاظ المفتشين عن كل ذرة والمتتبعين كل لفظة
ولا يكون الكذب إلا لخليع لا يبالي بالهتك كما قال بعض الخلفاء وقد عوتب على الكذب لو غرغرت به لهواتك ما فارقته

كما قيل لكذاب هل صدقت قط فقال لولا أني صادق في قول لا لقلتها
وأمثال هؤلاء قد صان الله أحاديث رسول صلى الله عليه و سلم أن يكونوا من رواتها وقد جعل الله لكلامه صلى الله عليه و سلم رونقا وطلاوة وحلاوة يكاد يعرف الممارسين لأحاديثه كلامه صلى الله عليه و سلم من كلام غيره فإنه قد أوتي صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم وأتاه الله من البلاغة ما لم يؤت أحدا من العالمين ولمعاني كلامه ومقاصده ما يعرف به كلامه من كلام غيره في الأغلب
وقد أخرج أحمد وأبو يعلى عن أبي أسيد وأبي حميد مرفوعا إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد عنكم فأنا أبعدكم منه وإن كان قد

ضعف فمعناه حسن فإن قلت إذا كانت أئمة الجرح والتعديل قد قيل فيهم ما قيل فكيف يأمن الناظر لديه أن يقولوا فيمن خالف مذهبهم كاذب أو وضاع وليس كذلك فكيف الثقة بهم قلت قد عرفنا من تتبع أحوالهم الإنصاف فيما يقولونه ألا تراهم يقولون ثقة إلا أنه كان يتشيع كان حجة إلا أنه كان يرى القدر كان ثقة إلا أنه كان مرجئا كان مائلا عن الحق ولم يكذب في الحديث كان يرى القدر وهو مستقيم الحديث فهذا دليل أن القوم كانوا يذكرون في الشخص ما هو عليه

واتصف به من خير وشر ولا يتقولون عليه إذ لو كانوا يتقولون لرموا من خالفهم في المذاهب بالكذب ولما وثقوا شيعيا ولا قدريا ولا مرجئا
وهب أنهم يتفق لهم شيء من ذلك فلا تأخذ بأول قول يطرق سمعك من إمام جرح وتعديل بل تتبع ما قاله فيه غيره واستقراء القرائن فلا بد وأن يحصل لك ظن تعمل به أو تقف على العمل به
وصدق من درج من قبلنا وحسن حاله أو قبحه لا يعرف إلا بقرائن تؤخذ مما يسرده عنه الرواة والمؤرخون وأهل المعرفة بأحوال الناس وأيامهم وهذه قرائن دلت على إنصاف أئمة هذا الشأن وإن كانت لهم هفوات فإنه لم يثبت إلا عصمة الأنبياء من نوع الإنسان
فإن قلت ما أردت من جمع هذه الكلمات قلت فوائد جمة وأمور مهمة يعرف قدرها من هو في هذا الشأن من الأئمة فقد اشتملت على نفائس الأنظار وعلى عيون مسائل يظمأ إلى معينها حملة الآثار وبيت قصيدها وعمدة مقصودها بيان أنه لا يشترط في قبول الرواة إلا ظن صدق الراوي وضبطه ولا يرد إلا بكذبه وسوء

حفظه ونحوهما وأن هذا شرط متفق عليه بين كل طائفة
والخلاف في القدح وما عداه قد أقمنا الأدلة على أنه لا قدح به في الرواية والله سبحانه ولي كل توفيق وهداية
نسأله أن يرزقنا معرفة الحق واتباعه ويجعلنا أهله وأتباعه وصلى الله على من نرجو بجاهه الشفاعة في يوم الحشر والنشر وقيام الساعة وعلى آله وأزواجه أصحاب المؤمنين والحمد لله رب العالمين انتهى بحمد الله

 

 

 

كتاب : ثمرات النظر في علم الأثر
المؤلف : محمد بن إسماعيل الأميرالصنعاني

ثمرات النظر في علم الأثر

مقدمة المصنف

بسم الله الرحمن الرحيم
حمدا لك يا واهب كل كمال وشكرا لك يا مانح الجزيل من النوال ويا فاتح الأقفال عن أبواب كل إشكال
وصلاتك وسلامك على من ختمت ببعثه سلسلة الإرسال وعلى آله أئمة المعارف والعوارف خير آل
وبعد فإنه لما من الله بمذاكرة مع بعض الأعلام في شرح نخبة الفكر للحافظ الإمام العلامة الشهاب أحمد بن علي بن حجر أفاض الله عليه شآبيب الإنعام وأنزله بفضله بحبوحة دار السلام

وانتهت إلى بحث الجرح والتعديل عرضت عند المذاكرة فروع ناشئة عن ذلك التأصيل فرغب ذلك القلم إلى تحريرها في الأوراق تحريرا للفظها وحفظا لمعناها وإبانة للحق النافع يوم يعنو كل نفس ما عناها فأخذت في رقم ما وقع ثم اتصل به ما هو أرفع قدرا وأنفع والله أسأله أن يخلص لوجهه الأعمال ويعيذنا من موبقات الأفعال والأقوال وسميته ثمرات النظر في علم الأثر

رواية صاحب البدعة المكفرة والمفسقة

فأقول قسم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى البدعة في النخبة إلى قسمين إلى ما يكون بمكفر أو بمفسق واختار

في شرحها أن الأول لا يكون قادحا في الراوي إلا إذا كان ردا لأمر معلوم من الدين ضرورة أو عكسه أي إثباتا لأمر معلوم بالضرورة أنه ليس منه
وإنما فسرنا العكس بهذا لأن ذكر الاعتقاد لا دخل له في كون الفعل بدعة فلا بد من حمله على إثبات أمر ليقابل إنكار أمر فيكون إلماما بالأمرين اللذين هما مرجع البدعة ومنشؤها وهما

النقص في الدين والزيادة فيه كما صرح بذلك صاحب الإيثار فالأول إشارة إلى الثاني والثاني إشارة إلى الأول
أو هما إلا إذا كان ردا لأمر معلوم
ولقد وهم من فسر العكس بإنكار أمر واعتقاد خلافه وزحلق العبارة عما تفيده إذ لا بد من حمل الاعتقاد على إثبات أمر مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب وكان حق العبارة أن يقول أو إثبات غيره أي إثباتا لأمر في الدين معلوم بالضرورة أنه ليس منه قلت إلا أنه لا يخفى أنه من كان بهذه الصفة فهو كافر لرده ما علم من الدين ضرورة وإثباته ما ليس منه ضرورة وكلا الأمرين كفر وإنه تكذيب للشارع وتكذيبه في أي أمر علم من الدين ضرورة إثباته أو نفيه كفر فهذا ليس من محل النزاع إذ النزاع في مجرد الابتداع لا في الكافر الكفر الصريح فلا نزاع

فيه
وإذا كان من هو بهذه الصفة فقد جاوز رتبة الابتداع إلى أشر منه وأنه لا يرد من أهل ذلك القسم إلا هذا عرفت أنه لا يرد أحد من أهل هذا القسم وأن كل مبتدع مقبول
وأما ما يكون ابتداعه بمفسق فقد اختاره لنفسه ونقله عن الجماهير أنه يقبل ما لم يكن داعية وحينئذ فرده لأجل كونه داعية إلى بدعته لا لأجل بدعته فتحصل من هذا أن كل مبتدع مقبول سواء كان بمكفر أو بمفسق واستثناؤه لمن رد ما علم فاثبت من الدين ضرورة أو زاد فيه ما ليس بضرورة ليس لأجل بدعته بل لرده وإثباته ما ليس من الدين ضرورة وكذا رد الداعية لأجل دعوته لا لأجل بدعته والكل ليس من محل النزاع

ثم لا يخفى أن الحافظ وأهل مذهبه لا يرون التكفير بالتأويل

فكأنه قسم البدعة على رأي غيره إذ لا يرى كفر أحد من أهل القبلة والآتي بما يكفره به من يرى كفر التأويل مبتدع واضح البدعة كما قال ابن الحاجب ومن لم يكفر فهو عنده واضح البدعة انتهى

مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه

وهذه هي مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه وقد نقل صاحب العواصم إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل من عشر طرق في كتبه الأربعة ونقل أدلة غير الإجماع واسعة إذا عرفت هذا فحق عبارة النخبة أن يقال ونقبل المبتدع مطلقا إلا الداعية
وقال الذهبي في الميزان في ترجمة أبان بن تغلب ما لفظه

البدعة على ضربين فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كان التشيع بلا غلو ولا تحرق فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو ذهب حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة
ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك فهذه النوع لا يحتج بهم ولا كرامة انتهى
قلت هذا المثيل لأحد أنواع الابتداع وإلا فمن الابتداع النصب بل هو شر من التشيع لأنه التدين ببغض علي رضي الله عنه كما في القاموس فالأمران بدعة إذ الواجب والسنة محبة كل مؤمن بلا غلو في المحبة
أما وجوب محبة أهل الإيمان فأدلته طافحة كما في صحيح مسلم مرفوعا ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ) الحديث
بل حصر صلى الله عليه و سلم الإيمان في الحب

في الله كما في حديث ( وهل الإيمان إلا الحب في الله )

الغلو في الدين

وأما تحريم الغلو في كل أمر من أمور الدين فثابت كتابا وسنة ( لا تغلوا في دينكم ) ( إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) أخرجه أحمد والنسائي وابن

ماجه والحاكم
إلا أنه لا يتحقق الغلو إلا بإطلاق ما لا يحل إطلاقه في المحبوب المغلو في حبه أو فعل ما لا يحل فعله أو ذكر الغير بما لا يحل لأجله
وأما زيادة صحبة الشخص لبعض أهل الإيمان مع محبته لهم جميعا فهذا لا إثم فيه ولا قدح به وإن سمي غلوا وقد كان بعض المؤمنين عند رسول الله صلى الله عليه و سلم أحب إليه من بعض واشتهر أن أسامة ابن زيد رضي الله عنه حب رسول الله وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه
إذا عرفت هذا فالشيعي المطلق قد أتى بالواجب من محبة هذا البعض من المؤمنين فإن كان غاليا فقد ابتدع بالغلو وأثم إن أفضى

به إلى ما لا يحل
وأما مجرد زيادة المحبة والميل فهو إذا صح أنه غلو فلا إثم فيه

أقسام التشيع

وقد اتضح لك أن الحافظ الذهبي قسم التشيع ثلاثة أقسام
الأول تشيع بلا غلو وهذا لا كلام فيه كما أفاده قوله أو كان التشيع بلا غلو ولا تحرق
ولا يخفى أنه صفة لازمة لكل مؤمن وإلا فما تم إيمانه إذ منه موالاة المؤمنين سيما رأسهم وسابقهم إليه فكيف يقول فول ذهب حديث هؤلاء يريد الذين والوا عليا رضي الله عنه بلا غلو وما الذي يذهبه بعد وصفه لهم بالدين والصدق والورع ليت شعري أيذهبه فعلهم لما وجب من موالاة أمير المؤمنين الذي لو أخلوا به لأخلوا بواجب وكان قادحا فيهم ولله

در كثير من التابعين وتابعيهم فقد أتوا بالواجب ودخلوا تحت قوله تعالى ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) وتحت قوله تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان )
ومن ها هنا تعلم أن القول بأن مطلق التشيع بدعة ليس بصحيح والقدح به باطل ولا قدح به حتى يضاف إليه الرفض الكامل وسب الشيخين رضي الله عنهما وحينئذ فالقدح فيه بسب الصحابي لا بمجرد التشيع
والقسم الثاني من غلا في التشيع وأسلفنا لك أنه أتى بواجب وابتدع فيه إن سلم أن مجرد الغلو بدعة إلا أنها بدعة لم

تفض بصاحبها إلى كفر ولا فسق فهو غير مردود اتفاقا إذ قد قيل عند الجماهير من أفضت به بدعته إلى أحدهما كما سلف آنفا
الثالث من أقسام التشيع من غلا وحط على الشيخين فهذا قد أفضى به غلوه إلى محرم قطعا وهو سباب المسلم وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أن سباب المؤمن فسوق فهذا فاعل المحرم قطعا خارج عن حد العدالة فاسق تصريحا فاعل لكبيرة كما يأتي وتارك أيضا لواجب وحينئذ فرده والقدح فيه ليس لأجل مطلق تشيعه وهو موالاته لعلي رضي الله عنه بل لسبه المسلم وفعله المحرم فعرفت أن التشيع المطلق ليس بصفة قدح وجرح من

حيث هو بل هو صفة تزكية لأنه لا بد للمؤمن من موالاة أهل الإيمان فإذا عرف بها صارت تزكية فإذا وقع في عباراتهم القدح بقولهم فلان شيعي فهو من القدح المبهم لا يقبل حتى يتبين أنه من النوع القادح وهو غلو الرفض

تعريف النصب

وأما النصب فعرفت من رسمه عن القاموس أنه التدين ببغض علي رضي الله عنه فالمتصف به مبتدع شر ابتداع أيضا فاعل لمحرم تارك لواجب فإن محبة علي رضي الله عنه مأمور بها عموما وخصوصا
أما الأول فلأنه داخل في أدلته إيجاب محبة أهل الإيمان
وأما الخاصة فأحاديث لا يأتي عليها العد آمرة بحبه ومخبرة بأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق وقد أودعنا الروضة الندية شرح

التحفة العلوية من ذلك شطرا من الأحاديث بحمد الله معزوة إلى محله مصححة ومحسنة فالناصبي أتى بمحرم قطعا ولم يأت بالواجب الآخر من موالاة سائر أهل الإيمان كالصحابة إذ ليس من لازمه محبة بقية الصحابة وهب أنه من لازمه فلا يخرجه عن الإخلال بواجب محبة علي رضي الله عنه وفعله لمحرم من بغضه
فالشيعي المطلق في رتبة علية أتى بالواجب وترك المحرم والناصبي في أدنى رتبة وأخفضها فاعل للمحرم وتارك للواجب فإن انتهى نصبه إلى إطلاق لسانه بسب الوصي رضي الله عنه فقد انتهت به بدعته إلى الفسق الصريح كما انتهت بالشيعي الساب بدعة غلوه إلى ذلك وخير التشيع تشيع من قال
(
أنا شيعي لآل المصطفى ... غير أني لا أرى سب السلف )
(
أقصد الإجماع في الدين ومن ... قصد الإجماع لم يخش التلف )
(
لي بنفسي شغل عن كل من ... للهوى قرض قوما أو قذف )
والشيعي إن انضاف إلى حبه لعلي رضي الله عنه بغض أحد من السلف فقد ساوى مطلق الناصبي في بغضه لبعض أهل

الإيمان فإن قلت هل يقدح في دينه ببغضه لبعض المؤمنين قلت البغض أمر قلبي لا يطلع عليه فإن اطلع عليه كما هو المفروض هنا كان قدحا إذ الكلام في الناصبي ولا يعرف أنه ناصبي إلا بالاطلاع على بغضه لرأس أهل الإيمان
فمن عرف بمثل هذه المعاصي ردت روايته لأنه ليس بعدل على تعريف ابن حجر للعدالة إذ قد حد في رسمها اللغوي عدم الابتداع ولا يتم إلا بخلو القلب عن بغض أهل الإيمان كيف وقد ثبت أن بغضه رضي الله عنه علامة النفاق

وبهذا عرفت أن الناصبي المطلق خارج عن العدالة فإن انضاف إلى نصبه إطلاق لسانه فيمن يبغضه فقد ازداد عنها بعدا والشيعي المطلق محقق العدالة وإن أبغض وسب فارق العدالة وحينئذ يتبين لك أنه كل التمثيل ببدعة النصب للابتداع الخارم للعدالة أولى إذ هو على كل حال بدعة قادحة بخلاف التشيع فالمطلق منه ليس ببدعة بل فعله واجب
وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح
التشيع محبة علي عليه السلام وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهو غال في التشيع ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي فإن انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغال في الرفض انتهى كلامه
فقسم التشيع أيضا ثلاثة أقسام رفض وغلو في الرفض وتشيع
فالأول انضاف إلى محبته لعلي رضي الله عنه تقديمه على الشيخين والثاني انضاف إليها بغض الشيخين والسب لهما

والثالث المحب فقط وهذا التقسيم وقع في ذكره لبدعة التشيع
وأقول أما محبته مطلقا وهو القسم الثالث فإنه شرط في إيمان كل مؤمن وليس من البدعة في دبير ولا قبيل
وهل الإيمان إلا الحب في الله وحينئذ عرفت أن كل مؤمن شيعي
وأما الساب فسب المؤمن فسوق صحابيا كان أو غيره إلا أن سباب الصحابة أعظم جرما لسوء أدبه مع مصحوبه صلى الله عليه و سلم ولسابقتهم في الإسلام
وقد عدوا سب الصحابة من الكبائر كما يأتي عن الفريقين الزيدية ومن يخالف مذهبهم
وقد عرفت أنه دل كلام الذهبي وكلام الحافظ ابن حجر على أن التشيع بكل أقسامه بدعة ولا يخفى أن مطلق التشيع

الذي هو موالاة علي واجب وفاعل الواجب لا يكون مبتدعا
فإن قلت هذا كله مبني على أن قول الحافظ وتقديمه على الصحابة ليس من جملة رسم التشيع وأي مانع عن جعله قيدا فيقيد أن التشيع محبة علي رضي الله عنه مع تقديمه على الصحابة فلا يتم أن مجرد محبته تشيع قلت يمنع عنه أنه إن حمل لفظ الصحابة في كلامه في الرسم على من عدا الشيخين لزم أن من قدمه على أي صحابي ولو من الطلقاء أو ممن ثبت له مجرد اللقاء يكون شيعيا لأن لفظ الصحابة للجنس فهو في قوة من قدمه على أي صحابي وهذا لا يقوله أحد فإنه من السابقين الأولين من العشرة المشهود لهم بالجنة وهم مقدمون على غيرهم بالنصوص
ولأنه بالاتفاق ليس يسمى الشيعي من قدم عليا على أي فرد من أفراد الصحابة أو حمل على الشيخين فقط فيكون التشيع محبة علي رضي الله عنه وتقديمه على الشيخين فهذا بعينه هو الذي أفاده

بقوله فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال فحينئذ تداخل الأقسام ولا يشمل كلامه وضابطه رسم التشيع المطلق أو حمل على المشايخ الثلاثة فهذا الإشكال باق إذ من قدمه على الثلاثة فقد قدمه على الشيخين مع الخلل الذي عرفته أيضا
وإنما بلغت عبارته إلى هذا الخلل على التقادير الأربعة بسبب جعل قوله تقديمه على الصحابة قيدا تعين حملها على ما تصح به وتفيد وأن قوله وتقديمه استئنافية والواو للاستئناف قدمها إرهاصا لقوله فمن قدمه على أبي بكر وعمر وأن المراد من الصحابة الشيخان ذكرهما ألا إجمالا ثم ثانيا تفصيلا وأن قوله

محبة علي فقط هو رسم مطلق التشيع وأيد هذا قوله وإلا فشيعي فإن مراده وألا يقدمه على الشيخين لدي بل يحبه فقط وهذا هو المطلق
وأيده أيضا بما عرفناه من تصرفاتهم في كتب الرجال وتسمع من كلامنا الآتي كثيرا من عباراتهم في ذلك وأيده قول الحافظ الذهبي في ضابطه أو كان التشيع بلا غلو
فهذان الحافظان يوافقان أن التشيع أقسام ثلاثة تشيع مطلق هو محبته رضي الله عنه فقط
ومحبته مع تقديمه على الشيخين ومحبته مع التقديم والسب الأول شيعي والثاني غال في التشيع ويطلق عليه رافضي الثالث غال في الرفض
هذا مفاد كلام الحافظين وهما إماما الفن

وعلى كلامهما وقع البحث في هذه الرسالة

حقيقة البدعة

ثم اعلم أن البدعة وحقيقتها الفعلية المخالفة للسنة ولها تعاريف حاصلها ما لم يكن على عهده صلى الله عليه و سلم
وتنقسم إلى ثلاثة أنواع لا يقتضي كفرا ولا فسقا وهي التي قال فيها عمر رضي الله عنه في جماعة التراويح نعمت

البدعة قال المناوي في كتابه في التعاريف قد يكون من

البدعة ما ليس بمكروه فتسمى بدعة مباحة وهو ما يشهد لحسنه أصل الشرع واقتضته مصلحة تندفع بها مفسدة
والنوعان الآخران ما يؤول إلى أحد الأمرين كما عرفت
فالأولى لا قدح بها اتفاقا ولا تخل بالعدالة وإن دخلت في مسمى البدعة وشملها اشتراط فقدها في حصول العدالة وذلك لأنه لا يخلو عنها طائفة بل يكاد أنه لا يخلو عنها فرد إلا في عصمة الله وإن كانت عباراتهم في رسم العدالة عامة والأحاديث الآتية دالة على أنه لا فرق بين أنواعها إلا أنهم كما عرفت قسموها هذا التقسيم وقسموها أيضا إلى مستحسنة وغير مستحسنة وما أظن هذا التقسيم إلا من جملة الابتداع وها هنا أبحاث تتعلق بكلامهم

اشتراط العدالة في رسم الصحيح والحسن

الأول أنهم أخذوا في رسم الصحيح والحسن عدالة الراوي كما سبق للحافظ في النخبة ومثله في كتب صاحب العواصم وفي جميع كتب أصول الحديث وفسر الحافظ العدالة بأنها ملكة

تحمل على ملازمة التقوى والمروءة
وفسر التقوى بأنها اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة فأفاد أن العدالة شرط للراوي
وقد عرفت أن ترك البدعة من ماهية العدالة فالعدل لا يكون عدلا إلا باجتناب البدعة بأنواعها
ولا يخفى أن هذا يناقض ما قرره الحافظ من القول بقبول المبتدع مناقضة ظاهرة على أن في رسم الحافظ للتقوى قصورا فإنها اجتناب المحرمات والإتيان بالواجبات وقد اقتصر على الفصل الأول من فصلي رسمها
ومنهم من فسرها بالاحتراز عما يذم شرعا وهو صحيح شامل للأمرين
إن قلت أخذهم الفسق في رسم العدالة فيه أيضا إخلال فبأنهم قبلوا فاسق التأويل وقد أخذوا العدالة له شرطا في الراوي وأخذوا عدم الفسق في رسمها فالفاسق غير عدل قلت يتعين حمل الفسق في الرسم على الفسق الصريح لأنه المتبادر عند

الإطلاق وليندفع التناقض

ذم المبتدعة

المبحث الثاني لا يخفى ما ورد في السنة من الأحاديث الواسعة في ذم المبتدعة والوعيد الشديد لهم أخرج مسلم وابن ماجه وغيرهما من حديث جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيه أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
وأخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته قال الحافظ المنذري إسناده حسن ورواه ابن ماجه أيضا وابن أبي حاتم في كتاب السنة عن ابن عباس رضي الله عنه لفظه أبى الله تعالى أن

يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته ورواه ابن ماجه أيضا من حديث حذيفة مرفوعا ولفظه لا يقبل الله تعالى لصاحب بدعة صوما ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا ويخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين

وفي الزواجر لابن حجر الأخير أنه صح لعن من أحدث حدثا
وأخرج الطبراني ما من أمة ابتدعت بعد نبيها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة وقد صح حديث ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة

@ 51 @

وقد عد منهم تارك السنة
قال في الزواجر وقد عد شيخ الإسلام الصلاح العلائي في قواعده والجلال البلقيني وغيرهما البدعة من الكبائر ولفظ الجلال البلقيني في تعداد الكبائر السادسة عشرة البدعة وهي المراد بترك السنة
إذا عرفت هذا فلا يخلو إما أن يقول قائل المبتدع عدل وإن ابتداعه لا يخل بعدالته فهذا رجوع عن رسم العدالة بما ذكره فهذه الأحاديث وأقوال العلماء منادية على أن الابتداع من الكبائر وقد رسموا الكبيرة بما توعد عليه بخصوصه وهو صادق على البدعة
ومن هنا ينقدح لك أن من حذف البدعة من رسم

العدالة فلدخولها في لفظ الكبائر المذكورة في الرسم
أو يقول إنها تخل بالعدالة فهذا يعود على شرطية العدالة في الراوي بالنقض

تفسير العدالة

المبحث الثالث تفسير العدالة بما ذكره الحافظ تطابقت عليه كتب الأصول وإن حذف البعض قيد الابتداع إلا أنهم الكل اتفقوا أنها ملكة إلى آخره وهذا ليس معناها لغة ففي القاموس العدل ضد الجور وهو إن كان كلامه في هذه الألفاظ قليل الإفادة لأنه يقول والجور نقيض العدل فيدور
وفي النهاية العدل الذي لا يميل به الهوى
وهو وإن كان تفسيرا للعادل فقد أفاد المراد في غيرها العدل الاستقامة
وللمفسرين في قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )

أقوال في تفسيره قال الرازي بعد سرده للأقوال إنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهو قريب من تفسيره بالاستقامة
وقد فسر الاستقامة الصحابة وهم أهل اللغة بعدم الرجوع إلى عبادة الأوثان وأنكر أبو بكر رضي الله عنه على من فسرها بعدم الإتيان بذنب وقال حملتم الأمر على أشده وفسرها الوصي كرم الله وجهه بالإتيان بالفرائض

نقد العدالة بالملكة المذكورة

والحاصل أن تفسير العدالة بالملكة المذكورة ليس معناها لغة ولا أتى عن الشارع حرف واحد بما يفيدها والله تعالى قال في الشهود ( وأشهدوا ذوي عدل ) ( ممن ترضون من الشهداء ) وهو كالتفسير للعدل والمرضي من تسكن النفس إلى خبره ويرضى به القلب ولا يضطرب من من خبره ويرتاب ومنه ( تجارة عن تراض )
وفي كلام الوصي رضي الله عنه حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عمر وقال صلى الله عليه و سلم ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه )

فالعدل من اطمأن القلب إلى خبره وسكنت النفس إلى ما رواه

وأما القول بأنه من لو هذه الملكة التي هي كيفية راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة يمتنع بها عن اقتراف كل فرد من أفراد الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة تمرة والرذائل الجائزة كالبول في الطرقات وأكل غير السوقي فيه فهذا تشديد في العدالة

لا يتم إلا في حق المعصومين وأفراد من خلص المؤمنين بل قد جاء في الأحاديث أن كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون ) وأنه ما من نبي إلا عصى أو هم بمعصية فما ظنك عمن سواهم وحصول هذه الملكة في كل راو من رواة الحديث عزيز الحصول لا يكاد يقع
ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك وأنه ليس العدل إلا من قارب وسدد وغلب خيره شره وفي الحديث ( المؤمن واه ) أي واه لدينه

بالذنوب راقع له بالتوبة فالسعيد من مات على رقعه أخرجه البزار وإن كان فيه ضعف فهو منجبر بحديث ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) وهو حديث

صحيح فالمؤمن المرضي العدل لا بد مقارفته لشيء من الذنوب لكن غالب حاله السلامة ويأتي عن الشافعي رضي الله عنه قول حسن في العدالة
وهذا بحث لغوي لا يقلد فيه أهل الأصول وإن تطابقوا عليه فهو مما يقوله الأول ثم يتابعه عليه الآخر من غير نظر
إذا عرفت ما أسلفناه وقد عرفت نقل الإجماع عن الصحابة رضي الله عنهم في قبول خبر المبتدع كما قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة رضي الله عنه إن من تصفح آثارهم واقتص أخبارهم عرف أنهم لما صاروا أحزابا وتفرقوا فرقا وانتهى الأمر بينهم إلى القتل والقتال كان بعضهم يروي عن بعض من غير مناكرة بينهم في ذلك بل اعتماد أحدهم على رواية من يخالفه

كاعتماده على رواية من يوافقهم
ومثله قال الشيخ أحمد الرصاص في كتاب الجوهرة إن الفتنة لما وقعت بينهم كان بعضهم يحدث عن بعض من غير مناكرة ويسند الرجل إلى من يخالفه كما يسند إلى من يوافقه
علمت أن ذلك يستلزم الإجماع على أن مدار قبول الرواية ظن صدق الراوي لا عدالته المفسرة بحد الحافظ وغيره
قال ابن الصلاح كتب الأئمة طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة
قلت ما ذاك إلا لكون الابتداع غير مخل بالعدالة قطعا بل هو مخل بها لكنه دار القبول على ظن الصدق وذلك لأدلة
الأول أن خبر المبتدع يفيد الظن والعمل بالظن حسن

عقلا
الثاني أن في مخالفتهم مضرة مطنونة ودفع الضرر المظنون عن النفس واجب
الثالث إما أن يحصل بخبرهم الرجحان أو لا إن حصل فإما أن يعمل به أو بالمرجوح أو يساوي بينهما وقد علمت أن ترجيح المرجوح على الراجح أو المساواة بينهما في الترجيح قبيح عقلا فوجب العمل بالراجح إذا عرفت أنه يفيد الظن وأنه يجب العمل بالظن عقلا

الأدلة على وجوب العمل به شرعا كثيرة
الآية الأولى قوله تعالى ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) وهو عام في كل ما جاء عن الله تعالى سواء كان من كلامه أو كلام رسوله صلى الله عليه و سلم وسواء كان معلوما أو مظنونا فكل خبر عن الله تعالى أو عن رسوله حصل الظن به فقد صدق عليه أنه جاءنا عن الله تعالى
الثانية قوله تعالى ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) فهذا عام فيما أتانا عن الله تعالى والآية وإن كانت خطابا لأهل الكتاب فهي في حقنا كذلك وتقرير الحجة بها كما سلف
الثالثة قوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) الآية
وتقريرها كما سلف والخبر المظنون عن الرسول قد أتانا عنه فيجب العمل به والأدلة من هذا النوع واسعة جدا أو ناهضة على المدعي وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما

استطعتم ) فيجب في تعرف ما أتانا الله تعالى وأمرنا بأخذه بذل الوسع في ذلك بحسب الطاقة كما قال تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وهنا رتب ثلاث
الأولى أن يعلم اللفظ الوارد عن الشارع والمعنى وهذا يكون كثيرا في القرآن والسنة المتواترة
الثانية أن يعلم اللفظ ويظن المعنى وذلك أيضا يكون في القرآن كثيرا والمتواتر من السنة
الثالثة أن يظن اللفظ والمعنى أو يعلم المعنى ويظن اللفظ وكلاهما في السنة

فإن قلت يلزم على هذا قبول خبر الكافر والفاسق الصريح أيضا إذا حصل الظن لوجود العلة
قلت منع منه الإجماع فخصص العلة

قبول فاسق التأويل

واعلم أنه قد استدل في العواصم على قبول خبر فاسق التأويل بحديث أنه قبل الأعرابي الذي شهد برؤية هلال رمضان فقال له ( أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا ) أو بنحوه من الأدلة إلا أن في استدلاله بذلك بحثا لأنه

@ 66 @

بناه على أن عدالة أهل ذلك العصر كانت غير منوطة بإسلامهم وهو قائل بخلافه لذهابه إلى أن أهل ذلك العصر كانت العدالة منهم منوطة بالإسلام والقيام بأركانه واجتناب معاصي الخوارج كما نقله عن أبي طالب واختاره فهذا لا يتم به الاستدلال على قبول قول المبتدعين إذ قد بني على عدالة أهل ذلك العصر

النبوي إلا من ظهر منه ما يخرج به
الكلام الآن معه على من تحقق جرح عدالته وأنه إنما قبل لحصول الظن بخبره
وكذلك استدلاله بخبر الأمة السوداء التي سألها صلى الله عليه و سلم ( هل هي مؤمنة فأشارت أن الله ربها فقال صلى الله عليه و سلم هي مؤمنة )

وكذلك ذكره الحديث ( إن ابني هذا سيد ويصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين )
قال في الأول هذا دليل على قبول كل من آمن بالله ورسوله من أهل الإسلام ما لم يثبت فيه فعل ما يجرح به وقال في الثاني فسماهم مسلمين والمسلم مقبول ما لم يظهر جرحه فإنه يقال هذا يقتضي أنك تريد أن من أسلم وآمن من أهل ذلك العصر

فإنه عدل وهو الظاهر من كلامه وهذا غير محل النزاع إذ الكلام مع من يرد فساق التأويل والمبتدعة
لا يقال لعل صاحب العواصم يختار في رسم العدالة غير ما يختاره الجمهور وأنه من ثبت إسلامه ثبتت عدالته من أهل ذلك العصر وغيره لأنا نقول هذا مسلم في أنه اختاره لكن في حق الصحابة وأهل العصر النبوي إذ الظاهر فيهم العدالة كما سبق نقل اختياره له وبه قال المحدثون وأهل الأثر وأما في حق غيرهم فغير مسلم
وجعله ظن الصدق علة في قبول الرواية دليل على أنه لا يرى ذلك وإلا لما افتقر إلى إقامة الأدلة على ذلك ولكان أحوج على إقامة الدليل على هذا الأصل الكبير ولأنه صرح أن ظاهر العلماء العدالة ما لم يظهر ما يجرحهم وينفي العلم بالظاهر وجعل هذا القول المختار القوي حيث قال المختار القوي ما ذهب إليه

أبو عمر بن عبد البر وأبو عبد الله بن المواق وهو أن كل حامل علم معروف بالعدالة فإنه مقبول في علمه محمول أبدا على السلامة حتى يظهر ما يجرحه وذكر أدلة هذا القول وهذا ظاهر في أنه يرى رأي الجمهور في أن الأصل الفسق ولذا عين هذه الطائفة بالعدالة وسرد أدلة ذلك هنالك إلا أنه يختار في الصحابة وأهل العصر النبوي أن الظاهر فيهم العدالة ما نقله هو عن الشافعي رضي الله عنه فإنه قال متى سلم أن العدالة هي ترك جميع الذنوب والمعاصي عز وجودها في جميع المواضع التي يشترط فيها كعقد النكاح والطلاق على السنة وعقد البيوع والعقود والحدود وقد دل الشرع على ما تبين أن العدالة مرتبة دون هذه المرتبة
وقد حسن ابن كثير حديث أبي هريرة مرفوعا ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار ) ومن ذلك ما ورد في الحديث

وأجمعت الأمة عليه من أنه لا يقبل من بينه وبين أخيه إحنة مع أنه مقبول على من ليس بينه وبين أخيه إحنة فلم يخرج المسلم الثقة بالإحنة التي بينه وبين أخيه ما لم يسرف في العداوة إلى حد لا يتجاوز إليه أهل الدين

كلام مستحسن للشافعي في العدالة

قال وقد قال الشافعي في العدالة قولا استحسنه كثير من العقلاء من بعده قال لو كان العدل من لم يذنب لم نجد عدلا ولو كان كل ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحا ولكن من ترك

الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل انتهى
قلت وهذا قوله حسن ويؤيده أن أهل اللغة فسروا العدل بنقيض الجور وليس الجور عبارة عن ملكة راسخة توجب إتيان كل معصية ولا الجائر لغة كل من يأتي معصية بل من غلب جوره على عدله وفي الحديث ( بعثت في زمن الملك العادل ) يعني كسرى وإن كان الحديث ضعيفا
ومعلوم أنه يأتي من الجور

جانبا لو لم يكن إلا كفره بالله ورسله هذا
وأما القول بأن الأصل الفسق كما قال العضد في شرح مختصر المنتهى وتابعه عليه الآخذون من كتابه وغيرهم واستدل بأن العدالة طارئة ولأنه أكثر ففيه تأمل لأن الفسق أيضا طارىء فإن الأصل أن كل مكلف يبلغ من سن تكليفه على الفطرة فهو عدل فإن بقي عليها من غير مخالفته لم يفسق ويأتي بما يجب فهو على عدالته مقبول الرواية وإن لابس المفسقات فله حكم ما لابسه
ثم رأيت السعد في شرح الشرح قد أشار إلى هذا وتعقبه صاحب الجواهر بما ليس بجيد
وأما الاستدلال بأن الأصل هو الغالب والفسق في المسلمين أغلب فقد قيد هذا بعض المحققين بأن الأغلبية إنما هي في زمن تبع تبع التابعين لا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم لحديث ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب ) قلت وقوله صلى الله عليه و سلم ( ثم يفشو

الكذب ) يشعر بأن الخيرية بالنظر إلى صدق الأقوال
وأما استدلال من استدل على أغلبية الفسق بقوله تعالى ( وقليل ما هم ) ( وقليل من عبادي الشكور )

( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) فغير جيد إذ المراد أن المؤمنين قليل بالنسبة إلى الكفار كما يدل عليه سياق الآيات إلا أن أهل العدالة قليل بالنسبة إلى المسلمين الذين ليسوا بعدول
ثم قال فيحمل الفرد المجهول على الأعم الأغلب فهذا بعد تسليم أن الأغلب الفسق ليس لنا أن نحمل المسلم المجهول العدالة على الأعم الأغلب وهو فسقه لأنه إضرار به وتفسيق لا بنص ولا قياس ولا شيء من الأدلة مع أنه قد تقرر أنه لا تفسيق إلا بقاطع
ثم نعود إلى الاستدلال على أن المعتد في قبول الأخبار حصول ظن الصدق وأن مجهول العدالة مقبول خبره لما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه كان يستحلف الراوي ومعلوم أنه لا يحلف معروف العدالة إذ العدالة مانعة من الكذب ومحصلة للظن بصدق خبره
ولا يحلف المعروف بالفجور وعدم العدالة إذ يمينه لا ترفع الريبة عن خبره فالمحلف من يجهل حاله فيجوز أن تكون يمينه

رافعة للريبة محصلة للظن ولذا قال وحدثني أبو بكر وصدق فإنه لما عرف عدالته لم يستحلفه كما هو ظاهر كلامه ولفظه كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثا ينفعني الله به ما شاء أن ينفعني وإن حدثني غيره استحلفته وحدثني أبو بكر وصدق ذكره الحافظ الذهبي في تذكرته وقال هو حديث حسن وساق طريقه
ففيه دليل أن مناط القبول ظن الصدق وطلب الظن الأقوى مهما أمكن من وظيفة من يتقي الله حق تقاته وقد أمكن ها هنا تحصيله بيمين الراوي

ويدل لذلك أنه صلى الله عليه و سلم كان يقبل خبر من يخبره ومعلوم أنه لظنه بالصدق حتى يبين الله له بالوحي عدم صدق المخبر مثل خبر زيد ابن أرقم حين أخبره بمقالة عبد الله بن أبي ثم لما جاء ابن أبي وعاتبه صلى الله عليه و سلم على ما قاله وبلغه وأقسم بالله ما قال شيئا وإن زيدا كاذب فعذره وصدقه صلى الله عليه و سلم وقال لزيد عمه ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه و سلم
وفشت الملامة لزيد في الأنصار وكذبوه حتى أنزل الله تعالى سورة المنافقين بتصديق زيد رضي الله عنه وتكذيب ابن أبي فقد قبل صلى الله عليه و سلم خبر زيد أولا ورتب عليه عتاب ابن أبي ثم قبل حديث ابن أبي ورتب عليه الناس تكذيب زيد
فإن قلت ابن أبي منافق والمنافق كافر فيلزم قبول خبر الكافر قلت قد ثبت بالإجماع بأن المنافقين لهم في الدنيا أحكام

المؤمنين ومنها قبول أخبار من يظن صدقه منهم وهذا الحديث من أدلته في الباب وغيره من الأدلة فإنه صلى الله عليه و سلم قبل خبره مع علمه بنفاقه حتى أكذبه الله
وكذلك قصة بني أبيرق وقوله صلى الله عليه و سلم ( هم أهل بيت يذكر عنهم إسلام وصلاح ) لما أخبره مخبر أنهم كذلك ثم أخبره تعالى

بحقيقة حالهم وأنزل فيهم الآيات في سورة النساء
فقد كان صلى الله عليه و سلم يقبل خبر من يخبره عن هؤلاء ويرتب عليه أحكاما ومعلوم أنه لا يعمل إلا بظن أو بعلم لا سبيل إلى الثاني هنا فهو يعمل استنادا في حصول الظن بخبرهم أو إحسان الظن بهم فإنهم لا يكذبون فإنه قد كان يتنزه عن الكذب الكفار لقبحه عندهم
بل أبلغ من هذا أنه صلى الله عليه و سلم أمر بغزو بني المصطلق لما أخبره الوليد بن عقبة أنهم تجمعوا لرد رسوله حتى أنزل الله تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية
إن قلت لعله صلى الله عليه و سلم ماكان يعمل بأخبار أهل ذلك العصر إلا لعدالتهم لا بمجرد حصول الظن بأخبارهم قلت الإنصاف أن أهل

ذلك العصر كغيرهم فيهم العصاة وأهل التقوى ففيهم من ارتكب فاحشة الزنى وفيهم من شرب المسكر وحد عليه ومنهم من قذف المحصنات وفيهم من قتل النفس التي حرم الله وفيهم من غل من المغنم وفيهم من سرق وقطعت يده هذا في حياته صلى الله عليه و سلم
وفيهم المنافقون لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم كما قال تعالى ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ) وفيهم المرجفون ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ) وإذ كان لا يعلمهم صلى الله عليه و سلم ولا يعرف نفاقهم فيكف يميز العدل عن غيره وأما المنافقون المعروفون بالنفاق كابن أبي فسلف آنفا قبول أخبارهم ومعاملتهم معاملة من يظن صدقه صلى الله عليه و سلم من المؤمنين ما

لم يكذبهم الله نعم من صحب المصطفى صلى الله عليه و سلم واتبعه حق الإتباع أمم من أهل ذلك العصر متقون رضي الله عنه ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا إلا أنه لا يقتضي الحكم على أهل كل عصر بالعدالة
إن قلت قوله صلى الله عليه و سلم ( خير القرون قرني ) الحديث
تزكية منه صلى الله عليه و سلم لأهل عصره ومن بعدهم ممن ذكرهم
قلت تقدمت الإشارة إلى أنه إخبار عن خيريتهم بالنظر إلى الصدق والعدالة أخص منه وكذلك الصدق شعار الأغلب منهم ولذا قال ثم يفشو الكذب فإنه يشعر أن ثم كذبا في تلك الأعصار المخبرة إلا أنه لا فشو غلبة
فإن قلت الممادح جملة الواردة كتابا وسنة أدلة على عدالة أهل ذلك العصر
قلت قد وردت الممادح في جملة الأمة ولا تقتضي تزكية

الأفراد اتفاقا فكذلك هنا لأن الثناء على الجملة لا يقتضي الثناء على كل فرد فرد
فإن قلت قبوله صلى الله عليه و سلم لأخبار أهل ذلك العصر دليل على عدالتهم ولا يقدح فيه أنه أتاه الوحي أن فيهم كذابين وأن ممن أخبره فاسقا قلت ومتى سلمنا أن العدالة التي رسموها شرط في قبول الرواية وأين دليلها ولا يتم الاستدلال بأن قبوله صلى الله عليه و سلم دليل لها حتى يتم أنها شرط وإلا فهو دور
فإن قلت قد دار قبوله صلى الله عليه و سلم لأخبارهم على أحد الأمرين إما حصول الظن أو عدالة الراوي فحمله على أحد الأمرين دون الآخر تحكم
قلت عدالة الراوي ما قام الدليل على شرطيتها وظن الصدق أمر لا بد منه إذ لا عمل إلا عن علم أو ظن فحملناه على المتيقن
ونحن في مقام النفي لشرطية العدالة المخصوصة فالدليل

المثبت على أنه قد قام الإجماع على قبول غير العدل على رسمهم العدالة والعمل بروايتهم من كل الأمة كما سنحققه الآن في سرد من رووا عنه في الأمهات التي هي عمدة أهل الإسلام من غير العدول على رسمهم العدالة

قف على هذه النكتة

ثقة المبتدع

وقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري إنه لا أثر للتضعيف مع الصدق والضبط انتهى
وهما مظنتا حصول الظن بصدق الراوي ورووا عن الخوارج وهم أشد الناس بدعة
لأنهم يكفرون من يكذب فقبولهم لحصول الظن بخبرهم
قال أبو داود ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج

وفي البخاري من المبتدعة أمم لا يحصون وفي غيره من الأمهات وناهيك أنه أخرج لعمران بن حطان الخارجي المادح لقاتل علي رضي الله عنه بالأبيات المشهورة السائرة

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال المبرد وكان عمران بن حطان رأس القعد من الصفرية وخطيبهم

وشاعرهم انتهى
والقعد قوم يقولون بقول الخوارج ولا يرون الخروج بل يزينونه وكان عمران داعية إلى مذهبه أخرج له البخاري في المتابعات
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي لعمران بن مسلم القصير قال يحيى القطان كان يرى القدر وهو مستقيم الحديث وأخرج الستة للفضل بن دكين وهو شيعي وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير قال الحاكم احتجا به وقد اشتهر عنه الغلو
قال الذهبي غلو التشيع وقد وثقه العجلي

وأخرجوا أيضا لعدي بن ثابت وقد قال فيه ابن معين شيعي مفرط وقال الدارقطني رافضي غال
وأخرج البخاري لإبراهيم بن طهمان وقد رموه بالإرجاء وأخرج البخاري لإسماعيل بن أبان وهو أحد شيوخه قال الجوزجاني كان مائلا عن الحق ولم يكن يكذب في الحديث قال ابن عدي يعني ما عليه الكوفيون من التشيع
قال الحافظ ابن حجر الجوزجاني كان ناصبيا منحرفا عن علي فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان والصواب موالاتهم جميعا ولا ينبغي لنا تسمع قول مبتدع في مبتدع انتهى
وأخرج الشيخان لأيوب بن عايذ بن مدلج وثقة ابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي وأبو داود وزاد أبو داود وكان مرجئا وقال البخاري وكان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق

وأخرج الجماعة لثور بن يزيد الديلمي شيخ مالك وثقة ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم وقال ابن عبد البر صدوق لم يتهمه أحد وكان ينسب إلى رأي الخوارج والقول بالقدر ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك وقال ابن عبد البر فيه سئل مالك كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن يزيد وذكر غيرهما وكانوا يرون القدر فقال كانوا لئن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا
وأخرج البخاري لثور بن يزيد الحمصي واتفقوا على تثبته في الحديث مع قوله بالقدر وكان يرمى بالنصب قال يحيى بن معين وكان يجالس قوما ينالون من علي رضي الله عنه لكنه كان لا يسب قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى احتج به الجماعة
وأخرج البخاري وأصحاب السنن لحريز بن عثمان الحمصي

ووثقه أحمد وابن معين والأئمة وقال الفلاس كان يبغض عليا رضي الله عنه وقال أبو حاتم لا أعلم بالشام أثبت منه ولم يصح عندي ما يقال فيه من النصب قال الحافظ ابن حجر جاء عنه ذلك من غير وجه وجاء عنه خلاف ذلك وروي عنه أنه تاب من ذلك
وأخرج البخاري عن شيخه خالد القطواني قال ابن سعد كان متشيعا مفرطا وقال صالح جزرة ثقة إلا أنه يتشيع
وأخرج البخاري وأصحاب السنن لحصين بن نمير الواسطي أبو محصن الضرير ووثقه أبو زرعة وغيره وقال أبو خيثمة كان يحمل على علي رضي الله عنه فلم أعد إليه
وأخرج البخاري وغيره لهشام بن عبد الله الدستوائي أحد الأثبات مجمع على ثقته وإتقانه قال محمد بن سعيد كان

حجة ثقة إلا أنه كان يرى القدر
وأخرج البخاري والترمذي والنسائي ليحيى بن صالح أبو حائطي الحمصي وثقه ابن معين وأبو اليمان قال إسحاق بن منصور كان مرجئا
إذا عرفت هذا فهؤلاء جماعة بين مرجىء وقدري وشيعي وناصبي غال وخارجي أخرجت أحاديثهم في الصحيحين وغيرهما ووثقوا كما سمعت وهم قطرة من رجال الكتب الستة الذين لهم هذه البدع وحكموا بصحة أحاديثهم مع الابتداع الذي ليس وراءه وراء وهل وراء بدعة الخوارج من شيء
فهو دليل ناهض على إجماعهم على أن عمدة قبول الرواية وعلتها حصول الظن بصدق الراوي وعدم تلوثه بالكذب ألا ترى قول مالك في جماعة لا عدالة لهم كانوا لئن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا فما لاحظ إلا ظنه بصدقهم وقول من قال في إسماعيل بن أبان كان مائلا عن الحق إلا أنه كان

لا يكذب في الحديث

مناقشة غريبة

وكذا توثيقهم لجميع من سمعت مع ذكرهم لعظائم بدعهم ما ذاك إلا لأن المدار على ظن الصدق لا غير
وكفاك بقول الحافظ ابن حجر إنه لا أثر للتضعيف مع ظن الصدق والضبط
وإذا عرفت هذا اتضح لك ما في رسم الصحيح والحسن من الاختلال حيث أخذوا عدالة الراوي شرطا فيهما وفسروا العدالة بما لا بدعة معه ووصلوا إلى محل التصحيح والتحسين فحكموا على أحاديث المبتدعة بهما
وقد أطبقت على تلك الشريطة كتب أصول الحديث وكتب أصول الفقه حتى إنه لم يستدل ابن الحاجب في مختصر المنتهى ولا من تابعه كمؤلف نهاية السؤل وشرحها على شرطية العدالة في الراوي وإنما اشتغلا بتفسيرها

كأن شرطيتها أمر قد علم من الدين ضرورة

أقسام الرواة

إنما قسموا الرواة ثلاثة أقسام معروف العدالة ومعروف الفسق ومجهول الحال لا يعرف فسقه ولا عدالته واستدلوا على عدم قبول الآخرين وأشار ابن الحاجب إلى دليل قبول العدل بالإجماع ولكن قبوله على غير شرطيته إذ معناه العدل مقبول ومعناها لا يقبل إلا العدل
وكأنهم يقولون إذا تم الدليل على عدم قبول الآخرين علم أنه لا بد من شرطية العدالة إلا أن ما سمعته من أحوال رواة الصحيح والحسن يقلع هذا الاشتراط لهذه العدالة المعروفة عندهم كما عرفت بالكلية مع أنه إنما يلزم العلم بذلك لو كانت القسمة حاضرة وهي ليست كذلك لإمكان واقع وهو مفترق متغاير

الحسنة

الفرق بين الشهادة والرواية

إن قلت لعلهم يقولون دليل شرطية عدالة الراوي القياس على عدالة الشهود الثابتة بالنص قلت اختلافهما في الشروط يمنع عن الإلحاق فإنه شرط في الشهادة العدد والذكورة وعدم القرابة للمشهود له وعدم العداوة للمشهود عليه ولم يشترط في الرواية ذلك فلا سبيل إلى الإلحاق

مع أنهم قد صرحوا أنه لا يلزم في الرواية ما يلزم في الشهادة لأن باب الشهادة أضيق ولإلحاق الأخف على الأغلظ
وبعد هذا يظهر لك أنه لا اعتماد إلا على ظن الصدق وكون الراوي مصونا عن الكذب كما عرفت من نصوص أئمة الحديث
نعم الإشكال عليهم في قبول رواية الرافضي الساب للصحابة والناصبي الساب لعلي رضي الله عنه مع عدهم السب للصحابة من الكبائر كما صرح به في جمع الجوامع وفي الفصول فإذا

قبلوا فاعل الكبيرة وليس إلا لظن صدقه مع أن مرتكب الكبيرة فاسق تصريح لا تأويل
وقد سبق في تفسير العدالة أنه لا بد من السلامة منه وقد نقل الإجماع على عدم قبول قول فاسق التصريح كما في الفصول وغيره واستدل له صاحب الفصول بقوله تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية
وأصاب في الاستدلال بها على ذلك لأنها نزلت في الوليد ابن عقبة كما تطابق عليه أئمة التفسير وهو فاسق تصريح بشربه الخمر كما في صحيح مسلم وذكره بشرب الخمر ابن عبد البر والذهبي وإن كان نزول الآية لسبب قضيته مع بني المصطلق وكذبه عليهم كما هو معروف
ولم يصب ابن الحاجب وصاحب الغاية في الاستدلال

بها على رد فاسق التأويل لما سمعت من أنها نزلت في فاسق التصريح ولا يقال لا يقصر العام على سببه بناء على أن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم كما ذكره شارح جمع الجوامع ونسبه إلى ابن الحاجب لأنه بعد تسليم ذلك

فسق التأويل

ففسق التأويل اصطلاح عرفي ليس له في اللغة ذكر والآية لا تحمل على المعاني العرفية الحادثة والاصطلاح الجديد اتفاقا فعلى تسليم العموم شمل كل فاسق تصريح
على أن في الاستدلال بها على عدم قبول خبره أبحاث ذكرها في العواصم تشير إلى شيء من ذلك وهو أنه تعالى قال ( فتبينوا ) أي فتوثقوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا يعتمد قول الفاسق لأن من لا يتحامى عن جنس

الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه
هذا كلامه ولا يخفى أنه قد مر غير مرة في هذه الرسالة التصريح بعدم لزوم الكذب للفسق بل للكفر وأنه تتنزه عنه الكفار فضلا عن الفساق وسيأتي تصريحه بتنزه الفساق عنه فيما سننقله من تنقيحه
وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه فتثبتوا والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف وفي تفسير البيان أوجب الله تعالى على المؤمنين التبين والتثبت عند إخبار الفاسق وشهادته
قلت فالآية أمرت بالتبين كما في قوله تعالى ( إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) الآية وليس أمرا بالرد كما في قوله

تعالى عند الأمر بالقذف ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) وفي غيرهم ( لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) وفي الآية الأخرى ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين )
فإن قلت الأمر بالتبين لخبره في معنى الأمر برده قلت لا بل رتب الله تعالى واجبا على خبره هو التبين فقد ثبت بخبره حكم بخلاف الرد فإنه لم يثبت بالمردود حكما أصلا إنما بقي شيئا معه على الأصل وهو براءة الذمة عدم الحكم بشيء فوجوده وعدمه سواء
وقد عد صاحب العواصم في الاستدلال على عدم دلالة الآية على رد خبر فاسق التأويل كما صنع ابن الحاجب وصاحب الغاية ما ينيف على خمسة

عشر إشكالا

وإذا تتبعت ما سلف علمت أن الآية دلت على أنه يتوقف في خبر الفاسق تصريحا لا يرد بل يقتضي البحث عما أخبر به لا رد خبره
فإن قلت قد وقع الإجماع على عدم قبول خبره ورده فيكف نافى الإجماع الآية قلت لا نسلم الإجماع كيف وهؤلاء أئمة الحديث رووا عن فساق التصريح الذين يسبون الشيخين ويسبون عليا وغيرهم وحينئذ فلا بد من تخصيص الكبائر في رسم العدالة بما عدا سب المسلم
ومن هنا تزداد بصيرة في أن رسم العدالة بذلك الرسم لا يتم في حق الرواة وأن المرجع ليس إلا في ظن الصدق
فإن قلت قد أبطل الله تعالى شهادة القاذف فقال ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) والقذف كبيرة فيلحق به سائر الكبائر في عدم القبول لأخبار مرتكبها

قلت أما أولا فإنه قياس فاسد الوضع لمصادمته آية التبين
وثانيا إنه لا قياس لكبيرة على كبيرة لعدم معرفة الوجه الجامع وإلا لزم إيجاب حد القذف في كل كبيرة بالقياس عليه
فالحق أن القذف لعظم حرمة المؤمنات وهتك حجاب عفتهن كانت عقوبة القاذف شديدة في الدنيا بأمرين جلده ثمانين جلدة ثم إسقاطه عن قبول الشهادة ولو في حبة خردل فلا يحلق به غيره
فإن قلت وكيف يعرف أن المخبر يفيد خبره الظن فإنه إنما يعرف ذلك من خالط المخبر قلت ما يعرف به عدالة المخبرين الذين لم يلقهم المخبر له يعرف صدق المخبرين فإن معرفة أحوال الرواة من تراجمهم يفيد ذلك

المبتدع الداعية إلى بدعت

تنبيه

سبقت الإشارة إلى أنهم قد استثنوا من المبتدعة الداعية فقالوا ولا يقبل خبره قال في التنقيح فإن قلت ما الفرق بين الداعية وغيره عندهم قلت ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئا ولكن نظرت فلم أجد غير وجهين
أحدهما أن الداعية شديد الرغبة في استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه فربما حمله عظيم ذلك على تدليس أو تأويل
الوجه الثاني أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهي إظهار أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة وذلك تغرير لمخالطته وفي مخالطة من هو كذلك للعامة مفسدة كبيرة
قلت وهذا الوجه الآخر قد أشار إليه أبو الفتح القشيري نقله عنه الحافظ ابن حجر ثم قال في التنقيح والجواب عن الأول أنها تهمة ضعيفة لا تساوي الورع أي المانع الشرعي الذي يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق في الدين وارتكاب دناءة الكذب

الذي يتنزه عنه كثير من الفسقة المتمردين
كيف والكاذب لا يخفى تزويره وعما قليل ينكشف تدليسه وتغريره ويفهمه النقاد وتتناوله ألسنة أهل الأحقاد وأهل المناصب الرفيعة يأنفون من ذلك فكيف إذا كانوا من أهل الجمع بين الصيانة والديانة
وقد احتجوا بقتادة لما قويت عندهم عدالة أمانته وهو داعية على أصولهم إلى بدعة الاعتزال
قال الذهبي في التذكرة كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى كان يصيح به صياحا
ثم قال صاحب التنقيح والجواب عن الثاني أنا نقول إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أو لا إن لم يدل على

وجوب قبولهم لم نقبلهم دعاة كانوا أو غير دعاة وإن دل على وجوب القبول لم يصلح ما أورده مانعا من امتثال الأمر ولا مسقطا انتهى
فعلمت من هذا كله قبول من لم يتهم بالكذب وعدم شرطية العدالة بالمعنى الذي أرادوه وهو أنه لا يرد من المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية

جلالة الصحابة

واعلم أنها سبقت إشارة إلى شأن الصحابة رضي الله عنهم عند ذكرنا أهل العصر النبوي فهو أعم من أصحابه وأما الصحابة رضي الله عنهم فلهم شأن جليل وشأو نبيل ومقام رفيع وحجاب منيع فارقوا في دين الله أهلهم وأوطانهم وعشائرهم وإخوانهم وأنصارهم وأعوانهم وهم الذين أثنى الله جل جلاله عليهم في كتابه وأودع ثناءهم شريف كلامه وخطابه

وفيهم الممادح النبوية والأخبار الرسولية بأنه لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهبا
إلا أن تفسير الصحابي بمن لقيه صلى الله عليه و سلم أبو بمن رآه وتنزيل تلك الممادح عليه فيه بعد يأباه الإنصاف ولا يقال لرعية الملك أصحاب الملك وإن رأوه ورآهم ولقوه ولقيهم بل أصحابه من لهم به اختصاص وهم طبقات في ذلك متفاوتة نعم هذا

اللفظ الذي هو لفظ الصاحب فيه توسع في اللغة كثير يطلق على من لابس أي شيء ولو من الجمادات ( يا صاحبي السجن ) ( أصحاب الجنة ) و ( أصحاب النار ) وعلى من ليس على ملة من أضيف إليه ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت ) وبالجملة فاللفظ متسع نطاق إطلاقه غير مقيد بشيء يخصه

إلا أن الفرد الكامل عند إطلاقه على الملازم لمن أضيف إليه وإن أطلق على من رآه أو لقيه فإنه أقل من الأول قطعا استعمالا وتبادرا حال الإطلاق وليس كل من رأى من أضيف إليه يصلح إطلاقه عليه فإن أهل الجنة يرون النار وأهلها ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) ( فرآه في سواء الجحيم ) ولا يقال لهم أصحاب النار
ولم يدر الإطلاق على الرؤية كما دار على الملازمة فإنه يطلق على من لم يره المصاحب ولا لاقاه كما يقال قتل من أصحاب الملك في المعركة الفلانية كذا ومن أصحاب عدوه كذا ولعل فيمن قتل من لم يلق الملك ولا رآه بل يقال لمن في مصر مثلا أصحاب السلطان وما رآهم ولا رأوه لما كانوا ينتسبون إليه في أي أمر
وإذا تقرر هذا فهو وإن صح الإطلاق على من لاقاه صلى الله عليه و سلم ولو لحظة من ليل أو نهار إلا أن الممادح القرآنية والأحاديث النبوية والصفات الشريفة العلية التي كانت هي الدليل على عدالتهم وعلو

منزلتهم ورفعة مكانهم تخص الذين صحبوه صحبة محققة ولازموه ملازمة ظاهرة الذين قال الله تعالى فيهم ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود )
فهذه الصفات إما كاشفة أو مقيدة وعلى كل تقدير فليس كل من رآه له هذه الصفات ضرورة وكذلك الصفات التي بعدها في قوله تعالى ( ومثلهم في الإنجيل )
نعم لمن رآه مؤمنا به ولاقاه واكتحل بأنوار محياه شرف لا يجهل وقد قال صلى الله عليه و سلم ( طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني طوبى لهم وحسن مآب ) أخرجه الطبراني وفيه بقية إلا أنه صرح

بالسماع فزال ما يخاف من تدليسه كما قاله الهيثمي
إلا أنه قال لا يبلغ إلى محل من لاقاه ولازمه في صباحه ومساه ولازمه في حله وأرحاله وتابعه في جميع أفعاله وأقواله واستمر على طريقته التي كان عليها بعد وفاته فهؤلاء هم أعيان الصحابة وهم أعني
هؤلاء أمم لا يحصون أهل بدر وأحد والحديبية وبيعة الرضوان

والمحدثون وإن أطلقوا أن كل الصحابة عدول فقد ذكروا قبائح لجماعة لهم رؤية تخرجهم عن عموم دعوى العدالة كما قال الحافظ الذهبي في النبلاء في مروان بن الحكم لعنه الله ما لفظه بعد سياق طرف من أحواله وحضر الوقعة يوم الجمل وقتل طلحة ونجا وليته ما نجا انتهى
وفي الميزان مروان بن الحكم له أعمال موبقة نسأل الله السلامة رمى طلحة بسهم وفعل وفعل
فهذا تصريح بفسقه وقال في ترجمة طلحة من النبلاء إن مروان بن الحكم قاتل طلحة ثم قال قاتل طلحة في الوزر كقاتل علي رضي الله عنه
وقال ابن حزم في أسماء الخلفاء والأئمة أن مروان

ابن الحكم أول من شق عصا المسلمين بلا شبهة ولا تأويل وذكر أنه قتل النعمان بن بشير أول مولود في الإسلام للأنصار صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر أنه خرج على ابن الزبير بعد أن بايعه على الطاعة
وقال ابن حبان في صحيحه عائذا بالله أن يحتج بمروان وذويه في شيء من كتبنا وكل من أئمة الحديث تكلم بما هو وقع منه
والعجب من الحافظ ابن حجر حيث قال مروان بن الحكم يقال له رؤية فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه ثم قال فأما قتل طلحة فكان فيه متأولا كما قرره الإسماعيلي وغيره
ثم قال إنما حمل عنه من روى عنه البخاري عن مروان أنه قبل خروجه على ابن الزبير ثم قال وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم انتهى
فقوله إن ثبتت له رؤية فلا يعرج على من تكلم فيه
هو محل

التعجب كادت الرؤية تجاوز حد العصمة وأن لا يخرج من ثبتت له بقتل نفس معصومة ولا غيرها من الموبقات وكلام الذهبي فيه هو الإنصاف دون كلام الحافظ ولو اقتصر في العذر لرواية البخاري وغيره عنه بما نقله عن عروة بن الزبير أن مروان باغ كان لا يتهم في الحديث لكان أقرب وأن العمدة تحري الصدق
وأما اعتذاره بأنه قتل طلحة متأولا فعذر لا يبقى معه لعاص معصية بل يدعي له التأويل وهو كتأويل من تأول لمعاوية في فواقره أنه مجتهد أخطأ في اجتهاده مع أنه قد نقل العلامة العامري الإجماع على أنه باغ والباغي غير مجتهد في بغيه وإلا لما سمي باغيا
وفي العواصم وقد اعترف أهل الحديث بأجمعهم بأن المحاربين لعلي رضي الله عنه معاوية ومن تبعه بغاة عليه وأنه صاحب الحق انتهى
وأما قبول روايتهم عن البغاة فلما عرفت من الإجماع على

قبولهم وأنه ليس مدار الرواية إلا على ظن الصدق وأحسن من قال
(
قالوا النواصب قد أخطأ معاوية ... في الاجتهاد وأخطأ فيه صاحبه )
(
والعفو في ذاك مرجو لفاعله ... وفي أعالي جنات الخلد راكبه )
(
قلنا كذبتم فلم قال النبي لنا ... في النار قاتل عمار وسالبه ) ثم قوله فلا يعرج على من تكلم فيه إن ثبتت له الرؤية مراده إلا إذا لم يثبت فيقبل فيه القدح وقد نقضه آخر لما قال إنما روى عنه من روى قبل خروجه على ابن الزبير انتهى
إلا أن يقال مراده أنه لم يصح ثبوتها له ولو سلمنا أنه سمع فيه القدح فيجاب عنه بأنه لا يضر ذلك في الرواية عنه قبل وقوع ما جرح به فلا يخدش ذاك في هذا وقد خالف المحدثون ابن

حجر فإنهم صرحوا بفسق من له رؤية كبسر بن أرطاة
قال الدارقطني كانت له صحبة ولم تكن له استقامة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال ابن عبد البر كان ابن معين يقول إنه رجل سوء قال ابن عبد البر وذلك لعظائم ارتكبها في الإسلام
وكذلك الوليد بن عقبة قال الذهبي في النبلاء في ترجمته كان يشرب الخمر وحد على شربها وروي شعره في شربها قال وهو الذي صلى بأصحابه الفجر أربعا وهو سكران ثم التفت إليهم وقال أزيدكم وقد ذكر المحدثون في كتب معرفة الصحابة من ارتد وكفر من الصحابة بعد إسلامه والكفر أعظم الكبائر

والقصد من هذا بيان أن أقوال الحافظ إن ثبتت رؤية لمروان فلا يعرج على من تكلم فيه في أنه جعل الرؤية كالعصمة وكلامه خلاف ما عليه أئمة الحديث
ولا يقال من ارتد فقد استثنوه من اسم الصحبة لأنا نقول ليس مرادنا إلا أن الرؤية ليست بمانعة من ارتكاب المعاصي ولا يقال فيها إن ثبتت فلا يعرج على كلام من تكلم في صاحبها فإن هذا أصل لم يوافق قائله عليه ولا يطابق ما عرف من كلام أئمة الحديث

نتائج البحث

وإذا أحطت علما بما أسلفناه فها هنا فوائد هي كالنتائج والفروع لما قدمناه
الأولى أن التوثيق ليس عبارة عن التعديل في اصطلاحهم بل عن أن الموثق اسم مفعول صادق لا يكذب مقبول الرواية كما سمعته من توثيقهم من ليس بعدل
فالعدالة في اصطلاحهم أخص من التوثيق ووجود الأعم

لا يستلزم وجود الأخص
الثانية التعديل بأنه أخرجه له الشيخان كما يقولونه كثيرا أو أحدهما أو احتجا به أو أحدهما ليس تعديلا بل هو توثيق أيضا
فقول الشيخ أبي الحسن المقدسي في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة حتى لا يلتفت إلى ما قيل فيه كأنه يريد كثير منهم جازها وإلا فكيف يجوزها النواصب وغلاة الشيعة وأهل الإرجاء والمبتدعة ممن هم في الصحيح
الثالثة قدح المبتدع في المبتدع لا يقبل على أصلهم كما قال الحافظ في الرد على الجوزجاني في قدحه على إسماعيل بن أبان بالتشيع وهذه فائدة جليلة تؤخذ من غضون الأبحاث وقد صرح بها الأصوليون حيث قالوا لا يقبلان أي الجرح والتعديل إلا من عدل

ولكنه لا يتم إلا لمن عد ترك البدعة من ماهية العدالة كما فعله الحافظ وابن الحاجب لا كما نقله صاحب غاية السؤل فإنه حذف قيد الابتداع ولم يبين في شرحه وجه حذفه كأنه لما قاله السعد في شرح الشرح إن في كون البدعة مخلة بالعدالة نظر انتهى ولم يبين وجه النظر إلا يكون أن الغزالي لم يذكرها في رسم العدالة ولم يتكلم صاحب جواهر التحقيق على هذا
وقد عرفت مما أسلفناه أن الأولى ترك قيد الابتداع إلا أن يدرج في الكبائر لما عرفت من نهوض الأدلة على أنها منها وقد عده صاحب الزواجر منها وهو صادق عليه حدها بأنها ما توعد عليه بعينه كما في الفصول وجمع الجوامع فما نظره السعد غير صحيح إلا أن يريد أنها قد دخلت في قيد من قيود حد العدالة وإلا صح أن هذا مراده فإنه جعل محل النظر إخلالها بالعدالة
وإذا عرفت أنه لا يقبل مبتدع في مبتدع فقد قل من خلا عن الابتداع من الجارحين لغيرهم فلا ينبغي على ما قالوا إنه يقبل قول

جارح حتى يعلم خلوه من البدعة بجميع أنواعها لإطلاقهم إياها في الرسم
الرابعة من يقبل فساق التأويل وينقل الإجماع على قبولهم كالأمير الحسين صاحب الشفاء فإنه قال في كتابه شفاء الأورام في كتاب الوصايا وأما الفاسق التأويل فإنا لا نبطل كفاءته في النكاح كما تقدم ونقبل خبره الذي نجعله أصلا للأحكام الشرعية لإجماع الصحابة على قبول أخبار البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام وإجماعهم حجة انتهى
فلا يعاب عليه روايته عن المغيرة بن شعبة أول حديث في كتابه وغيره يعاب عليه قدحه في جرير بن عبد الله ورده لخبره بعد ما جعل غيره مقبولا معه وهو البغي
الخامسة قول الأصوليين من طرق التعديل رواية من لا يروي إلا عن عدل طريقة عزيزة الوجود بل عديمة فإن هذين

الشيخين صاحبي الصحيح هما أحسن الناس رجالا وكذلك النسائي قال الذهبي وابن حجر يتعنت في الرجال وقد سمعت ما في كتبهم ممن ليس بعدل أو غيرهم أبعد وأبعد عن ذلك الالتزام
وبه يعلم أن قول الحافظ ابن حجر إن شرط الصحيح أن يكون رواية معروفا بالعدالة فمن زعم أن أحدا منهم أي ممن في الصحيحين مجهول العدالة فكأنه نازع المصنف أيضا في دعواه أنه معروف ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم انتهى
هذا مسلم في هذا النوع لكن كيف يتم فيمن عرف بعدم العدالة كعمران بن حطان من رجال البخاري ومروان من رجالهما لما عرفت من اعتماد مالك على مروان واعتماد الشيخين على مالك وقولهم ليس لمروان في مسلم سلم لكن مالك من

رجال مسلم وربما كان فيه من حديث مروان من طريقه وقد تقرر أن الجارح أولى من المعدل لأن عنده زيادة علم ولأن قبوله عمل بالجارح والمعدل والإعمال أولى من الإهمال
إن قلت ما روى ملتزم الرواية عن العدول إلا عن عدل في ظنه ولعله لم يطلع على ما فيه من قدح أو كان يرى إنما قدح به ليس بجارح عنده لاختلاف أنظار النظار إلى ذلك
قلت معلوم أن هذا مراد الملتزم وعذره إلا أنا نقول بعد تتبع النقاد لرواية ذلك الملتزم ووجودهم في رواية المجروحين وغير العدول شكك ذلك على الناظر في عدالة من روى عنه هؤلاء الملتزمون لعدالة الرواة لتجويز أنه ليس بعدل ودليل التجويز ظهور غير العدل في روايتهم وحينئذ فلا يبقى مجرد روايات من لا يروي إلا عن عدل تعديلا وهذا أوضح ويأتي هذا في الفائدة العاشرة

السادسة من البعد عن الإنصاف قول ابن القطان إن في رجال الصحيحين من لا يعلم إسلامه فضلا عن عدالته وكم بين هذا وبين قول الحافظ السابق آنفا وكلام ابن القطان وإن تلقاه بعض محققي المتأخرين بالقبول فليس بمقبول إذ من المعلوم أنه لا يروي أحد من أهل العلم كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم عن غير مسلم فلا بالإفراط ولا بالتفريط وكلا طرفي قسط الأمور ذميم
السابعة قول الذهبي إن أهل البدعة الكبرى الحاطين على الشيخين الدعاة إلى ذلك لا يقبلون ولا كرامة غير صحيح فقد

خرجوا الجماعة من أهل هذا القبيل كعدي بن ثابت وتقدم لك أنه قال الدارقطني رافضي غال
وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير قال الذهبي إنه غال في التشيع ووثقه العجلي ولا يخفى من وثقوه من أهل هذه الصفة
ولا تراهم يعولون إلا على الصدق كما قال البخاري في أيوب ابن عائذ بن مدلج كان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق وقد وثقه من سلف
والعجب من قول غلاة الشيعة ورد مثل الحارث الأعور والقدح فيه بالتشيع حتى تكلف مسلم في مقدمة صحيحه بذكر أشياء عن الحارث لا تعد قدحا ولا جرحا كقوله إنه قال تعلمت الوحي في سنتين أو في ثلاث سنين وفي الرواية الأخرى القرآن هين الوحي شديد

قال في شرح مسلم للنووي ذكر مسلم هذا في جملة ما أنكر على الحارث الأعور وجرح به وأخذ عليه من قبيح مذهبه وغلوه في التشيع وكذبه انتهى
قلت العجب من القدح بهذه العبارات التي ما يكاد يتبين المراد بها مع صحة حملها على ما لا ضير فيه كما تسمعه عن الخطابي وأعجب من ذلك قول شارح مسلم إنها من قبيح مذهبه وغلوه في التشيع وأي مآس لهذه الألفاظ بالتشيع ما هذا بإنصاف
ولقد أحسن القاضي عياض حيث قال أرجو أن هذا يعني الكلام الذي نقله مسلم عن الحارث من أخف أحواله لاحتماله الصواب فقد فسره بعضهم بأن الوحي هنا الكتابة ومعرفة الخط قال الخطابي يقال أوحى ووحي إذا كتب
وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك انتهى
إن قلت قد قدحوا فيه بالكذب قلت تعجبنا من

قدحهم فيه بالتشيع ومن إثباتهم كلاما ليس فيه شيء من قدح ولا تشيع
الثامنة أهل الحديث اتفق لهم في مخالفة فروعهم لأصولهم مثلما اتفق لأهل سائر الفنون أصلوا أنه لا يقبل الداعية وسمعت قبولهم له وأصلوا أنه لا يقبل غلاة الروافض وسمعت قبولهم لهم وأصلوا أنه لا يقبل غلاة أهل الإرجاء ونراهم يقبلونهم وأصلوا أنه لا يقبل أهل القدر ونراهم يقبلون من اتصف به وهذا كله يرشدك إلى صحة ما قررناه من أنه لا يلاحظ إلا ظن الصدق وأنه مدار الرواية
ولقد كرر في العواصم أن المعتبر في الراوي ظن الصدق
التاسعة كلام الأقران والمتضادين في المذاهب والعقائد لا ينبغي قبوله فقد فتح باب التمذهب عداوات وتعصبات قل من سلم منها إلا من عصمة الله قال الحافظ الذهبي في ترجمة أحمد

ابن عبد الله بن أبي نعيم ما لفظه كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصمه الله وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت لسردت لك من ذلك كراريس انتهى

وهذا كلام الذهبي ونصه وقد عيب عليه ما عابه عليه غيره قال ابن السبكي في الطبقات نقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائي ما لفظه الشيخ شمس الدين الذهبي لا شك في دينه وورعه وتحريه فيما يقول ولكنه غلب عليه منافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم لأحد منهم أطنب في محاسنه وتغافل عن غلطاته وإذا ذكر أحدا من أهل الطرف الآخر كالغزالي وإمامه الجويني لا يبالغ في وصفه ويكثر من أقوال من طعن فيه وإذا ظفر لأحدهم بغلطة ذكرها
وكذا في أهل عصرنا إذا لم يقدر على التصريح يقول في ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك
وسببه المخالفة في العقيدة
انتهى

قال ابن السبكي وقد وصل يريد الذهبي من التعصب وهو شيخنا إلى حد يسخر منه وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على شيخنا الذهبي في ذم أشعري ولا مدح حنبلي
وأقول الصلاح العلائي وابن السبكي شافعيان إمامان كبيران والذهبي إمام كبير الشأن حنبلي المذهب وبين هاتين الطائفتين في العقائد وفي الصفات وغيرها تنافر كلي فلا يقبلان عليه تعين ما قالاه
وقال ابن السبكي قد عقد ابن عبد البر بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء
قال ابن السبكي وقد

عيب على ابن معين كلامه في الشافعي وتكلمه في مالك بن أبي ذئب وغيره
قلت إذا كان الأمر كما سمعت فكيف حال الناظر في كتب الجرح والتعديل وقد غلب التمذهب والمخالفة في العقائد حتى إنه يوصف الرجل بأنه حجة أو يوصف بأنه دجال باعتبار اختلاف حال الاعتقادات والأهواء
فمن هنا كان أصعب شيء في علوم الحديث الجرح والتعديل فلم يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحد ثم ما بعد قول ابن السبكي إنه لا يقبل قول الذهبي في مدح حنبلي ولا ذم أشعري

وقد صار الناس عالة على الذهبي وكتبه ولكن الحق أنه لا يقبل على الذهبي بما ذكره هو وبما ذكره الذهبي أنهم لا يقبلون الأقران بعضهم على بعض
ثم إن كان مرادهم بالأقران المتعاصرون في قرن واحد والمتساوون في العلوم فهو مشكل لأنه لا يعرف حال الرجل إلا من عاصره ولا يعرف حاله من بعده إلا بأخبار من قارنه
إن أريد الأول وإن أريد الثاني فأهل العلم هم الذين يعرفون أمثالهم ولا يعرف أولي الفضل إلا ذوو الفضل فالأولى إناطة ذلك لمن يعلم أن بينهما تنافسا أو تحاسدا أو شيئا يكون سببا لعدم الثقة لقبول بعضهم في بعض لا لكونه من الأقران فإنه لا يعرف عدالته ولا جرحه إلا من أقرانه وأعظم ما فرق بين الناس هذه العقائد والاختلاف فيها فليحذر عن قبول المختلفين فيها بعضهم في بعض قبل البحث عن سبب القدح والتثبت في صحة نسبته إليه وأعون شيء على معرفة ذلك في هذه الأعصار البحث في كتب الرجال المتعددة المختلف مؤلفوها وسنقرر آخرا ما يكشف هذه الغمة
العاشرة وجود الحديث في الصحيحين أو أحدهما لا

يقضي بصحته بالمعنى الذي سبق لوجود الرواية فيهما عمن عرفت أنه غير عدل فقول الحافظ ابن حجر أن رواتهما قد حصل الاتفاق على تعديلهم بطرق اللزوم محل نظر لقوله إن الأمة تلقت الصحيحين بالقبول هو قول سبقه إليه ابن الصلاح وأبو طاهر المقدسي وأبو عبد الرحيم عبد الخالق وإن اختلف هؤلاء في إفادة هذا التلقي العلم أو الظن
وبسط السيد محمد بن إبراهيم الأمير رحمه الله سبب الخلاف في كتبه وأنه جواز الخطأ على المعصوم في ظنه أو عدمه وطول الكلام في ذلك أيضا
ولنا عليه أنظار وأودعناها رسالتنا المسماة حل العقال وصحته في حيز المنع
بيان ذلك أنا نورد عليه سؤال الاستفسار عن طرفي هذه

الدعوى فنقول في الأول هل المراد أن كل الأمة من خاصة وعامة تلقتها بالقبول أو المراد علماء الأمة المجتهدون ومن البين أن الأول غير مراد وأن الثاني دعوى على كل فرد من أفراد الأمة المجتهدين أنه تلقى الكتابين بالقبول فلا بد من البرهان عليها وإقامته على هذه الدعوى من المتعذرات عادة كإقامة البينة على دعوى الإجماع الذي جزم به أحمد بن حنبل وغيره أن من ادعاه فهو كاذب
وإن كان هذا في عصره قبل عصر تأليف الصحيحين فكيف من بعده والإسلام لا يزال منتشرا وتباعد أطراف أقطاره والذي يغلب به الظن أن من العلماء المجتهدين من لا يعرف الصحيحين إذ معرفتهما بخصوصهما ليست شرطا في الاجتهاد وبالجملة فنحن نمنع هذه الدعوى ونطالب بدليلها

السؤال الثاني على تقدير تسليم الدعوى الأولى فهل المراد بالتلقي بالقبول تلقي أصل الكتابين وجملتهما وأنهما لهذين الإمامين الجليلين الحافظين فهذا لا يفيد إلا الحكم بصحة نسبتهما إلى مؤلفيهما
ولا يفيد المطلوب أو المراد بالتلقي بالقبول لكل فرد من أفراد أحاديثهما وهذا هو المفيد المطلوب إذ هو الذي رتب عليه الاتفاق على تعديل رواتهما فإن المتلقي بالقبول هو ما حكم المعصوم بصحته ظنا كما رسمه بذلك السيد محمد بن إبراهيم رحمه الله وهو يلاقي قول الأصوليين إنه الذي يكون الأمة بين عامل به ومتأول له إذ لا يكون ذلك إلا فيما صح لهم
ويحتمل أنه يدخل في الحسن فلا يلاقي رسمه رسمهم إلا أنه لا يخفى عدم صحة هذه الدعوى وبرهان ذلك ما سمعته مما نقلناه من كلام العلماء من عدم عدالة كل من فيهما بل بالغ ابن

القطان فقال فيهما من لا يعلم إسلامه وهذا تفريط وقد تلقاه بعض محققي المتأخرين كما أسلفناه
وإنما قلنا إنه تفريط لما علم من أنه لا يروي أحد من أئمة المسلمين عن غير مسلم أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم كما أن دعوى عدالة كل من فيهما إفراط وإذا كان كذلك فمن أين يتلقى بالقبول إلا أنه قد استثنى ابن الصلاح من التلقي بالقبول لأحاديثهما ما انتقاه الحفاظ كالدارقطني وابن مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني قال الحافظ ابن حجر وهو احتراز حسن

وقال وعده ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وشاركه مسلم في بعضها مئة وعشرة أحاديث وتتبعها الحافظ في مقدمة الفتح وأجاب عن العلل التي قدح بها وبسط الأجوبة
وقال آخر ليست كلها واضحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل واليسير منه في الجواب عنها تعسف انتهى معنى كلامه
وأقول فيه أن المدعي تلقي الأمة بالقبول وهو أخص من الصحة وقد ذهب الأكثر ومنهم ابن حجر إلى إفادته العلم بخلاف ما حكم له لمجرد الصحة فغاية ما يفيد الظن ما لم ينضم إليه غير ذلك فيفيده وهذه الأحاديث مخرجة عن الصحيحين لا عن التلقي بالقبول فإن كان ما لم يصح غير متلقي فالصواب في العبارة أن يقال غير صحيحة لا غير متلقاه بالقبول لإيهامه أنها صحيحة إذ ليس عنها إلا التلقي بالقبول وهو أخص من الصحة ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم والحال أنها ليست

بصحيحة
وأما قول السيد محمد بن إبراهيم الأمير رحمه الله إن الأمة تلقتها بالقبول وإن صاحب الكشاف والأمير الحسين ذكرا الصحيحين بلفظ الصحيح ونقل منهما ذلك
ففي الاستدلال بهذا الإطلاق توقف عندي لأن لفظ صحيح البخاري وصحيح مسلم صارا لقبين للكتابين فإطلاق ذلك عليهما من إطلاق الألقاب على مسمياتها ولا يلزم منه الإقرار بالمعنى الأصلي الإضافي
نعم لا شك أن الصحيحين أشرف كتب الحديث قدرا وأعظمها ذكرا وأن أحاديثهما أرفع الأحاديث درجة في القبول من غيرها لخصائص اختصا بها منها جلالة مؤلفيها وإمامتهما في هذا الشأن وبلوغهما غاية في الديانة والإتقان
ثم ما رزق هذان الكتابان من الحظ والقبول عند أئمة هذا الشأن

وفرسان ذلك الميدان فبحثوا عن رجالهما وتكلموا على كل ذرة فيهما مما لهما وعليهما فغالب أئمة الإسلام وأعلام الأعلام ما بين خادم لهما بالكلام عليهما على رجالهما أو معانيهما أو على لغتهما أو على إعرابهما أو مختصر فيهما أو مخرج عليهما
فهما أجل كتب الحديث وأحاديثهما السالمة عن التكلم فيهما أقرب الأحاديث تحصيلا للظن المطلوب ونفس العالم أسكن إلى ما فيهما منها إلى ما في غيرهما هذا شيء يجده الناظر من نفسه إن أنصف وكان من أهل العلم إنما لا ندعي لهما زيادة على ما يستحقانه ولا يهضم منهما ما هو أهل له
وأما قول البخاري لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر
وقوله ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح فهو كلام صحيح إخبار عن نفسه أنه تحري الصحيح في نظره
وقد قال زين الدين إن قول المحدثين هذا حديث صحيح

مرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الإسناد لأنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة انتهى
قلت فيجوز الخطأ والنسيان على البخاري نفسه فيما حكم بصحته وإن كان تجويزا مرجوحا لأنه بعد تتبع الحفاظ لما في كتابه فإظهار ما خالف هذا القول المنقول عنه فيه من الشرطية ما ينهض التجويز ويقود العالم الفطن النظار إلى زيادة الاختبار وهذا ما وعدنا به في آخر الفائدة الخامسة
على أن البخاري ومسلما لم يذكرا شرطا للصحيح وإنما استخرج الأئمة لهما شروطا بالتتبع لطرق رواتهما ولم يتفق المتتبعون على شرط معروف بل اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا
يعرف ذلك من مارس كتب أصول الحديث
والأقرب أنهما لا يعتمدان إلا على الصدق والضبط كما اخترناه
وقد صرح به الحافظ ابن حجر فيما أسلفناه عنه أنه لا أثر للتضعيف مع الصدق والضبط وأنهما لا يريدان العدل إلا ذلك إن ثبت عنهما أنهما شرطا أن لا تكون الرواية إلا عن عدل وسلمنا ثبوت اشتراطهما العدالة في الراوي فمن أين علم أن معناها

عندهما ما فسرتموها به مما أسلفناه في رسمهما
قال ابن طاهر شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع عليه ثقة نقله إلى الصحابي المشهور قال زين الدين ليس ما قاله بجيد لأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهما الشيخان أو أحدهما
قال السيد محمد بن إبراهيم رحمه الله ليس هذا مما اختص به النسائي بل قد شاركه غير واحد في ذلك من أئمة الجرح والتعديل كما هو معروف في كتب هذا الشأن ولكنه تضعيف مطلق غير مبين السبب وهو غير مقبول على الصحيح انتهى
قلت ليس ما أطلقه السيد محمد رحمه الله بصحيح فكم من جرح في رجالهما مبين السبب كما سمعته فيما سلف ولئن سلم فأقل أحوال الجرح المطلق أن يوجب توقفا في الراوي وحثا على البحث عن تفصيل أحواله وما قيل فيه
ولا شك أن هذا يفت في عضد القطع بالصحة
وهذه فائدة مستقلة أعني تأثير القدح المطلق توقفا في المجروح يوجب عدم العمل بروايته حتى يفتش عما قيل وإلا لزم العمل والقطع بالحكم مع الشك والاحتمال وذلك ينافي القطع قطعا

ولا نغتر بقولهم الجرح المطلق لا يعتبر به ففيه ما سمعت
فإن قلت إذا كان الحال ما ذكرت من أنه لا يقبل الأقران بعضهم في بعض ولا التمذهب في غير أهل مذهبهم فقد ضاق نطاق معرفة الجرح والتعديل ولا بد منهما للناظر لنفسه وأهل المذاهب في هذه الأزمة كل حزب بما لديهم فرحون وكل فريق في غيرهم يقدحون
قلت إن شددت يديك على ما أسلفناه لك من الأدلة أنه ليس الشرط في قبول الرواية إلا صدق الراوي وضبطه هان عليك هذا الخطب الجليل وحصل لك في أصل الرواية أصل أصيل وذلك أن غالب الجرح والتضعيف بمثل القول بالقدر والرؤية وبالإرجاء وبغلو التشيع وغيرها مما يعود إلى العقائد والمذاهب كخلق القرآن ومسألة الأفعال
وليست عندنا هذه قوادح في الراوي من حيث الرواية وإن كان

بعضها قادحا من حيث الديانة فباب الرواية غير باب الديانة وإذا كان قد تحقق الإجماع عل قبول رواية من سفك دم أهل الإسلام كسفك دماء عبدة الأوثان وأقدم عليهم بالسيف والسنان وأخاف إخوانه من أعيان أهل الإيمان لظن صدقه في الرواية وتأويله في الجنان وإن كان تأويله ترده العقول ولا تقبله الفحول كتأويل معاوية أن قاتل عمار رضي الله عنه هو علي عليه السلام لأنه الذي جاء به إلى رماحهم وألقاه بين سيوفهم وكفاحهم وقد ألزمه عبد الله بن عمر بأن قال حمزة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فأفحمه

فالأولى قبول من يرى الإرجاء والقدر ونحوهما فإنه لم يعتقد ذلك ويدعو إليه إلا لاعتقاده أنه دين الله تعالى الذي قامت عليه الأدلة فلم يبق القدح عندنا إلا بالكذب أو سوء الحفظ أو الوضع وما لاقاه في معناه مع أن الكذب عنه رادع طبيعي في الجبلة ولذا قيل يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب وليس بحديث كما قد توهم
وقد كان يتنزه عنه أشر خلق الله كالتسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم قالوا ( لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) فإنه كما قال جار الله رحمه الله وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم
ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتصونون بها عن الكذب انتهى
وفي خبر أبي سفيان مع هرقل الذي ساقه البخاري أوائل

صحيحه أنه ترك الكذب لئلا يؤثر عنه هذا فكيف لا يتنزه عنه المسلمون بل أعيانهم وهم رواة كلامه صلى الله عليه و سلم فإن الراوي قد يلابس بعض ما ينكر عليه ولا يصدر عنه الكذب في روايته
وهذا الزهري كان يخالط خلفاء الأموية ويلبس زي الأجناد ويفعل ما عابه عليه نظراؤه من أهل العلم في عصره وعدوه قبيحا عليه ولما ذكر له بعض خلفائهم كلاما في قوله تعالى ( والذي تولى كبره منهم ) الآية وكذب الزهري لما ذكر له الحق قال ما معناه والله لو كان إباحة الكذب بين دفتي المصحف أو نادى مناد من السماء بإباحته لما فعلته انتهى
فتحرز عن الكذب وبالغ في التنزه عنه مع غشيانه لما عيب عليه
وأما حديث ثم يفشو الكذب فلا ينافي أن تكون طائفة من الأمة متحرزة عنه فقد ثبت أنها لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم وأي طائفة أعظم من

رواة حديثه صلى الله عليه و سلم ويؤيد ذلك حديث ( إنه يحمل هذا العلم عن كل خلف عدوله ) صححه ابن عبد البر وروي عن أحمد بن حنبل أنه

@ 145 @

حديث صحيح
واعلم أنه ليس مرادنا من هذا نفي وقوع الكذب من الرواة بل قد تحقق وقوعه بلا ريب بل مرادنا أنه لا يقبل القدح بالكذب والوضع إلا فيمن علم خلاعته وتساهله في الدين وارتكابه للعظائم فإنه لا يقدم على الكذب عليه صلى الله عليه و سلم إلا من كان لا ديانة له محققة

فلا يقال يعارض ما ذكرت من الورع عنه الداعي إليه وهو ما في النفوس من محبة الرئاسة بالتسمي بالمحدث والترفع والدعوى الباطلة بأنه حافظ للأحاديث راولها صاحب الروايات حافظ العصر ونحو ذلك من الألقاب القاطعة للأعناق الحاملة على تحلي الإنسان بغير ما هو أهله
لأنا نقول هذا لا يكون إلا لمن له إلمام بمخافة الله وتقواه السامع للوعيد فيمن تقول عليه صلى الله عليه و سلم ما لم يقله ولا يصدر هذا إلا عن خليع تفضحه خلاعته وتنفر عنه وعن الرواية عنه وعن قبوله
ولا يخفى على ناقد حقيقة حاله ومثل هذا لا يكون بحمد الله مقبولا عن أحد من طوائف الرواة ولا يقبل ترويجه بل هو أقرب شيء إلى الافتضاح فهو مأمون دخوله في الرواة الذين قبلهم أساطين الحفاظ المفتشين عن كل ذرة والمتتبعين كل لفظة
ولا يكون الكذب إلا لخليع لا يبالي بالهتك كما قال بعض الخلفاء وقد عوتب على الكذب لو غرغرت به لهواتك ما فارقته

كما قيل لكذاب هل صدقت قط فقال لولا أني صادق في قول لا لقلتها
وأمثال هؤلاء قد صان الله أحاديث رسول صلى الله عليه و سلم أن يكونوا من رواتها وقد جعل الله لكلامه صلى الله عليه و سلم رونقا وطلاوة وحلاوة يكاد يعرف الممارسين لأحاديثه كلامه صلى الله عليه و سلم من كلام غيره فإنه قد أوتي صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم وأتاه الله من البلاغة ما لم يؤت أحدا من العالمين ولمعاني كلامه ومقاصده ما يعرف به كلامه من كلام غيره في الأغلب
وقد أخرج أحمد وأبو يعلى عن أبي أسيد وأبي حميد مرفوعا إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد عنكم فأنا أبعدكم منه وإن كان قد

ضعف فمعناه حسن فإن قلت إذا كانت أئمة الجرح والتعديل قد قيل فيهم ما قيل فكيف يأمن الناظر لديه أن يقولوا فيمن خالف مذهبهم كاذب أو وضاع وليس كذلك فكيف الثقة بهم قلت قد عرفنا من تتبع أحوالهم الإنصاف فيما يقولونه ألا تراهم يقولون ثقة إلا أنه كان يتشيع كان حجة إلا أنه كان يرى القدر كان ثقة إلا أنه كان مرجئا كان مائلا عن الحق ولم يكذب في الحديث كان يرى القدر وهو مستقيم الحديث فهذا دليل أن القوم كانوا يذكرون في الشخص ما هو عليه

واتصف به من خير وشر ولا يتقولون عليه إذ لو كانوا يتقولون لرموا من خالفهم في المذاهب بالكذب ولما وثقوا شيعيا ولا قدريا ولا مرجئا
وهب أنهم يتفق لهم شيء من ذلك فلا تأخذ بأول قول يطرق سمعك من إمام جرح وتعديل بل تتبع ما قاله فيه غيره واستقراء القرائن فلا بد وأن يحصل لك ظن تعمل به أو تقف على العمل به
وصدق من درج من قبلنا وحسن حاله أو قبحه لا يعرف إلا بقرائن تؤخذ مما يسرده عنه الرواة والمؤرخون وأهل المعرفة بأحوال الناس وأيامهم وهذه قرائن دلت على إنصاف أئمة هذا الشأن وإن كانت لهم هفوات فإنه لم يثبت إلا عصمة الأنبياء من نوع الإنسان
فإن قلت ما أردت من جمع هذه الكلمات قلت فوائد جمة وأمور مهمة يعرف قدرها من هو في هذا الشأن من الأئمة فقد اشتملت على نفائس الأنظار وعلى عيون مسائل يظمأ إلى معينها حملة الآثار وبيت قصيدها وعمدة مقصودها بيان أنه لا يشترط في قبول الرواة إلا ظن صدق الراوي وضبطه ولا يرد إلا بكذبه وسوء

حفظه ونحوهما وأن هذا شرط متفق عليه بين كل طائفة
والخلاف في القدح وما عداه قد أقمنا الأدلة على أنه لا قدح به في الرواية والله سبحانه ولي كل توفيق وهداية
نسأله أن يرزقنا معرفة الحق واتباعه ويجعلنا أهله وأتباعه وصلى الله على من نرجو بجاهه الشفاعة في يوم الحشر والنشر وقيام الساعة وعلى آله وأزواجه أصحاب المؤمنين والحمد لله رب العالمين انتهى بحمد الله 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

«التصلب الحَدبي لتلافيف المخ» (Sclérose tubéreuse des circonvolutions cérébrales)

التسلسل الزمني للتصلب الحدبي  ديزري-ماغلوار بورنفيل هو أول من وصفَ المرض عام 1880، وأطلقَ عليه اسم «التصلب الحَدبي لتلافيف المخ» (Sclérose...