الأربعاء، 3 مايو 2023

---ج1.وج2.التلويح إلى شرح الجامع الصحيح للحافظ مغلطاي التلويح/إلى شرح الجامع الصحيح للحافظ مغلطاي بن قليج

 ج1.وج2.التلويح إلى شرح الجامع الصحيح للحافظ مغلطاي  التلويح/إلى شرح الجامع الصحيح للحافظ مغلطاي بن قليج

 

ج1.التلويح إلى شرح الجامع الصحيح للحافظ مغلطاي

التلويح/إلى شرح الجامع الصحيح للحافظ مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري علاء الدين المصري (حوالي 690 - 762)

حول الكتاب: الكتاب من الكتب الأصول في شرح البخاري فكل من جاء بعده اعتمد عليه، حتى إن ابن الملقن لا يكاد يغادر من كلام مغلطاي شيئًا.
حول المؤلف: مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري الحنفي الحكري علاء الدين أبو عبد الله، الحافظ المحدث، مولده فيما ذكره الحافظ تقي الدين ابن رافع في سنة تسعين، وفيما ذكره الصلاح الصفدي بعد التسعين وستمائة، وسأله شيخنا الحافظ زين الدين العراقي عن مولده فقال له: إنَّه في سنة تسع وثمانين.
كان أبوه في صباه يرسله ليتعلم الرمي، فيخالفه ويذهب إلى مجالس أهل العلم وحِلَقِهم فيحضرها، وقد انهمك في التعلم والاشتغال حتى صار متقدِّمًا في فنون العلم.

شيوخه: تلقى العلامة العلم عن عدد كبير جدًا من علماء عصره ومشاهيره، وكان جل طلبه في العشر الثاني بعد السبعمائة فأكثر.
فمن شيوخه:
1 - تاج الدين أحمد بن علي بن دقيق العيد أخي تقي الدين.
2 - الحسن بن عمر الكردي.
3 - أحمد بن الشجاع الهاشمي.
4 - محمد بن محمد بن عيسى الطباخ.
فتح الدين بن سيد الناس، وبه تخرَّج.

تلامذته:
سمع منه وتلقى عنه العلم جماعات منهم: 1 - ابنُه جمال الدين أبو بكر عبد الله بن مغلطاي.
2 - شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي قاضي حلب.
3 - زين الدين العثماني المراغي نزيل المدينة وقاضيها وخطيبها.
4 - عمر بن علي بن الملقن المعروف بابن النحوي. وبه تخرَّج.

مناصبه:
درَّس بمدارس متعددة بالقاهرة، فتولى تدريس الحديث بالمدرسة الظاهرية بعد وفاة شيخه ابن سيد الناس.
ودرَّس بجامع القلعة مدَّة، كما درَّس بالجامع الصالحي، والمدرسة المجدية، والمدرسة النجمية وغيرها من المدارس والمساجد.

ولمغلطاي تصانيف كثيرة زادت على المئة، منها:
1 ـ «إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال» للمزي.
2 ـ مختصر الإكمال اقتصر فيه على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين.
3 ـ «التلويح في شرح الجامع الصحيح»، شرح على صحيح البخاري.

(1/1)


4 ـ «الإعلام بشرح سنته عليه الصلاة والسلام» وهو شرح ابن ماجه في خمسة مجلدات، ولكنه لم يكمل.
5 ـ «شرح أبي داود» ولم يتم.
6 ـ «إصلاح ابن الصلاح»: فيه تعقبات على علوم الحديث لابن الصلاح.
7 ـ «الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم عليه الصلاة والسلام».
8 ـ «الإشارة إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتاريخ من بعده من الخلفاء»: وهو تلخيص لكتابه الزهر الباسم بحذف الشواهد، وإضافة شيءٍ من تاريخ الخلفاء.
9 ـ «زوائد ابن حبان على الصحيحين».
10 ـ «ترتيب المهمات على الروضة في الفروع» للأسنوي على أبواب الفقه.
11 ـ «منارة الإسلام» ترتيب كتاب «بيان الوهم والإيهام» مضافًا إليه كتاب «الأحكام الكبرى» لابن القطان.
12 ـ «ذيل على المؤتلف والمختلف» لابن نقطة.
13 ـ «ذيل على المشتبه» لابن نقطة.
14 ـ «ذيل على كتاب الضعفاء» لابن الجوزي.
15 ـ «الواضح المبين في من استشهد من المحبين».
16 - «التلويح إلى شرح الجامع الصحيح» في عشرين مجلدًا كما ذكر ابن حجر في «الدرر الكامنة».

وفاته:
توفي بالقاهرة بحارة حلب ودفن بالريدانية وصلَّى عليه القاضي عز الدين بن جماعة.

عملنا: تم تنضيد الكتاب من نسخة الخطية والمقابلة وتقويم النص بالمراجعات الأولية في المرحلة الأولى من العمل.
بطاقة المخطوط
اسم المخطوط: التلويح إلى شرح الجامع الصحيح
المؤلف: مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري علاء الدين المصري
الشهرة: مغلطاي
سنة الوفاة: 762
الناسخ: الخليل بن أحمد الخطي
عدد الأجزاء: 4
القسم الأول من الكتاب هو قسم مبتور الأول من الجزء الأول من نسخة متقنة، مصدرها إحدى مكتبات باكستان، في (241) لوحة يبدأ من أثناء شرح حديث ابن عباس (493) في (باب سترة الإمام سترة من خلفه) وتنتهي بشرح حديث ابن عمر (957) وبعده باب الخطبة بعد العيد.

(1/2)


عدد الأسطر: 25
تاريخ النسخ القرن الثامن تقديرًا
====
القسم الثاني من الكتاب تتمة الجزء السابق وهو في هذه النسخة الجزء الخامس منها، مصدرها المتحف البريطاني (14160)، في (151) لوحة يبدأ من باب الخطبة بعد العيد (957) وتنتهي بشرح حديث السيدة عائشة (1264) من باب الثياب البيض للكفن.
عدد الأسطر: 21
الناسخ: الخليل بن أحمد الخطبي بن عادل
تاريخ النسخ القرن الثامن تقديرًا
====
القسم الثالث من الكتاب وهو الجزء التاسع من النسخة السابقة ذاتها، مصدرها المتحف البريطاني (14160)، في (165) لوحة يبدأ من أواخر كتاب الصوم في باب حق الضيف في الصوم أول شرح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (1974) وتنتهي بشرح حديث أبي هريرة (2305) من باب وكالة الشاهد والغائب جائزة.
عدد الأسطر: 21
الناسخ: الخليل بن أحمد الخطبي بن عادل
تاريخ النسخ: 767
====
القسم الرابع من الكتاب وهو الجزء الحادي عشر والثاني عشر من نسخة ثالثة، مصدرها تركيا، في (328) لوحة يبدأ من أثناء كتاب الصلح أول باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس قبل شرح حديثي أبي هريرة وزيد بن خالد (2697) وتنتهي بشرح حديث أسامة (3473) من أحاديث الأنبياء.
عدد الأسطر: 21
الناسخ: إبراهيم بن محمد العباسي
تاريخ النسخ: 767
====
القسم الخامس من الكتاب وهو آخر الجزء الثالث عشر من النسخة السابقة، مصدرها وزارة الأوقاف ببغداد، في (24) لوحة يبدأ من أثناء كتاب التفسير أثناء شرح باب {فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا فإذا أمنتم فاذكروا الله} شرح حديث ابن عباس (4538) إلى حديث ابن عمر (4546)، ومن حديث أبي هريرة (5757) إلى حديث أنس (5869)، وفيها سقوطات بين الأوراق كبيرة.
عدد الأسطر: 21
الناسخ: إبراهيم بن محمد العباسي
تاريخ النسخ: 767

(1/3)


كتاب الصلاة]
باب سترة الإمام سترة من خلفه
493 - (أَتان) بالكسر لغةً ثانيةً في الأَتَانِ وهي الحمارُ وذكره ابنُ عُدَيْسٍ في «الْمُثَنَّى»، وفي «الْمُحْكَمِ»: الأتانُ الحِمَارةَ، والْمَأْتُوناءُ اسمٌ للجَمْعِ، واسْتَأْتَنَ الحمارُ صارَ أَتانًا، والأَتَانُ المرأة الرعناء على التشبيه بالأتان، وفي «الواعي»: الأتان الأنثى من الحُمُرِ، وَفِي «الصِّحَاحِ»: ولا تَقُل أتانة.
قال الْمَدِينِيُّ في «المغيث»: إنما استدركَ الحمارَ الأتانَ ليُعْلَمَ أنَّ الأنثى من الحُمُرِ لا تقطع الصلاة، فلذلك لا تقطعها المرأة.
قال ابنُ قُرْقُولٍ: جاء في بعض الحديث <أَتَانَة> ضبطَ الأَصِيلي< حِمَارٌ أتانٌ> على النَّعْتِ أو البدل مُنَوَّنَيْن وَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، وَجَاءَ عَلَى أَتَانٍ، فالأولى الجمع بينهما.
قال سراج بن عبد الملك: أتانٌ وَصْفٌ للحمارِ، ومعناه: صُلبٌ قويٌّ مأخوذ من الأتان وهي الحجارة الصُّلْبَةُ، قال: وقد يكون بدلَ غلطٍ، قال: وقد يكون بدل البعض من الكلِّ لأن الحمار يشمل الذكر والأنثى كالبعير.
قال ابن سراج: وقد يكون (عَلَى حِمَارِ أتانٍ) على الإضافة، أي على حمارٍ أنثى، وكذا وجدتُه مضبوطًا في بعض الأصول، وعنْ يونس وغيره: أتانٌ وأتانةٌ وعجوزةٌ وفرشةٌ وعقربة وَدِمَشْقَة في دمشق.
قوله: (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلاَمَ) ذكر في «الْمُوعِبِ»: إذا دنا الصبيُّ للفطام قيل: ناهز وقد نهز والجارية ناهِزَة.
وقال ابن دريد: ناهز الأربعين داناها، وقد اختلف في سنِّهِ يوم وفاة سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فقيل: خمس عشرة وصَوَّبَه أحمد بن حنبل، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشر سنين وفيه بعدٌ، وقيل غير ذلك.

(1/1)


وقال عياضٌ: اختلفوا في سترة الإمام: بنفسها سترة لمن خلفه؟ أو هي سُتْرَةٌ له خاصة وهو سترةٌ لمن خلفه؟ بالاتفاق أنهم مصلون إلى سُتْرَةٍ، قال: حديثُ سُتْرَة المأموم سترة إمامِه فليس يضر المرورُ بين يدي المأموم؛ لأن المأموم تعلَّقَتْ صلاته بصلاة إمامه، قال: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من المرور بين يديه، وأما في موضع يأمن فعند مالك قولان، وهي عند الشافعي مشروعة مطلقًا لعموم الأحاديث ولأنها تصون البصر، فإن كان في الفضاء هل يصلي إلى سُتْرَةٍ؟ فأجازه ابن القاسم لحديث عبد الله هذا.
وقال مُطَرِّفٌ وابنُ الْمَاجِشُون: لا بُدَّ من السُّتْرَةِ، وذكر عن عُرْوةَ وعطاءٍ وسالمٍ والقاسمِ والشَّعْبِيِّ والحسن أنهم كانوا يصلون في الفضاء إلى غير سُتْرَةٍ.
وزعم ابنُ القَصَّارِ أنَّ منْ قال إن الحمار يقطع الصلاة، قال: إن مرور حمار عبد الله كان خلف الإمام بين يدي بعض الصف. انتهى.
ولعمري هو كلام جيد لولا ما سبق من عند البَزَّارِ من أنَّ ذلك كان بين يدي النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
فإن قيل: روى أَبُو دَاودَ عن مولًى ليزيدَ بن نِمْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا بِتَبُوكَ مُقْعَدًا، فَقَالَ: مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ: «قَطَعَ عَلَيْنَا صَلَاته، قَطَعَ اللهُ أَثَرَهُ» قال: فَمَا مَشَيْتُ عليهما بَعْدُ.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِيهِ قالَ: نزلْتُ بِتَبُوكَ فَإِذَا رجلٌ مُقْعَدٌ

(1/2)


فَسَأَلْتُهُ فقال نَزَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ: «هَذِهِ قِبْلَتُنَا» ثُمَّ صَلَّى إِلَيْهَا، فَأَقْبَلْتُ وَأَنَا غُلَامٌ أَسْعَى حَتَّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَقَالَ: «قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللهُ أَثَرَهُ» فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَمَا إِلَى يَوْمِي هَذَا.
قلنا: هذان الحديثان غير صحيحين، الأول فيه رجل مجهول، والثاني زَعَمَ ابنُ القَطَّانِ وغيره أنه في غاية الضعف ونكارة المتن، وزعم الحَازِميُّ أنه على تقدير الصحة يكون منسوخًا بحديث ابن عباس؛ لأن حجة الوداع بعد تبوك.
وممن ذهب إلى أن الصلاة لا يقطعها شيء عثمانُ وعليٌّ وعائشةُ وابنُ عباس ٍوابنُ الْمُسَيَّبِ وعروة والشعبيُّ وعُبَيْدَة، وإليه ذهب أبو حنيفة وسفيان وأهل الكوفة ومالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأكثر أهل الحجاز وبه قال أحمد وإسحاق.
وعند أبي داود بسندٍ ضَعَّفَهُ الخَطَّابِيُّ وغيره: عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَتَانَا النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ.
وعند الدَّارَقُطْني: فَصَلَّى لَنَا العصرَ فما بالى بِهِمَا ولا ردَّهُمَا.
وعنده عن أنسٍ، وقَالَ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي سَمِعْتُ أَنَّ الْحِمَارَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ».
قال: اختلف في إسناده والصوابُ مُرْسَلٌ عنْ عُمَرَ بنِ الخطاب.

(1/3)


494 - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنا عبد الله بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ» فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ.
وفي لفظ: «تُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا».
وفي لفظ قدامة: «يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَومَ النَّحْرِ».
قال الجَيَّانيُّ: لم أسمع هذا منسوبًا لأحد من الرواة. انتهى.
ذكر خَلَفٌ في كتاب «الأطراف» وأبو نُعَيْمٍ الأَصْبَهانيُّ في «المستخرجِ» أنه إسحاقُ بنُ مَنْصُور الكَوْسَج. [خ 494]
495 - وحديثُ أبي جُحَيفَةَ تقدَّمَ في الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ.
(بَابُ قَدْرُ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ المُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ؟)
496 - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قالَ: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَبَيْنَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ». [خ 496]
497 - حَدَّثَنا المَكِّيُّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: «كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا». [خ 497]
وعند أبي داود: «كانَ بينَ الْمُصَلَّى والقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ».
وكأنَّ البخاريَّ لَمَحَ أن في حديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ القائل فيه أبو داود اخْتُلِفَ في إسناده: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».

(1/4)


وعندَ ابنِ أَبِي شَيْبَةَ بسندٍ صحيحِ عنْ أَبِي سعيدٍ يرفعه: «إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا».
وعنْ عَبْدِ اللهِ بسند فيه لَيْث: «لَا تُصَلِّيَنَّ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَجْوَةٌ، تَقَدَّمْ إِلَى الْقِبْلَةِ، أَوِ اسْتَتِرْ بِسَارِيَةٍ».
وعنِ ابنِ عُمَرَ بسندٍ فيه ضَعْفٌ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا كَيْلَا يَمُرَّ الشَّيْطَانُ أَمَامَهُ».
فأراد أنْ يُبَيِّنَ مقدار ما يكون بينهما.
وزَعَمَ القرطبيُّ أن بعض المشايخ حمل حديثَ مَمَرِّ الشاةِ على ما إذا كان قائمًا، وحديثَ بلالٍ أن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لما صلَّى في الكعبة جعل بينه ويبن القبلة قريبًا من ثلاثة أذرع: على ما إذا ركع أو سجد، قال: ولم يحدَّ مالك في ذلك حَدًّا إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دَفْعِ منْ مَرَّ بين يديه، وقَيَّدَهُ بعضُ الناس بشبرٍ، وآخرون بثلاثة أذرع وبه قال الشافعي وأحمد، وآخرون بستة أذرع.
ذكر السَّفَاقُسيُّ قال أبو إسحاقَ رأيتُ عبد الله بنَ مُغَفَّلٍ يصلي وبينه وبين القبلة ستة أذرع، وفي نسخة: «ثلاث أذرع»، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صححه نحوه، والصَّلاةُ إلى الراية وإلى العَنَزَةِ والسُّتْرَةِ بمكةَ تقدَّمَ ذكرها.
(بَابُ الصَّلاَةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ)
قَالَ عُمَرُ: «الْمُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا»، وَرَأَى عُمَرُ رَجُلًا يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا.
هذا الرجل هو قُرَّةُ أَبُو مُعَاويةَ بنُ قُرَّةَ روى ذلك عنه أنه قال: «رآني عمر وأنا أصلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانتَيْنِ فأخذَ بِقَفَايَ فَأَدْنَانِي منَ السُّتْرَةِ وقالَ: صَلِّ إِلَيْهَا».
قَالَ ابنُ التِّيْنِ: إنما كره عمر ذلك لأجل انقطاع الصفوف.

(1/5)


502 - حَدَّثَنا المَكِّيُّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ قَالَ: «كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَهَا». [خ 502]
وعند مسلم: «يُصَلِّي وراءَ الصندوقِ» وفي رواية: «كَانَ يَتَحَرَّى مَكَانَ الْمُصْحَفِ يُسَبِّحُ فِيهِ».
503 - حَدَّثَنا قَبِيصَةُ حَدَّثَنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ محمد صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ» وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَنَسٍ: «حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ». [خ 503]
هذه الزيادة ذكرها البخاريُّ مُسْنَدَةً في بابِ كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ بزيادة: «حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ».
قال البخاريُّ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ: عَنْ سعيدٍ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ.
حديث عثمان ذكره الإسماعيلي في «صحيحه» وأبو داود هذا هو الحَفْرِيُّ واسمه عمر بن سعيد وعند الإسماعيلي في «صحيحه»:
«قامَ كبارُ الصحابةِ فَابْتَدَرُوا السَّواري».
وعند مسلم: «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فرَكَعَوُا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيْهَا».

(1/6)


وفي لفظ: «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ».
قال المختارُ بنُ فُلْفُل: قلتُ لأنس أكان النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صلَّاهما؟ قال: «كان يرانا نُصَلِّيها فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا».
والحديث الذي خَرَّجَه أبو عبد الله ليس فيه تصريحٌ بالصَّلاةِ عند السَّواري.
وقد اختلف العلماء في الصلاة بين السواري فكرهه أنس وقال: «كُنَّا نَتَّقِيْه على عهد النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ»، وفي لفظ: «كُنَّا نُنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوارِي وَنُطْرَدُ عَنْهُمَا» صَحَّحَهُما الحاكمُ، وقال ابن مسعود: «لَا تَصُفُّوا بَيْنَ الْأَسَاطِينِ». وكرهه حذيفةُ وإبراهيم، قَالَ القُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا كُرِهَتِ الصلاةُ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ؛ لأنَّه رُوِيَ في الحديث أَنَّها مُصَلَّى الجن المؤمنين، وأجازه الحسن ومحمد وابن سيرين، وكان ابنُ جُبَيْرٍ وإبراهيمُ التيميُّ وسُويد بنُ غَفْلَة يَؤُمُّونَ قوهم بَيْنَ الْأَسَاطِينِ، وهو قول أبي حنيفة، وقال مالك: لا بأس بذلك لِتَضَيُّقِ المسجد، وقال ابن جبير: وليس النهي عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد وإنما نُهِيَ عنه إذا كان المسجد واسعًا، وقَالَ الدَّاودِيُّ: في هذا الحديث أنَّ الفَذَّ لا يصلي إلى سُتْرَةٍ.
(باب الصلاة بين السَّوَاري)
يأتي في الحج إن شاء الله تعالى، والصلاة إلى الراحلة تقدم في الصلاة على الفراش، والركعتين قبل المغرب يأتي في التطوع.
(بَابٌ يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)
وَرَدَّ ابنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الكَعْبَةِ، وَقَالَ: إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ. قال أبو محمد الإشبيلي في كتابه «الجمع بين الصحيحين» كذا وقع: (وَفِي الكَعْبَةِ).

(1/7)


وَقالَ ابنُ قُرْقُولك وردَّ ابن عمر في التشهد وفي الركعة، قال القَابِسِيُّ: (وَفِي الرَّكْعَةِ) بدلًا: منَ (الكَعْبَةِ) أشبه، وكذا وقع في بعض الأصول: (الرَّكْعَةِ)، والظاهر أنه: (وَفِي الكَعْبَةِ) وهو الصواب لما في «كتاب الصلاة» لِأَبِي نُعَيْمٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ عنْ صالحِ بنِ كَيْسَانَ قال: رأيْتُ ابنَ عُمَرَ يُصَلِّي في الكعبةِ فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيَنَ يَدَيْهِ يُبَادِرُهُ، قال: يَرُدُّهُ.
حَدَّثَنَا فِطْرُ بنُ خَلِيْفَةَ، حَدَّثَنا عَمْرو بنُ دينارٍ قالَ: «مَرَرْتُ بابنِ عُمَرَ بَعْدَمَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ حَتَّى أَنْظُرَ ما يَصْنَعُ فارتفعَ مِنْ مكانِهِ، فَدَفَعَ في صَدْري».
وقال ابنُ أبي شَيْبَةَ: حدَّثَنَا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: «مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ ابنِ عُمَرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَارْتَفَعَ مِنْ قُعُودِهِ، ثُمَّ دَفَعَ فِي صَدْرِي»، وفي «كتاب الصلاة» لِأَبِي نُعَيْمٍ: «فَانْتَهَرَنِي بِتَسْبِيحِهِ».
وفي حديث يزيد الفقير: «صليتُ إلى جنبِ ابنِ عُمَرَ بمكةَ فلم أَرَ رجلًا أكره أن يُمَرَّ بين يديه منه».

(1/8)


509 - حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُوسَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُوسَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَالَكَ وَلِابنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». [خ 509]
وفي لفظ: «إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلْهُ». وعند مسلم: «فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ».
وعند ابنِ مَاجَه: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا، وَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَمُرُّ فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ».
وعند النَّسَائيِّ: «فَأَرَادَ ابنٌ لِمَرْوانَ أنْ يَمُرَّ بين يديه» قال ابن الجوزي في «التلقيح»: هو داودُ بنُ مروانَ بنِ الحكمِ، وأمه: أمُّ أَبَانَ بنت عثمان بن عفان.

(1/9)


وفي «صحيح ابن حبان»: «فَلْيَدْنُ مِنْهَا -يعني السُّتْرَةَ- فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا».
وعند أبي داود من طريق مُجَالِدٍ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»
أَخْبَرَنَا الإمامُ الْمُسْنِدُ عبدُ الله بنُ عليِّ بنِ عمرَ الْحِمْيَرِيُّ، أَخْبَرَنَا الإمامُ أبو عبد الله محمدُ بنُ عبد الرحمن بنِ أحمد بن عِمْرَانَ الأنصاري قرأه عليه عن الإمام أبي جَعْفَرٍ محمد بن أحمد بن نَصْر الصَّيْدَلَاني، أَخْبَرَنَا أبو منصور محمودُ بنُ إسماعيلَ الصيرفيُّ قراءة عليه وأنا حاضر، أَخْبَرَنَا أبو بكر بن شاذان الأعرج، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ محمد بْنِ فَوْرَكٍ الْقَبَّابُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بنِ عبدِ السَّلام التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ بجميع «كتاب الصلاة» تأليفه قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَامِرٍ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ قَالَ: «بَيْنَمَا أَبُو سَعِيدٍ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَرأَهُ فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ ولَكَمَهُ».

(1/10)


وفي «المصنف» لابن أبي شيبة: حَدَّثَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ ابنِ سِيرِينَ قَالَ: «كَانَ أَبُو سَعِيدٍ قَائِمًا يُصَلِّي، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَنَعَهُ وَأَبَى إِلَّا أَنْ يَجِيءَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ فَطَرَحَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَصْنَعُ هَذَا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: وَاللهِ لَوْ أَبَى إِلَّا أَنْ آخُذَهُ بِشَعْرِهِ لَأَخَذْتُ» (1).
قَالَ الإِسْمَاعِيْلِيُّ جمعَ البخاريُّ بين الحديثين وذكر لفظ سليمان بن المغيرة وليس في حديث يونس ذكر السترة.
وفيه الإطلاق للدافع إذا مر في غير سترة بسترة.
وفي حديث سليمان دفعه إذا كان المصلي إلى سترة، وفي هذا تَجُوُّزٌ، قال: وتابع يونس سليمان بن حيَّان عن حُمَيْدٍ في مسند منه
وأرسله خالد الواسطي عن يونس عن حميد عن أبي سعيد لم يذكرْ أبا صالح.
وعند ابن التين: قال أبو سعيد لمروان قد كنت نهيته فأبى أن ينتهي.
ذكر أبو زكريا عن بعض الشافعية أن المصلي إذا لم يستقبل شيئًا أو تباعد عن السُّتْرَةِ، فإنْ مرَّ أحدٌ وراء موضع السجود لم يُكْرَه، وإن أراد المرور في موضع السجود كُرِهَ وليس للمصلي أن يقاتله؛ لأنَّه قَصَّرَ حيث لم يَسْتُر أو يَقْرُب من السُّتْرَةِ.
وقيل: له إذا صلى إلى غير سترة أن يدفع من مَرَّ بين يديه.
وقال مالك: لا يردُّهُ وهو ساجد (2)، قَالَ ابنُ التِّيْنِ: فِإن لم يجد مساغًا إلا مروره بين يديه ويَشُقُّ الصبرُ إلى فراغه، والمصلي يجد مَنْدُوحَةً عن ذلك الموضع فإنْ صلى إلى غير سُترة وللمارِّ مندوحة أثم المار، وقيل: يأثمان جميعًا؛ لأنَّ المارَّ ارتكب محظورًا والمصلي عرض نفسه لذلك وهي مسألة عقلية.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (2930)
(2) التمهيد (4/ 489)،والإستذكار (6/ 164)

(1/11)


وقال الدَّاروني في قوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) يريد الأمر عددًا، وهذا في الإمام والفذِّ يدل على ذلك حديث ابن عباس وغيره.
وزعم ابن العربي أن الناس اختلفوا في وجوب وضع السترة بين يدي المصلي على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه واجب فإن لم يجد وضع خطًا، وبه قال أحمد كأنه اعتمد حديث ابن عمر الذي صححه الحاكم: «لَاتُصَلُّوا إِلَّا إِلَى سُتْرَةٍ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ».
وعند أبي نعيم في «كتاب الصلاة»: حَدَّثَنا سليمان أظنه عن حميد بن هلال قال عمر بن الخطاب: «لو يعلمُ الْمُصَلِّي ما يَنْقُصُ منْ صَلَاتِه مَا صَلَّى إِلَّا إِلى شَيءٍ يَسْتُرُهُ منَ النَّاسِ».
وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: «إِنَّهُ لَيَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاةِ الْمَرْءِ مُرُورُ الْمَرْءِ بَيْنَ يَدَيْهِ».
وحديثُ أَبِي عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْروِ بنِ حُرَيْثٍ، عَنْ جَدِّهِ حُرَيْثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» خَرَّجه ابن حِبَّان في «صحيحه» وذكر عبدُ الحق: أنَّ ابن المديني وأحمد بن حنبل صححاه.
وفي «علل الخلال» قال أحمد: الخط ضعيف، وإنما أرى أن من صلى في فضاء أجزأه، قيل له: بأي حديث؟ قال: بحديث ليس بذاك شعبة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن صهيب رجل من أهل البصرة عن ابن عباس: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صلَّى في فضاءٍ ليسَ بينَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ» ورواه الحكم عن يحيى عن ابن عباس لم يذكر صُهَيْبًا، وقال أبو حاتم الرازي في «العلل»: هذا زاد رجلًا وهذا نقص رجلًا وكلاهما صحيح.

(1/12)


وقَالَ الدَّارَقُطْني حديث أبي هريرة روي عنه من طرق ولا يصح ولا يثبت، قال ابن عيينة: لم يجد شيئًا يشد به هذا الحديث ولم يجئ إلا من هذا الوجه، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدَّث به قال:
عندكم شيء تَشُدُّونه به، وأَشَارَ الشَّافِعِيُّ أيضًا إِلى ضَعْفِهِ بقوله في «سُنَنِ حرملة»: ولا يخطُّ المصلي بين يديه خطًّا إلا أن يكون ذلك في حديثٍ ثابتٍ يُتَّبَعُ.
قَالَ البَيْهَقِيُّ: ولا بأسَ به -يعني بالحديث- في مثل هذا الحكم.
وقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ سُئِلَ عَنْ وَصْفِ الْخَطِّ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَ: هَكَذَا عَرْضًا مِثْلَ الْهِلَالِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سمعتُ مُسَدَّدًا يقول: قَالَ ابنُ دَاوُدَ: الْخَطُّ بِالطُّولِ.
قال ابنُ عُيَيْنَةَ: رأيت شريكًا صلى بنا في جنازة العصر فوضع قلنسوته بينَ يديه يعني في فريضة حضرت.
قال ابن العربي: قال بعضهم يكون منصوبًا كهيئة مُحَارِبِينا، ومنهم من قال: يكون طولًا.
واختلفوا فمنهم من قال يكون طولًا من المشرق إلى المغرب، ومنهم من قال من الشمال إلى الجنوب وهذا الحديث لو صحَّ قلنا به إلا أنَّه معلولٌ فلا معنى للنصب فيه.
وقال لي أبو الوفاء بنُ عَقِيْل وأبو سعيد البَرْدَاني شيخنا مذهب أحمد، كان أحمد يرى أن ضعيف الأثر خير من قوي النظر.
وقال أبو عمر في «التمهيد»: قال أبو حنيفة ومالك والليث الخط ليس شيئًا وهو باطلٌ، وكان الشافعي يقول به بالعراق وأي ذلك بمصر.
قال ابن العربي: واستحبَّ السترة أبو حنيفة ومالك والشافعي، وعن مالك جواز تركها. انتهى.
فإن لم يجد المصلي ما يستر به يفعل بما حكى ابن أبي شيبة في «مسنده» بسند صحيح عن مالك قال: «كَانَ ابنُ عُمَرَ، إِذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ لِي: وَلِّ ظَهْرَكَ».

(1/13)


وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَسْتُرُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ جَالِسًا وَهُوَ يُصَلِّي، وقاله الحسن وإبراهيم، وأخبرنا ابن سيرين: فإذا كانت لديه سترة كيف يكون قيامه خلفها، روى أبو داود من حديث أبي عُبَيْدَةَ الوليدِ بن كامل وفيه ضعفٌ: أنَّ الْمِقْدَادَ بنَ الأسودِ قال: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَى عُودٍ وَلَا عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ إِلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا».
قوله: (فَلْيَدْفَعْهُ) قال أبو زكريا: هذا أمرٌ نَدْبٌ متأكدٌ، ولا أعلم أحدا من الفقهاء أوجبه.
وقال عياض: وأجمعوا أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فَهَلَكَ من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم يكون هَدْرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك، قال ابن شعبان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هَدْرٌ، ذكره ابن التين.
قال عياضٌ: واتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردَّه وإنما يُدَافِعُهُ ويردُّه من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره بين يديه، وإنما أُبِيْحَ له قَدْرُ ما يناله من موقفه، وإنما يردُّه إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، واتفقوا على أنه إذا مَرَّ لا يردُّه لئلا يصير مرورًا ثانيًا إلا شيئًا رُوِيَ عن بعض السلف أنه يرده واختلفوا إذا جاء بين يديه وأدركه
هل يرده أم لا؟.
فقال ابن مسعود: يردُّه ورُوِيَ ذلك عن الحسن وسالم.
وقال أَشْهَبُ: يردُّه بإشارة ولا يمشي إليه؛ لأنَّ مشيه أشد من مروره، فإن مشى إليه وردَّه لم تفسد صلاته.
وقال بعضهم في قوله: (فَلْيُقَاتِلْهُ) أي: فَلْيَلْعَنْهُ، قال تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} [الذاريات: 10] أي: لُعِنُوا، وأنكر بعضهم.

(1/14)


قَالَ القُرْطُبِيُّ: ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشيطان، يُؤَيِّدُهُ حديث ابن عمر من عند مسلم: «لَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ»، وعند ابن ماجه: «فإنَّ مَعَهَ العُدي»، وفي «الأوسط»: «فَرُدَّهُ، فَإِنْ عَادَ فَرُدَّهُ، فَإِنْ عَادَ فَرُدَّهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ»، وقيل: فِعلُ الشيطان لشغل قلب المصلي كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه.
وأَنْبَؤُونَا عن الشيخ أبي محمد بن أبي حمزة أنه قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «إِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ومقاتلة الشيطان بالأفعال اليسيرة كالاستعاذة والرقية وشبهها، إذ العمل اليسير من أجل الضرورة جائز في الصلاةِ، فإذا قاتله قتالًا شديدًا أخرجه عن حدِّ الصلاة، فقد رجع المصلي شيطانًا آخر بل أشد منه، وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي أو هو من أجل المارِّ؟ قال: والظاهر أنه من أجل المارِّ، وإن كان ليس في الحديث من أين، لكن من خارج وهو قوله عن المار: (لَأَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يمرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) وقال في حق المصلي: (إِنَّ الصَّلَاةَ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ). انتهى كلامه.
ويحدثنا فيه قول عمر وابن مسعود الذي أسلفناه من نقص صلاة المصلي.
وأجمعوا أنه لا يجوز للمصلي أن يرَى نفسًا تذهب وهو قادر على سلامتها يتركها ويصلي، فإن فعل فهو آثمٌ، وأُمِرَ المصلي أولا بالدفع لاحتمال أن يكون ساهيًا أو لم يرَ المصلي أو لم يتبين له أنه يصلي أو فعله عامدًا فإن رجع حصل المقصود، فإن لم يرجع قُوتِل.
وحكى السَّفَاقُسيُّ عن أبي حنيفة بطلان الصلاة بالدفع وهو قول الشافعي في القديم.
وقال ابن المنذر: يدفع في نحره أول مرة، ويقاتله في الثانية وهي المدافعة. انتهى.

(1/15)


قد ذكرنا قبل أن المقاتلة إنما تكون بعد الثالثة، وقيل: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة، ويُؤَنِّبُهُ.
وقيل: يدفعه دفعًا أشد من الردِّ مُنْكِرًا عليه.
وفي «التمهيد»: العملُ القليلُ في الصلاةِ جائزٌ، نحو قتل الْبُرْغُوثِ، وحكِّ الجسد، وقتل العقربِ بما خفَّ من الضرب ما لم تكن المتابعة والطول والمشي إلى الْفُرَجِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا وَدَرْءِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكْثُرْ فَإِنْ كَثُرَ أَفْسَدَ.
وضَمَّنَ عمر بن عبد العزيز رجلًا دفع آخر وهو يصلي فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه.
والصحيح عندنا أن الصلاة لا يقطعها ما يمر بين يدي المصلي بوجه من الوجوه ولو كان خنزيرًا، وإنما يقطعها ما يفسدها من الحدث وغيره مما جاءت به الشريعة، قال الثوري: يمر الرجل بين يديَّ يتبختر فأمنعه ويمر
الضعيف فأتركه.
قال ابن العربي: قال بعض الناس وغلط إذا صلى إلى غير سترة فلا يدع أحدًا يمر بين يديه بمقدار رمية سهم، وقيل: رمية حجر، وقيل: رمية رمح، وقيل: بمقدار المطاعنة، وقيل: بمقدار المضاربة بالسيف.
قال أبو بكر: وحريم المصلي سواء وضع بين يديه سترة أو لم يضعها هي بمقدار ما يستقلُّ قائمًا وساجدًا وراكعًا، لا يستحق من الأرض كلها سواها، وسوى ذَلك لغيره.
(بَابُ إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي)

(1/16)


510 - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فِي المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ منَ الإثمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي، قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً. [خ 510]
هذا خرَّجَه الستة في كتبهم، وعند ابن ماجهْ: حَدَّثَنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرٍ قَالَ: أَرْسَلُونِي إِلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، فَأَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «لَأَنْ يَقُومَ أَرْبَعِينَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ سُفْيَانُ: فَلَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَوْ شَهْرًا، أَوْ صَبَاحًا، أَوْ سَاعَةً.
وفي «مسند البزار»: حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنا سُفْيَانُ به وفيه: أَرْسَلَنِي أَبُو جُهَيْمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَقَالَ: «لَأَنْ يَقُومَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قال أبو عمر في «التمهيد»: رواه ابن عيينة مقلوبًا، والقول عندنا قول مالك ومن تابعه.

(1/17)


وقال ابن القطان: إن في حديث البزار خُطِّئ فيه ابن عيينة وليس خطؤه بمتعين لاحتمال أن يكون أبو جُهَيْمٍ بعث بُسْرًا إلى زيد، وزيد بعثه إلى أبي جُهَيْم يَسْتَثْبِتُ كل واحد ما عند الآخر، فأخبر كل منهما محفوظه فشك أحدهما وجزم الآخر، واجتمع ذلك كله عند أبي النضر.
وفي صحيح أبي حاتم ابن حبان عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا في الصلاةِ، كانَ لأَنْ يقيمَ مِئَةَ عَامٍ خيرٌ لهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَا».
قال الطحاويُّ: وهذا عندنا متأخر عن حديث أبي جهيم وأولى الأشياء بنا أن نظنه بالله تعالى الزيادة في الوعيد للعاصي المار بين يدي المصلي لا التخفيف.
وعند أبي القاسم في «الأوسط» عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «إنَّ الذي يمرُّ بينَ يدي الْمُصَلِّي عمدًا يَتَمَنَّى يوم القيامة أنه شجرةٌ يابسة».
وفي «المصنف» عن عبد الحميد عامل عمر بن عبد العزيز قال صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لو يعلمُ المارُّ بينَ يَدَي الْمُصَلِّي ما عليه لأحبَّ أنْ تنكسرَ فخذه، ولا يمرَّ بين يديه».
وقال ابن مسعود: المارُّ بين
يدي المصلي أنقص من الممر عليه، وكان إذا مرَّ أحدٌ بين يديه التزمه حتى يردَّه.
وعند ابن بَطَّالٍ قال عمر: لكان يقوم حولًا خيرٌ له من مروره.
وقال كعبُ الأَحْبَارُ: لكان أن يُخْسَفَ به خيرٌ له من أن يمرَّ بين يديه.
قال القاضي ابن العربي: روي (خَيْرًا له) على أنه الخبر، وبالضم على أنه اسم كان.
(بَابُ اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ صَاحِبَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي صَلاَتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي)

(1/18)


وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي، وَإِنَّمَا هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَالَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ. قوله: (وَإِنَّمَا هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ) هو من كلام البخاريِّ.
وفي «كتاب الصلاة» لِأَبِي نُعَيْمٍ الدُّكَيْنِيِّ حَدَّثَنا مِسْعَرٌ قال: أراني أول من سمعه من القاسم قال: ضرب عمر رجلين أحدهما مستقبل والآخر يصلي.
وحَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنا رجلٌ عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ: أنه كره أن يصلي وبين يديه مُخَنَّثٌ مُحْدِثٌ.
وحَدَّثَنَا سفيانُ، عن أَشْعَثَ بن أبي الشَّعْثَاءِ عن ابن جُبَيْرٍ قال: إذا كانوا يذكرون الله تعالى فلا بأس.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أجاز الكوفيون والثوري والأوزاعي بالصلاة خلف المتحدثين، وكرهه ابن مسعود، وكان ابن عمر لا يستقبل من يتكلم إلا بعد الجمعة.
وعن مالك: لا بأس أن يصلي إلى ظهر الرجل، وأما إلى جنبه فلا، ورُوِيَ عنه التخفيف في ذلك، قال: لا يُصَلِّ إلى المتحلقين؛ لأن بعضهم يستقبله، قال: وأرجو أن يكون واسعًا، وحديث عائشة تقدم ذكره في الصلاة على الفراش.
وقوله هنا: (وَعَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ) خَرَّجَه مُسْنَدًا بعدُ عن عمرَ بن حَفْصٍ عن أبيه عن الأعمش، ووجه مطابقته بهذا الباب فيما ذكره ابن المنار قال: لأنه يدل على المقصود بطريق الأولى وإن لم يكن تصريح بأنها كانت مستقبلته فلعلها كانت منحرفة أو مستديرة. انتهى.

(1/19)


الحديث فيه كاعتِرَاضِ الجنَازَةِ، والجنازة إذا كانت معترضة تكون عَلَى قفاها، وقد ورد أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، فإذا كان كذلك فهو ناظر إلى وجهها لاسيما على قول من قال: كانا على السرير، وقد ورد في «مسند ابن سَنْجر» قال صلى عليه وسلم: «إِنِّي نُهِيْتُ أَنْ أُصَلِّيَ إلى النِّيَامِ والْمُتَحَدِّثين» وهو عند ابن ماجه بسند ضعيف: «نهى رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنْ تُصَلِّيَ خلفَ الْمُتَحَدِّثِ والنَّائِمِ».
وَكَرِهَ مالكٌ الصلاة إلى النائم إلا أن يكون دونه سترة، وأجازه غيره للحديث وهو الصحيح، والأبواب الثلاثة التي بَعْدُ تقدمت في الصلاة على الفراش.
وقوله في باب من قال: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ» وكأنه احترز بهذا من أن الحديث الذي ذكره ليس فيه ما بَوَّبَ له إنما فيه قول الزهري: (لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ) فلهذا قال: (من قال) أي يعني الأمة لا أنه في تغير الحديث لفظًا، أو اعتمد ما ذكرناه بعدُ من عند الدَّارَقُطْني وغيره [7/ أ].
قال البخاري: حَدَّثَنا إسحاق، حَدَّثَنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعد، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الحافظ: إسحاق هذا هو الكَوْسَجُ. انتهى.
ورأيت في بعض الأصول: <حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ> فَيُنْظَرُ:
ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصَّلاةَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ، رُوي ذلك عن عثمان وعلي وحذيفة وابن عمر والشعبي وعُروة وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور وغيرهم.

(1/20)


وعن أحمد لا يقطعُ الصلاة إلا الكلبَ الأسود، قال: وفي قلبي من المرأة والحمار شيءٌ، كأنه اعتمد ما في مسلم من حديثِ عبدِ الله بنِ الصَّامتِ عن أبي ذَرٍّ يرفعه: «إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْ أحدكم مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ والحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ قُلْتُ: فَمَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: الْكَلبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».
وعن أبي هريرة مرفوعًا: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ».
وعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن ابن عباس مرفوعًا: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَالْمَرْأَةُ الحَائِضُ» قال: رَفَعَهُ شُعْبَةُ ووقَفَهُ سعيد وهشام وهمام على ابن عباس. انتهى كلامه.
وفيه نظر لما ذكره ابنُ حَزْمٍ.
وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان قال: شعبة عن قتادة سمع جابرًا عن ابن عباس فذكره موقوفًا.
ومن طريق حجاج بن منهال: أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس به موقوفًا، وقال هذان إسنادان لا يوجد أصح منهما.
وعند أبي جابر بن خلف: «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فَمَرَّتْ شَاةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَاعَاهَا إِلَى الْقِبْلَةِ حَتَّى أَلْصَقَ بَطْنَهُ بِالْقِبْلَةِ» وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
وعند أبي شيبة بسند صحيح: «فَذَهَبَ جَدْيٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَتَّقِيهِ». وفي لفظ: «فَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ حَتَّى نَرَى الْجَدْيَ».

(1/21)


وعند ابن ماجه: «ذُكِرَ عند ابن عباس ما يقطع الصلاة، فذكروا الْكَلْبَ، وَالْحِمَارَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْجَدْيِ؟ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي يَوْمًا، فَذَهَبَ جَدْيٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَبَادَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْقِبْلَةَ».
وعند أبي داود من حديث مُعَاذٍ بن هشامٍ عن أبيه عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ».
قَالَ أَبُودَاوُدَ: فِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ، كُنْتُ أُذَاكِرُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَاءَ بِهِ عَنْ هِشَامٍ وَلَا نعْرِفُهُ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ هِشَامٍ، وَأَحْسَبُ الْوَهْمَ مِنَ ابنِ أَبِي سَمِينَةَ، وَالْمُنْكَرُ فِيهِ ذِكْرُ الْمَجُوسِيِّ، وَفِيهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ، وَذِكْرُ الْخِنْزِيرِ، وَفِيه نَكَارَةٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنِ ابنِ أَبِي سَمِينَةَ وَأَحْسَبُهُ وَهِمَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدَّثَنَا مِنْ حِفْظِهِ.
قال ابن القطان: ليس في سنده مُتَكَلَّمٌ فيه، غير أن عليه باديةً وهي الشكُّ في رفعه، فلا يجوز أن يقال إنه مرفوع، وقد جاء هذا الخبر بذكر أربعة فقط عن ابن عباس موقوفًا بسند صحيح.

(1/22)


قال البزاز حدَّثَنَا ابن مُثَنًّى، حَدَّثَنا عَبد الأعلى، حَدَّثَنا سَعِيد، عَن قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: مَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الْكَلْبُ الأَسْوَدُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كَانَ يَذْكُرُ الثَّالِث قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: الْحِمَارُ، قَالَ: رُوَيْدَكَ الْحِمَارُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَ يَذْكُرُ الرَّابِعَ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: الْعِلْجُ الْكَافِرُ. قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ كَافِرٌ، ولا مُسْلِمٌ فَافْعَلْ. انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول إن اللفظين الآخرين ليسا في نفس الحديث إنما قال: اصبر ولم يبين له بعد الصبر ما الأمر؟.
وفي «العِلَل» لابن أبي حاتم سُئِلَ أبو زرعة على حديث رواه عُبَيْس بن ميمون عن ابنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمة عن أبي هريرة يرفعه: «يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الكَلْبُ، وَالحِمَارُ، وَالمَرْأَةُ، واليَهُودِيُّ، والنَّصْرانِيُّ، وَالمَجُوسِيُّ، وَالخِنْزيرُ» فقال: هذا حديث منكر، وهو عند مسلم: «يقطعُ الصلاةَ المرأةُ والكلبُ والحمارُ».
وكذا رواه ابن مُغَفَّلٍ عند ابن ماجه بسند صحيح، ومن حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عن أبي داود «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صَلَّى إِلَى جِدَارٍ فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتَّى لَصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ».
وبنحوه رواه جابر عند أبي القاسم في «الأوسط» بزيادة: «لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ، وَادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ». وعنده من حديث أنس: «بادر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ نَقْذَةً أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ».

(1/23)


وروينا في «كتاب فوائد الثقفي» عنه: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ».
وعند الطبرانيِّ من حديث علي مرفوعًا: «لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ إِلَّا الْحَدَثُ».
وعند أبي نُعَيْمِ بنِ دُكَيْن عن الحكم: «كانَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فَأَرَادَتْ شاةٌ أنْ تمرَّ بينَ يَدَيْهِ، فَحَالَ بَيْنَهَا وبينَ القِبْلَةِ».
وعند الدَّارَقُطْني بسند ضعيف عن أبي أُمامة مرفوعًا: «لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ».
وعنده أيضًا بسندٍ جيدٍ عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وأبا بكر وعمر قالوا: «لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ، وَادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ».
وعنده بسندٍ صحيحٍ عن عبد الله بن عمر أنه قال: كان يقال: «لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ».
وعند الحاكم على شرط مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «الْهِرَّةُ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ».
وفي مراسيل أبي داود بسندٍ فيه ضَعْفٌ: «أَنَّ قِطًّا أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فَحَبَسَهُ بِرِجْلِهِ».
وعند ابن ماجه بسند فيه ضعفٌ عن أم سلمة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
عَبْدُ اللهِ، أَوْ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ، فَرَجَعَ، فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا، فَمَضَتْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: هُنَّ أَغْلَبُ».

(1/24)


قَالَ البَيْهَقِيُّ: قال الشَّافعيُّ في الجواب عن حديث أبي ذرٍّ لا يجوز إذ روى حديثَ واحدٍ وكان مخالفًا هذه الأحاديث، وكان كل واحد منها أثبت منه ومعها ظاهرُ القرآن العظيم أن يترك إن كان ثابتًا إلا بأن يكون منسوخًا انتهى بحديثين في هذا أن أبا هريرة أيضًا رواه وكذا غيره فلم يبق فردًا والله أعلم.
قال الشافعيُّ: ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر أو يردَّ بأن يكون غير محفوظ وهذا عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صلَّى وعائشة بينه وبين القبلة، وصلَّى وهو حامل أُمَامةَ، فلو كان ذلك يقطع الصلاة لم يفعل واحدًا من الأمرين، وصلَّى إلى غير سترة، وكل واحدٍ من هذين الحديثين يردُّ ذاك الحديث، وقد قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] والله أعلم يدلُّ على أنه لا يُبطل عملَ رجلٍ عملُ رجلٍ غيرِه وأن يكون سعى كلٌّ لنفسه وعليها، فلما كان هذا كذا لم يجز أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره، أو هو ليقطع عن الذكر لا أنها تفسد الصلاة، والذي يدلُّ على صحة هذا التأويل أنَّ ابن عباس أحدُ رواةِ الحديث قطع الصلاة بذلك، وروي عنه أنه حمله على الكراهة.
قَالَ البَيْهَقِيُّ: روى سِمَاكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ؟ فَقَالَ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطِّيِّبُ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] فَمَا يَقْطَعُ هَذَا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ.
قَالَ البَيْهَقِيُّ: روينا عن عائشة أنها قالت: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ». انتهى كلامه.
وفيه نظر لما روينا في كتاب أبي نُعَيْمٍ الدُّكَيْنِيِّ بسند صحيح متصل قال: حَدَّثَنا يونس عن مجاهد عن عائشة قالت: «لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمُسْلِمِ إلا الهرُّ الأَسْودُ والكلبُ البَهِيْم».

(1/25)


قال وحكى ابن عُيَيْنَةَ عن ليثٍ عن طاوس عن ابن عباس قال: «ادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ عَنْ صَلَاتِكُمْ وأشدُّ ما يَبْقَى عليها الكلاب».
وحدَّثَنَا ابن عيينة عن ابن أبي نَجِيْح عن مجاهد قال: الكلب الأسود البهيم شيطان وهو يقطع الصلاة. وعن ابن طاوس قال: كان أبي يشدد في الكلاب، وثنا ابن عيينة عن أيوب عن بكر المزني: أَنَّ ابنَ عُمَرَ أَعَادَ رَكْعَةَ الصَّلَاةِ مِنْ جِرْوٍ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وقال الطحاويُّ: أجمعوا أن مرور بني آدمَ بعضِهم ببعضٍ لا يقطع الصلاة، رُوِيَ ذلك عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ من غيرِ وجه من حديث عائشة وأم سلمة وميمونة: أنه كان يصلي وكلُّ واحدة منهن معترضة بينه وبين القبلة وكلها ثابتة.
وقد رُوِيَ عن الرسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ردَّ المصلي مَنْ مرَّ بين يديه، فدلَّ ذلك على ثبوت نسخٍ عنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أو أنه على وجه الكراهة.
وقال في «المشكل»: وأما حديث المطلب ابن أبي وداعة -يعني المذكور- وعند أبي داود بسند فيه مجهول: رأيتُ النبي صلى الله
عليه وسلم يصلي مما يلي باب بني سَهْم والناس يمرون بين يديه، وليس بينه وبين الطواف سترة، فليس مخالفًا لما روي من النهي عن المرور بين يدي المصلي، إنما هو في الصلاة إلى الكعبة ومعاينتها، والنهي عن المرور بين يدي المصلي إنما هو فيمن يتحرى الصلاة إلى الكعبة إذا غاب عنها وبينهما فرسان.
وروينا عن ابن شاهين في «كتاب الناسخ والمنسوخ» تأليفه أنه قال: حديث المطلب ناسخٌ لحديث النهي، وقد ذكر النسائي في «سننه» بسند منقطع عن العباس: «رأيتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِحِذَائِهِ فِي حَاشِيَةِ الْمَقَامِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطُّوَّافِ أَحَدٌ» حديثا الباب تقدَّما.
(بَابُ إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ)

(1/26)


516 - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وَلِأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». [خ 516]
وعند مسلم: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ» الحديثَ.
وفي أحاديث «الموطأ» للدارقطني: قال ابن نافعٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ والقعنبيُّ في روايةِ إسحاقَ عنه وإبراهيمُ بنُ وَهْبٍ وابنُ بُكَيْرٍ وابن القاسم وأيوب بن صالح عن مالك ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، وقال: محمد بن الحسن ولأبي العاص بن الربيع مثل قول معن وأبي مصعب.
وفي «التمهيد»: رَوَاهُ يَحْيَى وَلِأَبِي الْعَاصِي بْنِ رَبِيعَةَ بَهَاءِ التَّأْنِيثِ، وتابعه الشافعيُّ وَمُطَرِّفٌ وَابنُ نَافِعٍ، والصواب إن شاء الله أصلحه ابن وضاح في رواية يحيى، قال عياض: وقال الأَصِيلي: وهو ابن ربيع بن ربيعة، فنسب إلى جده، قال عياض: وهذا غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار والأنساب باتفاقهم أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمه هشيم، وقيل لقيط وقيل مقسم، وقال: الزبير عن محمد بن الضحاك عن أبيه اسمه القاسم وهو أكثر في اسمه.
قال أبو عمرو: الأكثر لقيط ويعرف بجرو البطحاء، وربيعةُ عَمُّه وأم أبي العاص هَدْلَة، وقيل: هند بنت خويلد أخت خديجة رضي الله عنها لأبيها وأمها، قال: وذكر أشهب عن مالك أن ذلك كان من رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ في صلاة النافلة، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة.

(1/27)


قال أبو عمر: وحسبك بتفسير مالك، ومن الدليل على صحة ما قاله مالك في ذلك: إني لا أعلم خلافًا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه، وفي هذا ما يوضح أن الحديث إما أن يكون كان في النافلة كما روي عن مالك، وإما أن يكون منسوخًا، وقد قال بعض أهل العلم: إن فاعلًا لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث
وإن كنت لا أحبُّ لأحد فعله.
وقد كان أحمد بن حنبل يجيزُ بعض هذا، قال الأَثْرَمُ: سُئِلَ أحمد أَيَأْخذُ الرجلُ ولدَه وهو يصلي؟.
قال: نعم، واحتج بحديث أبي قتادة، قال أبو عمر: لو ثبت أن هذا الحديث غير منسوخ ما جاز لأحدٍ أن يقول إني لا أحبُّ فعل مثل ذلك، وفي كراهة الجمهور كذلك في الفريضة دليلٌ على ما ذكرنا، وقد روى أشهب وابن نافع عن مالك أن ذلك جائزٌ على حال الضرورة إذا لم يجد من يكفيه ذلك، فأما إن وجد من يكفيه ذلك فلا أرى ذلك ولا أرى ذلك على حُبِّ الرجل ولده فلم يخص في هذه الرواية فريضةً من نافلة وحمله على الضرورة.
قال أبو عمرَ: وقد أجمع العلماء على أن العمل الكثير في الصلاة يفسدها، وقد ذكر أبو داود من طريق محمد بن إسحاق أنه كان في صلاة الفريضة -الظهر أو العصر- فَمَنْ قَبِلَ زِيَادَتَهُ وَتَفْسِيرَهُ جَعَلَ حَدِيثَهُ هَذَا أَصْلًا فِي جَوَازِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ عَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُونَ لِلْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قال أبو عمر: وحَمْلُهُ أُمَامَةَ محمولٌ عند أهل العلم أنها كانت عليها ثياب طاهرة وأنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَمِنَ منها ما يحدث للصبيان من البول وغيره، وجائز أن يعلم ما لا يعلمه غيره. انتهى.

(1/28)


وأسلفنا من عِنْدَ مُسْلِمٍ من غير رواية ابن إسحاق: «يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِي» وعند أبي داود: «بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، خَرَجَ عَلَيْنَا وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ فَصَلَّى وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ، وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا» وحديث مَخْرَمَةَ: «رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي لِلنَّاسِ وَأُمَامَةُ عَلَى عُنُقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا» وَلِأَن الْغَالِب فِي إِمَامَة رَسُول الله كَانَت فِي الْفَريضة دون النوافل.
وفي كتاب «النسب» للزُّبَيْرِ بنِ بَكَّارٍ عن عَمْرو بن سُلَيْم أَن ذَلِك كَانَ فِي صَلَاة الصُّبْح ...
قال ابن بطال وغيره: وروى ابن القاسم عن مالك أن ذلك كان في ... وروى أشهب وابن نافع عنه أن هذا كان للضرورة، وروى عنه التنِّيسي أن هذا ... نظر لعدم عرفان التاريخ, وادعى بعض المالكية أن هذا مخصوص به صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ... وفيه نظر إذا لم يأت بيان ذلك، وزعم الخطابي أن هذا كان بغير قصد لكنها لتعلقها به لطول إلفها به صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فلم يدفعها فإذا قام بقيت معه. انتهى ......
والصحيح: «فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» ...... أبي داود: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَحْمِلُ أُمَامَةَ وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ، وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ» وفيه: «حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ، ثُمَّ قَامَ، أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا، فَمَا زَالَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ».

(1/29)


الصحيح إن شاء الله تعالى أن هذه الأفعال وإن تعددت فهي غير متوالية في ... ركن من أركان الصلاة ويحمل منه ذلك على بيان التشريع والجواز في حمل الحيوان
الطاهر، وأن ثياب الأطفال وأجسادهم طاهرة حتى يتحقق نجاستها، وأن دخولهم المساجد جائز، وأن الحديث الوارد في النهي عن ذلك غير صحيح على ما بيناه قبل، واسْتُدِلَّ بهذا أيضًا على أن صغار النساء يحدث، قَالَ القُرْطُبِيُّ: حكم من لا يُشْتَهَى منهن بخلاف حكم من يُشْتَهَى.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أدخلَ البخاريُّ هذا الحديث هنا ليدل أن حمل المصلي الجارية على العنق لا يضر صلاته؛ لأن حملها أشد من مرورها بين يديه فلما لم يضر حملها كذلك لا يضر مرورها.
(بابُ الصَّلَاةِ عَلَى فِرَاشِ حَائِضٍ)
517 – حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ، أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ: «كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي» وَأَنَا حَائِضٌ، وعنده في لفظ: «يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ» قال: وَزَادَ مُسَدَّدٌ وكان يصلي على الخمرة. [خ 517]
حديث مُسَدَّدٌ ذكره البخاريُّ مسندًا في باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هذا الحديث وشبهه من الأحاديث التي فيها اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته فيها دليل على أن النهي إنما هو عن المرور لا عن القعود للمصلي بين يدي المصلي، واستدل العلماء على أن المرور لا يضر بدليل جواز القعود.
وقولها: (حِيَالَ) يعني حِذَاء، وقد صرح به في باب إذا أصاب ثوب المصلى امرأته بقولها: (وَأَنَا حِذَاهُ) وكذا تجاه ووجاه وكله بمعنى المقابلة والموازنة.

(1/30)


قال الجوهري: قعد بِحِيَالِه، وحِيَالَه: بالكسر أي بإزائه وأصله الواو.
(بَابٌ هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ)
تقدم في باب الصلاة على الفراش، وبَاب هلْ تَطْرَحُ المَرْأَةُ عَنِ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِنَ الأَذَى تقدم في الطهارة في باب إذا أُلقي على ظهر المصلي قذرٌ أو جيفة وقال ابن بطال ذكر هذا الباب هنا يقرب معناه من الأبواب المتقدمة وذلك أن المرأة إذا تناولت ما طرح على ظهر المصلي من الأذى فإنها لا تقصد إلى أخذ ذلك من ورائه، إلا كما تقصد إلى أخذه من ورائه إنما تتناوله من أي الجهات أمكنها تناوله وسهل عليها طرحه، فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها فليس بدونه.
(بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ وَفَضْلِهَا)
وَقَوْلُهُ تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] مُوَقَّتًا: وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ.
روى إسماعيل في كتابه «أحكام القرآن العظيم»: عند ذكر هذه الآية الكريمة من طريق حُمْرَانَ عن عُثْمَانَ رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال: «مَنْ عَلِمَ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ حَقًّا يقينًا وَاجِبًا مَكْتُوبًا دخلَ الجنَّةَ» وعن عكرمة عن ابن عباس: {كِتَابا مَوْقُوتًا}: موجبًا، وكذلك
رواه من طريق أبي رجاء عن الحسن بن أبي الحسن، ومن طريق ليث عن مجاهد، ومن طريق معمر عن أبي جعفر: وَقَّتَهُ عليهم.
قَالَ السَّفَاقُسيُّ: رُويناه عن البخاري بالتشديد وهو في اللغة بالتخفيف، ويدلُّ على صحته (مَوْقُوتًا) إذ لو كان مشددًا لكان (مُوَقَّتًا) تقول: وقَّته فهو مَوْقُوتٌ إذا بيَّن للفعل وقتًا يفعل فيه، فقال: والمواقيت جمع ميقاتٍ، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع. انتهى.

(1/31)


قال أبو المعاني في «الكتاب المنتهى»: كلُّ ما جُعِلَ له حين وغاية فهو مُوَقَّتٌ، ووقَّتَه ليومِ كذا أي: أَجَّلَه، وَفِي «الصِّحَاحِ»: قال الله تعالى: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11] وَ: {وُقِّتَتْ} مخففة وفي «الجامع» و «المحكم»: وقتٌ مُوْقوتٌ، ومَوْقُوتٌ محدودٌ، وفي نوادر أبي علي هارون بن زكريا الهَجَري: قال القَرْديُّ: أيقتوا موقتًا آتيكم فيه.
521 - 522 - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «بِهَذَا أُمِرْتُ». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ، أَوَ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَقُوتَ الصَّلاَةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ. [خ 521 - 522]

(1/32)


قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ»، وفي لفظ: «لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا»، وفي لفظ: «وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي» وذكره في عَزْوَهِ إلى عروة بلفظ: «أَخَّرَ المُغِيرَةُ العَصْرَ، وَهُوَ أَمِيرُ الكُوفَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ، جَدُّ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الحديثَ، وفي كتاب بدء الخلق، في باب ذكر الملائكة عليهم الصلاة والسلام فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ» يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
قَالَ الدَّارَقُطْني: رواه أسامة بن زيد عن الزُّهْري فذكر فيه مواقيت الصلاة الخمس وأدرجه في حديث أبي مسعود، وخالفه فيه أنس وابن أخي الزهري فَرَوَيَاه عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ذكر مواقيت الصلاة بغير ِ إسناد، وحديثهما أولى بالصواب لفصلهما بين حديث أبي مسعود وغيره، ورواه حماد وأبو ضمرة عنْ هشام عن أبيه عن رجل من الأنصار لم يسمَّ وقال أبو بكر بن حزم عن عروة حدثني أبو مسعود أو بشير بن أبي مسعود وكلاهما قد صَحِبَ النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.

(1/33)


وفي مُصَنَّفِ عبد الرزاق عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَخَّرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ مَرَّةً، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ ح. وفيه: فَمَا زَالَ عمرُ يُعَلِّمُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وفيه: نَزَلَ جِبْرِيلُ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
قال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا أن جبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ هبط صبيحة الإسراء عند الزوال فعلَّم النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الصلاة ومواقيتها وهيئتها. انتهى.
قد أسلفنا الخلاف عن القزَّاز فَيُنْظَر، قال أبو عمرَ: وعنِ الحسنِ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ نُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ فَفَزِعَ النَّاسُ فَاجْتَمَعُوا إِلَى نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَؤُمُّ جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا، وَيَؤُمُّ مُحَمَّدٌ النَّاسَ، يَقْتَدِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بجِبْريلَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ويَقْتَدِي النَّاسُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَا يُسْمِعُهُنَّ فِيهِنَّ قِرَاءَةً ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى النَّاسِ الحديثَ فذكر الصلوات كلها تامة.
قال أبو عمر: وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَإِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ مُهَذَّبٌ، وبه احتجَّ من زعم أن جبريل صلَّى في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء مرة واحدة الصلوات كلها على ظاهر حديث مالك في ذلك وروى نحوه عن نافع بن جُبَيْر وغيره.

(1/34)


قال أبو عمر: والآثار الصحيحة المتصلة تبين أن جبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صلَّى بالنبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وقتين وهي زيادة يجب قبولها والعمل بها لنقل العدول لها وليس تقصير من قصر عن حفظ ذلك وَإِتْقَانِهِ وَالْإِتْيَانِ بِهِ بحجةٍ، وإنما الحُجَّةُ في شهادةِ منْ شَهِدَ لا في قول من قَصَّرَ عن حفظ ذلك وهذه الآثار منقطعةٌ وإنما ذكرناها لما وصفنا؛ ولأن فيها أنَّ الصلاةَ فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا لَا رَكْعَتَيْنِ كما قالت عائشة.
وقال بذلك جماعة وردُّوا حديث عائشة، وإن كان إسناده صحيحًا بضروب من الاعتلال، لو صح مرسل الحسن لما كان بينه وبين الصلاة في الوقتين خلافٌ؛ لأنه لم يقل ثم لم يُصَلِّ بعد ذلك، فأعلمهم ذكر كيفية الصلاة في وقت من الأوقات والله تعالى أعلم.
وأما تأخير عمر فَيُحْمَلُ على أنه خرج الوقت المستحق المرغوب فيه.
وقوله: (يومًا) يريد يومًا ما، لا أن ذلك كان سجيته رضي الله عنه كما كانت ملوك بني أمية تفعل لا سيما العصر، فقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها في زمن عثمان رضي الله عنه، وكان ابن مسعود رضي الله عنه ينكر ذلك عليه.
وقال عطاءٌ: أَخَّرَ الوليد مرة الجمعة حتى أمسى، وكذلك كان الحجاج يفعل.
فإن قيل إن الجهل بمواقيت الصلاة لا يسعُ أحدًا فكيف جاز ذلك على عمر مع علمه وصحبته العلماء؟.
قيل له: ليس في جهله بالسبب الموجب
لعلم المواقيت ما يدل على جهله بالمواقيت وقد يكون ذلك عنده عملًا وإتقانًا وأخذًا عنْ علماء عصره ولا يعرف أصل ذلك.
وفي هذا الحديث دليل على أن وقت الصلاة من فرائضها وأنها لا تجزي قبل وقتها وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيئًا رُوِيَ عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التابعين، أجمع العلماء على خلافه فلم أرَ لذكره وجهًا؛ لأنه لا يصح عنهم، وصحَّ عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقًا صحيحًا.

(1/35)


وفي موطأ ابن أبي ذيب عن ابن شهاب سمع عروة يحدث عمر عن أبي مسعود فذكر الصلاة مع جبريل مرتين، وكذا رواية أبي بكر بن حزم رواها من جهة علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنا أحمد بن يونس، حَدَّثَنا أيوب عن عُتْبَةَ عنه عن عروة فذكر مجيء جبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يومين، وزعم ابنُ التِّينِ أنَّ الأَصِيلي قال لم يصح عند مالك حديث الوقتين، وإنما قال الوقتين بعمل أهل المدينة.
وذُكِرَ عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: حديث الوقتين لم يخرجه البخاريُّ، وسأله الترمذي لِمَ لَمْ يخرجه، وقد رواه قتيبة عن الليث فقال البخاريُّ: انفرد به قُتَيْبَةُ، قال أبو الحسن: أراد البخاري أن قتيبة غريب رحَّال، وذكر عن الليث شيئًا لم يذكره غيره، وأهل مصر أقعد بالليث وأعلم بحديثه ولم يوجد عندهم فاستترا به لا أنه قد خرج فيه لثقة قتيبة عنده.
قوله: (أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ) قال الحافظ القُشَيْريُّ: قال بعض فضلاء الأدب: كذا الرواية وهي جائزة إلا أن المشهور في الاستعمال ألست.
قوله: (فَصَلَّى) ذهب بعضهم إلى أن الفاء هنا بمعنى الواو؛ لأنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إذا لم يأتم بجبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يجب أن يكون مُصَلِّيًا معه بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها وجب أن يكون مُصَلِّيًا معه وهذا ضعيف، والفاء على أنها في التعقيب تكون بمعنى أن جبريل كلما فعل جزءًا من الصلاة فعله النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وهو أولى من أن يكون بمعنى الواو، وفي رواية: <نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ> وليس فيه بيان أوقات الصلاة، ويُجَاب: بأن ذلك معلوم عند المخاطب فأبهمه في هذه الرواية.

(1/36)


وقوله: (بِهَذَا أُمِرْتُ) يُرْوَى بفتح التاء وضمها، قال ابن العربيِّ: نزل جبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إلى النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مأمورًا مُكَلَّفًا بتعليم النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لا بأصل الصلاة، وأقوى الروايتين بفتح التاء، يعني: أن الذي أُمِرْتُ به من الصلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مُفَصَّلًا، وبهذا يتبين بطلان من يقول إن في صلاة جبريل بالنبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ جواز صلاة الْمُعلِّم بالمتعلم والمفترض خلف الْمُتَنفِّلِ.
وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ) قَالَ القُرْطُبِيُّ: ظاهرة الإنكار؛ لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل، إما لأنه لم يَبْلغْهُ أو بلغه فنسيه، والأولى عندي أن حُجَّةَ عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة وذكر له حديث جبريل مُوَطِّئًا له ومُعَلِّمًا بأن الأوقات إنما ثبت بأصلها باتفاق جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عليها انتهى كلامه.
وفيه نظرٌ، من حيث إن عروة قد بَيَّنَّا استدلاله بإمامة مسندة.
وقوله: (أَوَأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ) قَالَ السَّفَاقُسيُّ: هي ألف الاستفهام دخلت على الواو فكان ذلك تقريرًا.
قال أبو زكريا: الواو مفتوحة، وأن هنا تفتح وتكسر، قال صاحب «الاقتضاب»: أظهر لأنه استفهام مستأنف إلا أنه ورد بالواو والفتح على تقدير: أَوَعلمتَ، أو حُدِّثْتُ أن جبريل نزل، وحديث عائشة رضي الله عنه خرجه الستة في كتبهم.
قولها: (فِي حُجْرَتي) قال ابن سيده: الحُجْرَةُ من البيوت معروفةٌ سُمِّيَتْ بذلك لمنعها المال والحجارة حائطها، واسْتَحْجَرَ القومُ واحْتَجَرُوا: اتخذوا حجرة، وفي «المنتهى» و «الصحاح»: والحجرة حظيرة للإبل، ومنها حجرة الدار، تقول احتجرتُ حجرةً أي: اتخذتها، والجمع حُجَر، مثلَ غرفة وغُرَف، وحُجُرَات بضم الجيم.

(1/37)


وقولها: (قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) ذكر أبو غالب في «الْمُوعِبِ»: يقال ظهر فلانٌ السطحَ إذا علاه، وعن الزَّجَّاجِ في قوله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97] أي ما قدروا أن يعملوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وفي «المنتهى»: ظهرتُ البيتَ عَلَوْتُهُ، وأظهرتُ بفلان أَعْلَيْتُ به، وفي كتاب ابن التين وغيره: ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه، قيل: وإنما قيل له ذلك لأنه إذا علا فوقه ظهرَ شَخْصُهُ لمن تأمله، وقيل: معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها فيذهب، وكلُّ شيء خرج فقد ظهر؛ قال أبو ذؤيب:
وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها
والتفسير الأول أقرب وأليق بظاهر الحديث؛ لأن الضمير في قوله (تظهر) إنما هو راجع إلى الشمس، ولم يتقدم للظل ذكر في الحديث والله تعالى أعلم.
(بَابٌ: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ} [الروم: 31])
الْمُنِيْبُ: التائب، ومفهوم الآية الكريمة أنه من لم يفهم الصلاة فهو مشرك يوضحه قوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» وقوله: «مَنْ تَرَكَ صلاةً مُتَعَمِّدًا حَبِطَ عَمَلُهُ وَبَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ حَتَّى يُرَاجَع» إلى غير ذلك من الأحاديث.
وقد قال عمر رضي الله عنه: «لَا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة».
وكان الصديقُ إذا حضرت الصلاة قال: قوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فأطفئوها.
وفي «الموطأ»: أولُ ما ينظرُ فيه منْ عَمَلِ المرءِ الصلاة، فإنْ قُبِلَتْ منه نُظِرَ فيما بقي من عمله، وإنْ لم تُقْبَلْ منه لم يُنْظَرْ في شيءٍ من عمله.
523 - حديث وفد عبد القيس تقدَّم في باب أداء الخمس من الإيمان. [خ 523]
524 - وحديث مبايعة جرير تقدم في الدين النصيحة.
(بَابٌ الصَّلاَةُ كَفَّارَةٌ)

(1/38)


525 – حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فِي الفِتْنَةِ؟ قُلْتُ أَنَا كَمَا قَالَهُ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ -أَوْ عَلَيْهَا- لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ». [خ 525]
قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الفِتْنَةَ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا لَبَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَيُفْتَحُ أَمْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لا يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ.
وذكره في الزكاة بلفظ: «والأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عنِ الْمَنْكَرِ». وفيه لما قال عمر: «لم يُغْلَقْ أبدًا قالَ: قُلْتُ: أَجَلْ». وفي كتاب الصوم: «قالَ عُمَرُ: ذلِكَ أَجْدَرُ أَنْ لا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
الفتنة: الخبرة والإعجاب بالشيء، فَتَنَهُ يفتِنهُ فَتْنًا وفُتُونًا، وأَفْتَنَه وأباها الأصمعيُّ فأنشد بيت رؤبة:
يُعرضن إعراضًا لدين الْمُفْتَن
فلم يعرف البيت إلا في الأرجوزة، وقال سيبويه: فتنهُ جعل فيه فتنةً، وأفتنه أوصل الفتنةَ إليه، قال: إذا قال أفتنه فقد تعرَّضَ لفتن، وإذا قال فَتَنْتُهُ فلم يتعرض لفتن، وحكى أبو زيد أُفْتِنَ الرجل بصيغة ما لم يسم فاعله أي فُتِنَ.

(1/39)


والفتنة: الضلالُ والإثم، وفتن الرجل أزاله عما كان عليه قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 73].
والفتنةُ: الكفر قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193].
والفتنةُ: الفضيحة، والفتنةُ: العذاب، والفِتَنُ: ما يقع بين الناس في القتال ذكره ابنُ سِيدَهْ، وأنشد ابن عبد البر لسعيد بن المسيب:
وقامتْ تُرائي بين جَمْعٍ فأَفْتَنَتْ برؤيتها منْ راح منْ عرفات
ومن شعر أعشى همدان واسمه عبد الله قتله الحجاج، قال القَزَّازُ: لما أنشد الأصمعي قال: هذا أُخِذَ عن مُخَنَّثٍ.
لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهْيَ بالأمسِ أَفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلُّ مُسْلِمِ.
قال: وقيل الفتنة العذاب، وقيل البلية، وأصلُ ذلك كلِّه من الاختبار رواية مِنْ فَتَنْتُ الذهبَ في النار إذا اختبرته، وفي «الغَرِيبَيْنِ»: الفتنة الغُلُوُّ في التأويل المظلم، وقال ابن طريف: فتنتُه وأفتنته، وفَتِن بكسر التاء فُتُونًا: تحول من حسن إلى قبيح، وفَتَنَ إِلَى النِّساء وفُتِنَ فيهن أراد الفجور بهن، وفي «الجمهرة»: فَتَنْتُ الرجلَ أَفْتِنُه فتنًا، وأفتنته إفتانًا، وَفِي «الصِّحَاحِ»
قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: ما أنتم عليه بِفَاتِنين وأهل نجد: يقولون بِمُفْتَنينَ من أَفْتَنْتُ، وزعم عياض أنها الابتلاء والامتحان، قال: وقد صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختيار عن سوء ويكون في الخير والشر قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].
قالوا: لَمَّا رأى عمر أن الأمر كاد أن يتغير سأل عن الفتنة التي تأتي بَعْدَه خوفًا أن يدركها مع علمه بأنه الباب، لكنه من شدة خوفه خشي أن يكون نسيَ فسأل من يُذِّكَره.

(1/40)


وروينا عن الشيخ أبي محمد بن أبي حمزة رحمه الله تعالى أنه قال: أما فتنة الأهل فعلى وجوهٍ، هل يؤدي حقَّهم الواجبَ عليه؟ أم لأنه راع ومسؤول عن رعايته؟ فإن لم يأتِ بالواجب فليس هذا مما يكفيه فعلُ الطاعات؛ لأنه لا يكفِّرها إلا إذا ما وجب عليه كالدين، فإن كان الذي ترك من حقوقهم مندوبًا فليس بآثم فيحتاج إلى تكفير، ويبقى وجه آخر وهو تعلق القلب بهم إن كان مفرطًا بحيث يشغله عن حقٍّ من الحقوق فليس داخلًا تحت ما يكفَّر بالطاعات، بل يدخل تحت وعيد قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} الآية [التوبة: 24]، وإن كان لم يشغله عن تَوْفِيَةِ حقٍّ من حقوق الله تعالى فهذا والله أعلم هو الذي تكفِّره الطاعات، وهل هذا خاص بالرجال دون النساء؟ أو من باب ذِكْر الأعلى؟ وإلا فقد قال صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» يعني في لزوم الأحكام.
وقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يَحِلُّ له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة.
وقَالَ الْمُهَلَّبُ: يريد ما يُعْرَضُ له معهن من شَرٍّ أو حزن وشبهه.
وقال ابن العربيُّ: الفتنة التي تدخل على الرجال من هذه الجهات إن كانت صغيرة كُفِّرَتْ، وإن كانت كبيرة فلا تقوم الحسنات بها قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114].
قال الشيخ أبو محمد: وفتنة الولد فرطُ محبتهم وشُغْلُه بهم عن كثير من الخير أو التفريط بما يلزمه من القيام بحقوقهم، فهذه الفتنة تقتضي المحاسبة، وكذا فتنة المال، وأما الجَارُ فهو أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعًا قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان: 20].
وقوله: (تَمُوْجُ كَمَوْجِ البَحْرِ) أي: تضطرب ويدفع بعضها بعضًا لِعِظَمِهَا.

(1/41)


وقوله: (مُغْلَقًا) قال ثعلب في «الفصيح»: أغلقتُ الباب فهو مغلَق، وقال أبو الأسود الدِّيلي يصف نفسه بالفصاحة:
وَلاَ أَقُولُ لِقِدْرِ القَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ ... وَلاَ أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ.
قال ابن دُرُسْتُوَيْه: والعامة تقول غلقت بغير ألف وهو خطأ، وذكره أبو علي الدِّيَنَوري في باب ما يحذف منه العامة الألف.
قال ابنُ سِيدَه في «العويص» والجوهري
فِي «الصِّحَاح» فأغلقت، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهِي لُغَة رَدِيئَة متروكة.
530 - قوله: (بِدِمَشْق) فهي بكسر الدال المهملة وفتح الميم بعدها شين معجمة ساكنة، وزعم هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب «أسماء البلدان» تأليفه أنها سميت بذلك؛ لأنه بناها دَمَاشق بن قاني بن ملك بن أرْفَخْشَد بن سام بن نوح صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. [خ 530]
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاجيُّ في «مختصر الزاهر»: قال أهل اللغة: اشتقاق دمشق من قولهم: ناقةٌ دَمْشَقُ اللحم إذا كانت خفيفة اللحم، والدَّمْشَقَةُ: الخفة.
وقال أهل الأثر: سميت بِدَمَاشِق بن نمرود بن كنعان وهو الذي بناها وكان مع إبراهيم صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، كان دفعه نمرود إليه بعد أن نجَّى الله تعالى إبراهيم صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ من النار.
وقال أبو عُبَيْدٍ البكريُّ: اسمه دَمَاشَاق بن نمرود، وقال في موضع آخر: عن الحسن بن أحمد الهمداني نزل جَيْرُون بن سعد بن عاد دمشق وبنى مدينتها فسميت باسمه جَيْرون.
قال: وهي إرم ذات العماد، ويقال: إن بها أربع مئة ألف عمود من حجارة.
وروى أبو ذئب عن الْمَقْبُريِّ أن إِرَمَ هي دمشق.
وروينا في «تاريخ دمشق» للحافظ أبي القاسم بن عساكر عن كعبٍ: أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حَرَّان ودمشق.
وعن إسحاق بن أيوب: الشيطان الذي بناه كان اسمه جَيْرُون، وكان من بناء سليمان صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.

(1/42)


قال ابنُ عَسَاكر: وقيل إن نوحًا صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ اخْتَطَّهَا، وقيل: إن جيرون هو بن سعد بن لقمان بن عاد، وقيل: بناها العار واسمه دمشق غلام إبراهيم صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وكان حبشيًا، وهبه له نمرود، وقيل: إن الذي بناها بيوراسب.
531 - حديث المصلي يناجي ربه تقدم في البزاق في المسجد. [خ 531]
(بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ)
533 - حَدَّثَنا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنا الأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». [خ 533]
وفي لفظ في حديث أبي هريرة: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».
وهو حديثٌ مُخَرَّجٌ في الكتب الستة، بَيَّن ذلك أحاديث الأطراف عند ابن ماجه بالظهر، وفي لفظ «الأوسط» للطبراني من حديث ابن لَهِيْعَةَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ» ولفظ ابن ماجه في حديث ابن عمر: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ».
535 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم

(1/43)


فَقَالَ: «أَبْرِدْ أَبْرِدْ» -أَوْ قَالَ: «انْتَظِرِ انْتَظِرْ» - وَقَالَ: «شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ» حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ. [خ 535]
وقال في بابِ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ: «أَبْرِدْ» ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ: «أَبْرِدْ» ح، وفيه: حَتَّى يساوي الفَيْءُ التُّلُول.
قَالَ البَيْهَقِيُّ كذا قال جماعة: «أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ» في رواية غندر: < وَأَذَّنَ> قال: وفي هذا الدلالة على أن الأمر بالإبراد كان بعد التأذين.
وفي «صحيح أبي عَوانة»: «فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ» وفيه: بعد قوله: «فَيْءَ التُّلُولِ»: «ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ» ح وفي لفظ: «فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ: مَهْ يَا بِلَالُ» فهذا صريح أن التأخير كان قبل التأذين.
538 - حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» تَابَعَهُ يَحْيَى، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. [خ 538]
أما حديث سفيان فَخَرَّجَه البخاريُّ في صفة الصلاة عن الفريابي عن سفيان بن سعيد، وحديث يحيى بن سعيد خَرَّجه الإسماعيلي عن ابن خَلَّاد، حَدَّثَنا بُنْدَارُ عن يحيى بن سعيد ولفظه: «فَوْحِ جَهَنَّمَ».
قال أحمد بن حنبل: ما أعرف أحدًا قال (فَوْحِ) غير الأعمش، ورواه أيضًا أبو خَلْدَةَ وهو في كتابي أبي نعيم والإسماعيلي وأبو معاوية محمد بن خازم، ورواه ابن ماجه عن أبي كُرَيْبٍ عنه.

(1/44)


وقد روى هذا اللفظ جماعة من الصحابة عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ منهم قيس عن المغيرة بن شعبة: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، صَلَاةَ الظُّهْرِ بِالْهَاجِرَةِ فَقَالَ لَنَا: أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ» ح.
قال أبو عيسى ورواه من حديث إسحاق الأزرق عن شريك عن بنان عن قيس بن أبي حازم عنه، سألت أبا عبد الله عن هذا الحديث فَعَدَّه محفوظًا، وقال الميموني: ذاكروا أبا عبد الله عن هذا الحديث بأسانيد حديث المغيرة فقال: أسانيدُ جيادٌ، ثم قال: خَبَّابٌ يقول: (فَلَمْ يُشْكِنَا) والمغيرة كما ترى يروي القصتين جميعًا زاد الخَلَّالُ في «علله»: وكان آخر الأمرين من النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الإبراد، ولِمَا خَرَّجَه ابن حبان في «صحيحه» قال: تفرَّدَ به إسحاق بن يوسف الأزرق، ولما سَأَلَ ابنُ أبي حاتم عن هذا الحديث أباه قال رواه أبو عوانة عن طارق عن قيس قال سمعت عمر بن الخطاب.
قوله: (أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) قال إني أخاف أن يكون هذا الحديث يدفع ذاك.
قلت: فأيهما أثبت؟ قال: كأنه هذا يعني: حديث عمر، قال: ولو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعًا لم يحتج أن يَفْتَقر إلى أن يحدث عن عمر موقوفًا. انتهى.
لقائل أن يقول على طريق الفقهاء يحتمل أن يكون قيس روى المسند
الموقوف جميعًا أو يذكر المرفوع بعد رواية الموقوف يعضده ما ذكره ابنه في موضع آخر: سمعت أبي سألت يحيى بن معين فقلت له: حَدَّثَنا أحمد بن حنبل بحديث إسحاق الأزرق، فذكرت حديث المغيرة وذكرتُهُ للحسن بن شاذان فحَدَّثَنَا به، وحَدَّثَنَا أيضًا عن إسحاق عن شريك عن عمارة بن القعقاع عن أبي زُرعة عن أبي هريرة بمثله مرفوعًا، فقال يحيى: ليس له أصل أنا نظرت في كتاب إسحاق فلم أر فيه هذا، قلت لأبي: فما قولك في حديث عمارة الذي أنكرهُ يحيى؟.

(1/45)


قال: هو عندي صحيح، وروينا أحمد بن حنبل بالحديثين جميعًا عن الأزرق.
قلت: فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده؟.
قال: كيف نظر في كتبه كلها؟ إنما نظر في بعض وربما كان في موضع آخر.
وأنس سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب البخاري حديثه.
وعَمْرو بنُ عَنْبَسَةَ ذكره الطبراني في «معجمه الكبير» من حديث عبادة عن أبي أوفى عنه، ورجلٌ من الصحابة ذكره الميموني عن أحمد، وقال: أحسبه غَلَطٌ من غُنْدَر إذ رواه عن شعبة عن الحَجَّاجِ بنِ الحَجَّاجِ عنه، ورواه جماعة عن شعبة عن الحجاج عن أبيه عن رجلٍ، وصرح الدَّارَقُطْني بغلطه، وقال: الرجل يراه ابن مسعود.
والقاسم بن صفوان عن أبيه رواه ابن أبي شيبة في «مسنده» بسند صحيح ولفظه في «كتاب الصلاة» لِأَبِي نُعَيْمٍ: «مِنْ فَوْرِ جَهَنَّم».
وعمر بن الخطاب، قال الحافظان الطُّوسي والتِّرْمِذِيُّ: لا يصح يعني مرفوعًا، وأبو موسى رواه أبو عبد الرحمن بسند صحيح.
وعبد الرحمن بن علقمة الثقفي ذكره أبو نعيم بسندٍ جيدِ الظاهر، وحديث عائشة رواه ابنُ خُزَيْمَةَ في «صحيحه».
قوله: (إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ) يعني افتعل من الشدة والقوة، أي إذا قوي الحر، وأصل اشتدَّ اشْتَدَدَ فَسُكِّنَت الدال وأدغمت في الثانية.
قوله: (وَأَبْرِدُوا) أي افعلوها في وقت البرد وهو الزمان الذي يتبين فيه شدة انكسار الحر؛ لأنَّ شدةَ الحر يُذْهِبُ الخشوعَ، قَالَ السَّفَاقُسيُّ: أبردوا أي ادخلوا في وقت الإبراد، مثل أظلم دخل في الظلام، وأمسى دخل في المساء وهذا بخلاف «الحُمَّى منْ فَيْحِ جهنَّمَ فَابْردُوهَا عَنْكُمْ» تقرأ بوصل الألف؛ لأنه ثلاثي من بردَ الماءُ حرارةَ جوفي.

(1/46)


و (عَنِ الصَّلاةِ) قيل: عن بمعنى في، وعن تأتي بمعنى الباء، يقال: رميتُ عن القوس وبالقوس، وقد تقدم في طرقه (فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) وقيل: عن هنا زائدة، أي أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل كذا إذا فعله في برد النهار، وهو اختيار ابن العربي في «القبس شرح الموطأ لمالك بن أنس».
واخْتُلِفَ في كيفية الإبراد:
فقال أشهب: لا تؤخر الظهر إلى آخر وقتها، وقال ابن عبد الحكم: يؤخر أهل المسجد في شدة الحر حتى يبردوا، وأجاز التأخير إلى آخر الوقت، وعن مالك فيما ذكره ابنُ بَزِيزَةَ كره أن نصلي الظهر أول وقت، وكان يقول: هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء، وقال أبو الفرج عن مالك: أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر.
وعن أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق: يؤخرها حتى يبرد بها.
وعن الشافعي هل الإبرادُ سنةٌ أو رُخْصَةٌ؟.
قال ابنُ بَزِيزَةَ: وقال قوم من العلماء بوجوبه والجمهور على استحبابه، وفي «الهداية»: يستحب الإبراد بها في الصيف وتقديمها في الشتاء، كأنه يشير لما رواه النسائي من حديث خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عن أنسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ».
وفي «شرح الهداية»: المستحب آخر وقت الظهر، وفي «شرح المهذب» للإبراد عند الشافعي شروط: أن يكون الحرُّ شديدًا، والبلادُ حارةٌ، وأن يصلي في جماعة، وأن يقصدها من بُعْدٍ، وأن لا يجد كَنًّا.
وإذا حصل الحرُّ في العصر هل يبرد بها أم لا؟.
قال ابنُ بَزِيزَةَ: المشهور نفي الإبراد بها، وتفرد أشهب بإبراده.
وهل يبرد الفذُّ أم لا؟ والظاهر أن الإبراد مخصوص بالجماعة.
وهل يبرد من في زمن الشتاء أم لا؟ فيه قولان: قال ابنُ بَزِيزَةَ الظاهرُ نفيه.
وهل يبرد بالجمعة أم لا؟ والمشهور نفيه.
واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث خَبَّاب: (فلَمْ يُشْكِنَا).

(1/47)


فقال بعضهم: الإبراد رخصةٌ، والتقديم أفضل، وقال بعضهم: حديثُ خَبَّاب منسوخٌ بالإبراد، وإلى هذا مال أبو بكر الأَثْرَم في كتابه «الناسخ والمنسوخ» وأبو جعفر الطحاويُّ، قال أبو جعفر: وجدنا ذلك في حديثين:
أحدهما حديث المغيرة: كُنَّا نُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ، فقال لنا صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «أَبْرِدُوا» فَبَيَّنَ هذا أن الإبراد كان بعد التهجير.
وحديث أنس: «إِذَا كَانَ الْبَرْدُ بَكَّرَ، وَإِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ».
وحمل بعضهم حديث خبَّاب على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد.
قال أبو عمر: في قول خباب: (فلَمْ يُشْكِنَا) يعني لم يحوجنا إلى الشكوى، وقيل: لم يُزِلْ شكوانا.
وقال ابن العربيُّ: ليس للإبراد تحديد في الشريعة الشريفة إلا ما ورد في حديث ابن مسعود يعني المذكور عند النسائي بسند صحيح، وإن كان عند إسحاق أَعَلَّه فغير جيد، بَيَّنَّا ذلك في كتابنا «الإعلام» بسننه عليه الصلاة والسلام: «كانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ في الثَّلاثَةِ الأَقْدَامِ إلى الأَرْبَعَةِ الأَقْدَامِ، وفي الشتاء في خَمْسَةِ أَقْدَامٍ إلى سِتَّةِ أَقْدَامٍ» وذلك بعد طرح ظل الزوال، أما إنه وردت فيه إشارة واحدة وهي: «كُنَّا نُصَلِّي الجُمُعَةَ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ» فلعلَّ الإبراد كان ريثما يكون للجدار ظلٌّ يأوي إليه المجتاز.
قال ابن سِيْدَه: فاح الحرُّ
يفيح فَيْحًا: سَطَعَ وهاجَ، وكذا فَوْحَهُ.
والفَيءُ: فيما ذكره ثعلب في «الفصيح» يكون بالعشي كما أن الظلَّ يكون بالغداة.
وأنشد:
فلا الظلُّ منْ بَرْدِ الضُّحَى نَسْتَطِيْعُهُ ولا الفَيْءُ منْ بَرْدِ العَشِي يَذُوقُ
قال وقال أبو عُبَيْدَةُ: قالَ رُؤْبَةُ بنُ العَجَّاجِ: كل ما كانت عليه الشمس فزالت فهو فَيءٌ وظلٌّ، وما لم يكن عليه شمس فهو ظلٌّ.

(1/48)


وفي «المخصص»: والجمع أفياءٌ وفيوءٌ، وقد فاءَ الفيءُ فَيْئًا: تَحَوَّلَ، وهو ما كان شمسًا فنسخه الظلُّ، والفيوء موضع الفيء جاءت على الأصل.
وقال ابن هشام في شرحه: لا حجة لثعلب في بيت حُميد بن ثور الذي أنشده؛ لأن الشاعر إنما قصد إلى اختلاف اللفظ ولم يرد اختلاف اللفظ والمعنى؛ لأنه لما تقدم الظل كره تكرار اللفظ فقال: الفيء، ولم يرد أن لفظ الظلِّ لا يستعمل بالعشي، والدليل على استعمال الظل بالعشي قول امرئ القيس بن حِجْرٍ الكِنْدي:
يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
وقال أبو علي المرزوقي: حُكِيَ عن ابن الأعرابي: الظلُّ ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخَ الشمسَ.
وقال القَزَّازُ: الفيء رجوع الظل من جانب المشرق إلى جانب المغرب.
و (التُّلُوْل) جمع تلٍّ، قال ابن سِيْدَه: من التراب معروف، والتل من الرمل كومة منه وكلاهما من التل الذي هو إلقاء كل ذي جثة، والتلُّ الرابية، وفي «الجامع» للقزَّازِ: التلُّ من التراب وهو الرابية منه يكون مكدوسًا وليس بخِلقة.
وقوله: (اشْتَكَتِ النَّارُ) يحتمل وجهين أن يكون شكت بلسان الحال كما قال عنترة:
وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
وقال الآخر:
يشكي إليَّ حملي طول السُّرى مَهْلًا فَكِلَانَا يُبْتَلَى
ويكون بلسان المقال حقيقة يدل عليه ما جاء أنها في الموقف تقاد بسبعين ألف زمام، وأنها تخاطب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وتخاطب المؤمن بقولها: جُزْ يا مؤمن فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي.
قَالَ الدَّاودِيُّ: وهو يدل على أن النار تفهم وتعقل، وقد جاء أنه ليس شيء أسمع من الجنة والنار، فإن العبد إذا سأل الجنة أَمَّنَت الجنة على دعائه وكذلك النار.
قَالَ ابنُ التِّيْنِ: فإن قيل كيف يجمع بين الحَرِّ والبرد في النار؟ فالجواب: أن النار عبارة عن جهنم وفيها زوايا
فيها نار، وزوايا فيها الزمهرير، وليس محلًا واحدًا يستحيل أن يجتمعا فيه. انتهى.

(1/49)


لقائل أن يقول الذي خلق الملك من ثلج ونار قادر جمع الضدين في محل واحد، وأيضًا فالنار من أمور الآخرة، والآخرة لا تقاس على أمر الدنيا، والله تعالى أعلم.
وقيل في قوله تعالى: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13] أي: لا شمسًا، ولا قمرًا؛ لأنهما عُبِدَا من دون الله تعالى.
وفي الحديث: أنهما يُكَوَّرانِ في النار يوم القيامة، وقع في بعض نسخ الأطراف لأبي مسعود الدمشقي أن هذا الحديث في الصحيح وكأنَّهُ غير جيد؛ لأن جماعة نصُّوا على ضعفه، ولم يذكره خَلَف ولا ابن طاهر فمَن بعدَهما في كتب الأطراف.
و (جَهَنَّم) نعوذ بالله منها قال أبو حاتم: هي مؤنثة، وقال غيره: بئرٌ جِهْنَام بعيدة القعر، وبه سميت جهنم وقال قُطْرُب: زعم يونس أنه اسم أعجمي، وقال أبو عمر: وجِهْنَام اسم وهو الغليظ، ويقال: البعيد القعر ذكره في «الْمُوعِبِ» في الرباعي.
وفي «الْمُحْكَمِ» سُمِّيَتْ جنهم لبعد قعرها ولم يقولوا فيها جهنام، وفي «الزاهر» لابن الأنباري: قال أكثر النحويين هي أعجمية لا تجري للتعريف والعجمة، وقيل: إنه عربي ولم يجر للتأنيث والتعريف.
وَفِي «الصِّحَاحِ»: لما ذكره في الرباعي قال: هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث، وفي «الكتاب المغيث» لأبي موسى المديني: هي تعريب كهنام بالعبرانية.
قَالَ الدَّاودِيُّ: من أسمائها السعير ولظى وسقر والجحيم وجهنم والهاوية والحطمة وهذه لا يدخلها إلا من كفر قال تعالى: {فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 11] وقال: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] وقال: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14] وقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ} [الهمزة: 5].
(بَابٌ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ)
وَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ».
هذا التعليق ذكره البخاريُّ مُسْنَدًا في باب وقت المغرب.

(1/50)


540 - حَدَّثَنا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي» فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي» فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي» فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ:
رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ». [خ 540]
ورواه عن محمد عن عبد الله وبَيَّنَه بَعْدُ فقال: محمد بن مقاتل، وعبد الله هو ابن المبارك.
542 - وفي لفظ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا بِالظَّهَائِرِ، فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الحَرِّ».
وفي لفظ: «فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ» وقد تقدم. [خ 542]
وعند الترمذي: «حِيْنَ زَالَتِ الشَّمْسُ».
روينا في كتاب في «السنن الكبير» لِلْكَشِّيِّ: «كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ في الشِّتَاءِ وَمَا نَدْرِي مَا مَضَى منَ النَّهَارِ أَكْثَرُ أَمْ مَا بَقِيَ».

(1/51)


قال أبو عمر: موسى بن العلاء راويه عن أنس كأنه يصلي عند الزوال، والزوال في الصيف إذا مالت الشمس عن كبد السماء نحو المغرب وصار الظل نحو المشرق فهو أول الزوال، والشمس تقف في الشتاء إذا قَصُرَ النهار فانتهى أو قارب ذلك على تسعة أقدام إذا طال النهار ثم ترجع ويرجع الظل نحو المشرق فإذا كان ذلك فهو أول الزوال في الشتاء.
وعِنْدَ مُسْلِمٍ من حديث خَبَّاب: «شَكَوْنَا إِلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا».
قال زهير: قلت لأبي إسحاق أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم.
وفي «معرفة الصحابة» لأبي منصور البَاوَرْدِي زيادة وقال: «إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا».
وفي كتاب الْكَجِّيِّ: «شَكَوْنَا الرَّمْضَاءَ في الَهَجِيْرِ».
وعِنْدَ مُسْلِمٍ أيضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ».
وعند الترمذي من حديث حشف بن مالك عن أبيه عن ابن مسعود: «شَكَوْنَا إِلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا» وقال سألت محمدًا عنه: فقال الصحيح عن ابن مسعود موقوف وكذا قاله الدَّارَقُطْني.
وعنده أيضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْكُمْ».
وعَنْ عَائِشَةَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وَلاَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ مِنْ عُمَرَ».
قال فيه حسن، وزاد في كتاب «العلل»: وهو حديث فيه اضطراب.
وعند الطبرانيِّ في «المعجم الكبير» عن زيد بن ثابت: «كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرِةِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ».

(1/52)


أخبرنا المسند المعمر أبو علي الحسن بن عمر الكردي قراءة عليها من لفظه، أخبرنا أبو المُنَجَّا عبد الله بن عمر بن زيد، أخبرنا أبو المعالي محمد بن محمد بن محمد، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد السراج، أخبرنا ابن شاذان قراءة عليه، أخبرنا أبو عمرو وعثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا يحيى بن جعفر، حَدَّثَنا حماد بن مسعدة، حَدَّثَنا حبيب بن شهاب العنبري عن أبيه قال: سألت أبا هريرة عن وقت صلاة الظهر، فقال: «إذا زالت الشمس نصف النهار وكان الفيء شراكًا فقد قامت الصلاة للظهر».
ورويناه في «كتاب الألقاب» لأبي بكر الشيرازي مرفوعًا
من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عنه قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن وقت الظهر زوال الشمس، وذكره ابن بطال عن الكَرْخي عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول الوقت تقع نقلًا، قال: والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله.
وقال في «شرح الهداية» هذا قول ضعيف نُقِلَ عن بعض أصحابنا وليس منقولًا عن أبي حنيفة، والصحيح عندنا أن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا مُوسَّعًا، وذكر القاضي عبد الوهاب في «الكتاب الفاخر» فيما ذكره ابن بطال وغيره عن بعض الناس يجوز أن يفتتح الظهر قبل الزوال.
وقال شمس الأئمة في «المبسوط»: لا خلاف أن أول وقت الظهر يدخل بزوال الشمس إلا شيئًا نُقِلَ عن بعض الناس أنه يدخل إذا صار الفيء بقدر الشراك، وصلاة النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حين زاغت الشمس دليلٌ على أن ذلك من وقتها.
وقَالَ الْمُهَلَّبُ: إنما خطب النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بعد الصلاة، وقال: «سَلُونِي» لأنه بلغه أن قومًا من المنافقين يسألون منه ويُعَجِّزُونَه عن بعض ما يسألونه فَتَغَيَّظَ وقال: «لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء إلاَّ أَنْبَأْتُكُم بِهِ» وبكاء الناس خوفًا من نزول عذابٍ لغضبه كما كان ينزل على الأمم عند رَدِّهم على أنبيائهم صلوات الله عليهم وسلامه.

(1/53)


وزعم الوَاقِدِيُّ أنَّ عبدَ الله بنَ حُذَافةَ كان يُطْعَنُ في نَسَبِهِ فأراد أن يبين له ذلك، فقالت له أُمُّهُ: أما خشيتَ أن تكون فارقتَ بعض ما كان تصنع الجاهلية أكنت فاضحي عند رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ؟ فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ لَلحِقْتُ به.
541 - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عنْ أَبي المِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المِئَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ- وَلاَ يُبَالِي في تَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، قَالَ: أو إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قبْلَها والحديثَ بَعْدَهَا» وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: لَقِيتُهُ مَرَّةً، فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. [خ 541]
وفي لفظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ ويَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى المِئَةِ».
وعند الإسماعيلي: «لَمَّا كَانَ زَمَنُ أُخْرِجَ ابنُ زِيَادٍ وَوَثَبَ ابنُ مَرْوَانَ بِالشَّامِ، قَالَ أَبُو الْمِنْهَالِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَبِي بَرْزَةَ، وانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ فِي ظِلِّ عُلُوٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ» فذكر الحديث.
وقوله: (الأُوْلَى) سميت بذلك لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي عليهما
الصلاة والسلام وظاهره يقتضي وقوع صلاته للظهر عند الزوال، ولابد من تأويله.

(1/54)


وقوله: (زَاغَتْ) أي مَالَتْ، وكل شيء مال وانحرف فقد زاغ قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
قوله: (وَقَالَ مُعَاذُ ... ) إلى آخره وهو مُسْندٌ في مسلمٍ، قال: حَدَّثَنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة فذكره في باب تأخير الظهر إلى العصر يأتي إن شاء الله حديثه فمن باب الجمع في السفر.
(بَابُ وَقْتِ العَصْرِ)
وقال أبو أسامة عن هشام: (مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا) هذا التعليق أسنده الإسماعيليُّ عن ابن ناجية وغيره عن أبي عبد الرحمن قال: حَدَّثَنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي قَعْرِ حُجْرَتِي» وقد تقدَّمَ طرفٌ منه في باب مواقيت الصلاة وكذا الحديث الذي بعد.
548 – حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ العَصْرَ». [خ 548]
قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ: هذا يدخل في المسند، وقد رواه عبد الله بن المبارك عن مالك عن إسحاق وعَتِيْق بن يعقوب جميعًا عن مالك عن إسحاق عن أنسٍ قال: «كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ» فذكره مستندًا وفي «غرائب مالك» للدارقطني من حديث ابن المبارك عن مالك عن إسحاق والزهري: «أَنَّ رَسُوْلَ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» وقال: لم يسنده عن مالك غير إسحاق غير ابن المبارك وهو في «الموطأ» و «صحيح البخاري» عن إسحاق: «كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ» ح قال أبو عمر: قول مالك قباء وهمٌ لا شك فيه ولم يتابعه أحد فيه عن ابن شهاب.

(1/55)


وقال النسائيُّ: لم يتابع مالك على قوله: (قباء) والمعروف: (العَوَالِي) وكذا قاله الدَّارَقُطْني في آخرين: «وَإِلَى العَوَالِي» خَرَّجَهُ البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الزهري.
وفي لفظ: «وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِن الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوَه».
وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْعَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا، وَنُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قُطِّعَتْ، ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا، ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ».
وعند أحمد: «كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُحَلِّقَةٌ».
وفي صحيح ابنِ خُزَيْمَةَ: «إِنَّ صَلَاةَ الْمُنَافِقِيَنْ تنظر حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ شَيْطَانٍ –أَوْ عَلَى قَرْنَيِ شَيْطَانٍ - أَوْ فِي قَرْنَيْ شَيْطَانٍ- نَقَرَهَا أَرْبَعًا).
وفي لفظ: «فَآتِي عَشِيْرَتِي وَهُمْ جُلُوْسٌ فَأَقُوْلُ: مَا يُجْلِسُكُمْ، صَلُّوا فَقَدْ صَلَّى رَسُوْلُ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ».
وعند الدَّارَقُطْني: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْعَصْرَ فَيَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ» وفي لفظٍ: «وَهُمْ في نَاحِيةِ الْمَدِينةِ مَا صَلَّوا».

(1/56)


وفي لفظٍ عند الحاكم في «المستدرك»: «كَانَ أَبْعَدُ رَجُلَيْنِ مِنَ الأَنصَارِ من أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَبُو لُبَابَةَ، وَأَبُو عَبْسِ وَمَسْكَنُهُ فِي بَنِي حَارِثَةَ، فَكَانَا يُصَلِّيَانِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَأْتِيَانِ قَوْمَهُمَا وَمَاصَلَّوْا لِتَعْجِيلِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ».
وعند السراج في «مسنده» بسند صحيح: «يَسَيْرُ الرَّاكِبُ إِلَى قِبَاءٍ».
وفي لفظ «الأوسط»: قِيْلَ لِأَنَسٍ: مَتَى كُنْتُمْ تُصَلُّونَ الْعَصْرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ».
وفي «كتاب الصلاة» لِأَبِي نُعَيْمٍ موقوفًا: «إِذَا صَلَّيْتَ العَصْرَ ثمَّ سِرْتَ سِتَّةَ أَمْيَالٍ إلى غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَذَلِكَ وَقْتُها».
ولفظ عبد الله بن عمرو عند أبي الوليد الطيالسي بسند صحيح: «وقتُ العصرِ مَا لمْ تَغْرب الشَّمْسُ».
وفي لفظ «المصنف»: «مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ».
وعندَ أبي أحمدَ العسكريِّ منْ حديثِ أَبِي أَرْوَى الدَّوْسِيِّ بسندٍ جيدٍ: «كُنْتُ أُصَلِّي معَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ العصرَ بالمدينةِ ثمَّ أَمْشي إِلَى ذِي الحُلَيْفَةِ فَآتِيْهِم قبلَ أنْ تَغيبَ الشَّمْسُ».
وعند الطبرانيِّ في «الكبيرِ» حديث جابر، وفي «الأوسطِ» حديث أبي مسعود وحديث بُرَيْدَةَ ورافع يأتي ذكرهما إنِ اللهُ قَدَّرَ ذلك وشاءه.
قال ابن المنذر: اختلفوا في أول وقت العصر، فكان مالك والثوري وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور يقولون: أول وقته إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، ثم اختلفوا بعد:
فقال بعضهم: آخر وقت الظهر أول وقت العصر، فلو أن رجلين صلى أحدهما الظهر والآخر العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثله لكانا مُصَلِّيَيْنِ في وقتهما، قائل هذا إسحاق وذُكِرَ عن ابن المبارك.

(1/57)


وأما الشافعيُّ فكان يقول: أول وقت العصر إذا جاوز ظلُّ كلِّ شيء مِثْله متى ما كان وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر.
وقد حُكِيَ عن ربيعة قول ثالث وهو أن وقت الظهر في السفر والحضر إذا زالت الشمس.
وفيه قول رابع وهو أنَّ وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ومن صلى قبل ذلك لم يجزِه وهو قول النعمان وفي ذلك أخبار ثابتة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. انتهى.
الذي حكاه عن أبي حنيفة محكي ذلك أيضًا عن أحمد مستدلين فيما أرى بحديث عبد الله بن رافع عن أبيه رافعِ بن خَدِيج أن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة يعني العصر.
قَالَ الدَّارَقُطْني: هذا حديثٌ ضعيفُ الإسناد من جهة عبد الواحد بن رافع؛ لأنه لم يرو عن ابن رافع غيره
وقد اخْتُلِفَ في اسم ابن رافع فقيل: عبد الله, وقيل: عبد الرحمن، قال: ولا يصح عن رافع وغيره ضِدُّ هذا وهو التعجيل بصلاة العصر والتبكير بها.
وقال الترمذيُّ: ويروى عن رافع عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ في تأخير العصر ولا يصح.
وقال ابنُ القَطَّانِ: علَّتُه الجهل بحال ابن رافع، وقال الجَوْزَقَانِيُّ: هذا حديث منكر ضعيفُ الإسناد، أما قول الدَّارَقُطْني ففيه نظر في مواضيع:
الأول قوله: (لم يَرْو عن عبد الله بن رافع غيرُ عبد الواحد) مردودٌ بما ذكره ابن حبان في «كتاب الثقات» روى عنه عبد العزيز بن عقبة بن مسلم ومات سنة إحدى عشرة ومئة، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقال أبو سليمان بن زيد: توفي سنة إحدى ومئة، زاد ابن قانع: ويقال سنة اثنتين، وكنيته أبو الفضل، وإن كان ابن رافع مجتهدًا به؛ لأنه أيضًا من الثقات فلا يضرنا إن كان هو أو أخوه.
الثاني: عبد الواحد ذكره ابن حبان في «كتاب ابن حبان».

(1/58)


الثالث قوله: (ولا يصح عن أحد من الصحابة) مردودٌ بما ذكره أبو عبد الله في «مستدركه» من حديث الْعَبَّاسِ بْنِ ذَرِيحٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّخَعِيِّ، قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَلِيٍّ بنِ أَبِي طالبٍ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْعَصْرِ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: هَذَا الْكَلْبُ يُعَلِّمُنَا بِالسُّنَّةِ، فَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كُنَّا بهِ جُلُوسًا، فَجَثَوْنَا لِلرُّكَبِ لِنُزُولِ الشَّمْسُ بالمغربِ نَتَرَاءَاهَا» وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
وعند ابن أبي شيبة: «كانَ يُؤَخِّرُ العصرَ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ على الحيطانِ».
وعنده أيضًا بسند لا بأس به عن جابرٍ: «صلَّى بِنَا رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ العَصْرَ حينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْليْهِ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكبُ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ الْعَنَقَ».
وعند أبي علي الطُّوسي صحيحًا عن أمِّ سَلَمَةَ: «أَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجِيْلًا لِلْعَصْرِ منَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ».
وفي الصحيحين: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ» وفيه: «فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» وهو يدلُّ على فعل العصر آخر الوقت حتى تعرج الملائكة وهم يصلون، وبمفهوم حديث بُرَيْدَةَ: «بَكِّرُوا بِالصَّلاةِ في يَوْمِ الغَيْمِ» وهو عدم التبكير في الصَّحْو، وهذا المفهوم حجةٌ عند الشافعيِّ.

(1/59)


وعند عبد الرزاق: فإنَّ سليمان بن موسى أثبت أن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال: «صَلُّوا صَلَاةَ العَصْرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيْرُ الرَّاكِبُ إِلَى ذِي الحُلَيْفَةِ سِتَّةَ أَمْيَالٍ». وبما في «صحيح مسلم» عن عُمارة مرفوعًا: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ».
وبما سلف من حديث ابن عمرو وهو في سنده، وبما روى ابن حزم أن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا العَصْرَ إِلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ».
قال أبو محمد: لا يُسْنَدُ إلا من طريق الصَّلْتِ بن بِهْرام يعني الْمُوثَّقُ عند ابن سعيد وابن مَعين وابن حِبَّان، وقال ابن عُيَيْنَةَ والبخاريُّ وأبو حاتم: صدوق، وقال البَّزَّارُ: مشهور، وذكر أيضًا صحيحًا عن الحسن ومحمد وأبي قِلابة أنهم كَانُوا يُمْسُونَ بِالْعَصْرِ.
ومن حديث عبد الله بن شُبْرُمَة قال: قال محمد بن الحنفية: إنما سميت العصر لتعصر، وقاله طاوس.
ومن حديث وكيع، حَدَّثَنا إسرائيل وعلي بن صالح عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «كَانَ عبدُ الله يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ» وفي «المصنف» صحيحًا عن ابن أبي مُلَيْكَة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَخْرَجَ مَالًا يَقْسِمُهُ يُبَادِرُ بِهِ اللَّيْلَ».
وقالَ سَوَّارُ بْنُ شَبِيبٍ: كانَ أبو هريرةَ يُؤَخِّرُ العصرَ حَتَّى أقولَ قدِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ.
وعن إبراهيم قال: كان ابن أخي الأسود مؤذنهم فكان يُعَجِّلُ العصرَ، فقال له الأسودُ: لَتُطِيْعُنَا في أذَانِنَا أو لَنَعْتَزِلَنَّ في أذَانِنَا.
وعن إبراهيم قال: كان من قبلكم أشدَّ تأخيرًا للعصر منكم.

(1/60)


قال وكيع: قال لي إبراهيم: لا تُقَصِّر العصرَ حتى لا تسمعَ حولك مؤذنًا، وعنه قال: يُصَلَّى العصرُ إذا كان الظلُّ واحدًا وعشرين قدما في الشتاء والصيف.
وكان أبو الهُذَيْل يصلي العصر قَدْرَ ما تسير العِيْرُ فرسخًا إلى غروب الشمس.
قال أبو جعفر الطحاويُّ: وقد أ جمعت الصحابة على ذلك رضي الله عنهم أجمعين.
وعند أبي داود: عنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ عنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْيَمَامِيِّ، عنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: «كَانَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً».
وفي شرح «الهداية» روى الحسن عن أبيه حنيفة: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر واختاره أبو جعفر الطحاوي، وفي رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصيرَ ظلُّ كلِّ شيء مِثْلَيْه سوى في الزوال.
وروى الْمُعَلَّى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة إذا صار الظل أقل من قامتين يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين، وصححه أبو الحسن الكرخي، وفي رواية الحسن أيضًا إذا صار ظل كل شيء قامةً خرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين وبينهما
وقت مهمل وهو الذي يسميه الناس الصلاة بين الصلاتين، وحكى ابن قدامة في «المغني»: عن ربيعة أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس، وعن عطاء وطاوس: إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت، وما بعده وقت لهما على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس.

(1/61)


وقال ابنُ رَاهَوَيْه وأبو ثَور والْمُزَنِيُّ والطَّبَرِيُّ: إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر، ويبقى وقت الظهر قدر ما يُصَلَّى أربع ركعات ثم يتمحص الوقت للعصر وبه قال مالك، وفي «قنية المنية»: تأخير العصر إلى وقت اصفرار الشمس والمغرب إلى اشتباك النجوم يكره كراهية تحريم.
وأما آخر وقت العصر:
فقال أكثر العلماء: غروب الشمس.
وقال الحسن بن زياد: يغير الشمس إلى الصفرة، حكاه عنه شمس الأئمة، وقال: والعبرة لتغيير الفرض عندنا وهو قول الشعبي.
وقال النَّخَعِيُّ: لتغيير الوضوء.
وقال الإصْطَخْرِيُّ: إذا صار ظل كل شيء مثليه ويأثم بالتأخير ويكون قضاء ولا يدخل وقت المغرب إلا بالغروب وما بينهما وقت مهمل.
وفي «شرح المهذب»: للعصر خمسة أوقات: فضيلة واختيار وجواز بلا كراهة ووقت عذر.
وفي «شرح الهداية»: والتأخير إلى تغيير الفرض مكروه والفعل فيه ليس بمكروه، واختلف أصحابنا في تغيير الشمس:
قيل: يتغير الشعاع على الحيطان، وقيل: يوضع طست في أرض مستوية فإن ارتفعت الشمس على جوانبه فقد تغيرت، وإن وقعت في جوفه لم يتغير، وقيل: إذا كانت الشمس مقدار رمح لم يتغير ودونه تغيرت، وقيل: إن كان يمكن النظر إلى القرص من غير كُلْفَةٍ ومشقةٍ فقد تغيرت، والصحيح تغيير القرص والله تعالى أعلم.
وقول أبي أُمَامة: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر، هذا كان في ولاية عمر المدينة نيابةً؛ لأن أنسًا توفي قبل خلافة عمر، وفِعْلُ عمرَ هذا كان على جاري عادة الأمراء في التأخير، فلما بلغه التقديم رجع إليه وعمل به، والباب الذي بعد تقدم ما فيه قريبًا.
(بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ)

(1/62)


552 - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ». [خ 552]
وفي «موطأ ابن وهب» قال مالك: تفسيرها ذهاب الوقت، وعند أبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني: الموتر أهله وماله مَنْ وتر صلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر، وفي «تفسير الطبري» عن سالم أن أباه كان يرى لصلاة العصر فضيلة للذي قاله النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فيها
%ج 1 ص 35%
ويرى أنَّها الصلاة الوسطى، وفي مسند الكجي: «وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ، وَهُوَ قَاعِدٌ».
وفي «علل ابن أبي حاتم»: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ - وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ- فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» قال أبو حاتم: التفسير من قبل نافع.
وكذا رواه النسائي عن نوفل بن معاوية كراوية ابن عمر، وزعم أبو القاسم في «الأوسط»: أن نوفلًا رواه عن أبيه معاوية بلفظ: «لَأَنْ يُوتِرَ أَحَدُكُم أَهْلَهُ ومَالَهُ خَيْرٌ لَهُ مَنْ أَنْ تَفُوْتَهُ صَلَاةُ العَصْرِ» وُتِرَ أي: نقص فكأنه جعله وِتْرًا بعد أن كان كثيرًا.
قَالَ الخَطَّابِيُّ وغيره: نقص هو أهله وماله وسُلِبَهم فبقي بلا أهلٍ ولا مالٍ، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله.
وقال أبو عمر: معناه كالذي يُصاب بأهله وماله إصابةً يطلب بها وترًا، وهي الجناية التي يُطْلَبُ ثَأْرُها فيجتمع عليه غَمَّان: غَمُّ المصيبة، ومقاساة طلب الثأر.

(1/63)


وقَالَ الدَّاودِيُّ: يَتَوَجَّهُ عليه من الاسترجاع ما يَتَوَجَّه على من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة، وقيل: معناه فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف كما يلحق من ذهب أهله وماله وهذا كله يمشي على رواية النصب وهو الصحيح المشهور على أنه مفعول ثاني لوتر، وأضمر فيه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعله عائدًا إلى الذي فاتته الصلاة.
قال أبو زكريا: وقيل معناه وُتِرَ في أهله فلما حُذِفَ الخافض انتصب، ومن رواهما بالرفع فعلى مالم يسمَّ فاعله، وقال بعضهم: على أنَّه بدل اشتمال، أو بدل بعضٍ، ومعناه: انتزع منه أهله وماله وذهب بهم وهو تفسير مالك، واختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وهب وغيره: هو فيمن لم يصلِّها في وقتها المختار.
وقال الأَصِيلي وسُحْنُون: هو مَن تفوته بغروب الشمس، وقيل: يُفَوِّتُها إلى أنْ تَصْفَرَّ الشمس وقد ورد مفسرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث، قال: وفواتها أن تدخل الشمس مصفرة.
ورُوِيَ عن سالم عن أبيه أنه قال: هذا فيمن فاتته ناسيًا.
وقَالَ الدَّاودِيُّ: هو في العامد، وكأنه أظهر لما في «صحيح البخاري»: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» وهذا ظاهر في العَمْد.
وقَالَ الْمُهَلَّبُ: هو فواتها في الجماعة لما يفوته من شهود الملائكة الليلية والنهارية، ولو كان فواتها بغيبوبةٍ أو اصفرار لبطل الاختصاص؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة والله أعلم.
قال أبو عمر: يحتمل تخصيصه العصر أن يكون جوابًا لسائلٍ سأل عن ذلك، وعلى هذا يكون حكم
%ج 1 ص 36%
من فاته الصبح بطلوع الشمس والعشاء بطلوع الفجر، وخُصَّت العصر لفضلها ولكونها مشهودة، وقيل: خُصَّتْ بذلك تأكيدًا وحضًّا على المثابرة عليها؛ لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس، ويحتمل أنها خُصَّتْ بذلك لأنها على الصحيح أنها الصلاة الوسطى وبها ختم الصلوات. انتهى.
قد بينا ذلك في حديث ابن عمر قبلُ.

(1/64)


(بَابُ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ)
553 - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنا هِشَامٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمِ غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلاَةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ». [خ 553]
ورواه ابنُ خُزَيْمَةَ كما روى البخاري عَنْ أَبِي المَلِيحِ قال: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ، والإسماعيلي والنسائي وأبو مُسْلم الكَجِّيُّ وأحمد بن حنبل في آخرين، وأما ابن ماجه وابن حبان فخرجاه من جهة الإسماعيلي في تصحيفه عن يحيى فقال: عن أبي الْمُهَاجر، وإنما هو الْمُهَلَّبُ عمُّ أبي قلابة واسمه عمرو: أخبرنا بذلك يحيى بن عمرو، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنا محمد بن حِمْيَر، حَدَّثَنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي قلابة عن عمه عنه على الصواب.
وقال محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه «علل الأقسام والأنواع» لابن حبان: الصواب أبو الْمَلِيح عن بُرَيْدَة.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: معنى هذا مَنْ فَاتَتْهُ فَوَاتَ مُضَيِّعٍ مُتَهَاونٍ بفضل وقتها مع قدرته على أدائها فحبط عمله في الصلاة خاصة أي: لا يحصل له أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عملٌ ترفعه الملائكة صلوات الله عليهم وسلامه، وقال غيره: تركها جاحدًا فإذا فعل ذلك فقد كفر وحبط عمله، وَرُدَّ بأن ذلك مقول في سائر الصلوات فلا مزية إذًا يدل عليه ما ذكره أبو القاسم الجوزي في كتابه «الترغيب والترهيب» من حديث أبي طُوَالَةَ الأنصاري عن سالم عن أبيه عن عمر قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا أَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ وَبَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الله تعالى حَتَّى يُرَاجِعَ الله توبةً».
وقال ابنُ بَزِيزَةَ: هذا على وجه التغليظ.

(1/65)


وقَالَ ابنُ التِّيْنِ: معناه كاد أن يحبط، وفي «القبس» لابن العربي: يوقف عنه عمله مُدَّةً يكون فيها بمنزلة المحبط حتى يأتيه من فضل الله ما يدرك به ثواب عمله، الثاني: أن يحبط عمله عند الموازنة بأنه إذا وضعت الحسنات والسيئات فقد بطلت حينئذ وصار صاحبها في قسم العذاب وبقي أمر الله فإذا جاء بالفضل بعد الاقتصاص من الزائد أو إسقاطه أو زلَّ ثواب عمله، ويحتمل أن يؤخرها عن وقتها متهاونًا بغير نسيان.
وقد أجمعوا على أن من تركها متهاونًا فلم يُصَلِّهَا أو أَخَّرَها
%ج 1 ص 37%
عن أوقاتها أنها لا تُؤْمَرُ بإعادة فروضه المتقدمة وقالوا إلا الحسن، والتَّرْكُ المشار إليه محمول على التأخير، ويجوز أن يراد به لا يصليها مطلقًا متهاونًا بها والله أعلم.
واختارَ جماعةٌ من العلماء في يوم الغيم تأخير الظهر وتعجيل العصر.
(بَابُ فَضْلِ صَلاَةِ العَصْرِ)
554 – حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [ق: 39]، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا لاَ يَفُوتَنَّكُمْ. [خ 554]
وفي لفظ: «إِذَا نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.

(1/66)


وفي كتاب التوحيد: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا»، وفي التفسير: «فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ».
وعند اللَّالَكَائِيِّ عن البخاريِّ: «إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى ربِّكُمْ وَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ».
وعِنْدَ مُسْلِمٍ: ثم قرأ جرير {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} الآية.
وعند الدَّارَقُطْني: وقال زيدُ بنُ أَبِي أُنَيْسَةَ: «فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا القَمَرِ».
وقال وكيع: سَتُعَاينُونَ، وسيأتي عند البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابةٍ، قَالُوا: لاَ، قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ فِيهَا سَحَابةٌ قَالُوا: لاَ، قَالَ:» لا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا».
وعن أبي موسى عنده بنحوه، وعن أبي أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ؟ مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: «نعم». قال: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: «يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ» قَالَ: فَاللهُ أَعْظَمُ وأَجَلُّ وذّلِكَ آيتُهُ فِي خَلْقِهِ».

(1/67)


وعند ابن ماجه عن جابر: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ» ح وعن صُهَيْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فذكر حديثًا فيه: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا أَعَطَاهُمُ اللهُ تَعَالَى شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْه». وفي سنن اللَّالَكَائِيِّ عن أنسٍ وأُبَيِّ بنِ كعب وكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ سُئِلَ رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عن الزيادة في كتاب الله تعالى
%ج 1 ص 38%
قال: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ».
وعن ابن عمر وحذيفة: «مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ تَعَالَى غَدْوَةً وَعَشِيَّةً».
ومن حديث أبي عبيدة عن أبيه وذكر الموقف: «فَيَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ» ح. قال أبو القاسم: روى رؤية المؤمن لربهم جلَّ وعزَّ في القيامة أبو بكر وعليُّ بن أبي طالب ومعاذُ بن جبل وابن مسعود وأبو موسى وابن عباس وابن عمر وحذيفة وأبو أمامة وأبو هريرة وجابر وأنس وعمار بن ياسر وزيد بن ثابت وعبادة بن الصامت وبُرَيْدَةَ بن حَصِيب وجُنَادة ابن أبي أمية وفُضَالةُ بنُ عُبَيْدٍ ورجل له صحبة من النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ثم ذكر أحاديثهم بأسانيد غالبها جيدٌ.

(1/68)


وروينا في كتاب «تثبيت النظر» لِأَبِي نُعَيْمٍ الحافظ زيادة ذكر أبي سعيد الخدري وحذيفة وعُمَارَةَ بنِ رُوَيْبَةَ وأبي رَزِيْنٍ العُقَيْليِّ وأبي برزة، زاد الآجُرِّيُّ في «كتاب الشريعة» وأبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بأبي الشيخ في «كتاب السنة الواضحة» تأليفهما عدي بن حاتم الطائي بسند جيد، زاد محمد بن الحسين الآجري عند الدُّوريِّ قال: سمعت أبا عُبَيْدِ بن سَلَام وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية فقال: هذه عندنا حقٌّ نقلها الناس بعضهم من بعض وكذا قاله ابن عيينة، زاد كذا سمعناه ممن يثق به.
قال الآجُرِّيُّ: وأنا أذكر السنن الثابتة في النظر، فذكر اثنا عشر حديثًا.
قال أبو زكريا: تظاهرت الأخبار والقرآن وإجماع الصحابة فمن بعدهم على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، رواها عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ نحو من عشرين صحابيًا، وهي مختصةٌ بالمؤمنين ممنوعةٌ عن الكفار وقيل: يراه منافقو هذه الأمة وهذا ضعيفٌ، والصحيح أن المنافقين كالكفار باتفاق العلماء، ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة بناء على أن الرؤية يلزمها شروط عقلية اعتقدوها، وأهل السنة لا يشترطون شيئًا من ذلك، والجواب مذكور في كتب المتكلمين من أهل السنة.
وزعم ابن التين أنهم تجاوزوا العشرين صحابيًّا.
قوله: (لاَ تُضَامُونَ) بضم التاء المثناة من فوق وتخفيف الميم، قال ابن الجوزي: وعليه أكثر الرواة، والمعنى: لا ينالكم ضَيْمٌ، والضَّيْمُ أصله الظلم، وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين: أحدهما من مزاحمة الناظرين له أي: لا تزدحمون في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض ولا يظلم بعضكم بعضًا، الثاني: من تأخره عن مقام الناظر المحقق وكأنَّ المتقدمين ضاموه، ورؤية الله عز وجل يستوي فيها الكلُّ بلا ضَيْمٍ ولا ضرر ولا مشقة.
وفي رواية: «لاَ تُضَامُونَ
%ج 1 ص 39%

(1/69)


أولَا تُضَاهُون» على الشك يعني: لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته، وقيل: لا يُشَبِّهُونه في رؤيته بغيره من المرئيات.
ورُويَ: «تُضَامُّونَ» بضم التاء وتشديد الميم، وروي بفتح التاء وتشديد الميم، قال أبو الفرج: حكاهما الزجاج وقال المعنى فيهما: لا تُضَامَمُون؛ أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في وقت النظر لإشكاله وخفائه كما تفعلون عند النظر إلى الهلال.
ورُويَ «تضَارُّونَ» بالراء المشددة والتاء مضمومة ومفتوحة، قال الزجاجُ: معناهما لا تتضارون أي: لا يضار بعضكم بعضًا بالمخالفة، وقال ابن الأنباري: هو يتفاعلون من الضرار، أي: لا تتنازعون وتختلفون.
ورُوِيَ: «تُضَارُونَ» بضم التاء وتخفيف الراء، أي: لا يقع للمرء في رؤيته ضَيْرٌ ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء.
وروي: «تُمَارُونَ» براء مخففة يعني: تجادلون، أي: لا يدخلكم شكٌّ.
ووجه المناسبة بين الصلاتين والرؤية: أن الصلاتين من أفضل القرب فكأنه قال: دوموا على أفضل القرب تنالوا أفضل العطاء وهو الرؤية.
وقوله: ({فَسَبِّحْ}) يريد صلِّ في هذين الوقتين.
وقال أبو القاسم الجوزي فيما رويناه عنه: إن حافظتم على هاتين الصلاتين كنتم جُدَرَاءَ بأن تروا ربكم لتحقق إيمانكم.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».

(1/70)


أخبرنا الإمام المسند أبو البقاء صالح بن مختار بن صالح قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة، أخبرنا يحيى الثقفي، أخبرنا الإمام الحافظ قوام السنة أبو القاسم بن محمد بن الفضل الجوزي، أخبرنا الحسن بن أحمد السمرقندي، أخبرنا عبد الصمد العاصمي، حَدَّثَنا أبو العباس البحتري، حَدَّثَنا أبو حفص البحتري، حَدَّثَنا يوسف بن موسى، حَدَّثَنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فذكره وفي آخره قال: «فَحَسِبْتُ أَنَّهُم يقولونَ: فَاغْفِرْ لَهُمْ يومَ الدِّينِ».
قوله: (يَتَعَاقَبُونَ) فيه دليل لمن قال بجواز إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم، وهي لغة بني الحارث وقالوا: هو كقوله أكلوني البراغيث وعليه حمل الأخفش ومن تابعه قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3] قال سيبويه في آخرين: لا يجوز إظهار الضمير
%ج 1 ص 40%
مع تقدم الفعل ويتأولون هذا كله ويجعلون الاسم بعده بدلًا من الضمير ولا يرفعونه بالفعل، كأنه لما قيل: وأسروا النجوى، قيل: من هم؟ قال: هم الذين ظلموا وكذا يتعاقبون ونظائره، ومعناه تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه: تعقيب الجيوش وهو أن يذهب قوم ويجيء آخرون، وأما اجتماعهم في هاتين الصلاتين فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عبادتهم واجتماعهم على طاعة ربهم فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير.
قال ابن حبان في «صحيحه»: فيه بيان أن ملائكة الليل إنما تنزل والناس في صلاة العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النهار ضد قول من زعم أن ملائكة الليل تنزل بعد غروب الشمس. انتهى.
وعند أكثر العلماء أن هذه الملائكة هم الحفظة فسؤاله لهم إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياهم عليهم.

(1/71)


قال عياض: وقيل يحتمل أن يكونوا غير الحفظة فسؤاله لهم إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] وأنه أظهر لهم ما سبق في علمه بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَالَا تَعْلَمُونَ} قَالَ القُرْطُبِيُّ: وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين، أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم، ولذلك قالوا: «أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» وهذا من خفي لطفه وجميل ستره إذ لم يُطْلِعْهُم إلا على حال عبادتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها. انتهى.
هذا الذي قاله يعطي أنهم غير الحفظة؛ لأن الحفظة يَطَّلِعون على أحوالهم كلها اللَّهمَّ إلا أن تكون الحفظة غير الكاتبين فَيَتَّجِهَ ما قاله، والظاهر أنهم غيرهما؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث: «إِذَا مَاتَ العَبْدُ جَلَسَ كَاتِبَاهُ عِنْدَ قَبْرِهِ يَسْتَغْفِرَانِ لهُ ويُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ إِلَى يومِ القِيَامَةِ» يوضحه ما روى ابن المنذر بسندٍ له عن أبي عُبَيْدَةَ بن عبد الله عن أبيه أنه كان يقول: يتداولُ الحَارسان من ملائكة الله تعالى، حارسُ الليل وحارسُ النهار عند طلوع الفجر.
وحَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حدَّثَنَا ابن المقَّري، حَدَّثَنا مروان، حَدَّثَنا جُوَيْبِرُ عن الضحاك في قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الفَجْرِ} [الإسراء: 78] قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون أعمال بني آدم، وفي «تفسير ابن أبي حاتم»: تشهده الملائكة والجن.
(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ)
556 – حَدَّثَنا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ:
%ج 1 ص 41%

(1/72)


«إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ العَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ» رواه النسائي عن عمرو بن منصور وأبو نعيم الحافظ عن عبد الله بن محمد بن محمد عن عبد الله بن محمد بن النعمان كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن شيخ البخاري بلفظ: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ أَوَّلَ السَّجْدَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» وكذا أخرجه ابن حبان في «صحيحه» عن أبي يَعْلَى أحمد بن علي بن المثنى، حَدَّثَنا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، ورواه أحمدُ بن مَنِيْع عن حسين بن محمد ولفظه: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ أولَ ركْعَةٍ منْ صلاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، ومَنْ أَدْرَكَ ركعةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فقد أدركَ». [خ 556]
وعند أبي داود: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ أَوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ».

(1/73)


وعند السَّرَّاجِ: «مَنْ صَلَّى بِسَجْدَةٍ واحدةٍ منَ العصرِ قَبْلَ غروبِ الشَّمْسِ ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ بعدَ غروبِ الشَّمْسِ فَلَمْ يَفُتْهُ العَصْرَ، ومَنْ صَلَّى سجدةً واحدةً منَ الصبحِ قَبْلَ طلوعِ الشمسِ ثمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ بعدَ طُلُوعِهَا فَلَمْ يَفُتْهُ الصبح» وفي لفظ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَرَكْعَةً بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ» وفي لفظ: «مَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَه»، وفي لفظ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إليها أُخْرَى» وفي لفظ: «مَنْ صَلَّى سَجْدَةً وَاحِدَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ بَعْدَ الغروبِ، فَلَمْ يَفُتْهُ الْعَصْرُ» وفي لفظ: «مَنْ أَدْرَكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ سَجْدَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ، وَمَنْ أَدْرَكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَجْدَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» وفي لفظ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ» وفي لفظ: «ركْعَتَيْنِ» من غير تردد غير أنه موقوف، وعند ابنِ خُزَيْمَةَ كذلك مرفوع بزيادة: «أو رَكَعْةٍ منْ صَلَاةِ الصبحِ».
وعند النسائي: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاةٍ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَهَا».
وعندَ الدَّارَقُطْني: «قَبْلَ أنْ يُقِيْمَ الإمامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا».
وعند ابن عدي هذه زادها يحيى بن حميد المصري ولا أعرف له غيره، وعنده أيضًا: «فقدْ أدركَ الفضيلةَ، ويتم ما بقي» وضعفه، وعن ابن المسيب: مَنْ أدركَ سَجْدَةً فقدْ أدركَ الركعةَ.
وعن الزهري: من أدركَ الإمامَ جالسًا قبلَ أنْ يسلمَ فقدْ أدركَ الصلاةَ وفَضْلَها.
وفي «سنن الكَجِّيِّ»: «مَنْ أدركَ منْ صلاةٍ ركعةً فقدْ أدركها».

(1/74)


وفي «الصلاة» لِأَبِي نُعَيْمٍ: «منْ أدركَ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ تغربَ الشمسُ، وركْعَتَيْنِ بَعْدَمَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَفُتْهُ العصر».
وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «منْ أَدْرَكَ ركعةً منَ
%ج 1 ص 42%
مِنَ الصَّلَاةِ معَ الإمامِ فَقَدْ أدركَ الصَّلَاةَ».
وفي لفظ: «فَقَدْ أدركَ الصَّلَاةَ».
ورواه النسائيُّ بسندٍ صحيحٍ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ».
وروى أبو علي الحنفي عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة عنه: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَها وليصلِّ» قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا يرويه عن مالك غيره.
وعند النسائي من حديث سالم مرسلًا: «فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ».
وقال ابن الأثير في شرح «المسند» رفع عن ابن عمر في «السنن» للنسائي أيضًا فينظر.
وفي رواية عمار بن مطر عن مالك وتفرد به: «فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقْتَها».
قال أبو العباس القرطبي: أهل الحجاز يسمون الركعةَ سجدةً فهما عند الجمهور عبارة عن معنى واحد وكان هذا هو مراد البخاري إذ بَوَّبَ للركعة وذكر للسجدة، وقالت عائشة رضي الله عنها في مسلمٍ: «والسَّجْدَةُ إِنَّمَا هي الركعةُ» وقال الشافعي في أحد قولَيْه وأبو حنيفة السجدة هنا ليست بالركعة وإنما هي على بابها مِنْ وَضْعِ الوجه بالأرض واحْتَجَّا بذلك على قولهما أنه يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: ووجه احتجاجهم أنه لما ذكر مرة ركعة ومرة سجدة سَبَرْنَا أوصافهما فوجدناهما في الركنية والفرضية وأول الفرض تكبيرة الإحرام فقد رآه بذلك.
وقال ابن الجوزي: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها وكذا ذكره الخطابي وغيره.
وروى مالك عن نافع عن مولاه: إذا فَاتَتْكَ الركعةُ فقد فَاتَتْكَ السجدةُ.

(1/75)


وعند الطحاوي في «المشكل»: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ وَفَضْلَهَا.
قال: وأكثر الرواة لا يذكرون: (وَفَضْلَهَا) قال: وهو الأظهر؛ لأن معنى قوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ) أي أدرك فضلها ولو أدركها بإدراك ركعة منها لما وجب عليه قضاء بقيتها، وقد جعل بعض العلماء هذا المقدار مدركًا لها في الجمعة، والمغمى عليه يفيق والحائض تطهر والكافر يسلم فهم لا يدركون الوجوب.
وقال ابنُ بَزِيزَةَ: هذه الزيادة متفرد بها.
وقال ابن الأثير: إذا أدرك أحدكم أول السجدة فإنما يريد به السجدة الأولى، وقال النووي: أجمع المسلمون أنَّ هذا ليس على ظاهره وأنه لا يكون بالركعة مُدْرِكًا لكل صلاة، وتقديره: أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها، وقَالَ القُرْطُبِيُّ: هذا ظاهره لا يصح لقوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، وروى جابر: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاَةِ
%ج 1 ص 43%

(1/76)


رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ فضلَ الجماعةِ، ومنْ أدركَ الإمامَ قبلَ أنْ يسلِّمَ فقدْ أدركَ فضلَ الجماعةِ» ردَّه أبو أحمد بكثير بن شِنْظِير، وفي «الأحكام الكبرى» لأبي محمد الإشبيلي حديث رجل من الأنصار سمعت النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يقول: «إذا أَتَى أَحَدُكُم المسجدَ وقدْ صَلَّوا بَعْضًا وبقيَ بعضٌ، صلَّى ما أدركَ وأتمَّ» قَالَ القُرْطُبِيُّ: والصحيح أنه أدرك فضل الجماعة، وقيل: أدرك حكم الصلاة، أي: يلزمه من أحكامها ما لزم الإمام من الفساد، يؤيد هذا التأويل قوله: (َمَع الإمامِ) وهذا اللفظ يُبْطِل على داود وغيرِه قولَهم إن هذا الحديث مردود إلى إدراك الوقت الذي يدل عليه قوله: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ» وهذا ليس بصحيح من قولهم، بل الحديثان مختلفان يفيدان فائدتين كما قررناه، ثم إذا تنزلنا على التأويل الأول وهو إدراك فضل الجماعة، فهل يكون مضاعفًا كما يكون لمن حضرها من أولها أو يكون غير مضاعف؟ اخْتُلِفَ فيه على قولين:
وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف، وكذلك إن وجدهم قد سَلَّمُوا عند هؤلاء كما جاء في ظاهر حديث أبي داود عن أبي هريرة: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللهُ منَ الأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا».
وإلى عدم التضعيف ذهب طائفة أخرى، وإلى هذا يشير قول أبي هريرة: ومنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ، فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
واختلفوا هل يكون مُدْرِكًا للحكم أو للفضل أو للوقت بأقلَّ من ركعة؟.

(1/77)


فذهب مالك وجمهور الأمة وأحد قولي الشافعي: إلى أنه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقلَّ من ركعة متمسكين بلفظ الركعة، وبما في «صحيح ابن حبان» عن أبي هريرة: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوها وَلَا تَعُدُّوهَا, وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» بما تقدم.
وعند الدَّارَقُطْني: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا».
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في القول الآخر إلى أنه يكون مدركًا لحكم الصلاة.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: واتفق هؤلاء على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل الغروب، واختلفوا في الظهر: فعند الشافعي في قول هو مدرك بالتكبيرة لها لاشتراكهما في الوقت، وعنده أنه بتمام القيام للظهر تكون قاضيًا لها بعد، وحمل أصحاب مالك قوله: (منْ أدْرك رَكْعَةً منَ الْعَصْرِ) على أصحاب الأعذار كالحائض والمغمى عليه وشبهها كما سبق من كلام الطحاوي ثم هذه الركعة التي تدركون بها الوقت هي بقدر ما يكبر فيها للإحرام ويقرأ أم القرآن قراءة معتدلة
%ج 1 ص 44%
ويركع ويرفع ويسجد سجدتين يفصل بينهما ويطمئن في كل ذلك على قول من أوجب الطمأنينة، وعلى قول من لا يوجب قراءة أم القرآن في كل ركعة يكفيه تكبيرة والوقوف لها، وأَشْهَبُ لا يراعي إدراك السجدةِ بعد الركعةِ، وسبب الخلاف هل المفهوم من اسم الركعة للشرعية أو اللغوية؟ وأما التي يدرك بها فضيلة الجماعة وحكمها بأن يكبر لإحرامها ثم يركعُ ويُمَكِّنُ يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه وهذا مذهب الجمهور.

(1/78)


ورُوِيَ عن أبي هريرة أنه لا يُعْتَدَّ بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع، ورُوِيَ معناه عن أشهب، ورُويَ عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمامُ راكعٌ أجزأه وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام، وقيل: يجزئه وإن رفع الإمام ما لم يرفع الناس، ونقله ابنُ بَزِيزَةَ عن الشعبي قال: وإذا انتهى إلى الصف الآخر ولم يرفعوا رؤوسهم أو بقي منهم واحدٌ لم يرفع رأسه وقد رفع الإمام رأسه فإنه يركع وقد أدرك الصلاة؛ لأن الصف الذي هو فيه إمامه.
وقال ابن أبي ليلى وزفر والثوري: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام قبل أن يضع يديه على ركبتيه فإنه لا يَعْتَدُّ بها.
وقال ابن سيرين: إذا أدرك تكبيرةً يدخل بها في وقت الصلاة، وتكبيرةً للركوع فقد أدرك تلك الركعة.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: وقيل يجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام.
قال ابنُ بَزِيزَةَ: وقال أبو العالية: إذا جاءَ وهم سجودٌ سجد معهم، فإذا سلم الإمام قام فركع ركعة ولا يسجد ويعتد بتلك الركعة.
وعن ابن عمر: أنه كان إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد أخرى ولا يَعْتَدُّ بها.
وقال ابن مسعود: إذا ركع ثم مشى فدخل في الصف قبل أن يرفعوا رؤوسهم اعْتُدَّ بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن يصل إلى الصف فلا يُعْتَدُّ بها.
قَالَ ابنُ التِّيْنِ: وجمهور العلماء أن من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس أنه يتمها إلا أبا حنيفة فإنه قال تبطل بطلوع الشمس.
قال أبو السعادات ابن الأثير: وأما تخصيص هاتين الصلاتين بالذكر دون غيرهما فعنه جوابان:
أحدهما: أن هذا الحكم ليس خاصًا بهما بل يعمُّ جميع الصلوات عند أكثر العلماء.

(1/79)


الثاني: أن هاتين الصلاتين طرفا النهار، والمصلي إذا صلى بعض الصلاة وطلعت الشمس أو غربت عرف خروج الوقت فلو لم يبين صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزيه لظن فوات الصلاة وبطلانها بخروج الوقت وليس كذلك آخر أوقات الصلاة؛ ولأنه نهى عن الصلاة عند
%ج 1 ص 45%
الغروب والشروق، فلو لم يُبَيِّن لهم صحة صلاة من أدرك ركعة من هاتين الصلاتين لظن المصلي أن صلاته فسدت بدخول هاتين الوقتين فَعَرَّفَهُم ذلك ليزول هذا الوهم.
قوله: (مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ سَجْدَةً) وفي رواية أخرى: (مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصُّبْحِ) فبينهما فرق:
وذلك أن من قدَّم السجدة؛ فلأنها هي السبب الذي به الإدراك، ومن قدَّم الصبح أو العصر قبل الركعة فلأن هذين الاسمين هما اللذان يَدُلَّان على هاتين الصلاتين دلالة خاصة يتناول لجميع أوصافها بخلاف السجدة فإنها تدل على بعض أوصاف الصلاتين، فقدَّمَ اللفظَ الأعمَّ الجامعَ.

(1/80)


557 - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبّ، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
وفي كتاب الإجارة: «كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عَمَلًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثم عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطَيْنِ، ثمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ».
وفي لفظ: «مَنْ يَعْمَلُ مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَل لِي مِنْ نِصْفِ الَّنهَارِ إِلَى صَلَاة العَصْرِ عَلَى قِيراَطٍ، فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُم هُمْ».

(1/81)


وقال في بابِ المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد، سمعت النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وهو قائم على المنبر، قَالَ الْمُهَلَّبُ: إنما أدخل البخاريُّ هذا الحديثَ والحديثَ الذي بعده في هذا الباب لقوله: (ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ) لِيَدُلَّ على أنه يستحق بعمل البعض أجرَ الكلِّ مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل آخر النهار فمثله كالذي أعطي على ركعة أدرك وقتها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت.
وقال ابنُ الْمُنَيِّرِ: هذا الحديث مثال لمنازل الأمم عند الله تعالى، وأن هذه الأمة أقصرها عمرًا وأقلها
%ج 1 ص 46%
عملًا، وأعظمها ثوابًا.
ويُسْتَنْبَطُ منه للبخاريِّ بتكلف من قوله: (فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) فدلَّ أن وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس وأنه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهور بهذا الوقت صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ من الإشارة لا من صريح العبارة، فإن الحديث مثالٌ وليس المراد عملًا خاصًا بهذا الوقت، بل المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات وغيرها من سائر العبادات في سائر مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة.
وقول الْمُهَلَّبِ فيه بُعْدٌ فإنه لو قال إن هذه الأمة أُعْطِيَتْ ثلاثة قراريط لكان أشبه ولكنها ما أعطيت إلا بعض أجرة جميع النهار، نعم عملت هذه الأمة قليلًا فأخذت كثيرًا، ثم هو أيضًا مُنْفَكٌّ عن محل الاستدلال؛ لأن عمل هذه الأمة آخر النهار كان أفضل من عمل المتقدمين قبلها، ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة ثم هذا من الخصائص المستثناة عن القياس فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النهار لا يقوم مقام جملته وكذلك سائر العبادات فالأولى أولى. انتهى.
قد بينا أن صلاة العصر تأخيرها أفضل من تقديمها فقولها لا خلاف غير جيد، وأما قياسه ذلك على الصوم فغير جيد؛ لأنَّ وقت الصوم لا يُتَحَرَّى بخلاف الصلاة.

(1/82)


قوله: (إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ) في رواية اليزيدي: <إِنَّما أَجَلُكُمْ في أَجَلِ منْ خَلَا منَ الأُمَمِ كَمَا بينَ صَلَاةِ العَصْرِ إلى مَغَارِبِ الشَّمْسِ>.
قال أبو الفرج: إن قبل مدة هذه الأمة قد قاربت الستمئة سنة فكيف يكون زمانها أقل؟
فالجواب: أن عملها أسهل وأعمار المكلفين أقصر والساعة إليهم أقرب، قال: وتعلق بعضهم بمضمون هذا الحديث: وهو أن مدة المسلمين من حين ولد سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إلى قيام الساعة ألف سنة وذلك؛ لأنه جعل النهار نصفين الأول لليهود فكانت مدتهم ألف سنة وستمئة سنة وزيادة في قول ابن عباس رواية أبي صالح عنه، وفي قول ابن إسحاق: ألف سنة وتسع مئة وتسع عشرة سنة وللنصارى كذلك، فجاءت مدة النصارى التي لا يختلف الناس أنه كان بين عيسى ونبينا صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ستمئة سنة فبقي للمسلمين ألف سنة وزيادة انتهى كلامه.
وفيه نظرٌ من حيث إن الخلاف في مدة الفترة، فذكر الحاكمُ في «الإكليل» أنها مئة وخمس وعشرون سنة وذكر أنها أربعمئة سنة، وقد ذكر السُّهَيلي أن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي حدث بحديث مرفوع: «إنْ أَحْسَنَتْ أمتي فَبَقَاؤُها يومٌ منْ أيامِ الآخرةِ، وذَلِكَ ألفُ سنةٍ، وإنْ أَسَاءَتْ فَنِصْفُ يومٍ» وفي حديث
%ج 1 ص 47%

(1/83)


زِمْلٍ الخزاعيِّ قال: «رَأَيْتُكَ يَا رَسُولَ الله عَلَى مِنْبَرٍ لَهُ سبعُ دَرَجَاتٍ، وَإِلَى جَنْبك نَاقَةٌ عَجْفَاءٌ كَأَنَّك تَبْعَثُها، ففسر لَهُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ النَّاقةَ بِقِيَام السَّاعَة الَّتِي أنذرَ بهَا، ودرجاتِ الْمِنْبَر بمدَّة الدُّنْيَا: سَبْعَة آلَاف سنة، بعث فِي آخرهَا ألفًا» قالَ السُّهَيلي: والحديث وإن كان ضعيف الإسناد فقد رُويَ موقوفًا على ابن عباس من طرق صحاح قال: «الدنيا سبعةُ أيامٍ، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ» وصححَ الطبريُّ هذا الأصل وعَضَّدَه بآثار وذكر قوله: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وإنما سَبَقْتُهَا بما سَبَقَتْ هذه هذه» وأورده من طرق كثيرة صححها.
قوله: (كَمَا بينَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ).
قال ابن العربيُّ: يحتمل أن يريد من أول وقتها، ويحتمل أن يريد به من آخر وقتها وهو الظاهر؛ لأنه لو كان من أجل الوقت لكان زمان المسلمين في العمل أكثر من زمان النصارى، وظاهر الحديث يقتضي أن عمل النصارى أكثر لقولهم نحن أكثر عملًا، وكثرة العمل في الغالب يستدعي كثرة الزمان.
قال أبو سليمان: هذا مخالف لرواية أبي موسى الآتي ذكرها في هذا الباب وأيضًا فهو مخالف لرواية من قال: (اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ ... الحديث) فقطع الأجرة لكل فريق من اليهود والنصارى قيراطًا قيراطًا واستوفى العمل وأبقى الأجرة.
وفيه قطع الخصومة وزوال العتب عنهم، وإبراؤهم من الذنب، واكتفى الراوي منه بذكر ما آل الأمر إليه من الآخرة ومبلغها دون غيرها من ذكر عجزهم عن العمل.
وقولهم: (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) إشارة إلى تحريفهم الكتب وانقطاعهم عن بلوغ الغاية فحرموا تمام الآخرة لامتناعهم عن تمام العمل الذي ضمنوه، فكان الصحيح رواية سالم وأبي بردة.

(1/84)


وقَالَ الدَّاودِيُّ: قوله: (عَجَزُوا) قاله أيضًا في النصارى، وحكى بعضهم في حديث أبي موسى: (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) حكاه عن اليهود ذلك ما عملنا قال: فإن كان وصف من مات مسلمًا من قوم موسى فلا يقال عَجَزُوا، وكذلك من مات مسلمًا من قوم عيسى صلى الله عليهما وسلم وإن كان قاله ممن آمن ثم كفر يُعْطَى القيراط من حبط عمله فكفر.
قوله: (ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) فيه تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها، وإنما فضلت لقوة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإنْ زلَّتْ فأكثر زللها في الفروع بخلاف من كان قبلهم كقولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} [الأعراف: 138] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حتى نَتَقَ الجبل فوقهم و {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} [المائدة: 24] واستنبط الحنفيون أبو زيد
%ج 1 ص 48%
الدبوسي في كتاب «الأسرار» وغيره من هذا أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مِثْلَيْه؛ لأنه إذا كان كذلك كان قريبًا من أول العاشرة فيكون إلى الغروب ثلاث ساعات غير شيء يسير، ويكون النصارى عملوا أيضًا ثلاث ساعات وشيئًا يسيرًا وهو من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة وهو إذا صار ظل كل شيء مثله، واعْتُرِضَ على هذا بأمور منها:
أن النصارى لم تقله إنما قاله الفريقان اليهود والنصارى ووقتهم أكثر من وقتنا فيستقيم قولهم أكثر عملًا. وأجيب: عن هذا الاعتراض بأن اليهود والنصارى لا يتفقان على قول واحد، بل قالت النصارى كنا أكثر عملا وأقل عطاء وكذا اليهود باعتبار كثرة العمل.
وقوله: كقوله تعالى حاكيًا عنهم: {وَقَالَتِ اَليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] وإنما قال ذلك اليهود وحدها والنصارى وحدها؛ لأن اليهود لا يقولون إن النصارى أبناء الله وأحباؤه وكذا النصارى.

(1/85)


وزعم أبو الْمَعَالي الجُوَيْنِي بأن الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال فإنه موضع تَجَوُّزٍ، قال أبو بكر بن العربي: هو وإن كان موضع تَجَوُّزٍ وتَوَسُّعٍ كما قال سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لا يقول إلا حقًا بمثل أو توسع.
قال: وقوله: (منْ صَلَاةِ العَصْرِ) يحتمل أول الوقت وآخره فلا يقضي بأحد الاحتمالين على الآخر.
وقوله: (فَغَضِبَتِ اليَهُوْدُ والنَّصَارَى) يعني: الكفار؛ لأن المسلمين لا تغضب من حكم الله عز وجل.
قَالَ ابنُ التِّيْنِ: ولعل قولهم نحن أكثر عملًا وأقل عطاء، أي أنَّا لا نرضى بهذا ثم تَرَكُوا ذلك، وقالوا: (لكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلًا) كما في حديث أبي موسى، واتفق الحديثان.
558 - حَدَّثَنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدةَ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ أَجِيْرَيْنِ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاَةِ العَصْرِ، قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيهمَا». [خ 558]

(1/86)


وفي «مستخرج أبي نعيم الإسماعيلي»: «اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَلَمَّا قَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أُجْرَتِكَ، قالَ لَهُمْ: لاَ تَفْعَلُوا واعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُم وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا ذلك وقالَ لِلْآخَرَيْنِ كَمَا قالَ لهؤلاءِ» وفيه: «وَاسْتَكْمَلُوا -يعني الآخرين- أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ والأَجْرَ كلَّه ذَلِكَ مَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَمَثَلُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَبِلُوا هَدْيَ اللهِ، وَمَا جَاءَه رَسُولُه».
قَالَ الإِسْمَاعِيْلِيُّ: إنما قالت النَّصَارى نحن أكثرهم عملًا؛ لأنهم آمنوا بموسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم. انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث إن النصارى لم يؤمنوا بموسى صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ
%ج 1 ص 49%
على ذلك جماعة الإخبَارِيِّين.
قَالَ ابنُ التِّيْنِ: حديث ابن عمر يُحْمَلُ على من كان مسلمًا، وحديث أبي موسى يُحْمَلُ على من بدَّلَ دينه بعد نبيه، وقَالَ الدَّاودِيُّ: إن كان إنما وَصَفَ من مات على دين الإسلام من قَبْلِ موسى قبلَ أن يكفروا بموسى فلا يقال إنهم عجزوا، ولذلك من مات على دين الإسلام على دين عيسى صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قبلَ أن يكفروا فلا يقال عجزوا، وإن كان قال ذلك فيمن آمن ثم كفر فكيف يعطي القيراط من حبط عمله بكفره؟

(1/87)


وفي رواية أبي موسى أن الفريقين كانوا على إيمان ثم كفرَ منهم منْ كفرَ فَضَرَبَ بهم هذا المثل، وإنما أعطى النصارى من صلاة الظهر إلى الليل مثل ما أعطي اليهود من طلوع الشمس إلى غروبها؛ لأنهم آمنوا بموسى وعيسى فمن آمن منهم ومات على إيمانه من الفريقين أُعْطِيَ قيراطًا قيراطًا، ومن كفر بعد نبيه ولم يؤمن وهم الذين قالوا: (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) والذين قالوا: (لكَ مَا عَمِلْنَا) وعلى هذا تتفق رواية ابن عمر وأبي موسى ويكون كل واحد قد سكت في حديثه عن بعض القصة؛ لأن من مات على إيمانه من قوم موسى أو عيسى لا يقال عَجَزَ، ومن كفر بعد إيمانه فهو العاجز ولا أجر له، قال الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65].
وقَالَ الْمُهَلَّبُ: هذا مثلٌ ضُرِبَ للناس الذين شرع لهم دين موسى صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم وينهاهم إلى أن بعث الله تعالى عيسى عليه السلام فأمرهم باتِّبَاعه فَأَبَوا وتبرؤوا مما جاء به، وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقي الدهر بما يُؤْمَرُونَ به فعملوا حتى بُعِثَ سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فدعاهم إلى العمل بما جاء به فَأَبَوْا وعَصَوْا، فجاء الله بالمسلمين فعملوا بما جاء به ويعملون به إلى يوم القيامة فلهم أجر من عمل الدهر كله بعبادة الله كإتمام النهار الذي اسْتُؤْجِرَ عليه كله أول طبقة.

(1/88)


وفي حديث ابن عمر قدَّرَ لهم مدة أعمال اليهود لهم أجرهم إلى أن نسخ الله تعالى شريعتهم بعيسى، وقال عند مَبْعَثِ عيسى صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: من يعمل إلى مدة هذا الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله ذلك بمحمد صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ثم قال متفضلًا على المسلمين: من يعمل بقية النهار إلى الليل وله قيراطان؟ فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر، فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى وعمل بشريعته له أجره مرتين، وكذلك النصارى إذا آمنوا بمحمد صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كما جاء في الحديث ورجل آمن بنبيه وآمن بي يعني: يؤتى أجره مرتين، ويحتمل قولهم نحن أكثر عملًا قولَ اليهود؛ لأنهم عملوا ست ساعات ويكون
%ج 1 ص 50%
قولُ النصارى نحن أقلُّ عطاء، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل فيكون الحديث على العموم في اليهود وعلى الخصوص في النصارى، وقد يأتي في الكلام أخبار عن جملة، والمراد بعضها كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح لا من العذب وقوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 60] والناسي كان يوشع بدليل قوله: {إِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} وقيل يحتمل أن كل طائفة منهما أكثر عملًا وأقل عطاء؛ لأن النصارى عملت إلى صلاة العصر إلى وقت العصر فَيُحْمَلُ على أنها عملت آخر وقت العصر ذكره ابن القصَّار وثَمَّ وجهٌ آخر وذلك أن نصف النهار وقت زوال الشمس في آخر الساعة السادسة والعصر في أول العاشرة بعد مُضِي شيء يسير منها فزادت المدة التي بين الظهر والعصر على المدة التي بين العصر إلى الليل مقدار ما بين آخر الساعة التاسعة وأول العاشرة وإن كان ذلك القدر لا يَتَبَيَّنُهُ كثير من الناس فهي زيادة في العمل.

(1/89)


واستدلَّ بعض الحنفية على أن آخر وقت الظهر ممتدٌّ إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، قالوا: وذلك أنه جعل لنا من الزمان من الدنيا في مقابلة من كان قبلنا من الأمم بقدر ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو يدل أن بينهما أقل من ربع النهار؛ لأنه لم يبق من الدنيا ربع الزمان لقوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوسْطَى، فشبه ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت.
قالَ السُّهَيلي: وما بينهما نصف سُبُع؛ لأن الوسطى ثلاثة أسباع كل مفصل منها سُبُعٌ وزيادتها على السبابة نصف سبع، والدنيا على ما قدمناه عن ابن عباس سبعة آلاف سنة، فكل سُبُعٍ ألفا سنة وفُضِّلَتِ الوسطى على السبابة بنصف الأنملة وهو ألف سنة فيما ذكره أبو جعفر الطبري وغيره.
وزعم السُّهَيلي أن بحساب الحروف المقطعة أوائل السور تكون تسعمئة سنة وثلاث سنين، وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته فالله أعلم؟.
قَالَ ابنُ التِّيْنِ: والجواب عن قول الحنفية بأن هذا الحديث قُصِدَ به ذكر الأعمال لا بيان الأوقات، وحديث الأوقات قُصِدَ به الأوقات، وما قُصِدَ به بيان الحكم مقدم على غيره، وأيضًا فإن هذه الأمة تلي قيام الساعة كما أن صلاة العصر تلي المغرب وكما تلي السبابة الوسطى، ولم يرد بيان ما بقي من الدنيا؛ لأن الله تعالى قد استأثر بعلم ذلك، وقد قال صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ».
وقوله: (واسْتَكْمَلُوا أجرَ الفَرِيْقَيْنِ كِلَاهُمَا) صوابه كليهما
%ج 1 ص 51%
لأنه تأكيد للمجرور، والله تعالى أعلم.

(1/90)


وفي «الْمُحْكَمِ» لابن سِيْدَه: والقَرَّاطُ والقيراط من الوزن معروف، وفي «أمالي» أبي علي الهَجَري: وتقول: قُوَيْرِطٌ تصغير قيراط - الواو بعد القاف -، وفي «الجامع» للقزَّاز: قرط فلان على العطاء إذا أعطاه قليلًا، ومنه اشتقاق القيراط الذي يتصرف به، وأصله قَرَّاط فأبدلوا من إحدى الراءين ياءً، يدلُّ على ذلك قولهم في الجمع: قراريط، وَفِي «الصِّحَاحِ»: والقيراط نصف دينار.
(بَابُ وَقْتِ المَغْرِبِ)
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ.
559 – حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ، حَدَّثَنا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنا أَبُو النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ: سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: «كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فَيَنْصَرِفُ وإنَّ أَحَدَنَا لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» [خ 559]
وعند أبي داود صحيحًا من حديث أنس: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ نَرْمِي فَيَرَى أَحَدُنَا مَوْضِعَ نَبْلِهِ».
وعن كعب بن مالك: «كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى أَهَلِيهِمْ بِبَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ يُبْصِرُونَ مَوَاقِعَ النَّبْلِ حِينَ يُرْمَى بِهَا».قال أبو حاتم: الصحيح مرسل.
وعن أبي طَرِيفٍ كنتُ معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حينَ حاصرَ الطَّائِفَ، فكانَ يُصّلِّي بِنَا صلاةَ البصرِ حَتَّى لو أنَّ رجلًا رَمَى بِسَهْمٍ لَرَأَى مَوْضِعَ نَبْلِهِ». قال أحمد بن حنبل: صلاة البصر المغرب.
وعنده أيضًا حديث جابر بلفظ: «ثمَّ نَأْتِي بني سَلِمَةَ ونحنُ نُبْصِرُ مَوَاقِعَ النَّبْلِ».
وعند الشافعيِّ من حديثه عن إبراهيم: «ثُمَّ نَخْرُجُ نَتَنَاضَلُ حَتَّى نَدْخُلَ بُيُوتَ بَنِي سَلِمَةَ نَنْظُرُ إِلَى مَوَاقِعِ النَّبْلِ مِنَ الْإِسْفَارِ».

(1/91)


وعند الدَّارَقُطْني: «لَمْ يَكُنْ يُؤَخِّرُ المغربَ لطعامٍ ولَا غيره» وقال ابن شاهين هذا حديث غريب.
وعند النَّسَائيِّ بسند صحيح عن رجل من أَسْلَمَ: «أَنَّهُمْ كانوا يُصَلُّونَ معَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ المغربَ ثُمَّ يرجعونَ إِلَى أَهْلِيْهِمْ إِلَى أَقْصَى المدينةِ يَرْمُونَ فَيُبْصِرُونَ مَوَاقِعَ نَبْلِهِمْ».
وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: «كُنَّا نُصَلِّي معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ المغربَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ حَتَّى نَأْتِيَ السُّوقَ وَإِنَّا لَنَرَى مَوَاضِعَ النَّبْلِ» رواه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» من حديث صالح بن نبهان، وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان بنحوه ذكر أبو علي الطُّوسي في «الأحكام»، وعند ابنِ خُزَيْمَةَ وصحيح الحاكم من حديث العباس بن عبد المطلب: «لَاتَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَالَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ».
وعند ابن خزيمة أيضًا عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ بنِ محمد عَلَى مِصْرَ فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا عُقْبَةُ؟ أمَا سَمِعْتَ رَسُوْلَ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ:
%ج 1 ص 52%
يقول: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْ عَلَى الْفِطْرَةِ مَالَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أنْ يَشْتَبِكَ النُّجوم».
وفي لفظ عن أبي أيوب: «بَادِرُوا بصلاةِ المغربِ طُلُوعَ النُّجُومِ» قال أبو زُرْعةَ: وهو أصح.

(1/92)


وعند الدَّارَقُطْني من حديث السائب بن يزيد: «لَاتَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا صَلَّوا المغربَ قبلَ طلوعِ النُّجُومِ» وهذه الأحاديث تدل على استحباب تعجيل المغرب ولا خلاف بين العلماء في ذلك إلا ما حُكِيَ عن بعض الشيعة أنها تؤخر حتى تشتبك النجوم، قال الشعبيُّ: وهي نزعةٌ يهوديةٌ فلا يُلْتَفَتُ إليها، ولا أصل لها إلا ما لعلَّه يكونُ مأخوذًا من حديث معاذ الْمُخَرَّج عند ابن حبان: أنَّهُ كانَ يُصَلِّي معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صلاةَ المغربِ ثُمَّ يرجعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بهم تلكَ الصلاةِ.
ومن حديث أبي بَصْرَةَ من عِنْدَ مُسْلِمٍ وذكرَ العصرَ قال: «وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ.
وهما يدلان على الجواز لا على الفضيلة بلا خلاف، وأما ما في «مراسيل أبي داود» عن عبد العزيز رُفَيْعٍ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «عَجِّلُوا بِصَلَاةِ النَّهارِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَأَخِّرُوا الْمَغْرِبَ» فمراده والله تعالى أعلم استبانة غيبوبة الشمس حتى يتمكن الوقت لانبهامه، ولهذا قال البغوي فيما رويناه عنه في «شرح السنة»: أصح الأقوال أن لها وقتين وآخر وقتها إلى غيبوبة الشفق، ومذهب أبي حنيفة أن وقتها ممتد إلى أن يغيب الشفق. وفي «قنية المنية» يكره تأخير المغرب عند محمد في روايته عن أبي حنيفة ولا يكره في رواية الحسن عنه ما لم يغب الشفق، والأصح أنه يكره إلا من عذر كالسفر ونحوه، وفي التأخير بتطويل القراءة خلاف احتجاجًا بحديث عبد الله بن عمر: «والمغربُ مَالَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» وفي رواية: «نور»، وبحديث أبي هريرة: «وأولُ وقتِ المغربِ حَتَّى تغيبَ الشمسُ، وآخِرُها حينَ يغيبُ الشفقُ».

(1/93)


وبحديث الأعرابي السائل عن وقت الصلاة وأنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صلى المغرب في اليوم الثاني حين كاد الشفق يغيب. قَالَ الدَّارَقُطْني: اعْتُبِرَتُ الأحاديث في المواقيت فمن ذكر للمغرب الوقت الواحد فبإمامة جبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وأبو موسى وبريدة وغيرهما يَحْكُوْنَ الوقتين فعل رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
وقوله فصار متأخرًا فيجب الأخذ به، وقال ابن المنذر في كتاب «الإقناع»: آخر وقت المغرب أن يغيب الشفق لقوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لا يفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى» وقال في «الإشراف»: اختلفوا في وقت المغرب فقال مالك والأوزاعي والشافعي يقولون لا وقت لها إلا وقتًا واجبًا إذا غابت الشمس قال وفيه قول ثانٍ وهو أن وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق هذا قول أبي حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق
%ج 1 ص 53%
وقد روينا عن طاوس أنه قال: لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر، وروينا عن عطاء أنه قال: لا تفوت المغرب والعشاء حتى النهار، وفي «مصنف عبد الرزاق» عن ابن جريج أخبرني عبد الرحمن ابن سابط أنَّ أبا أمامة سأل النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ متى غروب الشمس قال: «منْ أولِ مَا تَصْفَرُّ إلى أنْ تَغْرُبَ».

(1/94)


560 – حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا أَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. [خ 560]
وفي رواية معاذ بن معاذ عن شُعبة: كانَ الحجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصلوات فسألنا جابرًا.
وفي رواية أحمد بن حنبل عن غُنْدَرٍ: قدمَ الحجاجُ المدينةَ فسألنَا جابرًا.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: ظاهره أن الصبح كان يصليها بِغَلَسٍ اجتمعوا أو لم يجتمعوا ولا يفعلُ فيها كما يفعل بالعشاء وهذا من فصيح الكلام وفيه حذفان: حُذِفَ خبر كان وهو جائز كحذف خبر المبتدأ كقوله تعالى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] والمعنى: واللائي لم يحضن فعدتهن مثل ذلك ثلاثة أشهر، والحذف الثاني حذْفُ الجملة التي هي الخبر لدلالة ما تقدم عليه، وحذف الجملة التي بعد (أو) مع كونها منتصبة لها.
قال السَّفَاقُسيُّ: تقديره أو لم يكونوا مجتمعين، ويصح أن يكون كان هنا تامةً غيرَ ناقصة، فتكونَ بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد (أو) خاصة.
561 – حَدَّثَنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنا يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالحِجَابِ». [خ 561]
وعند الطُّوسي: «ساعةَ تغربُ الشمسُ إذا غابَ حَاجِبُهَا». حديث ابن عباس في قصر الصلاة.

(1/95)


النَّبْلُ: السهام، قال ابن سِيْده: لا واحد له من لفظه، وقيل: واحدتها نَبْلة، وهي النبال والأنبال، وفي «الكتاب الواعي» لأبي محمد عن أبي زيد: واحده نَبْلَةٌ، وفي «المغيث» لأبي موسى: هو سهم عربي لطيف غير طويل لا كسهام النشاب، والحُسْيَان أصغر من النبل يُرْمَى بها على القسي الكبار في مجاري الخشب.
(بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ العِشَاءُ)
563 - حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمُ المَغْرِبِ» قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هِيَ العِشَاءُ، وعند الإسماعيلي عن حسين المعلم عن ابن بُرَيْدَةَ عن عبد الله
%ج 1 ص 54%
ابن الْمُغَفَّلِ: «لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمُ المَغْرِبِ، فإنَّ الأعرابَ تُسَمِّيها عَتَمَةً». [خ 563]
قَالَ الإِسْمَاعِيْلِيُّ: وحديث أبي مسعود عند عبد الصمد يدل على أنه في صلاة العشاء الآخرة، وكذا روى ابن عمر في العشاء الآخرة التحذير من أن تغلبهم الأعراب على اسم صلاتهم، يعني حديث مسلم: «لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ».وفي رواية: «عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ».
وفي النسائي: «عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ؛ فَإِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ عَلَى الْإِبِلِ».
وفي رواية: «سمعتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ على المنبر يقول».

(1/96)


قَالَ الإِسْمَاعِيْلِيُّ: فأما هارون بن عبد الله فَسَمَّى المغرب في حديثه عند عبد الصمد، وتابع عبد الصمد أبو مَعْمَرٍ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: إنما كره ذلك؛ لأن التسمية من الله عز وجل ورسوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وهذا يدلُّ أنه لا يجب أن يُقال للمغرب العشاء الأول كما تقول العامَّةُ، وينبغي أن تُفْرَدَ كلُّ صلاةٍ باسمها ليكون بعد من الإشكال إلا العَتَمَةَ فإنه قد صحَّ في الآثار الثابتة لها اسمان.
قوله: (لا يَغْلِبَنَّكُمْ) قال الأزهريُّ: معناه لا يَغُرَّنَّكم فِعْلُهم هذا عن صلاتكم فَتُؤخِّرُوها، ولكن صَلُّوها إذا كان وقتها، والعشاء أول ظلام الليل وذلك من حين يكون غيبوبة الشفق.
فلو قيل في المغرب عشاء لأدى إلى اللَّبْس بالعشاء الآخرة، والكراهة في ذلك أَلَّا يَتَّبِع الأعراب في هذه التسمية، وقيل: إن الأعراب يسمونها العتمة؛ لكونهم يؤخرون الحَلْبَ إلى شدة الظلام، قَالَ القُرْطُبِيُّ: لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى، فهو إرشاد إلى ما هو الأولى، لا على التحريم، ولا على أنه يجوز، ألا تراه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قد قال: «ولو يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ والصُّبْحِ» وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عباس فيما ذكره ابن أبي شيبة، وقال أبو محمد المنذري: يحتمل أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، فإنَّ التاريخ في تقديم أحدهما على الآخر مُتَعَذِّر.
وقال النووي: يحتمل أنه خاطب بالعتمة من لا يعرف لها اسمًا غيره، فلو قال: لو يعلمون ما في العشاء والصبح لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب، واستعمل العتمة التي لا يشكون فيها، وظواهر الشرع متظافرة على احتمال أخفِّ المفسدين لدفع أعظمها.
(بَابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ، وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا)

(1/97)


قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «أَثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ».
وَقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجْرِ».
اللفظ الأول أسنده البخاري في فضل العشاء في جماعة، والثاني في باب الأذان والشهادات، قال أبو عبد الله: والاختيار أن يقول العشاء لقول الله تعالى {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} [النور: 58] وَيُذْكَرُ
%ج 1 ص 55%
عَنْ أَبِي مُوسَى: «كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عِنْدَ صَلاَةِ العِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا».
هكذا التعليق ذكره البخاري مسندًا في باب فضل العشاء، وخرَّجه مسلم أيضًا، وهو يردُّ قول من يقول إن التعليق الممرض نازل عند البخاري عن رؤيته المجزوم فيه.
وقال ابن عباس وعائشة: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِالعِشَاءِ».
تعليق ابن عباس هذا ذكره البخاري مُسْنَدًا في باب النوم قبل العشاء، والتعليق عن عائشة خرجه في باب فضل العشاء، وقال بعضهم عن عائشة: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِالعَتَمَةِ» هذا ذكره النسائي من حديث شعيب عن الزهري عن عروة عنها.
وقال جابر: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي العِشَاءَ» هذا يأتي في الباب بعد هذا، وقد تقدَّمَ قبله أيضًا، وقال أبو بَرْزَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ» تقدم هذا مُسْنَدًا في وقت العصر وقال أنس: «أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْعِشَاء الْآخِرَةِ» هذا يأتي مُسْنَدًا في باب وقت العشاء إلى نصف الليل، وقال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس: «صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ» هذا مسندٌ في كتاب أبي داود وابن ماجه.

(1/98)


564 - حَدَّثَنا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً صَلاَةَ العِشَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تَدْعُو النَّاسُ العَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». [خ 564]
وفي باب السمر بالعلم: «صلَّى لَنَا العِشَاءَ في آخِرِ صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ فقالَ» الحديثَ. وقال: في باب السمر في الفقه بعد العشاء: فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ بهِ في هَذِهِ الأَحَادِيثِ، عَنْ مِئَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ» يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ، تَعَلَّقَ بعض الناس بهذا الحديث على عدم حياة الخضر صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
وقد اخْتُلِفَ فيه وفي اسمه فقال ابن عباس: هو ابن آدم صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لصلبه، وفي رواية الكلبي من أبي صالح عنه هو من سبط هارون صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وكذا قاله ابن إسحاق وسماه أَرْمِيَا، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وهذا ليس بصحيح؛ لأن أرْمِيَا كان زمن بَخْتَنَصَّر قال أبو جعفر: وقيل هو الولد الرابع من أولاد آدم، وقال كعب: اسمه الخضر بن عامل، وقال ابن وهب: اسمه أيليا بن مَلْكَانَ بْنِ فَالِعْ بْنِ غَابِرَ بْنِ شَالِخَ بن أَرْفشخد بْنِ سَامِ، وقال ابن لهيعة: هو ابن فرعون موسى صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وقال عبد الله بن شوذب: كان من ولد فارس, قال أبو جعفر: وقيل كان في أيام أفريدون [30/ أ].
%ج 1 ص 56%

(1/99)


وقيل: كان على مقدمة ذي القرنين، واسمه أفريدون أيام إبراهيم صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وقيل: كان ابن خالية ووزيره، وقال مقاتل: اسمه اليسع, وقال يحيى بن سلام: هو إلياس، وزعم ابن عباس ووهب أنه كان نبيًا مرسلًا وممن قال بنبوته أيضًا: مقاتل وإسماعيل بن أبي زياد الشامي، وفي «الزاهر» لابن الأنباري أنه كان عبدًا صالحًا، وقال أبو علي بن أبي موسى الحنبلي: كانَ وليًا.
قال أبو الفرج: والصحيح أنه نبيٌّ، قال أبو إسحاق الحربي: وسئل عنه هو متقادم الموت وكذا قاله: أبو الحسين بن المنادي وابن ناصر السلامي وعلي بن موسى الرضى والبخاري، ولما سُئِلَ عنه أحمد قال: من أحالك على غائب لم تنتصف منه أو كلامًا هذا معناه.
واحتجَّ بعضهم بأنه لو كان حيًا لما وسعه إلا مجيئه إلى النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كما قال في موسى، واستدلَّ أبو الفرج على عدم بقائه بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34] قال: فلو دام البقاء للخضر إلى يوم القيامة كان خُلْدًا، فإن قيل: فَهَامة بن الهيم وزرنب بن برثملا معمران، قلنا: الحديث عن وجودهما محال، فإن قيل: فهاروت وماروت وإبليس باقون إلى يوم القيامة، قلنا: ليسوا ببشر، ولو كانوا بشرًا ثم نص القرآن على تخليدهم لم ينكر ذلك قال الله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} [البقرة: 102] وهذا للمستقبل، وهذا إبليس ثابت بقوله: {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر: 37 - 38] انتهى كلامه.
وفيه نظر في مواضع:
الأول: تعمير الخضر ألف سنة أو ثلاثة آلاف سنة لا يسمى خُلْدًا.
الثاني: تعمير الهامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس ثابت بسند صحيح التزم صحته الحاكم.
الثالث: المستقبل الذي قاله في قصة هاروت وماروت يصدق بقصتين أو ثلاث فلا دلالة على الخلد.

(1/100)


الرابع: كان ينبغي له أن يذكر الناس مع الذين قبله لينتظم قوله والله أعلم وآخرون في ذلك آخرون قالَ السُّهَيلي: عن ابن عمر بن عبد البر قد تواترت الأخبار باجتماع الخضر بسيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وهذا يردُّ قول من قال لو كان حيًا لاجتمع بنبينا صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كما قال في موسى، وهذا القول مردود أيضًا لضعف هذا الحديث الثاني: عدم إتيانه إلى النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ليس مؤثرًا في الحياة ولا غيرها لأنَّا عهدنا جماعة آمنوا به ولم يرَوه مع الإمكان.
وفي «المستدرك» لأبي عبد الله من حديث عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَنَسِ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَحْدَقَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَبَكَوْا حَوْلَهُ، وَاجْتَمَعُوا فَدَخَلَ رَجُلٌ أَشهَبُ اللِّحْيَةِ، جَسِيمٌ صُبَيْحٌ، فَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ فَبَكَى، ثُمَّ الْتَفَتَ
%ج 1 ص 57%
إِلَى الصَّحَابِةِ، فَقَالَ: «إِنَّ فِي اللهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ» الحديث، فلما انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الصَّحابةِ لِبَعْضٍ: أَتَعْرِفُونَ هذا الرَّجُلَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ رضي الله عنهما: هذا الخضرُ أَخُو رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
وقالَ السُّهَيلي: روى أبو عُمَرَ من طرقٍ صحاح أن أهل بيته سمعوا وهو مسجًّى صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بينهم قائلًا يقول: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحَمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ إِنَّ فِي اللهِ عِوَضًا مِنْ كُلِّ تَالِفٍ, وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ, وَعَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، فَاصْبِرُوْا وَاحْتَسِبُوْا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِيْنَ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيْلُ.
قال: فكانوا يرون الخضر صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. انتهى.

(1/101)


هذا ليس معارضًا للأول؛ لأن هذا يحمل على تعزيته فاطمة وأزواجه رضي الله عنهن لأنه لا يجوز له الدخول عليهن فَعَزَّاهُنَّ من خارج الباب، والأول على تعزيته الرجال إذ يجوز له مخاطبتهم، وأما قول ابن أبي دحية: هذا سنة متطوع لا يلتفت إليه ولا على الاعتماد عليه وكلام يحتاج إلى زيادة تأمل؛ لأنه لم يبد عليه في الحديث ونفي الصحة وذلك إشهار المثبت يقدم، وقد رُوِيَ من طريق محمد بن منصور الجزَّار، حَدَّثَنا محمد بن جعفر بن محمد وعبد الله بن ميمون القداح جميعًا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن حسين سمعت أبي يقول: لَمَّا قُبِضَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ جَاءَتِ المُعَزِّيَةُ يَسْمَعُونَ صَوْتَه وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ح فَقَالَ عَلِيٌّ: أَتَدْرُوْنَ مَنْ هَذَا، هَذَا الخَضِرُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
وقال أبو زكريا النووي: الجمهور على حياته.
وروينا عن أبي الخطاب بن دحية في كتابه «مرج البحرين في أخبار المشرقين والمغربين»: واعلموا رحمكم الله تعالى أن جميع الأخبار في حياة الخضر صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لا تصح عند العلماء بالنقل، وإنما ذكرها من رواها ولم يعرف عللها، وذكر القشيري أن اسمه أحمد ويُكَنَّى أبا العباس. انتهى.
قال شيخنا العلامة أبو الفتح القشيري: بَلْيَا والله تعالى أعلم.
وقول النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: (جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ) قال الحربي: الفروة قطعة يابسة من حشيش، وعن ابن الأعرابي: هي أرض بيضاء ليس فيها نبات.
قَالَ الخَطَّابِيُّ: اخضرتْ بعد إذ كانت جرداء، ويقال: أراد به الهشيم من نبات الأرض اخضر بعد يُبْسِه وبياضه.
حديث وقت العشاء إذا اجتمع الناس تقدم قريبًا.

(1/102)


قَالَ الدَّاودِيُّ: لا تكون الآخرة إلا ولها أولى أولها المغرب؛ لأنها تجب عند غروب الشمس، وقيل لها العشاء على قولٍ لأنه أول ما تجتمع فيها الظلمة، وقيل للعشاء الآخرة عشاء لاجتماع الظلمة ومنه قوله تعالى: {وَجَاؤوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16]
%ج 1 ص 58%
أي جاؤوه جميعًا، وقيل لها العتمة لما يجوز من تأخيرها والظلمة.
(بابُ فَضْلِ العِشَاءِ)
566 - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلاَمُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ، فَقَالَ لِأَهْلِ المَسْجِدِ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ». [خ 566]
وفي باب النوم قبل العشاء لمن غلب: «وكَانُوا يُصَلُّونَ فِيْمَا بينَ أنْ يغيبَ الشَّفَقُ إلى ثُلُثِ الليلِ الأولِ».
وعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِيْ بِصَلاِةِ العِشَاءِ وَهِيَ التِي تُدْعَى الْعَتَمَةُ.
قال ابن شهاب: وذُكِرَ لي أن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تبْرزُوا رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عَلَى الصَّلاةِ وَذَلِكَ حِيْنَ صَاحَ عُمَرُ، قَالَ ابْن شهَاب: وَلَا يُصَلِّي يَوْمئِذٍ إلاَّ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: وَكَانُوا يصلونَ فِيمَا بَين أَن يغيبَ الشَّفقُ إِلَى ثلث اللَّيْل الأولِ.
وقالت أم كُلْثُوم عَن عَائِشَة: أَعْتَمَ ذَات لَيْلَة حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْل، وَحَتَّى نَام أهلُ الْمَسْجِد ثمَّ خَرَجَ فصلى، وَقَالَ: «إِنَّه لوَقْتُهَا لَوْلَا أَن يَشُقَّ عَلى أُمَّتِي».

(1/103)


وعند النسائي: «صَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ».
وفي «الأوسط»: سئل النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عَنْ وَقْتِ العِشَاءِ فَقَالَ: «إِذَا مَلَأَ اللَّيْلُ بَطْنَ كُلِّ وَادٍ».
قولها: (أَعْتَمَ ليلةً) يدل على أن غالب أحواله كان تقديمها.
وفيه جواز النوم قبلها وهو الذي بوَّبَ عليه البخاري باب النوم قبل العشاء لمن غلب، ويحتمل أن ذلك كان شتاءً؛ لأن أبا حنيفة مذهبه في العشاء التأخير أفضل إلا في ليالي الصيف، وفي «شرح الهداية»: تأخيرها إلى نصف الليل مباح، وقيل: تأخيرها بعد الثلث مكروه، وفي «القنية»: تأخيرها إلى ما زاد على النصف مكروه كراهة تحريم.
وقال مالك: تعجيلها أفضل للتخفيف؛ ولأنه غالب أحوال النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
وقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وهو الأصلح لأئمتنا لئلا يؤدي إلى تعطيل الجماعة.
وقال ابن قدامة: يستحب تأخيرها للمنفرد والجماعة يرضون بذلك، وإنما نُقِلَ التأخير عنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مرة أو مرتين لشغل حصل له.
وأما العتمة فذكر ابن سِيْدَه رحمه الله تعالى أنها ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: هي وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقية الليل.
وفي «المصنف»: حَدَّثَنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: قُلْتُ لابنِ عُمَرَ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا الْعَتَمَةَ؟ قَالَ: «الشَّيْطَانُ».

(1/104)


567 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عِنْدَ صَلاَةِ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلاَةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: «عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ، أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ -أَوْ قَالَ-: مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ» لا يَدْرِي أَيَّ الكَلِمَتَيْنِ قَالَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا، فَرْحَى بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. [خ 567]
وعند أبي داود بسند صحيح وإنْ كانَ ابن القطَّانِ أعلَّهُ بعاصم بن حميد فغير جيد لذكره في ثقات ابن حبان ولقول أبي الحسن الدَّارَقُطْني فيه ثقة، حَدَّثَنا مُعَاذٌ قَالَ: تَأَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ حَتَّى ظَنَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ فَلَمَّا خَرَجَ قَالُوا لَهُ كَمَا قَالُوا، فَقَالَ: «أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّكُمْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَلَمْ يُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ».

(1/105)


قال ابن قُرْقُول: بُطْحَان -بضم الباء- يرويه المحدثون أجمعون، وحكى أهل اللغة فيه بَطِحَان -بفتح الباء وكسر الطاء- وكذلك قيده أبو علي القالي في تاريخه وأبو حاتم، وقال البكري في «معجم ما استعجم»: بفتح أوله وكسر ثانيه على وزن فعلان لا يجوز غيره، قال ابن مُقْبِلٍ يرثي عثمان رضي الله عنه:
عفا بطحان من قريشٍ فيثرب فَمُلْقَى الرجالِ منْ مِنَى فَالْمُحَصَّبِ
وقوله: (ابْهَارَّ اللَّيْلُ) أي: انتصف -بباء موحدة من تحت- وعن سيبويه: كثرت ظلمته وابهارَّ القمرُ: كثر ضوءه ذكره في «الْمُوعِبِ»، وفي «الْمُحْكَمِ»: ابْهَارَّ اللَّيْلُ إذا تراكب ظلمته، وقيل: إذا ذهب عامته وهو نحو من ثلثه، وفي «الكتاب الواعي»: ابهيرار الليل طلوع نجومه إذا تنامت؛ لأن الليل إذا أقبل أقبلت فحمته، فإذا استنارت النجوم ذهبت تلك الفحمة، وَفِي «الصِّحَاحِ»: ابْهَارَّ اللَّيْلُ ابْهِيْرَارًا ذهب معظمه وأكثره، وابهارَّ علينا الليل أي: طال، قَالَ الدَّاودِيُّ: قوله: انْهَارَّ اللَّيْلُ، تقول كسر منه وانهدم، ومنه قوله تعالى: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 109] انتهى.
وفيه نظر لما قدمناه ولعدم من قاله غيره فيما أعلم.
قال: وقوله: (مَا منْ أحدٍ منَ النَّاسِ يُصَلِّي هذهِ الساعة غيركم) وكان لا ينطق عن الهوى وقد كان بأقاصي المدينة وبعض الأحياء من يصلي ولكنه أخبر صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنهم صلوا
%ج 1 ص 60%
جميعًا فبشرهم بذلك. انتهى.
ذكر عن ... أن أهل الكتاب لا يصلون في ذلك الوقت وهم الذين أراد فالله أعلم، وذكر ابن التين وغيره أن تأخره صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كان لأنه جهز جيشًا.
وقوله: (عَلَى رِسْلِكُمْ) بكسر الراء وفتحها والأول أفصح أي: تَأَنَّوا.
وقوله: (أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ) بفتح أن وكذا أنه ليس من أحد.
(بَابُ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ)
569 - حديث عائشة تقدم قريبًا. [خ 569]

(1/106)


570 - 571 - حَدَّثَنا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ غَيْرُكُمْ». [خ 570 - 571]
وَكَانَ ابنُ عُمَرَ: لاَ يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا، إِذَا كَانَ لاَ يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا.
قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ كذا.

(1/107)


فَقَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ، حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ: الصَّلاَةَ -قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ-: فَخَرَجَ رسولُ اللهِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا» فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ، كَمَا أَرَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا كَذَلِكَ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَيْهِ طَرَفَ الأُذُنِ، مِمَّا يَلِي الوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لاَ يُقَصِّرُ وَلاَ يَبْطُشُ إِلَّا كَذَلِكَ، وَقَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا».
وقال في «التميز»: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاسِ- لَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلاَةِ بِهَذِهِ السَّاعَةِ» من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو، وقال أبو عبد الله: قال عمر: وحديث عطاء ليس فيه ابن عباس، وقَالَ الإِسْمَاعِيْلِيُّ: وحديث عمرو عن عطاء مرسل.

(1/108)


وذكر الْمُهَلَّبُ وابنُ نُعَيْمٍ الحافظ أنَّ البخاريَّ روى حديث عطاء هذا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن ابن جريج، وأخرجه مسلم عن ابن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء مفردًا مفصولًا من حديث نافع بلفظ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ؟ فَقَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَاسٍ ح قُلْتُ لِعَطَاء: كَمْ ذَكَرَ لَكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَخَّرَهَا لِيْلَتَئذٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ عَطَاءٌ: وأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَهَا إِمَامًا وَخِلْوًا مُؤَخَّرَةً كَمَا
%ج 1 ص 61%
صَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ خِلْوًا أَوْ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ، فَصَلِّهَا وَسَطًا، لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا مُؤَخَّرَةً.
وعند النسائي عن إبراهيم بن الحسن ويوسف بن سعيد، حَدَّثَنا حجاج عن ابن جريج، وحَدَّثَنَا محمد بن منصور حَدَّثَنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْعِشَاء ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ كَذَا مِنَ اللَّيْلِ، فَقَامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَنَادَى: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ، رَقَدَ النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَالْمَاءُ يَقْطُرُ مِنْ رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّهُ لَلْوَقْتُ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ».
(بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)
وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا.
حديث أبي برزة هذا تقدم ذكره قريبًا.

(1/109)


572 - حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحِيمِ المُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صَلاَةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». [خ 572]
وَزَادَ ابنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قال: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عنْ أَنَسٍ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ».
وقال في باب من جلس ينتظر الصلاة: «أَخَّرَ لَيْلَةً العِشَاءَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى».
وقَالَ في باب السمر في الفقه والخبر بعد العشاء: «أَلاَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ» وكذا قاله في باب يستقبل الإمامُ الناس إذا سلم: «وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ» وقال في اللباس: وقال يحيى بن أيوب عن حميد.
وفي «الأوسط»: فَلَمَّا فَرَغَ خَطَبَنَا، فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَأَنْتُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ». اختلف الناس في آخر وقت العشاء:

(1/110)


فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة آخر وقتها ثلث الليل وهو قول عمر بن عبد العزيز ومكحول وإليه ذهب مالك لغير أصحاب الضرورات لحديث علي بن أبي طالب: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِيْ لأَخَّرْتُ العِشَاءَ إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَول» رواه الطبري في «تهذيب الآثار» بسند صحيح، وقال البزار: لا نعلمه يروي عن علي إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد -يعني ابن إسحاق عن عمه عبد الرحمن عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن علي- إلا من هذا الوجه، ولحديث جابر في إمامة جبريل النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ من «صحيح ابنِ خُزَيْمَةَ» والحاكم وابن حبان وصححه الترمذي والطُّوسي والنسائي وابن حزم، وقال أبو عمر: متصل حسن وقال البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر أَنَّهُ جَاءَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ
%ج 1 ص 62%
فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِيْنَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ فَقَالَ: قمْ فَصَلِّ العِشَاءَ، وَفِيْهِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ، وحديث أبي موسى عِنْدَ مُسْلِمٍ: وجاء سائلٌ يسألُ عنْ مواقيت الصلاة، وفيه: «ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ في اليوم الثاني حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، وَقَالَ: الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ».
وعند أبي حنيفة أن آخر وقتها مالم يطلع الفجر وهو المروي عن ابن عباس وغيره وقال في «شرح الهداية»: هو إجماع لم يخالف فيه غير الإصْطَخْرِي وفي «القواعد» لابن رشد: وهو قول داود مستدلين بما في «صحيح مسلم» عن أبي قتادة: «إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الْأُخْرَى» وهو متأخر عن إمامة جبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بيقين.

(1/111)


وفي كتاب «الإشراف» لأبي بكر: كان النخعي يقول: آخر وقتها إلى نصف الليل -يعني وقت الاختيار- وبه قال الثوري وأصحاب الرأي وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور كأنهم استدلوا بما في «صحيح أبي علي الطُّوسي» عن أبي هريرة: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِيْ لأَخَّرْتُ صَلاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ الّليْلِ»، وبما في «صحيح ابن خزيمة» عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «لَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيم لَأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ».
وفي كتاب «القرطبي»: ذهب النخعي إلى أن آخر وقتها الربع الأول، قَالَ القُرْطُبِيُّ: لا مستند له في ذلك، وقال جماعة بتعجيلها وهو الأفضل استدلالًا بالأخبار التي فيها تعجيل الصلاة في أول وقتها وممن قال بذلك جماعة منهم عمر بن الخطاب وعبادة بن الصامت وشَدَّادُ بنُ أوس ذكره أبو نعيم الفضل وغيره.
والحديث في السمر في الخبر رواه البخاري عن عبد الله بن الصَّبَّاحِ عن أبي علي الحنفي عن قُرَّةَ عن الحسن عن أنس، ورواه مسلم وابنُ خُزَيْمَةَ والقاسم بن عمر بن سهل الدقاق عن ابن الصَّبَّاحِ عن أبي علي الحنفي عن قُرَّةَ عن قتادة عن أنس ووافقهم أيضًا عن أبي زيد سعيد بن الربيع وأبي داود الطيالسي، قَالَ السَّفَاقُسيُّ: وعظ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أصحابَهُ بعد العشاء سماه البخاري سمرًا.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: رواه جابر أن شغله كان إذ ذاك يُجَهِّزُ جيشًا.
(بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ)
ذكر حديث قيس بن أبي حازم، وقد تقدم في فضل صلاة العصر ثم قال بعده.

(1/112)


574 - حَدَّثَنا هُدْبَةُ، حَدَّثَنا هَمَّامٌ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ». وَقَالَ ابنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا. [خ 574]
حَدَّثَنَا إسْحَاقُ، حَدَّثَنا حَبَّانُ
%ج 1 ص 63%
حَدَّثَنا هَمَّامٌ، حَدَّثَنا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ.
التعليق الذي علَّقه عن ابن رجاءٍ ذكره الطبراني في «معجمه» فقال: حَدَّثَنا عثمان بن عمر الضَّبيُّ قال: قال حَدَّثَنا عبد الله بن رجاء فذكره، وفائدته عند البخاري نسبة أبي بكر إلى أبيه أبي موسى الأشعري؛ لأن الناس اختلفوا في أبي بكر هذا من هو؟ فقَالَ الدَّارَقُطْني: قال بعض أهل العلم: هو أبو بكر بن عُمَارة بن رُؤَيْبةَ الثقفي، وهذا الحديث محفوظ عنه، وقال البزَّار: لا نعلمه يروي عن أبي موسى إلا من هذا الوجه وإنما يُعْرَفُ عن أبي بكر بن عمارة بن رُؤَيْبَةَ عن أبيه، ولكن هكذا قال همام: يعنيان بذلك حديث أبي بكر بن عمارة بن رُؤَيْبَةَ الْمُخَرَّج عِنْدَ مُسْلِمٍ بلفظ: قال عُمَارَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا- يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ-» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.

(1/113)


وعند أبي القاسم الطبراني من حديث السَّرِيِّ بن إسماعيل عن الشعبي عن عمارة بن رُؤَيْبَةَ: «لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا وَكَانَ يُبَادِرُ بِصَلاَتِهِ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوْبِهَا».
قَالَ القُرْطُبِيُّ: قال كثير من العلماء البَرْدَان: الفجر والعصر، وسُمِّيا بذلك لأنهما يُفْعَلَان في وقت البرد.
وقَالَ السَّفَاقُسيُّ عن أبي عُبَيْدٍ: المراد الصبح والعصر والمغرب وكأنه غير جيد؛ لأن المذكور إنما هو شيء غير مُثَلَّثٍ فينظر فإنَّ السفاقسيَّ قاله ولم يتبعه على قائله، وزعم القزَّاز أنه اجتهد في تمييز هذين الوقتين لعظيم فائدتهما فقال: إن الله تعالى أدخلَ الجنة كلَّ من صلى تلك الصلاة ممن آمن به في أول دعوته فلما علمنا أنه قد جعل لكلِّ أمة بعث إليها رسولا شرعة ومنهاجًا فصلاهما هو ومن آمن به حينئذ فَبُشِّرَ بهذا الخير كلُّ من صلاهما معه في أول فريضة إلى أن نُسِخَ ليلة الإسراء وأدخلهم الله تعالى الجنة كما بادروا إليه من الإيمان تفضلًا منه تعالى، قال القَزَّازُ: فهذا معناه وما علمت أنَّ أحدًا سبقني إليه. انتهى.
ولم يسبق إليه فإنه يعطي أنه كان في أول الإسلام، وأبو موسى إنما سمع هذا في أواخر الإسلام ويعطي أن الحديث منسوخ، وأبو موسى الراوي فهم منه العموم وكذا غيره؛ لأنَّه خبرُ فضلٍ لمحمد صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ولأمته والفضائل لا تنسخ، وأيضًا فقد بينا من عِنْد مُسْلِمٍ: أنهما الصبح والعصر وهما على رأيه لم يكونا بعد، وحديث الطبراني يوضحه إيضاحًا بَيِّنًا ويردُّ قوله وذكر أبو القاسم الجوزي
%ج 1 ص 64%

(1/114)


من حديث ابن مسعود موقوفًا: «يُنَادي منادي عندَ صلاةِ الصبحِ يَا بَنِي آدَمَ، قُومُوا فَأَطْفِئُوا مَا أَوْقَدْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، ويُنَادِي عندَ العصرِ كذلك فَيَتَطَهَّرُونَ وَيُصَلُّونَ ويَنَامُونَ ولا ذَنْبَ لهم» والله تعالى أعلم، والذي يظهر من فضلهما إنما هو لشهود الملائكة عليهم السلام كما تقدم.
وقوله: (دَخَلَ الجنةَ) إما أن يكون خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ الغالب من صلَّاهُمَا وراعاهما انتهى عما ينافيهما من فحشاء ومنكر؛ لأن الصلاة تنهى عنهما أو يكون آخر أمره دخول الجنة والله تعالى أعلم.
(بابُ وَقْتِ الفَجْرِ)
575 - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً. [خ 575]
576 - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [خ 576]

(1/115)


وعند النسائي وابن حبان: قَالَ لِيْ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «يَا أَنَسُ إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا» فَجِئْتُهُ بِتَمْرٍ وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَقَالَ يَا أَنَسُ: «انْظُرْ رَجُلًا يَأْكُلْ مَعِي» فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ شَرْبَةَ سَوِيقٍ وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» فَتَسَحَّرَ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
وفي «كتاب الإسماعيلي» قال خالد بن الحارث عن سعيد في هذا الحديث: أنسٌ عن زيدٍ، وأصحاب سعيد يقولون عن أنسٍ أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وقال خالد بن الحارث: أنسٌ القائل كم كان بينهما؟.
وفي حديث همام: قلت ليزيد كم كان بينهما؟ ويَزِيْدُ بنُ زُرَيْعٍ يقول: قلت لأنس كم كان بينهما؟ وهما جميعًا سائغان، أن يكون أنس سأل زيدًا فأخبره، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنسًا فأرسل له قدر ما كان بينهما كما أرسل أصل الخبر فلم يقل عن زيد.
وفي ترجمة البخاري لهذا الحديث في كتاب الصيام: باب قدر كم بين السحور وصلاة الصبح فذكرُ خمسين آية تجوُّزٌ؛ لأنه لما فرغ من سحوره ركع ركعتي الفجر ثم جلس ينتظر المؤذن لصلاة الصبح، وكان ينبغي أن يقول كم بين السحور وركعتي الفجر، وخرجه الطحاوي من حديث هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس وزيد بن ثابت قالا تسحرنا ح حَدَّثَنا
%ج 1 ص 65%
إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد يقول: كنتُ أَتَسَحرُ في أهلي ثم يكون سرعة بي أن أدرك الفجر مع رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
حديث عائشة تقدم أوائل الصلاة.

(1/116)


لا خلاف بين العلماء أنَّ أولَ وقت صلاة الفجر انصداع الفجر وهو البياض الثاني المعترض في أفق السماء من جهة المشرق، وهو الفجر الصادق وسمي صادقًا لأنَّه صدقك عن الصبح وَبَيَّنَهُ لك لا الفجر الأول الكاذب الذي يبدو ضوءه مستطيلًا ذاهبًا في السماء كذنب السِّرْحان وهو الذئب، وقيل: الأسد ثم يَنْمَحي أثره ويصير الجو أظلم ما كان، سُمِّيَ كاذبًا؛ لأنه يضيء ثم يَسْوَدُّ ويذهب النور فكأنه كاذب، وشُبِّهَ بِذَنب السرحان لمعنيين أحدهما: لطوله، والثاني: لأن ضوءه يكون في الأعلى دون الأسفل كما أن الذئب يكثر شعر ذَنَبه في أعلاه لا في أسفله، والأحكام متعلقةٌ بالفجر الثاني دون الأول؛ لأن الأول لا يتعلق به شيء من الأحكام، روى الدَّارَقُطْني من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ, قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ، فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ فَلَا يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَرِّمُ الطَّعَامَ, وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ».
قَالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في آخر وقته: فذهب الجمهور إلى أن آخر وقته طلوع أول جَرْمِ الشمس وهو مشهور مذهب مالك وعلى هذا لا يكون عنده وقت ضرورة ولا يأثم تارك الصلاة إلى ذلك الوقت متعمدًا.
وروى ابن القاسم وابن عبد الحكم عنه أن آخر وقت صلاة الصبح الإسفار الأعلى، وعلى هذا فما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار ويأثم من أَخَّرَ الصلاةَ إلى ذلك الوقت.
وعن الإصْطَخْرِيِّ: من صَلَّاها بعد الإسفار الشديد يكون قاضيًا لا مؤدِّيًا وإن لم تطلع الشمس، واسْتُدِلَّ لهم بحديث أبي موسى أنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ صلَّى بالسائلِ الفجرَ في اليوم الثاني حين انصرف منها والقائل يقول قد طلعت الشمس أو كادت، وقالَ: «الوقتُ مَا بَيْنَ هذين».

(1/117)


وظاهره أن آخر وقتها يخرج قبل طلوع الشمس بيسير وهو الذي يقدر بإدراك ركعة.
والجمهور استدلوا بالأحاديث التي فيها: فإذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس، باب من أدرك من الفجر ركعة تقدم في باب من أدرك من العصر ركعة وكذا باب من الصلاة ركعة.
(بَابُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ)
581 - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي
%ج 1 ص 66%
عُمَرُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ». [خ 581]
582 - 583 - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهَذَا. [خ 582 - 583]
ذكر البخاري هذا الإسناد الثاني لتصريح قتادة فيه بالسماع ولمتابعة شعبة هشامًا، وبدأ بالسند الأول لِعُلُوِّهِ، وقد ذكر الترمذيُّ عن علي بن عبد الله قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء فذكر هذا الحديث، وحديث يونس بن متى صلوات الله عليهم وسلامه، وحديث عليٍّ القضاة ثلاثة.
وزعم أبو عيسى الترمذي أن في الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وعقبة ابن عامر وأبي هريرة وابن عُمَرَ وسمرة بن جندب وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو ومعاذ بن عفراء وكعب بن مرة وأبي أمامة وعمرو بن عَبْسَةَ ويعلى بن أمية ومعاوية والصَّنَابِحِيِّ ولم يسمع من النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
زاد ابن عبد البر سعد بن أبي وقاص وعائشة.
وفي «المعرفة» للبيهقي: أبو ذر الغفاري.

(1/118)


وعند أبي داود: حديث أبي قتادة، وعِنْدَ مُسْلِمٍ: حديث حفصة، وعند البيهقي: حديث أبي الدرداء رضي الله عنهم أجمعين.
قال في «شرح الهداية»: هذا يدل على منع الابتداء للصلاة والبقاء للمنافاة ووجه الجمع بين قوله: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ قبلَ أنْ تطلعَ الشمس) إنَّ الشمسَ إذا طلعت يمسك عن الصلاة ويتمها نافلةً في ظاهر المذهب، أو يتمها فرضًا بعد زوال الوقت الكراهة كما روي عن أبي يوسف، وذَكَرَ الأوقات الثلاثة التي لا يجوز فيها الصلاة: وهي الطلوع والاستواء والغروب يكره التطوع الذي ليس له سبب في جميع الأيام، ولو شرع فيها صحَّ شروعه وجاز أداؤها فيها.
قال وفي «المحيط»: في الرواية المشهورة الأولى قطعها وتأديتها في وقتٍ غيره مكروه.
قال: ولو قضاها في وقت مكروه جازَ وقد أساء خلافًا لزفر، وكذا ما له سبب كركعتي الطواف وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة؛ لأن تأخيرها مكروه، ونصَّ الكَرْخِيُّ على أنه لا يجوز فيها صلاة الجنازة ولا سجدة التلاوة ولا يقضي فرضًا ولا يصلي تطوعًا.
وأما قول أبي محمد بن حزم: قول النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ) رواها أبو هريرة وهو متأخر الصحبة.
وفي «الهداية»: ولا بأس أن يصلي في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة ويصلي على الجنازة.
وفي «الكنز»: والأوقات التي يُكْرَهُ فيها الصلاة التنفل بعد طلوع الفجر إلى صلاتها بأكثر من ركعتي الفجر، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوع الشمس إلى أن تبيض، وعند زوالها وسط النهار وبعد صلاة
%ج 1 ص 67%

(1/119)


العصر إلى الغروب، وعند غروبها إلا عصر يومه، وبعد غروب الشمس إلى أن يصلي المغرب، وبعد نصف الليل إلا أداء العشاء لا غير، ووقت الخطبة يكره التطوع، ووقت صعود الإمام على المنبر، وبعد فراغه منها إلى أن يشرع في الصلاة عنده خلافًا لهما، وبعد شروع الإمام في الصلاة يكره التطوع إلا في سنة الفجر وهو متأخر الصحبة.
وحديث النهي رواه عمر بن الخطاب وعمرو بن عَنْبَسَةَ وإسلامهما قديم ففيه نظر لأمرين:
الأول: قد أسلفنا أن أبا هريرة روى المنع أيضًا فهو أدلُّ لمن يقول بالنسخ إن كان قيل به.
الثاني: عمر بن الخطاب وإن كان إسلامه قديمًا فإنه ما برح مع النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إلى أن توفي، ولعلَّهُ سمع الأمرين كأبي هريرة، وأما عمرو بن عَنْبَسة فإنه وإن كان قديم الإسلام حتى رُوِيَ عنه أنه كان رابع أربعة لكنه رجع إلى بلاد قومه قبل فرض الصلوات الخمس، ولم يقدم على النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إلا أزمان الفتح فطاح ما قاله أبو محمد رحمه الله تعالى.
وقد ورد في بعض الأحاديث تصريح أن عمر روى هذا عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بعد مجيئه، ولو لم يأت لما أمكن غيره، ولو استدرك الحنفي أيضًا بما ذكره أبو محمد من حديث الثوري عن سعد بن إسحاق عن كعب بن عُجْرَة عن رجل من ولد كعبٍ أنه نام عن الفجر حتى طلعت الشمس قال: فقمت أصلي فدعاني كعب فأحبسني حتى ارتفعت الشمس وابْيَضَّتْ، قال: قُمِ الآن فصلِّ.
وفي كتاب «مصنف أبي بكر»: عن أبي العالية قال: لا تصلح الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، قال: وكان عمر يضرب على ذلك.
وعن الأشتر قال: كان خالد بن الوليد يضرب الناس على الصلاة بعد العصر، وكرهها سالم ومحمد بن سيرين، وعن ابن عمر قال: صلَّيْتُ مع النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس.

(1/120)


وقال أبو سعيد: تمرتان بِزُبْدٍ أحب إلي من صلاة بعد العصر.
وعن ابن مسعود: كنا نُنْهَى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها.
وقال بلال: لم يُنْهَ عن الصلاة إلا عند غروب الشمس؛ لأنها تغرب في قرن الشيطان، ورأت عائشة قومًا يصلون عند طلوع الشمس فقالت: قعدوا حتى إذا كانت الساعة التي تكره فيها الصلاة قاموا يصلون.
ورأى أبو مسعود رجلًا يصلي عند طلوع الشمس فنهاه، وكذا شُرَيْح، وقال الحسن: كانوا يكرهون الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند غروبها حتى تغيب، وحكاه ابن حزم عن أبي بكرة.
وفي فوائد الشيخ رأى حذيفة رجلًا يصلي بعد العصر فنهاه فقال: أَوَيعذبني الله عليها قال:
%ج 1 ص 68%
نعذبك على مخالفة السنة.
وزعم ابن العربي أن الصلاة في هذين الوقتين تُؤدى الفريضة دون النافلة عند مالك، وعند الشافعي يؤدي فيهما الفريضة والنافلة التي لها سبب، ومذهب آخر لا يصلي فيها بحال لا فريضة ولا نافلة ولا عند زوال الشمس.
الرابع: لا يصلي فيهما بحال وهو قول أبي حنيفة.
الخامس: يجوز بمكة دون غيرها.
قوله: (شَهِدَ عِنْدِي) معناه: بَيَّنوا لي وأعلموني به، قال تعالى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18] قال الزجاج: معناه بَيَّن.
و (تُشْرِقَ) بضم التاء وكسر الراء، قال عياض: وضبطناه أيضًا بفتح التاء وضم الراء وهو الذي ضبطه أكثر رواة بلادنا، فمن فتح التاء احتج بأن في الروايات حتى تطلع الشمس فوجب حمل هذه على موافقتها، ومن ضمَّ التاء احتجَّ بأحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تَبْرُزَ وحين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، قال: وهذا كله يُبَيِّنُ أن المراد بالطلوع في الروايات الأخر ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد طلوع وقتها.

(1/121)


وفي «الْمُحْكَمِ»: أشرقت الشمس أضاءت وانبسطت، وقيل: شَرَقَتْ وأَشْرَقَتْ وأضاءت، وشَرِقَتْ بالكسر دَنَتْ للغروب، وكذا حكاه ابن القطاع في أفعاله، وزعم أنه قول الأصمعي وابن خَالَوَيْه في كتاب ليس، وقطرب في «كتاب الأزمنة» في آخرين.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وقد روي عن جماعة من السلف أنه إذا لم يَبْدُ حاجب الشمس المطلوع ولم يبد للغروب فالصلاة حينئذ جائزة، رُوِيَ ذلك عن علي وابن مسعود وبلال وأبي أيوب وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس مستدلين بقوله: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُم الصَّلاةَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» ح وقَالَ ابنُ التِّيْنِ: اختلف العلماء في تأويل نهيه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عن الصلاة بعد الصبح والعصر:
فقال أبو طلحة: المراد بذلك كل صلاة ولا يثبت ذلك عنه، وقال أبو زكريا: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها. انتهى.
ذكره ابن التين عن داود إجازةُ التنفل بعد العصر إلى الغروب.
وقوله أيضًا اتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها يردُّهُ ما ذكرناه عن ابن العربي وما نقله ابن حزم عن أبي بَكْرَةَ وكعب بن عجرة أنهما نَهَيَا عن صلاة الفرض في هذين الوقتين، وقول ابن حزم: إن قومًا لم يروا الصلاة أصلًا في هذه الأوقات كلها.
وأما احتجاج أصحاب الشافعي بأنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قضى سنة الظهر بعد العصر، وقاسوا عليها كل صلاة لها سبب حين قال النووي هو عمدة أصحابنا في المسألة وليس لهم أصح دلالة فيخدش فيه ما ذكره الماوردي وغيره من أن ذلك من خصوصياته صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
%ج 1 ص 69%
وقَالَ البَيْهَقِيُّ: هذه الأخبار تشير إلى اختصاصه بإثباتها لا إلى أصل القضاء، هذا طاوس يروي عن عائشة أنها قالت: وَهِمَ عُمَرُ إنما نهى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها.

(1/122)


وقَالَ الخَطَّابِيُّ: كان النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مخصوصًا بهذا دون الخلق، قال ابن عَقِيلٍ: لا وجه له إلا هذا الوجه.
وقَالَ الطَّبَرِيُّ: فعل ذلك تَبْيِينًا لأمته أنَّ نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم.
وقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: تواترت الأحاديث عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وكان عمر يضرب على الركعتين بعد العصر مخصوصة به دون أمته.
وقال أبو جعفر الطحاوي: ويدلُّ على الخصوصية أنَّ أم سلمة هي التي روت صلاته إياهما، قيل لها: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَانَا بعد العصر؟ قالت: لا.
قَالَ البَيْهَقِيُّ: وفي حديث أم سلمة: سَمِعْتُكَ تَنْهَى عنْ هاتَيْنِ الركعَتَيْنِ، وهو صريح بأنه بعد النهي لم يكن من ادَّعى تصحيح الآثار على مذهبه دعوى النسخ فيه، فأتى برواية ضعيفة عن ذَكْوان عن أم سلمة في هذه القصة فقلت يا رسول الله أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَانَا؟ فقال: لا. واعتمد عليها في ردِّ ما رويناه معلوم عند أهل الحديث أن هذا الحديث يرويه حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان مولى عائشة عنها. انتهى.
حبذا من ذكر أخبرنا حماد فلا يُسْأَل عن حاله، والأزرق وثَّقَهُ غير واحد وخرج البخاري حديثه محتجًا به، وذكوان وثَّقه غير واحد وصحح حديثه.
قَالَ الدَّاودِيُّ يحتمل أن يكون النهي لئلا يجهل أحد فيصلي إذا قاربت الشمس الغروب، وكان المنكدر يصليها، وكان عمر يضربه عليهما، وربما قاله لو علم الناس ما تعلم لم أَنْهَ، وهذا يدل على ما قلنا، وقول معاوية ما رأيناه يصليهما، فليس كل أحد رأى أفعاله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ومن رأى حجة على من لم ير.
ويحتمل أن يريدوا بها بعد العصر عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس وغروبها.

(1/123)


وروى ذكوان مولى عائشة -عند أبي داود بسند صحيح- أن عائشة حدثته أن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كان يصلي بعد العصر ويَنْهَى عنه، ويُواصِلُ ويَنْهَى عنه.
وزعم النواوي: أنه لم ينظر دليل على الخصوصية. انتهى.
أي: دليل أدل من قولها: (كانَ يُصَلِّيهما ويَنْهَى عَنْهُما) مع قول من أسلفناه، وسيأتي منه شيء آخر بعد إن شاء الله تعالى.
وزعم الشافعي في كتاب «اختلاف الحديث» وذكر الصلاة التي لها سبب وعددها ثم قال: وهذه الصلوات وأشباهها تصلى في هذه الأوقات بالدلالة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حيث قال:
%ج 1 ص 70%
«مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» وصلَّى ركعتين كان يصليهما بعد الظهر شُغِلَ عنهما بعد العصر، وأمر أن لا يمنع أحد طاف بالبيت أي ساعة شاء، ثم إجماع الناس في الصلاة على الجنائز بعد العصر والصبح.
قرأتُ على المسند العلامة أبي محمد النصري، أخبرنا الإمام صفي الدين أبو محمد عبد الوهاب بن حسن بن الفرات عن فاطمة بنت سعد الخير، أخبرنا والدي والحافظ محمد بن ناصر، وأخبرنا أبو النون الدبوسي قراءة عليه عن الْمَقْبُرِيِّ عن ابن ناصر قالا: أخبرنا أبو منصور المعمري، أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن أبي حفص، أخبرنا الحافظ أبو حفص بن شاهين بجميع كتاب «الناسخ والمنسوخ» تأليفه قال: حَدَّثَنا محمد بن محمود، حَدَّثَنا علي بن مسلم، حَدَّثَنا جعفر بن عون، حَدَّثَنا موسى بن عُبَيْدَةَ عن ثابت مولى أم سلمة قال: بَعَثَتْ عَائِشَةُ إِلِى أُمِّ سَلَمَة فَسَأَلَتْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّيْهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشَغَلَهُ قَوْمٌ قَالَتْ: فَمَا صَلاَّهُمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ.

(1/124)


قال أبو حفص: وحديثُ النهيِّ عن الصلاة بعد العصر رواه جماعة اختصرْتُ ذكرهم هنا، وَهُمْ في كتاب «المناهي»: وهو المعمول عليه؛ لأن النهي قد ثبت، وقد خرج لصلاته بعد العصر سبب أوجب ذلك، وقد أكد هذا النهي حديث رواه علي بن أبي طالب، حَدَّثَنَاه محمد بن أبي نوح، حَدَّثَنا شعيب بن أيوب، حَدَّثَنا أسْبَاط بن محمد وأبو نعيم عن سفيان عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَا يُصَلِّي صَلاةً مكتوبة إِلا صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ».
وذكر شيخنا الحافظ أبو الفتح القشيري حديثًا عن تميم الداري أنه كان يصليها مع النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ من حديث يحيى بن بُكَيْر عن الليث عن أبي الأسود عن عروة عنه، فَلَئِنْ صحَّ سنده خَدَشَ في قول من قال بالخصوصية.
أخبرنا أبو القطبي قراءة عليه، أخبرنا عبد اللطيف، أخبرنا اللبَّان إجازة، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدَّثَنَا ابن فارس، حَدَّثَنا أحمد بن عصام، حدَّثَنَا أبُو عَاصِمٍ، أخبرني عَبْدُ اللهِ بْنُ أبيه بن أَبِي عُثْمَانَ بن عبد الله بن خالد بن أسيد أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أنه رأى يَعْلَى يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فقيل له، فقال: إني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَأَنْ تَطْلُعَ وَأَنْتَ فِي أَمْرِ اللهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَطْلُعَ وَأَنْتَ لَاهٍ» ولئن صح هذا فيكون إذنًا عامًا والله أعلم.

(1/125)


حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي ابنُ أَبِيْ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لاَ تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُمْ قَبْلَ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا». قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ،
%ج 1 ص 71%
فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ» تَابَعَهُ عَبْدَةُ.
وفي لفظ: «لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ، فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا».
وقال في باب من لم يكره الصلاة إلا بعد متابعة عبدة، هذه رواها البخاري في صفة إبليس لعنه الله، فقال: حَدَّثَنا محمد، حَدَّثَنا عَبْدَةُ بن سليمان عن هشام، وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «فَإِنَّها تطلعُ بقرني شيطان».
ورواه مالك بن أنس عن هشام عن أبيه مرسلًا، قال أبو عمر: ولم يختلف على مالك في إرساله، ورواه أيوب بن صالح وليس بالمشهور تحمل العلم ولا ممن يحتج به فرفعه، ورواه الدَّرَاورديُّ عن هشام عن أبيه وعن سالم عن أبيه، قَالَ الدَّارَقُطْني: لم يبلغ عليٌّ هذا.
قال ابن بطَّالٍ: غرض البخاري بموقوفِ ابنِ عمرَ ردّ قول من منع الصلاة عند استواء الشمس وهو ظاهر. قوله: (لا أمنعُ أحدًا يُصَلِّي بليلٍ أو نهارٍ) وهو قول مالك والليث والأوزاعي، قال مالك: ما أدركتُ أهل الفضلِ والعبادة إلا وهم يتحرون ويصلون نصف النهار، وعن الحسن وطاوس مثله.
والذين منعوا الصلاة نصف النهار عمر وابن مسعود والحكم، وقال الكوفيون: لا يُصْلَّى نصف النهار لا فرض ولا نفل، وقال أبو يوسف والشافعي: لا بأس بالتطوع نصف النهار يوم الجمعة خاصةً؛ لأن جهنم -أعاذنا الله تعالى منها- لا تسجرُ يوم الجمعة. رواه أبو داود من حديث أبي الخليل عن أبي قتادة ولم يلقه.

(1/126)


وأجاز مكحول الصلاة نصف النهار للمسافر، وكان مسروق يصلي نصف النهار، فقيل له: إن الصلاة في هذه الساعة تكره، فقال: ولم؟ قال: قالوا إنَّ أبواب جنهم تفتح نصف النهار، فقال: الصلاةُ أحقُّ ما اسْتُعِيْذَ به من جهنم حين تفتح أبوابها.
وفيما أذن إليَّ جدي أبو البركات محمد بن عامر بن حسين الأجْدابيُّ وكتبه لي بخطه عن الشيخ القدوة شهاب الدين عمر بن محمد السَّهْرَوَرْدِيِّ بجميع كتاب «عوارف المعارف» تأليفه قال: وأما كراهة الصلاة بعد العصر والصبح فهو لموضع الترويح لتستريحَ عُمَّالُ الله تعالى، وترتفق النفوس، وحديث أبي هريرة نهى عن بيعين وعن لبستين يأتي في كتاب البيوع.
(بَابٌ لاَ يتَحَرَّى الصَّلاَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ)
حديث ابن عمر تقدم.
586 - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الجُنْدَعِيُّ، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ».
%ج 1 ص 72%
[خ 586]

(1/127)


وعند النسائي: «حَتَّى تَبْزُغَ الشَّمْسُ» وعنده أيضًا عن علي: «لا تُصَلُّوْا بَعْدَ العَصْرِ إِلاَّ أَنْ تُصَلُّوْا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» وسنده صحيح، وإنَّ صيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع فالأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا على نفي الفعل الجودي فيكون قوله: (لا صَلَاةَ) نفيًا للصلاة الشرعية لا الحسية، وإنما قيل ذلك؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ الشارعَ تطلقُ ألفاظه على عُرْفِهِ وهو الشرعي، وأيضًا فإنه إذا حُمِلَ على الفعل الحسي وهو غير منفي احتجنا إلى إضمارٍ لتصحيح اللفظ وهو الذي يسمى دلالة الاقتضاء، وبَيَّنَّا النظر في أن اللفظ يكون عامًا أو مجملًا أو ظاهرًا في بعض المحامل، أما إذا حملناه على نفي الحقيقة الشرعية لم يحتج إلى إضمار فكان أولى.
587 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلاَةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا»، يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ. [خ 587]
قَالَ الإِسْمَاعِيْلِيُّ: قال فيه عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي التَّيَّاحِ عن مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ عن معاوية، وكذلك رواه أبو داود الطيالسي، فقيل: كان أبو التياح سمعه منهما.

(1/128)


وذكر الدَّارَقُطْني والكَلَابَاذِيُّ وابن طاهرٍ: أن محمدًا بن أبان المذكور هنا هو البَلْخِيُّ، وقال ابن عدي: هو محمد بن أبان بن عمران بن زياد السُّلَمي الواسطي، وقال الحياني: قال لنا الوليد الباجي هو محمد بن أبان الواسطي، وغلط الكلاباذيُّ في ذلك؛ لأن البلخي يروي عن الكوفيين والواسطي يروي عن البصريين، وزعم أبو الحجاج الدمشقي أنَّ الأشبهَ البلخيُّ، قال: وما ذكره ابن عدي محتمل فإن البخاري ذكر الواسطي في تاريخه «الكبير» ولم يذكر فيه البلخي ولم يذكر ابنُ أبي أحدَ عشر في الجمع بين الصحيحين إلا البلخي.
(بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاَةَ إِلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ)
رَوَاهُ عُمَرُ، وَابنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ هذه كلها تقدمت مسندة عنده، والله تعالى أعلم.
(بَابٌ مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا)
وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: «شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ».
هذا التعليق أخرجه مسندًا في السهو وفي وفد عبد القيس.
عنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، عنِ ابنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرو بنِ الحارثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنَّا
%ج 1 ص 73%

(1/129)


جَمِيعًا، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينهمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ نَهَى عَنْهُمَا، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهمَا، قَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي به، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، وَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ وَقُولِي: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ».
وعند مسلم: «ناسٌ منْ عَبْدِ القَيْسِ بِالإِسْلاَمِ مِنْ قَوْمِهِمْ».

(1/130)


وعند البيهقي: قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ يُصَلِّيْهِمَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ لَقَدْ صَلَّيْتَ صَلاةً لمْ أَكُنْ أَرَاكَ تُصَلِّيْها، قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ صَدَقَةٌ شَغَلُونِي عَنْهُمَا فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ».
وعند أحمد: قَدِمَ عَلَيَّ مَالٌ، فَشَغَلَنِي عَنْ رَكْعَتَيْنِ كُنْتُ أَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الظُّهْرِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَنقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتْنَا، قَالَ: «لَا».
وعند ابن ماجهْ: من حديث يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ يَتَوَضَّأُ فِي بَيْتِي لِلظُّهْرِ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ سَاعِيًا، وَكَثُرَ عِنْدَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَقَدْ أَهَمَّهُ شَأْنُهُمْ، إِذْ ضُرِبَ الْبَابُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ يَقْسِمُ مَا جَاءَ بِهِ السَّاعِي، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: «شَغَلَنِي أَمْرُ السَّاعِي أَنْ أُصَلِّيَهُمَا بَعْدَ الظُّهْرِ».
وعند الترمذي عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، لِأَنَّهُ أَتَاهُ مَالٌ فَشَغَلَهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ العَصْرِ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ لَهُمَا». وقال: حديث حسن، قال: وقد رُوِيَ عن غير واحد عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنه صلى بعد العصر ركعتين.
وهذا خلاف ما روي أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وحديث ابن عباس أصح حيث قال: لم يَعُدْ لهما.

(1/131)


وقوله: (كنتُ أَضْرِبُ الناسَ عليهَا) هذه الرواية الصحيحة، وفي رواية: (أَصْرِفُ) بالفاء والصاد المهملة واختلف في الإشارة في الصلاة
%ج 1 ص 74%
فقال مالك والشافعي: لا تقطع الصلاة، وعند أبي حنيفة وأصحابه يقطع الصلاة كالكلام مستدلين بما رواه أبو داود مرفوعًا: «مَنْ أَشَارَ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِد الصَّلاَةَ».
ثم قال: هذا الحديث وهم، وعند الدَّارَقُطْني أن ابنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَأَنْكَرَهَا عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فألجأ الحديث إلى أمِّ سلمة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كان يصليهما قبل العصر فَشُغِلَ عنهما فَصَلَّاهُمَا قبل المغرب وأنها لم تَرَهُ صلاهما قبلُ ولا بعدُ.
590 - حَدَّثَنا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ، مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ عزَّ وجلَّ، وَمَا لَقِيَ اللهَ حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلاَةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ- «وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا، وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ، مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ». [خ 590]
وفي لفظ: «مَا تَرَكَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي قَطُّ».
وفي لفظ: «رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلاَ عَلاَنِيَةً: رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْر».
وفي لفظ: «مَا كَانَ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ، إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

(1/132)


وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا -أَوْ نَسِيَهُمَا- فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا».
وعند الدَّارَقُطْني: «كَانَ لَا يَدَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ».
وفي لفظ: دَخَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ العَصْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَحَدَثَ بالنَّاسِ شيءٌ؟ قَالَ: «لَا إِلاَّ أَنَّ بِلاَلًا عَجَّلَ الإِقَامَةَ فَلَمْ أُصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ العَصْرِ فَأَناَ أَقْضِيْهِمَا» إِلاَّ أَنْ قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَفَنقْضِيْهما إِذَا فَاتتَانَا؟ قَالَ: «لاَ».
وفي لفظ: «كانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتينِ ويَنْهَى عنهما».
وفي لفظ: «وَلمْ أَرَهُ عَادَ لَهُمَا».
وفي لفظ محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الرحمن بن أبي سفيان أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إليهما يَسْأَلُهَمَا عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَتْ: لَيْسَ عِنْدِيْ صَلَّاهُمَا وَلَكِنْ أُمُّ سَلَمَة حَدَّثَتْنِي فَذَكَرَهُ.
(بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ)
حديثه تقدم في باب الصعيد الطيب، وذكر الداودي أن في باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، وذكر الداودي أن في رواية مالك أخذ بنفسي فسماها نفسًا كما في القرآن، وسماها النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ روحًا فدل على أن هذه النفس هي الروح، وأنهما اسمان لها ولها اسم ثالث وهي النَّسَمة، قال صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «إِنَّمِا نَسَمَةُ المؤْمِنُ طَائِرٌ مُعَلَّقٌ فِي الجَنَّةِ» وقد يقع اسم النفس واسم النَّسَمَة على كلمة الإنسان فيقال
%ج 1 ص 75%
ثلاثة أنفس وكذا وكذا نفسًا، ويقال للجماعة نسمة كما يقال للناس إنسان، قال: وبارئ النسمة.

(1/133)


596 - حَدَّثَنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ. [خ 596]
وعند أحمد بن حنبل من حديث أبي سعيد قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى كُفِينَا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِلَالًا، فَأَقَامَ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَصَلَّاهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، فَصَلَّاهَا كذلكَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللهُ عز وجل فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]
وفي لفظ عند النسائي «حُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاء، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ».
قال بعض العلماء كأنه يريد على تقدير الصحة أن تكون العشاء فاتته عن وقتها الذي كان يصليها فيه غالبًا.
وعند الترمذي من حديث أبي عبيدة عن أبيه «إِنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَأَمَرَ بِلاَلًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ» الحديثَ. وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَاللهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا».

(1/134)


وقال حديث عبد الله ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، وفي «المصنف»: حتى ذهب من الليل ما شاء الله.
وعِنْدَ مُسْلِمٍ «حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ واصْفَرَّتْ».
وفي «مسند أحمد» من حديث ابنُ لَهِيعَةَ أَنَّ أَبَا جُمُعَةَ حَبِيبَ بْنِ سِبَاعٍ قال: إنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عَامَ الْأَحْزَابِ صَلَّى الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟». قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَلَّيْتَهَا، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ.
قال ابن شاهين: يتعين أنه ذكرها وهو في الصلاة؛ لأنه لا يعيد بعد تمامها، والله أعلم.
وعند الشافعي الترتيب مستحب وهو قول طاوس والحسن وأبي ثور، ومذهب ابن القاسم وسحنون أن الترتيب غير واجب ولا يشترط وكذا مذهب أهل الظاهر.
واستدلَّ بهذه الأحاديث من أوجب الترتيب وشرطه وهو أبو حنيفة وقبله النخعي والزهري وربيعة ويحيى والليث ومالك وأحمد وإسحاق، وعن ابن عمر ما يدلُّ عليه، ويدلُّ لهم أيضًا رواه أبو إبراهيم البَرجُمَاني عن سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحِيِّ عن عبيد الله عن نافع
%ج 1 ص 76%
عن ابن عمر رفعه: «منْ نَسِيَ صلاةً فلمْ يَذْكُرْهَا إلا معَ الإمامِ فَلْيُصَلِّ معَ الإمامِ فَإِذَا فرغَ منْ صلاتِهِ فَلْيُصَلِّ التي نَسِيَ ثُمَّ ليُعِدْ صلاتَهُ التي صلَّى معَ الإمام» قَالَ الدَّارَقُطْني: وهِمَ فيه البَرْجُمَانِيُّ والصحيح أنه من قول ابن عمر.

(1/135)


وقال أبو زُرْعَةَ لما سُئِلَ عنه: هذا خطأ، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفًا وهو الصحيح، وأُخْبِرْتُ أن يحيى بن معين انتخب على البرجماني فلما بلغ هذا الحديث جاوزه فقيل له: كيف لا تكتب هذا الحديث؟ فقال يحيى: فعل الله بي كذا وكذا إن كتبته.
واستدلوا أيضًا بما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في العارضة قال صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلاَة» قال أبو بكر: وهو باطلٌ، وتَأَوَّله جماعة على معنى لا نافلة لمن عليه فريضة، وقال ابن الجوزي: هذا نسمعه على ألسنة الناس وما عرفنا له أصلًا.
وقال إبراهيم الحربيُّ: قيل لأحمد بن حنبل ما معنى قوله: صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلاَة» قال: لا أعرف هذا البتة.
قال الحربي: ولا سمعت أنا هذا الحديث عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وقال في المنافع تمسكًا بقوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» ووجهه أنه جعل وقت الذكر وقتًا للفائتة، والوقت الواحد لا يتسع لفرضين إذًا، فكانت الوقتيةُ مُؤَخَّرةً عن الفائتة ولأنه إذا أدى الوقتية مؤخرة عن الفائتة ولأنه إذا أدى الوقتية في وقت الفائتة فقد أخر الفائتة عن وقتها وتأخرها عن وقتها حرام ولأنه لما صار وقتًا للفائتة صار كأن الفرضين اجتمعا في وقت واحد فيراعى فيهما الترتيب كالظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء بالمزدلفة وهذا إجماع.
وأما ما استدلَّ به من لا يوجب الترتيب فما ذكره الدَّارَقُطْني من حديث بَقِيَّةَ عن عُمَرَ بْنِ أَبِي عُمَرَ, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رفعه: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمُ صَّلَاةَ فَذَكَرَهَا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَلْيَبْدَأْ بِالَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الَّتِي نَسِيَهَا».

(1/136)


قال ابن العربيُّ: هذا حديثٌ جمعَ ضعيفًا، وفي «شرح الهداية»: شرع في العصر في أول وقتها وصلى منها ركعة ثم ذكر أنه لم يصل الظهر يقطعها ويصلِّ الظهر كالمتيمم إذا رأى الماء فإن مضى فيها يكون متطوعًا عند أبي يوسف وهو أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، وفي قول محمد: لا يجزئه عن التطوع وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي قول محمد وبه قال زفر، وقيل: يصلي ركعتين ويسلم، وعند محمد: يفسد.
وأما تضييق وقت الحاضرة فلأن جواز المكتوبة في الوقت بالكتاب والترتيب بخبر الواحد، فإذا كان في الوقت سعة أمكن العمل بهما، وعند تضييق الوقت يتعذر
%ج 1 ص 77%
العمل بهما فالعمل بالكتاب أولى، فإذا خرج الوقت عاد الترتيب في الوقت الثاني بعد سقوط تضييق الوقت.
وقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وقالت طائفة يبدأ بالفائتة وإن فاتت الوقتية وهو قول عطاء والزهري ومالك والليث، واتفق مالك وأصحابه على أن حكم الأربع فما دونها حكم صلاة واحدة يبدأ بهن وإن خرج الوقت، واختلفوا في خمس، وقال زفر: ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة، وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاة سنة بعدها قال: من نسي صلاة ولم يعرفها يصلي خمس صلوات، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وعند أبي حنيفة الكثير سِت، وفي قول محمد خمس، وقال العَتَّابيُّ الحنفيُّ: يصلي أربع ركعات بثلاث قعدات ينوي مما عليه، وقال الأوزاعي: يصلي أربع ركعات لا يقعد إلا في الثانية والرابعة ويسجد للسهو وينوي في أدائها مما عليه من علم الله تعالى.
(بَابُ مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، وَلاَ يُعِيدُ إِلَّا تِلْكَ الصَّلاَةَ)
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلاَةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً، لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلاَةَ.

(1/137)


وذكر الدَّاوديُّ عن الحسن أنه قال: يعيد ما بعدها، وهذا إذا تركها ناسيًا فيعيدها وما أدرك وقته عند مالك، فإن كان ذاكرًا لها وصلى صلوات كثيرة ففي «المدونة»: يعيدها وحدها وشذَّ بعض الناس فقال: لا يقضي.
597 - حَدَّثَنا أَبُو نُعَيْمٍ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالاَ: حَدَّثَنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنه قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}» قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَعْدُ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ للذِّكْرَى} وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنا هَمَّامٌ، حَدَّثَنا قَتَادَةُ، حَدَّثَنا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. [خ 597]
هذا حديث خرجه الستة في كتبهم، وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: {أَقِمِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِي}».
وعند النسائي: «أو يَغْفُلُ عنها فإنَّ كفَّارَتَها أنْ يُصَلِّيْها إذا ذكرها».
وعند ابن ماجه: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَغْفُلُ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ يَرْقُدُ عَنْهَا، قَالَ: «يُصَلِّيهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
وفي معجم أبي الحسين محمد بن أحمد بن جُمَيْعٍ الغَسَّاني، حَدَّثَنا محمد بن جعفر بن المُستَفَاضِ، عن محمد بن أحمد بن الجنيد، حَدَّثَنا عبد الله -يعني ابن يزيد- المقرئ، حَدَّثَنا أبو عوانة وأبو جُزَي نصر بن طريف وحماد بن سلمة وهمام بن يحيى في آخرين عن قتادة عن أنس: «إِذَا ذَكَرَها أَوْ إِذَا اسْتَيْقَظَ» أخبرنا بذلك المسند المعمِّرُ
%ج 1 ص 78%

(1/138)


الأصيل أبو الفضل عبد المحسن أحمد بن محمد قراءة عليه، أخبرنا الإمام أبو حامد بن الصابوني، أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل، أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم السُّلَمِي، حَدَّثَنا أبو نصر الحسين محمد بن طلاب عنه.
وفي «صحيح الإسماعيلي» عن محمد بن عمران وأبي عبد الله الصوفي، حَدَّثَنا علي بن الجُعَيْد، أخبرني همام عن قتادة، وقال الصوفي: سمعت أنسًا.
وقال أبو العباس الطرقي: إيراد الآية الكريمة عن قتادة فيما ذكره هُدْبَة عنه، وفي حديث الشَّعبِيّ عنه: كُنْتُ مَعَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ فَقَالَ: «مَنْ يَكْلَؤُنَا اللّيْلَةَ؟». فَقُلْتُ: أَنَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَنَامَ النَّاسُ وَنِمْتُ فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ عَارِيَّةٌ، وَأَجْسَادُ الْعِبَادِ يَقْبِضُهَا إِذَا شَاءَ وَيُرْسِلُهَا إِذَا شَاءَ فَاقْضُوا حَوَائِجَكُمْ عَلَى رِسْلِكُمْ» ح أخبرنا به المسند شرف الدين يحيى المقدسي قراءة عليه عن الإمام بهاء الدين الشافعي أخبرنا شهدة قراءة عليها، أخبرنا ابن هَرِيسة، أخبرنا البرقاني، أخبرنا الإسماعيلي، أخبرنا محمد بن الحسن أخبرنا أبي حَدَّثَنا عتبة عنه.

(1/139)


قَالَ القُرْطُبِيُّ وغيره: في الحديث دليل على وجوب القضاء على النائم والناسي كثرت الصلاة أو قلت، وهذا مذهب العلماء كافة، وحُكِيَ خلافٌ شاذٌّ عن بعض الناس فيمن زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء وهو شيء لا يعبأ به، فإن ترك الصلاة عمدًا فالجمهور على وجوب القضاء إلا شيئًا حكيَ عن داود وأبي عبد الرحمن الأشعري، قال أبو محمد ابن حزم وممن قال بقولنا هذا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وسلمان والقاسم بن محمد وبديل بن ميسرة العُقَيْلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وسالم بن أبي الجعد وغيرهم.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: احتج الجمهور بأمور منها: أنه قد ثبت الأمر بقضاء الناسي والنائم من غير إثم فالعامد أولى.
الثاني: التمسك بعموم قوله: (منْ نَسِيَ صلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا) والعامد ذاكرٌ لتركها فيلزمه قضاؤها.
الثالث: التمسك بعموم قوله: (منْ نَسِيَ صلاةً) أي: من حصل منه نسيان، والنسيان هو الترك سواء أكان مع ذهولٍ أو لم يكن، ودلَّ على هذا قوله تعالى {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] أي: تركوا أمره فتركهم في العذاب.
الرابع: التمسك بقوله: (منْ نَسِيَ صلاةً فَكَفَّارَتُها» والكفارة إنما تكون عن الذنب غالبًا، والنائم والذاهل والناسي ليسوا بآثمين فتعيَّن العامد.
الخامس: قوله: تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] أي: ليذكرني فيها على أحد التأويلات
%ج 1 ص 79%
السادس: أن القضاء يجب بالخطاب الأول؛ لأن خروج وقت العبادة لا يُسْقِطُ وجوبها؛ لأنها لازمة في ذمة المكلف كالديون، وإنما تسقط العبادة أو بعد شرطها ولم يحصل شيء من ذلك وهو أحد القولين للأصوليين والفقهاء، وزعم ابن بطال أن يوم الخندق تُرِكَتْ صلاة الظهر والعصر قصدًا للشغل بقتال العدو ثم أُعِيْدَا بعد المغرب.

(1/140)


وقوله: (لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذلكَ) وقد قال في موضع آخر: «ليسَ فِي النَّوْمِ تفريطٌ» وقال: «رُفِعَ عنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسْيَانَ» فيجاب: أن مع الخطأ قد تكون الكفارة كقتل الخطأ أو يكون لما توهموا أن في هذا الفعل كفارة بين لهم أَلَّا كفارة، وإنما يجب القضاء فقط من غير شيء آخر.
وقوله: (إِذَا ذَكَرَهَا) تعلَّقَ به من يقول يقضي الفوائت في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، باب ما يكره من السمر بعد العشاء تقدم في وقت الظهر وكذا باب السمر في الخير تقدَّم، حَدَّثنَاه قريبًا.
(بَابُ السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ)

(1/141)


602 - حَدَّثَنا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرُ، حَدَّثَنا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعَةٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ» وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاَثَةٍ، وانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي -ولاَ أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ- بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ العِشَاءُ، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ- قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لاَ هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللهِ لاَ أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، قَالَ: شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ

(1/142)


حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ
%ج 1 ص 80%
[خ 602]
(الصُّفَّةُ) موضعٌ مظلل في المسجد كان للمساكين والغرباء - وهم الأوفاض - يأوون إليه، وعدَّ منهم أبو نعيم في «الحلية» مئة ونيفًا.
قوله: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ» أصح ما في مسلم لو حُمِلَتْ على ظاهرها فسد المعنى وذلك أَنَّ الَذِي كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ إِذَا أَكَلَهُ فِي خَمْسَةٍ لمْ يَكْفِ أَحَدًا مِنْهُمْ وَلاَ يُمْسِكُ رَمَقَهُ بِخِلافِ الوَاحِدِ.
قال النووي: وللذي في مسلم له أيضًا له وجه تقديره: فليذهب بمن يتم ثلاثة أو بتمام ثلاثة كما قال تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت: 10] أي في تمام أربعة أيام.
قال ابن العربي في سراج الدين: لم يقل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إن طعام الاثنين يشبع الثلاثة إنما قال يكفي وهو غير الشبع، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال، وأخذه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ عشرة.
قال النووي: يدل أنه أتى بصنف طعامه أو نحوه؛ لأن عياله إذ ذاك كانوا قريبًا من عدد أضيافه.
وأم رومان -بضم الراء وفتحها- قالَ السُّهَيلي: اسمها دعد، وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة.
وقوله: (وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ) كذا في روايتنا، وفي رواية أبي ذرٍّ السالفة: (وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ).
قوله: (ثمَّ رَجَعَ) وفي «صحيح الإسماعيلي» مجردًا (ثم رَكَعَ).

(1/143)


وقوله: (حَتَّى تَعَشَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ) وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «حَتَّى نَعِسَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ» وامتناع أضيافه من الأكل رفقًا به لظنهم أنه لا يجد عشاءً فصبروا حتى يأكل معهم.
وقولها: (عَرَضُوا) قَالَ ابنُ التِّيْنِ: أي عرضوا أهل الدار فأبى الضيفان، وفي رواية: «فَعَرَضْنَا عَلَيْهِمْ) ويروى (عُرِضُوا) بضم العين، ويروى (عَرصُوا) بصاد غير معجمة، قال: ولا أعلم لها وجهًا. انتهى.
يُحْتَمل أن يكون من عرض بمعنى نشط، قَالَ ابنُ التِّيْنِ: فكأنه يريد أن أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم والله تعالى أعلم.
واختباء عبد الرحمن خوفًا من خصام أبيه؛ لأنه لم يكن في المنزل من الرجال غيره أو لأنه أوصاه بهم.
و (الغُنْثرُ) بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة أيضًا.
قال عياض: وعن بعض الشيوخ وقَالَ الخَطَّابِيُّ وغيره: (يَا عَنْتَر) يعني: مهملة مفتوحة وتاء مثناة من فوق مفتوحة بعد النون.
قال ابن قُرْقُول: والصحيح الأول، ومعناه: يا لئيم يا دنيء، وقيل: الثقيل الوخم، وقيل: الجاهل من الغثارة وهي الجهل والنون زائدة، وقيل: مأخوذ من الغنثر وهو السقوط، وأما الثاني: فقيل هو الذباب الأزرق وصفه به تحقيرًا له.
%ج 1 ص 81%
وقوله: (تَجَدَّعَ) يعني بجيم ودال مهملة مشددة دعا عليه بقطع الأنف أو الأذن أو الشفة وهو بالأنف أخص، وقيل: معناه السَّبُّ، قَالَ القُرْطُبِيُّ: وفيه بعدٌ لقوله: (فَجَدَّعَ وَسَبَّ).
قال ابنُ قُرْقُول وعند المروزي: (فَجَزَعَ) بالزاي، قال: وهو وهمٌ.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: وكل ذلك من أبي بكر على ابنه ظنًا منه أنه فرط في حق الأضياف فلما تبين له أن ذلك كان من الأضياف إذ بهت بقوله: (كُلُوا لَا هَنِيئًا) وحلف أن لا يطعمه، وقيل: إنه ليس بدعاء عليهم إنما هو خبر أي: لم يَتَهَنَّوا به في وقته، وقال السَّفَاقُسيُّ: إنما خاطب بذلك أهله لا أضيافه.

(1/144)


وفي رواية: (قَالُوا لَا نَأْكُلُ إِلَّا بِمَحْضَرٍ منْ أَبِي بَكْرٍ) يريدون التبرك بمؤاكلته.
وقوله: (وَايْمُ الله) ألفه ألف وصل، وقيل: قطع، وهو حلف وضع للقسم ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيره، ويقال: أيم بفتح الهمزة وكسرها وبحذف الياء، فقالوا: أمُ الله، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة فقالوا: مُ الله ثم تكسر؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا فقالوا: مِ الله.
ويقال: مُنُ الله بضم الميم وزيادة النون المضمومة، وَمَنُ الله بفتحها، ومِنِ الله بكسرهما، قال أبو عبيدة: والأصل فيه يمين الله ثم جمع يمين على أيمن وحلفوا به، فقالوا: أيمن ثم كثر في كلامهم وزحف على ألسنتهم وفي «التسهيل»: أيمَن الله، وأيمُن الله وأيمِن الله ومنَ الله بتثليث الحرفين، وم مثلها، وليست الميم بدلًا من واو ولا أصلها «من» خلافًا لمن زعم ذلك، ولا أيمن جمع يمين خلافًا للكوفيين.
وقوله: (رَبَا) من أسفلها أكثر بالمثلثة وبالباء الموحدة، فأزال الله تعالى ذلك النكد الذي كان حصل بما أبداه من الكرامة والبركة في ذلك الطعام فعاد ذلك النكد سرورًا وانقلب الشيطان مدحورًا، فعند ذلك عاد أبو بكر إلى مكارم الأخلاق فأكل معهم وطَيَّبَ قلوبهم وحصل مقصودهم، ورأى أن الحنث أولى من التمادي على اليمين.
وفيه إثبات كرامات الأولياء.
وقولها: (لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي) قَالَ الدَّاودِيُّ: أرادت النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فأقسمت به.
وقَالَ القُرْطُبِيُّ: أقسمت لما رأت من قرة عيني ما بكرامة الله تعالى لزوجها، ولا هنا زائدة، ويحتمل أن تكون نافية، وفيه محذوف: أي لا شيء غير ما أقول وهو قرة عيني، قال ثعلب: تقول قَرَرْتُ به عينًا أَقَرُّ، قال ابن خَالَوَيْه: أي ضحكتُ فخرج من عيني ماء قرور وهو البارد وهو ضد أسخن الله عينه، قال القَزَّازُ: وقال أبو العباس ليس كما ذكر الأصمعي من أن دمعة الفرح
%ج 1 ص 82%
باردة والحزن حارة، قال: بل كل دمع حار.

(1/145)


قالوا: ومعنى قولهم هو قرة عيني: إنما يريدون هو رضى نفسي، وحكى الْمُطَرِّزُ: سُئِلَ ثعلب وأنا أسمع عن قول العرب قَرَّتْ عَيْنُهُ فقال اختلفوا فيه:
فقالت طائفة هو مأخوذ من القُرُور وهو الماء البارد.
وقال آخرون: قَرَّتْ من القَرار أي لا طمحت إلى ما يقرعك ويروعك وسكنت إلى رؤية أحبابك.
قال: وقرة العين ناقة تُؤْخَذُ من المغنم قبل أن تُقْسمَ فَيُطْبَخُ لحمها ويصنع، فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة، فإن كانوا من هذا فكأنه دعا له بالفرحِ والغنيمة.
وفي «الكتاب الفاخر»: قال أبو عمر ومعناه أنام الله عينك، المعنى صادف سرورًا أذهب سهره فنام.
وحكى القالي: أقر الله عينك، وأقر الله بِعَيْنَيْكَ، وفي «الغريب المصنف» و «الإصلاح» وغيرهما: قَرِرْتُ وقَرَرْتُ قرةً وقرورًا، وفي «كتاب المثنى» لابن عديس: وَقَرَّة وحكاها ابن سِيْدَه، وَفِي «الصِّحَاحِ»: تَقِرُّ وتَقَرُّ وأقرَّ الله عينه أعطاه حتى يقر فلا يطمح إلى من هو فوقه.
وقوله: (إنَّمَا كانَ ذلكَ مِنَ الشَّيْطَانِ) وفي رواية: «بسم الله الأولى من الشيطان» يعني: يمينه فأخزاه بالحنث الذي هو خير، وفي بعض الروايات: لما جاء بالقصعة إلى النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أكل منها.
قوله: (فَفَرَقْنَا) بالفاء المكررة وقاف من التفريق، أي: جعل كل رجل مع اثني عشر فرقة.
وفي مسلم: «فَعَرَّفَنَا» بالعين والراء المشددة أي: جعلنا عرفاء نقباء على قومهم.
وفي البخاري ومعظم نسخ مسلم: «اثنا عشر» وفي بعض نسخ مسلم: «اثني عشر» وكلاهما صحيح الأول على لغة من جعل المثنى بالألف في الأحوال الثلاثة قال تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] وقَالَ السَّفَاقُسيُّ: لعل ضبطه: (فَفُرِقْنَا) بضم الفاء الثانية وترتفع اثنا عشر على أنه مبتدأ وخبره مع كل رجل منهم أناس.

(1/146)


وفي الحديث دليل لما بوَّبَ البخاري السمر مع الضيف والأهل، وهو مبني على جواز ذلك بعد العشاء لأسباب منها العرس وتجهيز الجيوش، وضعف وشغل مع الأهل والولد والنظر في العلم وما أشبهه ولا يكون معارضًا بكونه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وتُحْتَمَلُ كراهته لذلك تعميمًا لا خير فيه، فقد كان عمر فيما ذكره ابن أبي شيبة يَسْمُر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين، قال علقمة: وأنا معهما.
وروي أن عليًّا صلى العتمة وقعد حتى أذن لصلاة الصبح، وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدثون بعد العشاء.
%ج 1 ص 83%
وقال مجاهد: يكره السمر بعد العشاء إلا لمصلٍّ أو مسافر أو دارسِ علم.
قال ابن سيده: سَمَرَ يَسْمُرُ سَمَرًا وسُمورًا: لم يَنَمْ، وهُم السُمَّارُ والسَّامرةُ، والسامر اسم للجميع، وقيل: السَّامر والسُّمَّار الذين يتحدثون بالليل، والسَّمَرُ حديث الليل خاصة.
وفي «الجامع» للقَزَّاز: السَّمرُ أي ظل القمر؛ وإنما سمي الحديث سَمَرًا؛ لأنهم كانوا يجلسون في ظل القمر وكثر ذلك حتى سموا الليل والنهار ابنَي سمير، أي ما اختلف الليل والنهار، وفي «الغريبين»: السَّامر الجماعة يتحدثون ليلًا.
(بَاب بَدْء الأَذَانِ)
وَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] وَقَوْلُهُ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ} الآية [الجمعة: 9]، يحتمل أن يكون الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هاتين الآيتين تبركًا أو يحتمل أن يكون أراد ما بوَّب له وهو بدء الأذان، وإن ذلك كان بالمدينة وهاتان الآيتان مدنيتان والله أعلم، وسيأتي عن ابن عباس الأذان نزل مع الصلاة: {يَا أَيُّهَا الذينَ آمنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ}.

(1/147)


603 - حَدَّثَنا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ذَكَرُوا النَّاقُوسَ والنَّارَ، فَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى «فَأُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ». [خ 603]
وفي لفظ: قال إسماعيل بن إبراهيم فذكرته لأيوب فقال إلاَّ الإقامة، وعند الشيخ ابن حيَّان في «كتاب الأذان» تأليفه من حديث عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن خَالِد، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: كَانَتِ الصَّلَاةُ إِذَا حَضَرَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ سَعَى رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ فَنَادَى: الصَّلَاةُ الصَّلَاةُ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: لَوِ اتَّخَذْنَا نَاقُوسًا؟ فَقَالَ رَسُوْلُ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «ذَلِكَ لِلنَّصَارَى» فَقَالَوا: لو اتَّخَذْنَا بُوقًا فَقَالَ: «ذَلِكَ لِلْيَهُودِ» فَقَالَوا: لَوْ رَفَعْنَا نَارًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «ذلك للمَجُوْسِ» قَالَ: فَأُمِرَ بِلَالٌ ح، وعند الطبراني من هذه الطريق: «فَأَمَرَ بَلَالًا».
قَالَ الإِسْمَاعِيْلِيُّ: ترك محمد بن إسماعيل حديث سماك بن عطية وهو متصل بقوله: (ويوتر الإقامة إلا الإقامة) وهو ما صححه عن حماد عن سماك عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس، وذكرها عن أيوب يعني مرسلة، وفي «صحيح ابن منده» هذه اللفظة من قول أيوب هكذا رواه ابن المديني عن ابن عُلَيَّة فأدرجها سليمان عن حماد
%ج 1 ص 84%
ورواه غير واحد عن حماد ولم يذكروا هذه اللفظة.

(1/148)


وفي «مسند السراج» عنْ محمد بن رافع وإسحاق بن إبراهيم، وعن الحسن بن أبي الربيع عن عَبْدِ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ بِلَالٌ يُثَنِّي الْأَذَانَ، وَيُوتِرُ الْإِقَامَةَ، إِلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» أخبرنا بذلك الإمام العلامة محمد بن محمد المغري، أخبرتنا أم محمد سيدة ابنة موسى المارنية عن أبي روح وابن السمعاني وابن الصفار وزينب وإسماعيل القاري على ما هو مبين في الأصل.
حَدَّثَنَا وجيه بن طاهر، أخبرنا الإسناد أبو القاسم عبد الكريم القشيري، أخبرنا أبو حسين الخفاف، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج فذكره، ولفظ ابنِ خُزَيْمَةَ في «صحيحه»: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ».
وعند البيهقي من حديث أبان بن يزيد عن قتادة عن أنس أَنَّ بِلالًا كَانَ أَذَانُهُ مَثْنَى مَثْنَى وَإِقَامَتُهُ مَرَّةً مَرَّةً.
قال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب «العلل»: ورواه عبد الملك الجُدي عن عقبة عن قتادة وهو خطأ، إنما هو شعبة عن خالد عن أبي قلابة، واعترض بعض العلماء على هذا الحديث فقال: هذا حديث غير مرفوع لاحتمال أن يكون الآمر غير النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وفي ذلك نظر من وجوه:
الأول: أكثر أهل العلم من المحدثين والأصوليين على أن قول البخاري: أُمْرِنا بكذا أو نُهِينا عن كذا مسندٌ مرفوع؛ لأن الظاهر ينصرف إلى من له الأمر والنهي وهو سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ سواء أضافه إلى زمنه أو لم يضفه، لا سيما وقد قال في نفس حديث البيهقي ذكروا الصلاة عند النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فقالوا: نَوِّرُوا نارًا، فهذا نصٌّ في أن الآمر سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لا غيره، وفي لفظ: حين أتاه ابنُ زيدٍ بالرؤيا أمر بلالًا أن يؤذن مثنى مثنى ويقيم فرادى.

(1/149)


الثاني: لو رُجِّحَ قول من خالف ما ذكرناه بقوله: قد رأينا جماعة من الصحابة قالوا ذلك وفتشنا عليه فوجدنا الآمر غير رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، أجيب بأنه لو سلمنا لكم ما قلتم فإن هذا لا يتأتى في هذا الخبر مطلقًا؛ لأن بلالًا لم يؤذن لأحدٍ بعد النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إلا مرة واحدة لِعُمَرَ، وقيل: لم يكملها، هذا هو المشهور، فصحَّ أن الآمر له هو النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إذ لم يتأمر عليه في الأذان غيره وإلى هذا أشار ابن القطان وغيره.
الثالث: نتنزَّلُ أن هذا الآمر هنا يحتمل أن يكون غير النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ على ما قلتم، فتقول: بأنا وجدناه مصرحًا به من طريق صحيحةٍ مُسْنَدَةٍ تبين أن الآمر هو سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ
%ج 1 ص 85%
أخبرنا بذلك المعمر ملحق الأصاغر بالأكابر أبو الحسن بن الضراب، أخبرنا ابن باقا، أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا أبو محمد بن حمد، أخبرنا القاضي أحمد بن حسين، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن شعيب، حَدَّثَنا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس أن رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ».
وخرجه ابن حبان في «صحيحه»: عن محمد بن عبد الله بن الجنيد، حَدَّثَنا قتيبة والحاكم عن أبي العباس بن محمد، حدَّثَنَا ابن معين، حَدَّثَنا عبد الوهاب فذكره ثم قال: هذا حديث أسنده إمام أهل الحديث ومزكي الرواة بلا مدافعة وقد تابعه عليه الثقة المأمون قتيبة وهو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه بهذه السياقة.
ورواه أبو الشيخ من حديث كثير بن سُلَيْم عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا بِهِ.

(1/150)


قال: ورواه الزهري عن أنس، وقد وجدنا له أيضًا شاهدًا صحيحًا خَرَّجه ابنُ خُزَيْمَةَ وابن حبان وأبو عوانة في صحيحهم من حديث ابن عمر: «كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإقامةُ مرةً مرةً، قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ» وقال الحاكم صحيح الإسناد، وقال الجوزقاني هذا حديث صحيح.
وعند البيهقي في «السنن الكبير» من حديث ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وأبو عوانة في «صحيحه»: من حديث الشعبي عنه ولفظه: «أَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى». وحديث أبي محذورة عند الترمذي صحيحًا: «عَلَّمَهُ الْأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى وَالْإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى» وحديث أبي جُحَيْفَةَ: «أنَّ بِلالًا كَانَ يُؤَذِّنُ مَثْنَى مَثْنَى وَيُقِيْمُ مَثْنَى مَثْنَى» ذكره الدَّارَقُطْني من طريق البكائي عن إدريس الأودي عن عون عن أبي جحيفة عنه، وعنده أيضًا من حديث الأسود عن بلال أنه كان يؤذن فذكره.
وعند الطحاوي من جهة سُوَيْد بن غَفَلَةَ سمعت بلالًا يؤذن ح قال الحاكم: سويدٌ لم يدرك أذان بلال في عهد النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وأبي بكر. انتهى.
أما قوله: لم يدرك أذانه من أبي بكر ففيه نظر من حيث إن بعضهم قال إنَّ خروج بلال إلى الشام كان زمن عمر فعلى هذا يكون سمع أذانه الذي قيل لم يكمله، روى ذلك من جهة ولد سعد القرظ، وإن كان ابن المسيب روى غير ذلك فلكلِّ خبر وجه، ولو قلنا به لكان صحيحًا متصلًا لأمرين: الأول تصريحه بسماع بلال يفعل ذلك عند الطحاوي.
الثاني: قدومه كان يوم الوفاة، وكان بلال حيئنذ يؤذن رجاعًا لا سيما إلى أن بويع أبو بكر، وعند ابن أبي شيبة من حديث الهَجَنَّع عن علي
%ج 1 ص 86%
وسمع مؤذنه يقيم مرة فقال: اجعلها مثنى، وعن سلمة بن الأكوع وأصحاب علي وعبد الله مثله.

(1/151)


وفي كتاب «الطحاوي»: عن مجاهد الإقامة مرةً مرة إنما هو شيء استخفَّه الأمراء، الإقامة مرتان.
وفي «الأسرار» لأبي زيد: أول من أفرد الإقامة، وعن عون بن أبي جُحيفَةَ نحوه، وفي «الخلافيات» كذلك بلفظ: نقص الإقامة، قال الحاكم وهذا دليل على إفراد الإقامة فإنه قال: نقضَ بالضاد المعجمة ونقضها تثنيتها لا إفرادها. انتهى.
قد ورد ما يبين أنه بالمهملة، قال النخعي: فيما رواه أبو معشر: فإن أذان بلال وإقامته مثنى مثنى حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة.
وقد رُوِيَ عن ابن عباس بسند ضعيف قاله الجوزقاني مرفوعًا: «منْ أفردَ الإقامةَ فليسَ مني».

(1/152)


وعند البيهقي عن ابنِ خُزَيْمَةَ: الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة من جنس الخلاف المباح، إذ قد صح كلا الأمرين، فأما تثنية الأذان والإقامة فلم يثبت الأمر بهما، قَالَ البَيْهَقِيُّ: وفي صحة التثنية في كلمات الإقامة سوى التكبير وكلمتي الإقامة نظر، وعند الحازمي: قالوا حديث الحذاء ظاهر في النسخ؛ لأن بلالًا أمر بالإفراد أول ما شرع الأذان، وحديث أبي محذورة كان عام حُنَيْن، وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم فرأوا أن الإقامة فرادى وإلى هذا ذهب ابن المسيب وعروة والزهري ومالك وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق ومن تبعهم وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس، قال أبو عمرو: وبقول أبي حنيفة يقول الثوري والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن وجماعة التابعين والفقهاء بالعراق متوارث عندهم بالعمل قرنًا بعد قرن. قال الأثرم عن أحمد: من أقام مثنى مثنى لم أعنفه وليس به بأس وكذلك قاله إسحاق وداود بن حريز قالوا لأنه قد ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ كل ذلك وعمل به أصحابه، وحديث ثوبان كان بلال يؤذن ح ذكره في «الخلافيات» من حديث ابن أرطأة، وحديث سلمة بن الأكوع ذكره ابن أبي حاتم في «علله»، وحديث أبي هريرة عند الدَّارَقُطْني من حديث خالد بن عبد الرحمن المخزومي: حَدَّثَنا كامل أبو العلاء عن أبي صالح عنه.
وفي البيهقي بسند صحيح إلى مكحول والزهري أنهما قالا: مضت السنَّة أن الأذان مثنى والإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة فإنها مرتين، قال: ورُوِيَ نحوه عن الحسن.
وعند ابن ماجه بسند صحيح عن سعد القرظ أن أذان بلال كان مثنى مثنى وإقامته مفردة.
وعند ابن عدي في «كامله» وقد قامت الصلاة مرة.
وعند ابن ماجه أيضًا بسندٍ فيه ضعف عن أبي رافع رأيت بلالًا يؤذن بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ
%ج 1 ص 87%
مثنى مثنى ويقيم واحدة.

(1/153)


604 – حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عبدَ الله بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاَةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلًا منكمْ يُنَادِي بِالصَّلاَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «يَا بِلاَلُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ». [خ 604]
وعند الإسماعيلي: «فأذِّنْ بالصلاةِ». وعند ابن ماجه من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ اسْتَشَارَ النَّاسَ لِمَا يَجْمَعُهْم للصَّلاةِ، فَذَكَرُوا الْبُوقَ، فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ، ثُمَّ ذَكَرُوا النَّاقُوسَ، فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى، فَنَادَى النِّدَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَطَرَقَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَيْلًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِلَالًا بِهِ، فَأُتِيَ بهِ قَالَ: الزُّهْرِيُّ، وَزَادَ بِلَالٌ فِي نِدَاءِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَقَرَّهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى، وَلَكِنَّهُ سَبَقَنِي.

(1/154)


ولما خرجه بن خزيمة «صحيحه»: أتبعه حَدَّثَنا بُنْدَار بخبر غريب غريب، فقال حدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيَّ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: إنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بن الخطاب: قُلْ فِي أَثَرَهَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «قُلْ كَمَا أَمَرَكَ عُمَرُ».
ولفظ أبي الشيخ عن محمد بن يحيى، حَدَّثَنا بندار: كان يقول أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وعند أبي القاسم من حديث أبي طلحة عن زيد عن يونس بن زيد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: لما أُسْرِيَ بِالنّبِي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ الأَذَانُ فَنَزَلَتُ بِهِ فَعَلَّمْتُهُ بِلالًا، وقال: لا يروي هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، تَفَرَّدَ به عن طلحة محمد بن ماهان الواسطي كأنه يشير إلى ما رويناه عن أبي القاسم الجوزي في كتاب «الترغيب والترهيب» تأليفه: أخبرنا أبو عثمان بن حمدان، حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسين، حَدَّثَنا محمد بن عبد الله بن الحسن، حَدَّثَنا سَلَمَةُ بن شَبِيْبٍ، حَدَّثَنا يونس بن موسى الشامي البصري، حَدَّثَنا الحسن بن حماد الكوفي، حَدَّثَنا زياد بن المنذر عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال: لَمَّا أَرَادَ اللهُ تباركَ وتعالى أَنْ يُعَلِّمَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْأَذَانَ أَرَاهُ جِبْرِيْلَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فذكر حديثًا فيه فخَرَجَ مَلَكٌ مِنَ وَرَاءِ الْحِجَابِ
%ج 1 ص 88%

(1/155)


فَقَالَ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فسمعتُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ، فَقَالَ الْمَلَكُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، ثُمَّ قَالَ الْمَلَكُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَرْسَلْتُ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَالَ الْمَلَكُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ح ثُمَّ أَخَذَ الْمَلَكُ بَيَدِي فَأَمِمْتُ أَهْلَ السَّمَاءِ فِيهِمْ آدَمُ، وَنُوحٌ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَيَوْمَئِذٍ: أَكْمَلَ اللهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الشَّرَفَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
قال الحافظ أبو القاسم هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى.
رواه البزار عن محمد بن عثمان بن مخلد، حَدَّثَنا أبي عن زياد ابن المنذر وقال لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ عن علي بهذا الإسناد، وزياد فيه شعبة وقد روى عنه مروان بن معاوية وغيره. انتهى.

(1/156)


قَالَ الدَّارَقُطْني: زياد بن المنذر غير جيد وإنما هو منذر بن زياد، وقال أبو عبد الرحمن السُّهَيلي وأبو علي الجيانيُّ: وأخلقْ بهذا الحديث أن يكون صحيحًا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء وإذا السُّهَيلي فبمجموعها يحصل أن معاني الصلاة أو أكثرها قد جمعها حديث الإسراء ورواها ابن شاهين من طريق زياد عن محمد بن علي بن حسين عن أبيه عن أبي رافع عن علي قال له النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: يَا عَلي إِنَّ اللهَ تَعاَلى عَلَّمَنِي الصّلاةَ وَعَلَّمَنِي الأَذَانَ فذكره مطولًا، وفي لفظ من حديث ابن الحنفية عن علي: كَانَ أَذَانُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لما كَانَ فِي السَّمَاءِ حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأَذَّنَ جِبْرِيْلُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
وعن زياد ابن المنذر، حدثني العلاء قال: قلت لابن الحنفية كنا نتحدث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار فَفَزِعَ وقال: عمدتم إلى أحسن دينكم فزعمتم أنه كان رؤيا، هذا والله الباطل، ولكن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لما عُرِجَ به انتهى إلى مكان من السماء وقف وبعث الله عز وجل ملكًا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم فعلَّمَه الأذان فذكر ح.
وعنده أيضًا حديث عائشة قالت: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِي إلى السَّمَاءِ أَذَّنَ جِبْرِيلُ فَظَنَّتِ المَلائِكَةُ صلَّى الله عليهم وسلم أَنَّهُ يُصَلِي بِهم فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ».
رواه عن جعفر بن محمد بن نصير، حَدَّثَنا علي بن أحمد السواق، حَدَّثَنا محمد بن حماد بن زياد الحارثي، حَدَّثَنا عائذ بن حبيب عن هشام عن أبيه عنها، وحديث ابن عباس قال: عُلِّمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الأذان حين أُسْرِيَ به. رواه من حديث عبد الصمد بن علي عن أبيه.

(1/157)


وفي كتاب أبي الشيخ من حديث إبراهيم من أبي حبيبة عن داود عن عكرمة عنه قال: الأذان نزل على رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مع فرض الصلاة: {يَأيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَومِ الجُمُعةِ فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ الله} [الجمعة: 9] انتهى.
وهو مشكل
%ج 1 ص 89%
لأن فرض الصلاة كان بمكة شرفها الله تعالى وسورة الجمعة مدنية إجماعًا حكاه أبو العباس في كتابه «مقامات التنزيل» اللَّهمَّ إلا أن يريد صلاة الجمعة لا مطلق الصلوات؛ لأن فريضة الجمعة إنما كانت بالمدينة والله تعالى أعلم.
وفي «سير ابن إسحاق» ذكر ابنُ هِشَامٍ، عن ابنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ قَالَ: ائْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِلِاجْتِمَاعِ إلى الصَّلَاةِ، فَبَيْنَا عُمَرُ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَشَبَتَيْنِ لِلنَّاقُوسِ، إذْ رَأَى عُمَرُ فِي الْمَنَامِ: ألَا تَجْعَلُوا النَّاقُوسَ، بَلْ أَذِّنُوا لِلصَّلَاةِ. فَذَهَبَ عُمَرُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لِيُخْبِرَهُ بِاَلَّذِي رَأَى، وَقَدْ جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الْوَحْيُ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَ عُمَرَ إلَّا بِلَالٌ يُؤَذِّنُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حَيْنَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ: «قَدْ سَبَقَكَ بِذَلِكَ الْوَحْيُ».
وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة»: أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ بالصلاة جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ الدُّنيا, فَسَمِعَهُ عُمَرُ وَبِلَالٌ فَسَبَقَ عُمَرُ بِلالًا إِلى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ بها فَقَالَ النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «سَبَقَكَ بها عُمَرُ».

(1/158)


وقَالَ الدَّاودِيُّ: رُوِيَ أنَّ النَّبي -صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- أَتَاهُ جِبْرِيْلُ بِالأَذَانِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ عبد الله بن زيد وعمر بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، ذكره ابن إسحاق قال: وهو أحسن ما جاء في الأذان.
وفي كتاب أبي الشيخ من حديث عبد العزيز بن عمران عن ابن المؤمل عن ابن الرَّهِين عن عبد الله ابن الزبير قال: أُخِذَ الأَذَانُ مِنْ أَذَانِ إِبْرَاهِيْمَ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} الآية [الحج: 27] قال: فَأَذَّنَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
قال عياض: الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان، فأوله إثبات الذات وما يستحقه من صفات الكمال والتنزيه، وقوله الله أكبر ثم التصريح بإثبات الوحدانية ونفي الشركة وهي عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على جميع وظائف الدين، ثم التصريح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة، ثم الدعاء إلى الصلاة والفلاح وهو الفوز والبقاء في دار النعيم.
ثم الأذان عند أبي حنيفة سنةٌ للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها، وعن محمد ما يدل على وجوبه، وعنه هو من فروض الكفاية، وعامة مشايخ الحنفيين قالوا: الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان.
وفي «القنية»: عن أبي حنيفة وأبي يوسف هو واجب، ومذهب الشافعي وإسحاق الأذان سنة.
وقال ابن المنذر: هو فرض في حق الجماعة في السفر والحضر، وقال مالك: يجب في الجماعة، وقال عطاء ومجاهد وداود: هو فرض، وعن أحمد فرض كفاية.
وقد خرَّجَ ابنُ خُزَيْمَةَ في «صحيحه»: من حديث ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه قال: لمّا أَصْبَحْنَا أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ
%ج 1 ص 90%

(1/159)


فَأَخْبَرْتُهُ بِالرُّؤْيَا فَقَالَ: إِنَّ هَذهِ لَرُؤْيَا حَقٍّ فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ ما قيل لكَ فَيُنَادِي بِذَلِكَ قَالَ: فَفَعَلْتُ فَلمَّا سَمِعَ عُمَرُ نِدَاءَ بِلالٍ بِالصَّلاةِ فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رسول اللهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الذي رَأَى، قالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ».
وفي لفظ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ أُرِيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَخُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ النِّدَاءَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ طَافَ بِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ طَائِفٌ مَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، فذكر الأذان، ثُمَّ اسْتَأخرَ غير كثير، ثم قالَ مثلَما قالَ وجعلها وترًا، إلا أنَّه قالَ: قَدْ قامتِ الصَّلاةُ قدْ قامتِ الصلاةُ، فَلَمَّا خَبَّرْتُهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَق إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ» ح فَلَمَّا قَالَ عُمَرُ رَأَيْتُ مِثْلَ الذِيْ رَأَى قَالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «فَللّهِ الحَمْدُ فَذَاكَ أَثْبَتُ».

(1/160)


قال ابنُ خُزَيْمَةَ: فسمعت محمد بن يحيى ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبرٌ أصح من هذا؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمع من أبيه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد.
وفي لفظ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَق إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى» وقال في موضع آخر: هذا خبر صحيح من جهة النقل، ومحمد بن عبد الله سمعه من أبيه، وابن إسحاق سمعه من التميمي، وليس هو مما دلَّسه ابن إسحاق. انتهى.
ذكر الحاكم أن عبد الله بن زيد استشهد بأحد، ثم روى بسنده إلى إبراهيم بن حمزة، حَدَّثَنا عبد العزيز عن عبيد الله بن عمر قال: دَخَلَتِ ابْنَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَتْ: أَنَا ابْنَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، شَهِدَ أَبِي بَدْرًا، وَقُتِلَ بأُ