السبت، 6 مايو 2023

ج5وج6.تاريخ الطبري نسخة للمحمول


ج5. تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)


لِخرخسرهَ: ذُو الْمُعْجِزَةِ، لِلْمِنْطَقَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا رسول الله ص- وَالْمِنْطَقَةُ بِلِسَانِ حِمْيَرَ الْمُعْجِزَةُ- فَبَنُوهُ الْيَوْمَ يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا خرخسرهَ ذُو الْمُعْجِزَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَابُوَيْهِ لِبَاذَانَ: مَا كَلَّمْتُ رَجُلا قَطُّ أَهْيَبَ عِنْدِي مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ بَاذَانُ: هَلْ مَعَهُ شُرَطٌ؟ قَالَ: لا.
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا كَتَبَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ فَلَمْ يُسْلِمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله ص مِنْ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَقَامَ بِهَا ذَا الْحَجَّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرَّمِ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حميد قال:
حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق.
قَالَ: وَوَلِيَ الْحَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الْمُشْرِكُونَ
(2/657)

الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ذِكْرُ الأَحْدَاثِ الْكَائِنَةِ فِي

سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ

غَزْوَةُ خَيْبَرَ
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ، فخرج رسول الله ص فِي بَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ إِلَى خَيْبَرَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، فَمَضَى حَتَّى نَزَلَ بِجَيْشِهِ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّجِيعُ، فَنَزَلَ بَيْنَ أَهْلِ خَيْبَرَ وَبَيْنَ غَطَفَانَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابن حميد قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ- لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يُمِدُّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، وَكَانُوا لَهُمْ مُظَاهِرِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص.
قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ غَطَفَانَ لَمَّا سَمِعَتْ بِمَنْزَلِ رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ، جَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا لِيُظَاهِرُوا يَهُودَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا سَارُوا مَنْقَلَةً سَمِعُوا خَلْفَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ حِسًّا، ظَنُّوا أَنَّ القوم قد خالفوا إِلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَأَقَامُوا فِي أَهَالِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَيْنَ خَيْبَرَ، وبدا رسول الله ص بِالأَمْوَالِ يَأْخُذُهَا مَالا مَالا، وَيَفْتَتِحُهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوَّلَ حُصُونِهِمُ افْتُتِحَ حِصْنُ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ رَحًا مِنْهُ فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ الْقَمُوصُ، حِصْنُ ابْنِ أَبِي الحقيق وأصاب رسول الله ص مِنْهُمْ سَبَايَا، مِنْهُمْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَابْنَتَيْ عَمٍّ لَهَا فَاصْطَفَى رَسُولُ الله ص صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ قَدْ سَأَلَ رسول الله صَفِيَّةَ، فَلَمَّا اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ أَعْطَاهُ ابْنَتَيْ عَمِّهَا، وَفَشَتِ السَّبَايَا مِنْ خَيْبَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ
(3/9)

قال: ثم جعل رسول الله ص يَتَدَنَّى الْحُصُونَ وَالأَمْوَالَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ بَعْضُ أَسْلَمَ، أَنَّ بَنِي سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ، أتوا رسول الله ص، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ جَهِدْنَا وَمَا بِأَيْدِينَا شَيْءٌ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ رَسُولِ الله شَيْئًا يُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، [فَقَالَ النَّبِيُّ:
اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حَالَهُمْ، وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونِهَا، أَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا] فَغَدَا النَّاسُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَا بِخَيْبَرَ حِصْنٌ كَانَ أَكْثَرَ طَعَامًا وَوَدَكًا مِنْهُ.
قَالَ: وَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ حُصُونِهِمْ مَا افْتَتَحَ، وَحَازَ مِنَ الأَمْوَالِ مَا حَازَ، انْتَهَوْا إِلَى حِصْنِهِمْ الْوَطِيحِ وَالسَّلالِمِ- وَكَانَ آخِرَ حُصُونِ خَيْبَرَ افْتُتِحَ- حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إسحاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: خَرَجَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ مِنْ حِصْنِهِمْ، قَدْ جَمَعَ سِلاحَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تُحَرَّبُ كَانَ حِمَايَ، لِلْحِمَى لا يُقْرَبُ.
وَهُوَ يَقُولُ: هَلْ من مبارز! [فقال رسول الله ص:
مَنْ لِهَذَا؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ الْمَوْتُورُ الثَّائِرُ، قَتَلُوا أَخِي بِالأَمْسِ! قَالَ: فَقُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ] .
فَلَمَّا أَنْ دَنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شجره عمريه
(3/10)

مِنْ شَجَرِ الْعُشَرِ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَكُلَّمَا لاذَ بِهَا اقْتَطَعَ بِسَيْفِهِ مِنْهَا مَا دُونَهُ مِنْهَا، حَتَّى بَرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرَّجُلِ الْقَائِمِ، مَا بَيْنَهُمَا فَنَنٌ، ثُمَّ حَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمَّدٍ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا، فعضت به فامسكته، وضربه محمد ابن مَسْلَمَةَ حَتَّى قَتَلَهُ.
ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ يَاسِرٌ، يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ انى ياسر شاكى السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تُبَادِرُ وَأَحْجَمَتْ عَنْ صَوْلَتِي الْمَغَاوِرُ إِنَّ حِمَايَ فِيهِ موت حاضر.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حدثنى محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ خَرَجَ إِلَى يَاسِرٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَيُقْتَلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي زَبَّارْ قَرْمٌ لِقَوْمٍ غَيْرُ نِكْسٍ فَرَّارْ ابْنُ حُمَاةِ الْمَجْدِ وَابْنُ الأَخْيَارْ يَاسِرُ لا يَغْرُرْكَ جَمْعُ الْكُفَّارْ فَجَمْعُهُمْ مِثْلُ السَّرَابِ الْجَرَّارْ.
ثُمَّ الْتَقَيَا فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قال: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ حَدَّثَ عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ حِينَ نزل رسول الله ص بحصن اهل خيبر، اعطى رسول الله ص اللِّوَاءَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَنَهَضَ مَنْ نَهَضَ
(3/11)

مَعَهُ مِنَ النَّاسِ، فَلَقَوْا أَهْلَ خَيْبَرَ، فَانْكَشَفَ عمر واصحابه، فرجعوا الى رسول الله ص، يجبنه اصحابه ويجبنهم، [فقال رسول الله ص:
لأُعْطِيَنَّ اللِّوَاءَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ] .
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَطَاوَلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَدَعَا عَلِيًّا ع وَهُوَ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، وَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ، وَنَهَضَ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ مَنْ نَهَضَ قَالَ: فَلَقِيَ أَهْلَ خَيْبَرَ، فَإِذَا مَرْحَبٌ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَاخْتَلَفَ هُوَ وَعَلِيٌّ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَى هَامَتِهِ، حَتَّى عَضَّ السَّيْفُ مِنْهَا بِأَضْرَاسِهِ، وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَوْتَ ضَرْبَتِهِ، فما تتام آخر الناس مع على ع حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ لَهُ وَلَهُمْ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ مُسْلِمٍ الأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كان رسول الله ص رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَلْبَثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لا يخرج فلما نزل رسول الله ص خَيْبَرَ أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخَذَ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ نَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقِتَالِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، [فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لأُعْطِيَنَّهَا غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يأخذها عنوه]- قال: وليس ثم على ع- فَتَطَاوَلَتْ لَهَا قُرَيْشٌ، وَرَجَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ ذَلِكَ،
(3/12)

فاصبح فجاء على ع عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبًا مِنْ خباء رسول الله ص وَهُوَ أَرْمَدُ، وَقَدْ عَصَبَ عَيْنَيْهِ بِشِقَّةِ بُرْدٍ قطري، فقال رسول الله ص: مَا لَكَ؟ قَالَ: رَمِدَتْ بَعْدُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص: ادن منى، فدنا فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، فَمَا وجعهُمَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَنَهَضَ بِهَا مَعَهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ أُرْجُوَانٌ حَمْرَاءُ قَدْ أُخْرِجَ خَمَلُهَا فَأَتَى مَدِينَةَ خَيْبَرَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ صَاحِبُ الْحِصْنِ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ مُعَصْفَرٌ يَمَانٍ، وَحَجَرٌ قَدْ ثَقَبَهُ مِثْلَ الْبَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بطل مجرب فقال على ع:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ لَيْثٌ بِغَابَاتٍ شَدِيدٌ قَسْوَرَهْ.
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَبَدَرَهُ عَلِيٌّ فَضَرَبَهُ، فَقَدَّ الْحَجَرَ وَالْمِغْفَرَ وَرَأْسَهُ، حَتَّى وَقَعَ فِي الأَضْرَاسِ وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن الْحَسَنِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مولى رسول الله ص، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حين بعثه رسول الله ص بِرَايَتِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَاتَلَهُمْ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَطَرَحَ تِرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ، فَتَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ حِينَ فَرَغَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَفَرٍ سَبْعَةٌ أَنَا ثَامِنُهُمْ، نَجْهَدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولما
(3/13)

فتح رسول الله ص الْقَمُوصَ، حِصْنَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَبِأُخْرَى مَعَهَا، فَمَرَّ بِهِمَا بِلالٌ- وَهُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِمَا- عَلَى قَتْلَى مِنْ قَتْلَى يَهُودَ، فَلَمَّا رَأَتْهُمُ الَّتِي مَعَ صَفِيَّةَ صَاحَتْ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا، وَحَثَتِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَغْرِبُوا عَنِّي هَذِهِ الشَّيْطَانَةَ، وَأَمَرَ بِصَفِيَّةَ فَحِيزَتْ خَلْفَهُ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهَا رِدَاؤُهُ، فَعَرَفَ المسلمون ان رسول الله ص قد اصطفاها لنفسه، [فقال رسول الله ص لِبِلالٍ- فِيمَا بَلَغَنِي- حِينَ رَأَى مِنْ تِلْكَ الْيَهُودِيَّةِ مَا رَأَى:
أَنُزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ يَا بِلالُ، حَيْثُ تَمُرُّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا!] وَكَانَتْ صَفِيَّةُ قَدْ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ وَهِيَ عَرُوسٌ بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، أَنَّ قَمَرًا وَقَعَ فِي حِجْرِهَا، فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ: مَا هَذَا إِلا أَنَّكِ تَمَنِّينَ مَلِكَ الْحِجَازِ مُحَمَّدًا، فَلَطَمَ وَجْهَهَا لَطْمَةً اخْضَرَّتْ عَيْنُهَا مِنْهَا، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ص وَبِهَا أَثَرٌ مِنْهَا، فَسَأَلَهَا: مَا هُوَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ هَذَا الْخَبَرَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأُتِيَ رَسُولُ الله ص بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ- وَكَانَ عِنْدَهُ كَنْزُ بَنِي النَّضِيرِ- فَسَأَلَهُ فَجَحَدَ أَنْ يكون يعلم مكانه، فاتى رسول الله ص برجل من يهود، فقال لرسول الله ص: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ كِنَانَةَ يُطِيفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلَّ غَدَاةٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِكِنَانَةَ: أَرَأَيْتَ ان وجدناه عندك، ااقتلك؟ قال: نعم، فامر رسول الله ص بِالْخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ، فَأُخْرِجَ مِنْهَا بَعْضُ كَنْزِهِمْ، ثُمَّ سَأَلَهُ مَا بَقِيَ، فَأَبَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ، [فَأَمَرَ به رسول الله ص الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَقَالَ: عَذِّبْهُ حَتَّى تَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُ،] فَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدِهِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَحَاصَرَ رَسُولُ الله ص أَهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنَيْهِمُ، الْوَطِيحَ وَالسَّلالِمَ، حَتَّى إِذَا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوهُ
(3/14)

أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ لَهُمْ دِمَاءَهُمْ، فَفَعَلَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ حَازَ الأَمْوَالَ كُلَّهَا:
الشِّقَّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ إِلا مَا كَانَ مِنْ ذَيْنِكَ الْحِصْنَيْنِ.
فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ فَدَكَ قَدْ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا بَعَثُوا إِلَى رسول الله ص يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ لَهُمْ، وَيُخَلُّوا له الأَمْوَالَ، فَفَعَلَ، وَكَانَ فِيمَنْ مَشَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُعَامِلَهُمْ بِالأَمْوَالِ عَلَى النِّصْفِ، وَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا منكم، واعمر لها، فصالحهم رسول الله ص عَلَى النِّصْفِ، عَلَى أَنَّا إِذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ، وَصَالَحَهُ أَهْلُ فَدَكَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ فَدَكُ خالصه لرسول الله ص، لأَنَّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلا رِكابٍ.
فلما اطمان رسول الله ص أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَصْلِيَّةً، وَقَدْ سَأَلَتْ: أَيُّ عُضْوٍ مِنَ الشَّاةِ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقِيلَ لَهَا: الذِّرَاعُ، فَأَكْثَرَتْ فِيهَا السُّمَّ، فَسَمَّتْ سَائِرَ الشَّاةِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا بين يدي رسول الله ص تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، فَأَخَذَهَا فَلاكَ مِنْهَا مُضْغَةً فَلَمْ يسغها، ومعه بشر بن البراء ابن مَعْرُورٍ، وَقَدْ أَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأَمَّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ فَلَفَظَهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ، ثُمَّ دَعَا بِهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: بُلِّغْتُ مِنْ قَوْمِي مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْتُ منه، فتجاوز عنها النبي ص وَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ أَكْلَتِهِ الَّتِي أَكَلَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: وقد كان رسول الله ص
(3/15)

قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ- وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ أُمُّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ تَعُودُهُ:
يَا أُمَّ بِشْرٍ، إِنَّ هَذَا الأَوَانَ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنَ الأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ مَعَ ابْنِكِ بِخَيْبَرَ.
قَالَ: وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ رَسُولَ الله ص قَدْ مَاتَ شَهِيدًا مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فرغ رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ انْصَرَفَ إِلَى وَادِي الْقُرَى فَحَاصَرَ أَهْلَهُ لَيَالِيَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ

ذكر غزوه رسول الله ص وَادِي الْقُرَى
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ثور ابن زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مع رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى، نَزَلْنَا أَصْلا مع مغارب الشمس، ومع رسول الله ص غُلامٌ لَهُ، أَهْدَاهُ إِلَيْهِ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الجذامى، ثم الضبيبى، فو الله انا لنضع رحل رسول الله ص إِذْ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ، فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، فَقُلْنَا: هنيئا له الجنه! [فقال رسول الله ص: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ شَمْلَتَهُ الان لتحرق عليه في النار قال: وكان غَلَّهَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ خَيْبَرَ] قَالَ: فسمعها رجل من اصحاب رسول الله ص فَأَتَاهُ، [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ شِرَاكَيْنِ لِنَعْلَيْنِ لِي، قَالَ: فَقَالَ:
يُقَدُّ لَكَ مِثْلَهُمَا مِنَ النَّارِ] .
وَفِي هَذِهِ السَّفْرَةِ نَامَ رَسُولُ الله ص وَأَصْحَابُهُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسِ، حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق،
(3/16)

عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لما انصرف رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ، وَكَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ: مَنْ رَجُلٌ يَحْفَظُ عَلَيْنَا الْفَجْرَ، لَعَلَّنَا نَنَامُ؟ فَقَالَ بِلالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ الله احفظ لك، فنزل رسول الله ص، وَنَزَلَ النَّاسُ فَنَامُوا، وَقَامَ بِلالٌ يُصَلِّي، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى بَعِيرِهِ، وَاسْتَقَبَلَ الْفَجْرَ يَرْمُقُهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَنَامَ فَلَمْ يُوقِظْهُمْ إِلا مَسُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ رسول الله ص أَوَّلَ أَصْحَابِهِ هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا يَا بِلالُ! فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، قَالَ: صدقت ثم اقتاد رسول الله غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ أَنَاخَ فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأَ النَّاسُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلالا فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، [فَقَالَ: إِذَا نَسِيتُمُ الصَّلاةَ فَصَلُّوهَا إِذَا ذَكَرْتُمُوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يقول: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي] » .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي صفر.
قال: وشهد مع رسول الله ص نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَضَخَ لَهُنَّ رَسُولُ الله من الفيء ولم يضرب لهن بسهم
. امر الحجاج بن علاط السلمى
قَالَ: وَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ علاط السلمى ثم البهزى لرسول الله ص: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالا بِمَكَّةَ عِنْدَ صَاحِبَتِي أُمِّ شَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي طَلْحَةَ- وكانت عنده، له منها معرض بن الحجاج- ومال متفرق فِي تُجَّارِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رسول الله فاذن له رسول الله ص، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَقُولَ، قَالَ: قُلْ، قَالَ الْحَجَّاجُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَوَجَدْتُ بِثَنِيَّةِ الْبَيْضَاءِ رِجَالا مِنْ قُرَيْشٍ يَتَسَمَّعُونَ الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنَّهُ قَدْ سار
(3/17)

إِلَى خَيْبَرَ، وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّهَا قَرْيَةُ الْحِجَازِ، ريفا ومنعه وَرِجَالا، فَهُمْ يَتَحَسَّسُونَ الأَخْبَارَ، فَلَمَّا رَأَوْنِي قَالُوا: الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ- وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلامِي- عِنْدَهُ وَاللَّهِ الْخَبَرَ! أَخْبِرْنَا بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ الْقَاطِعَ قَدْ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ بَلْدَةُ يَهُودَ وَرِيفُ الْحِجَازِ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ، وَعِنْدِي مِنَ الْخَبَرِ مَا يَسُرُّكُمْ قَالَ: فَالْتَاطُوا بِجَنْبَيْ نَاقَتِي يَقُولُونَ: إِيهِ يَا حَجَّاجُ! قَالَ: قُلْتُ: هُزِمُوا هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ أَسْرًا، وَقَالُوا: لَنْ نَقْتُلَهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ قَالَ: فَقَامُوا فَصَاحُوا بِمَكَّةَ وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمُ الْخَبَرُ، وَهَذَا مُحَمَّدٌ إِنَّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فَيُقْتَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَالَ: قُلْتُ: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكَّةَ عَلَى غُرَمَائِي، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدُمَ خَيْبَرَ، فَأُصِيبَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ إِلَى مَا هُنَالِكَ.
قَالَ: فَقَامُوا فَجَمَعُوا مَالِي كَأَحَثِّ جَمْعٍ سَمِعْتُ بِهِ فَجِئْتُ صَاحِبَتِي فَقُلْتُ: مَالِي- وَقَدْ كَانَ لِي عِنْدَهَا مَالٌ مَوْضُوعٌ- لَعَلِّي أَلْحَقُ بِخَيْبَرَ، فَأُصِيبُ مِنْ فُرَصِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَيْهِ التُّجَّارُ فَلَمَّا سَمِعَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْخَبَرَ وَجَاءَهُ عَنِّي، أَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ إِلَى جَنْبِي، وَأَنَا فِي خَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ التُّجَّارِ، فَقَالَ: يَا حَجَّاجُ، مَا هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَهَلْ عِنْدَكَ حِفْظٌ لِمَا وَضَعْتُ عِنْدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَاسْتَأْخِرْ عَنِّي حَتَّى أَلْقَاكَ عَلَى خَلاءٍ، فَإِنِّي فِي جَمْعِ مَالِي كَمَا تَرَى، فَانْصَرِفْ عَنِّي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْ جَمْعِ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ لِي بِمَكَّةَ، وَأَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ، لَقِيتُ الْعَبَّاسَ، فَقُلْتُ: احْفَظْ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا أَبَا الْفَضْلِ، فَإِنِّي أَخْشَى الطَّلَبَ ثَلاثًا، ثُمَّ قُلْ مَا شِئْتَ قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: قُلْتُ فَإِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ ابْنَ أَخِيكَ عَرُوسًا عَلَى ابْنَةِ مَلِكِهِمْ- يَعْنِي صَفِيَّةَ بنت حيي ابن أَخْطَبَ- وَلَقَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَانْتَثَلَ مَا فِيهَا، وَصَارَتْ لَهُ وَلأَصْحَابِهِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ يَا حَجَّاجُ! قَالَ: قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ، فَاكْتُمْ عَلَيَّ، ولقد اسلمت
(3/18)

وَمَا جِئْتُ إِلا لآخُذَ مَالِي فَرَقًا مِنْ أَنْ أُغْلَبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلاثٌ فَأَظْهِرْ أَمْرَكَ، فَهُوَ وَاللَّهِ عَلَى مَا تُحِبُّ قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ لَبِسَ الْعَبَّاسُ حُلَّةً لَهُ، وَتَخَلَّقَ وَأَخَذَ عَصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْكَعْبَةَ، فَطَافَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا:
يَا أَبَا الْفَضْلِ، هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ لِحَرِّ الْمُصِيبَةِ! قَالَ: كَلا وَالَّذِي حَلَفْتُمْ بِهِ! لَقَدِ افْتَتَحَ مُحَمَّدٌ خَيْبَرَ، وَتُرِكَ عَرُوسًا عَلَى ابْنَةِ مَلِكِهِمْ، وَأَحْرَزَ أَمْوَالَهَا وَمَا فِيهَا، فَأَصْبَحَتْ لَهُ وَلأَصْحَابِهِ قَالُوا: مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ:
الَّذِي جَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ، لَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمًا، وَأَخَذَ مَالَهُ وَانْطَلَقَ لِيَلْحَقَ برسول الله واصحابه فيكون معه، قالوا: يال عباد اللَّهِ! أَفْلَتَ عَدُوُّ اللَّهِ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْنَا لَكَانَ لَنَا وَلَهُ شَأْنٌ، وَلَمْ يَنْشَبُوا ان جاءهم الخبر بذلك

ذكر مقاسم خيبر وأموالها
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَقَاسِمُ عَلَى أَمْوَالِ خَيْبَرَ عَلَى الشِّقِّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةِ، فَكَانَتِ الشِّقُّ وَنَطَاةُ فِي سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْكَتِيبَةُ خمس الله عز وجل وخمس النبي ص، وَسَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَطُعْمَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، وَطُعْمَ رِجَالٍ مَشَوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَهْلِ فَدَكَ بِالصُّلْحِ، مِنْهُمْ محيصه ابن مسعود، اعطاه رسول الله ص مِنْهَا ثَلاثِينَ وَسْقَ شَعِيرٍ، وَثَلاثِينَ وَسْقَ تَمْرٍ وَقُسِّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ خَيْبَرَ وَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إِلا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حرام الأنصاري، فقسم له رسول الله ص كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا
(3/19)

قال: ولما فرغ رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ فَدَكَ حِينَ بَلَغَهُمْ مَا أَوْقَعَ اللَّهُ بِأَهْلِ خَيْبَرَ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يُصَالِحُونَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ فَدَكَ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُمْ بِخَيْبَرَ أَوْ بِالطَّائِفِ، وَإِمَّا بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ الله ص خَاصَّةً، لأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلا رِكابٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ص يَبْعَثُ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَهُودَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا قَالُوا: تَعَدَّيْتَ عَلَيْنَا، قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا، فَتَقُولُ يَهُودُ: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ.
وَإِنَّمَا خَرَصَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، ثُمَّ أُصِيبَ بِمُؤْتَةَ، فَكَانَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، هُوَ الَّذِي يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَأَقَامَتْ يَهُودُ عَلَى ذَلِكَ لا يَرَى بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ بَأْسًا فِي مُعَامَلَتِهِمْ، حتى عدوا في عهد رسول الله ص على عبد الله ابن سَهْلٍ، أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، فَقَتَلُوهُ، فَاتَّهَمَهُمْ رَسُولُ الله ص وَالْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ كَانَ إِعْطَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ص يَهُودَ خَيْبَرَ نَخِيلَهُمْ حِينَ أَعْطَاهُمُ النَّخْلَ عَلَى خَرْجِهَا؟ أَبَتَّ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى قُبِضَ، أَمْ أَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا لِضَرُورَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟
فَأَخْبَرَنِي ابن شهاب ان رسول الله ص افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، خَمَسَهَا رَسُولُ الله وقسمها
(3/20)

بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الإِجْلاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ: [إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ هَذِهِ الأَمْوَالَ عَلَى أَنْ تَعْمَلُوهَا، وَتَكُونَ ثِمَارُهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَأُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ] فَقَبِلُوا، فَكَانُوا عَلَى ذلك يعملونها وكان رسول الله ص يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَقْسِمُ ثَمَرَهَا، وَيَعْدِلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخَرْصِ، فَلَمَّا تَوَفَّى اللَّهُ عز وجل نبيه ص أَقَرَّهَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الْمُعَامَلَةِ الَّتِي كَانَ عَامَلَهُمْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ أَقَرَّهَا عُمَرُ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثَمَّ بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ص قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ: [لا يَجْتَمِعَنَّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ،] فَفَحَصَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَهُ الثَّبْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَى يَهُودَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِي إِجْلائِكُمْ، فَقَدْ بلغنى ان رسول الله ص قَالَ: [لا يَجْتَمِعَنَّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ،] فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَلْيَأْتِنِي بِهِ أُنْفِذْهُ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ فَلْيَتَجَهَّزْ لِلْجَلاءِ، فَأَجْلَى عُمَرُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عهد من رسول الله ص مِنْهُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ الله ص إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ الواقدي: فِي هَذِهِ السَّنَةِ رد رسول الله ص زَيْنَبَ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ.
قَالَ: وَفِيهَا قَدِمَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ مِنْ عِنْدِ الْمُقَوْقِسِ بِمَارِيَةَ وَأُخْتِهَا سِيرِينَ وَبَغْلَتِهِ دُلْدُلَ وَحِمَارِهِ يَعْفُورَ وَكَسَا، وَبَعَثَ مَعَهُمَا بِخَصِيٍّ فَكَانَ مَعَهُمَا، وَكَانَ حَاطِبٌ قَدْ دَعَاهُمَا إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ بِهِمَا، فَأَسْلَمَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا، فَأَنْزَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى أُمِّ سُلَيْمِ بِنْتِ مِلْحَانَ- وَكَانَتْ مَارِيَةُ وضيئه- قال: فبعث النبي ص
(3/21)

بِأُخْتِهَا سِيرِينَ إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانٍ.
قَالَ: وَفِي هذه السنه اتخذ النبي ص مِنْبَرَهُ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَاتَّخَذَ دَرَجَتَيْنِ وَمَقْعَدَةً.
قَالَ: وَيُقَالُ إِنَّهُ عُمِلَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ قَالَ: وَهُوَ الثَّبْتُ عِنْدَنَا.
قَالَ: وفيها بعث رسول الله ص عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ثَلاثِينَ رَجُلا إِلَى عَجُزِ هَوَازِنَ بِتُرْبَةٍ، فَخَرَجَ بِدَلِيلٍ لَهُ مِنْ بَنِي هِلالٍ، وَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ، وَيَكْمُنُونَ النَّهَارَ، فَأَتَى الْخَبَرُ هَوَازِنَ فَهَرَبُوا، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَرَجَعَ.
قَالَ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فِي شَعْبَانَ إِلَى نَجْدٍ، قَالَ سلمه ابن الأَكْوَعِ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ مَضَى خَبَرُهَا قَبْلُ.
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِفَدَكَ فِي شَعْبَانَ فِي ثَلاثِينَ رَجُلا فَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ وَارْتُثَّ فِي الْقَتْلَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى الْمَيْفَعَةِ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله ص غالب ابن عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ، فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفا لهم مِنَ الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ.
قَالَ أُسَامَةُ: لَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، [فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ، مَنْ لَكَ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ!] قَالَ الواقدي: وَفِيهَا سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عتبة، قال:
(3/22)

قال يسار مولى رسول الله ص: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَعْلَمُ غِرَّةً مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي مِائَةٍ وَثَلاثِينَ رَجُلا، حَتَّى أَغَارُوا عَلَى بَنِي عَبْدٍ، فَاسْتَاقُوا النَّعَمَ وَالشَّاءَ، وَحَدَرُوهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى يُمْنٍ وَجِنَابٍ، فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ، ذَكَرَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: الَّذِي أَهَاجَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ أَنَّ حُسَيْلَ بْنَ نُوَيْرَةَ الاشجعى- وكان دليل رسول الله ص الى خيبر- قدم على النبي ص، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: تَرَكْتُ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ بِالْجِنَابِ قَدْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ لِيَسِيرُوا إِلَيْكُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، وَخَرَجَ مَعَهُ الدَّلِيلُ حُسَيْلُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً، وَلَقِيَهُمْ عَبْدٌ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعَ عُيَيْنَةَ، فَانْهَزَمَ، فَلَقِيَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ: قَدْ آنَ لَكَ يَا عُيَيْنَةُ أَنْ تُقْصِرَ عما ترى

عمره القضاء
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ خَيْبَرَ، أَقَامَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَشَهْرَ رَبِيعٍ الآخِرِ وَجُمَادَى الأُولَى وجمادى الآخرة ورجب وَشَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوَّالا، يَبْعَثُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزْوِهِ وَسَرَايَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ مَكَانَ عُمْرَتِهِ الِّتِي صَدُّوهُ عَنْهَا، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ تِلْكَ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ خَرَجُوا عَنْهُ، وَتَحَدَّثَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي عُسْرٍ وَجَهْدٍ وَحَاجَةٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ
(3/23)

الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اصْطَفُّوا لرسول الله ص عِنْدَ دَارِ النَّدْوَةِ لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَسْجِدَ، اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ، وَأَخْرَجَ عَضُدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ [قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَرَاهُمُ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً! ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا وَارَاهُ الْبَيْتُ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ مَشَى حَتَّى يَسْتَلِمَ الأَسْوَدَ، ثُمَّ هَرْوَلَ كَذَلِكَ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى سَائِرَهَا] .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا صَنَعَهَا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ لِلَّذِي بَلَغَهُ عَنْهُمْ، حَتَّى حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَمَلَهَا، فَمَضَتِ السُّنَّةُ بها.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، ان رسول الله ص حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ، دَخَلَهَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... إِنِّي شَهِيدٌ أَنَّهُ رَسُولِهِ
خَلُّوا فَكُلُّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهِ ... يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
اعرف حق الله في قبوله ... يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
أَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ فِي قَبُولِهِ ... نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عن مقيله
كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق،
(3/24)

عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ابى نجيح، عن عطاء بن رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ص تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهُ إِيَّاهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَقَامَ رسول الله ص بِمَكَّةَ ثَلاثًا، فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وكلته باخراج رسول الله ص مِنْ مَكَّةَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدِ انْقَضَى أَجَلُكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، [فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص: مَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ!] قَالُوا: لا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِكَ فَاخْرُجْ عَنَّا فَخَرَجَ رَسُولُ الله ص وَخَلَّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ، حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفٍ، فَبَنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ هُنَالِكَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ وَأَبْدَلَ مَعَهُمْ، فَعَزَّتْ عَلَيْهِمُ الإِبِلُ فَرَخَّصَ لَهُمْ في البقر، ثم انصرف رسول الله ص إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ- وَوَلَّى تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ- وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الأُولَى بَعْثَهُ إِلَى الشَّامِ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِمُؤْتَةَ.
وَقَالَ الواقدي: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزهري، قال: امرهم رسول الله ص أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي قَابِلٍ قَضَاءً لِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْ يُهْدُوا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ قَضَاءً، وَلَكِنْ كَانَ شَرْطٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْتَمِرُوا قَابِلا فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ.
قَالَ الواقدي: قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا، لأَنَّهُمْ أُحْصِرُوا وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْبَيْتِ.
وَقَالَ الواقدي: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ موهب، عن محمد ابن ابراهيم، قال: ساق رسول الله ص فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ سِتِّينَ بَدَنَةً
(3/25)

قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَمَلَ السِّلاحَ وَالْبِيضَ وَالرِّمَاحَ، وَقَادَ مِائَةَ فَرَسٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى السِّلاحِ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَرَاعَهُمْ، فَأَرْسَلُوا مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الأَخْيَفِ، فَلَقِيَهُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، [فَقَالَ لَهُ:
مَا عَرَفْتُ صَغِيرًا وَلا كَبِيرًا إِلا بِالْوَفَاءِ، وَمَا أُرِيدُ إِدْخَالَ السِّلاحِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَرِيبًا إِلَيَّ] فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ.
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَيْهِمْ بَعْدَ مَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ فِي خَمْسِينَ رَجُلا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَقِيَهُ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ- بَنُو سُلَيْمٍ، فَأُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا الْوَاقِدِيُّ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ نَجَا وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ
(3/26)

ثُمَّ دَخَلَتْ

سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ
فَفِيهَا تُوُفِّيَتْ- فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ- زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ الله ص، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.

خبر غزوه غالب بن عبد الله الليثى بنى الملوح
قال: وفيها اغزى رسول الله ص غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ فِي صَفَرٍ إِلَى الْكَدِيدِ إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ مِنْ خَبَرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ وَغَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مَا حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ- قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبِي- وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ إسحاق، قال: حدثنى يعقوب ابن عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ الله بن خبيب الجهنى، عن جندب ابن مكيث الجهنى، قال: بعث رسول الله ص غالب بن عبد الله الكلبي، كلب ليث، إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ- وَكُنْتُ فِي سَرِيَّتِهِ- فَمَضَيْنَا، حَتَّى إذا كنا بقديد لقينا بها الحارث ابن مَالِكٍ- وَهُوَ ابْنُ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيُّ- فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا جِئْتُ لأُسْلِمَ، فَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ مُسْلِمًا، فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ قَالَ: فَأَوْثَقَهُ رباطا ثُمَّ خَلَّفَ عَلَيْهِ رُوَيْجِلا أَسْوَدَ كَانَ مَعَنَا، فَقَالَ: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ، فَإِنْ نَازَعَكَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ قَالَ: ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَطْنَ الْكَدِيدِ، فَنَزَلْنَا عُشَيْشِيَةً بَعْدَ الْعَصْرِ، فَبَعَثَنِي أَصْحَابِي رَبِيئَةً، فَعَمِدْتُ إِلَى تَلٍّ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ- وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْمَغْرِبِ- فَخَرَجَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَنَظَرَ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التَّلِّ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى عَلَى هَذَا التَّلِّ سَوَادًا مَا كُنْتُ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَانْظُرِي لا تَكُونُ الْكِلابُ
(3/27)

جَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَفْقِدُ شَيْئًا قَالَ: فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ نَبْلِي، فَنَاوَلَتْهُ فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي قَالَ:
فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ، وَلَمْ أَتَحَرَّكْ ثُمَّ رَمَانِي بِالآخَرِ، فَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ مَنْكِبِي، فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ، وَلَوْ كَانَ رَبِيئَةً لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتِ فَاتَّبِعِي سَهْمَيَّ فَخُذِيهِمَا لا تَمْضُغُهُمَا عَلَيَّ الْكَلابُ، قَالَ: فَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ رَائِحَتُهُمْ، حَتَّى إِذَا احتلبوا وعطنوا سكنوا، وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ شَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ، فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ، فَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ، وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ إِلَى الْقَوْمِ مُغَوِّثًا قَالَ:
وَخَرَجْنَا سِرَاعًا حَتَّى نَمُرَّ بِالْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ، ابْنِ الْبَرْصَاءِ، وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَتَانَا صَرِيخُ النَّاسِ، فَجَاءَنَا مَا لا قِبَلَ لَنَا بِهِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلا بَطْنُ الْوَادِي مِنْ قَدِيدٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ سَحَابًا مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا وَلا خَالا، فَجَاءَ بِمَا لا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا، مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُقْدِمَ وَلا يَتَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا سِرَاعًا، حَتَّى أَسْنَدْنَاهَا فِي الْمُشَلَّلِ، ثُمَّ حَدَرْنَاهَا عَنْهَا، فَأَعْجَزْنَا الْقَوْمَ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَمَا أَنْسَى قَوْلَ رَاجِزٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ يَحْدُوهَا فِي أَعْقَابِهَا، وَيَقُولُ:
أَبَى أَبُو الْقَاسِمِ أَنْ تَعْزُبِي ... فِي خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغْلَوْلَبِ
صُفْرٍ أَعَالِيهِ كَلَوْنِ الْمُذْهَبِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْهُمْ، أَنَّ شعار اصحاب رسول الله ص تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَانَ: أَمِتْ أَمِتْ.
قَالَ الواقدي: كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِضْعَةَ عشر رجلا
(3/28)

قال: وفيها بعث رسول الله ص الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى سَلامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتَابَكَ جَاءَنِي وَرُسُلَكَ وَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ قال: فصالحهم رسول الله ص عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ، لا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ.
قَالَ: وَفِيهَا بَعَثَ رسول الله ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرَ وَعَبَّادَ ابْنَيْ جَلَنْدِيٍّ بِعُمَانَ، فَصَدَّقَا النَّبِيَّ، وَأَقَرَّا بِمَا جَاءَ بِهِ، وَصَدَّقَ أَمْوَالَهُمَا، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ.
قَالَ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلا، فَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً، وَكَانَتْ سِهَامُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، لِكُلِّ رَجُلٍ.
قَالَ: وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ الْغِفَارِيِّ إِلَى ذَاتِ أَطْلاحٍ، خَرَجَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذَاتِ أَطْلاحٍ، فَوَجَدَ جَمْعًا كَثِيرًا، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا، فَقَتَلُوا أَصْحَابَ عَمْرٍو جَمِيعًا، وَتَحَامَلَ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ.
قَالَ الواقدي: وَذَاتُ أَطْلاحٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَكَانُوا مِنْ قُضَاعَةَ، وَرَأْسُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ سَدُوسٌ قَالَ:
وَفِيهَا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُسْلِمًا عَلَى رسول الله ص
، قَدْ أَسْلَمَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَقَدِمَ مَعَهُ عُثْمَانُ بن طلحه العبدري، وخالد ابن الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي أَوَّلِ صَفَرٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ سَبَبُ إِسْلامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَوْسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(3/29)

عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مَعَ الأَحْزَابِ عَنِ الْخَنْدَقِ، جَمَعْتُ رِجَالا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ:
تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنِّي لأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَاذَا رَأَيْتَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قومنا كنا عند النجاشى، فلان نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ يَظْهَرْ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلا يَأْتِينَا مِنْهُمْ الا خير فقالوا: ان هذا لراى قُلْتُ:
فَاجْمِعُوا لَهُ مَا نُهْدِي إِلَيْهِ- وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأُدْمُ- فَجَمَعْنَا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى قدمنا عليه، فو الله إِنَّا لَعِنْدَهُ، إِذْ جَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضمرى- وكان رسول الله ص قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ- قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ، فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ! فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي! أَهْدَيْتَ لِي شَيْئًا مِنْ بِلادِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أُدْمًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوٍّ لَنَا، فَأَعْطِنِيهِ لأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ- يَعْنِي النَّجَاشِيَّ- فَلَوِ انْشَقَّتِ الأَرْضُ لِي لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ أَيُّهَا الْمَلِكُ لَوْ ظَنَنْتَ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ، قَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، لِتَقْتُلَهُ! فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟ قَالَ:
(3/30)

وَيْحَكَ يَا عَمْرُو! أَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الْحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ.
قَالَ: قُلْتُ: فَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الإِسْلامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي، وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ الله لاسلم، فلقيت خالد ابن الْوَلِيدِ- وَذَلِكَ قَبْلَ الْفَتْحِ- وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟
قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ الْمَنْسِمُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللَّهِ أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى! فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتُ إِلا لأُسْلِمَ، فَقَدِمْنَا عَلَى رسول الله ص، [فَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ، ثُمَّ دَنَوْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلا أَذْكُرَ مَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ رَسُولُ الله ص: يَا عَمْرُو، بَايِعْ فَإِنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا فَبَايَعْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لا أَتَّهِمُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، كَانَ مَعَهُمَا، أَسْلَمَ حِينَ أَسْلَمَا
. ذِكْرُ مَا فِي الْخَبَرِ عَنِ الْكَائِنِ كَانَ مِنَ الأَحْدَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ
فَمِمَّا كَانَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ تَوْجِيهُ رسول الله ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ إِلَى السلاسل من بلاد قضاعه في ثلاثمائة، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ- فِيمَا ذُكِرَ- كَانَتْ قُضَاعِيَّةً، فَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَرَادَ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ، فَوَجَّهَهُ فِي أَهْلِ الشَّرَفِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، ثُمَّ اسْتَمَدَّ رَسُولُ الله ص، فَأَمَدَّهُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي مِائَتَيْنِ، فكان جميعهم خمسمائة
(3/31)

غزوه ذات السلاسل
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى أَرْضِ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ، يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ إِلَى الشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتِ امْرَأَةً مِنْ بَلِيٍّ، فبعثه رسول الله إِلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ بِذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامٍ، يُقَالُ لَهُ السَّلاسِلُ- وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلاسِلِ- فَلَمَّا كَانَ عليه خاف، فبعث الى رسول الله يستمده، فبعث اليه رسول الله ص أبا عبيده ابن الْجَرَّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، [وَقَالَ لأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجَّهَهُ: لا تَخْتَلِفَا، فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّمَا جِئْتُ مَدَدًا لِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ:
يَا عَمْرُو، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَالَ لِي: لا تَخْتَلِفَا، وَأَنْتَ إِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ، قَالَ: فَأَنَا أَمِيرٌ عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ مَدَدٌ لِي، قَالَ: فَدُونَكَ! فَصَلَّى عمرو ابن العاص بالناس]

غزوه الخبط
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا كَانَتْ غُزْوَةُ الْخَبَطِ، وَكَانَ الأمير فيها ابو عبيده ابن الجراح، بعثه رسول الله ص في رجب منها، في ثلاثمائة مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ قِبَلَ جُهَيْنَةَ، فَأَصَابَهُمْ فِيهَا أَزْلٌ شَدِيدٌ وَجَهْدٌ، حَتَّى اقْتَسَمُوا التَّمْرَ عَدَدًا.
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ حدثه انه سمع جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: خَرَجْنَا فِي بَعْثٍ وَنَحْنُ ثلاثمائة، وَعَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ، فَكُنَّا نَأْكُلُ الْخَبَطَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، فَخَرَجَتْ دَابَّةٌ من البحر
(3/32)

يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ، فَمَكَثْنَا نِصْفَ شَهْرٍ، نَأْكُلُ مِنْهَا، وَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ مِنَ الْغَدِ كَذَلِكَ، فَنَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَانْتَهَى.
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ- وَسَمِعْتُ ذَكْوَانَ أَبَا صَالِحٍ قَالَ: إِنَّهُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ.
قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ الْجُذَامِيُّ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: جَهِدُوا، وقد كان عليهم قيس ابن سَعْدٍ، وَنَحَرَ لَهُمْ تِسْعَ رَكَائِبَ، وَقَالَ: بَعَثَهُمْ فِي بَعْثٍ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ، وَإِنَّ الْبَحْرَ أَلْقَى إِلَيْهِمْ دَابَّةً، فَمَكَثُوا عَلَيْهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَيُقَدِّدُونَ وَيَغْرِفُونَ شَحْمَهَا، [فَلَمَّا قَدِمُوا على رسول الله ص ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قَيْسِ بْنِ سعد، فقال رسول الله: إِنَّ الْجُودَ مِنْ شِيمَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ،] وَقَالَ فِي الْحُوتِ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّا نَبْلُغُهُ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ لأَحْبَبْنَا أَنْ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَطَ وَلا شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُخْبِرُ، قَالَ: زَوَّدَنَا النَّبِيُّ ص جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ يَقْبِضُ لَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ قَبْضَةً قَبْضَةً، ثُمَّ تَمْرَةً تَمْرَةً، فَنَمُصُّهَا وَنَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ إِلَى اللَّيْلِ، حَتَّى نَفِدَ مَا فِي الْجِرَابِ، فَكُنَّا نَجْنِي الْخَبَطَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا قَالَ: فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جِيَاعٌ كُلُوا، فَأَكَلْنَا- وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَنْصُبُ الضِّلْعَ مِنْ أَضْلاعِهِ فَيَمُرُّ الرَّاكِبُ عَلَى بَعِيرِهِ تَحْتَهُ، وَيَجْلِسُ النَّفَرُ الْخَمْسَةُ فِي مَوْضِعِ عَيْنِهِ- فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا حَتَّى صَلَحَتْ أَجْسَامُنَا، وَحَسُنَتْ شَحْمَاتُنَا، [فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قال جابر: فذكرنا ذلك للنبي ص، فَقَالَ: كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ، مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ - وَكَانَ مَعَنَا مِنْهُ شَيْءٌ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَأَكَلَ مِنْهُ] .
قَالَ الواقدي: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ غَزْوَةُ الْخَبَطِ، لأَنَّهُمْ أَكَلُوا الْخَبَطَ حَتَّى كَأَنَّ أَشْدَاقَهُمْ أَشْدَاق الإِبِلِ العضهه
(3/33)

[حوادث متفرقة]
قَالَ:
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةٌ وَجَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص فِي شَعْبَانَ، أَمِيرُهَا أَبُو قَتَادَةَ
. حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَأَصْدَقْتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي، فَقَالَ: وَكَمْ أَصْدَقْتَ؟ قُلْتُ: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَوْ كُنْتُمْ إِنَّمَا تَأْخُذُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ مَا زِدْتُمْ! وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُكَ بِهِ] .
قَالَ: فَلَبِثْتُ أَيَّامًا، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ- أَوْ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ- فِي بَطْنِ عَظِيمٍ مِنْ جُشَمَ، حَتَّى نَزَلَ بِقَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِالْغَابَةِ، يُرِيدُ أَنْ يجمع قيسا على حرب رسول الله ص.
قَالَ: وَكَانَ ذَا اسْمٍ وَشَرَفٍ فِي جُشَمَ قال: فدعاني رسول الله ص وَرَجُلَيْنِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى تَأْتُونَا بِهِ، أَوْ تَأْتُونَا مِنْهُ بِخَبَرٍ وَعِلْمٍ قَالَ: وَقَدَّمَ لَنَا شَارِفًا عَجْفَاءَ، فحمل عليها أحدنا، فو الله مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا حَتَّى دَعَمَهَا الرِّجَالُ مِنْ خَلْفِهَا بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى اسْتَقَلَّتْ وَمَا كَادَتْ ثُمَّ قَالَ: تَبْلُغُوا عَلَى هَذِهِ وَاعْتَقِبُوهَا.
قَالَ: فَخَرَجْنَا وَمَعَنَا سِلاحُنَا مِنَ النَّبْلِ وَالسُّيُوفِ، حَتَّى جِئْنَا قَرِيبًا مِنَ الْحَاضِرِ عُشَيْشِيَّةً مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَمَنْتُ فِي نَاحِيَةٍ، وَأَمَرْتُ صَاحِبَيَّ، فَكَمَنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ، وَقُلْتُ لَهُمَا: إِذَا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبَّرْتُ وَشَدَدْتُ عَلَى العسكر فكبرا وشدا معى.
قال: فو الله إِنَّا لَكَذَلِكَ نَنْتَظِرُ أَنْ نَرَى غِرَّةً أَوْ نُصِيبَ مِنْهُمْ شَيْئًا، غَشِيَنَا اللَّيْلُ حَتَّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرَحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تخوفوا عليه
(3/34)

قَالَ: فَقَامَ صَاحِبُهُمْ ذَلِكَ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لأَتْبَعَنَّ أَثَرَ رَاعِينَا هَذَا، وَلَقَدْ أَصَابَهُ شَرٌّ فَقَالَ نَفَرٌ مِمَّنْ مَعَهُ: وَاللَّهِ لا تَذْهَبُ، نَحْنُ نَكْفِيكَ! فَقَالَ: وَاللَّهِ لا يَذْهَبُ إِلا أَنَا، قَالُوا:
فَنَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: وَاللَّهِ لا يَتْبَعُنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ.
قَالَ: وَخَرَجَ حَتَّى مَرَّ بِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي نَفَحْتُهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعْتُهُ في فؤاده، فو الله مَا تَكَلَّمَ، وَوَثَبْتُ إِلَيْهِ فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرْتُ، وَشَدَّ صَاحِبَايَ وكبرا، فو الله مَا كَانَ إِلا النَّجَاءُ مِمَّنْ كَانَ فِيهِ عِنْدَكَ بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَمَا خَفَّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
قَالَ: فَاسْتَقْنَا إِبِلا عَظِيمَةً، وَغَنَمًا كَثِيرَةً، فَجِئْنَا بِهَا الى رسول الله ص، وَجِئْتُ بِرَأْسِهِ أَحْمِلُهُ مَعِي، قَالَ: فَأَعَانَنِي رَسُولُ الله ص مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ بِثَلاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَجَمَعْتُ إِلَيَّ أَهْلِي.
وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ، فَذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، حدثه عن ابيه، النبي ص بَعَثَ ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ مَعَ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَنَّ السَّرِيَّةَ كَانَتْ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلا، وَأَنَّهُمْ غَابُوا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَنَّ سُهْمَانَهُمْ كَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا يُعْدَلُ الْبَعِيرُ بِعَشْرٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَأَنَّهُمْ أَصَابُوا فِي وُجُوهِهِمْ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، فِيهِنَّ فَتَاةٌ وَضِيئَةٌ، فَصَارَتْ لأَبِي قَتَادَةَ، فَكَلَّمَ مَحْمِيَةُ بْنُ الْجَزْءِ فِيهَا رسول الله ص، فسال رسول الله ص أَبَا قَتَادَةَ عَنْهَا، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهَا مِنَ الْمَغْنَمِ، فَقَالَ: هَبْهَا لِي، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ الله مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ
. قَالَ:
وَفِيهَا أَغْزَى رسول الله ص فِي سَرِيَّةٍ أَبَا قَتَادَةَ إِلَى بَطْنِ إِضَمٍ
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِي الْقَعْقَاعِ بن عبد الله بن ابى حد رد الأسلمي
(3/35)

وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ الْقَعْقَاعِ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ:
بعثنا رسول الله ص إِلَى إِضَمٍ، فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَمٍ- وَكَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ- مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الأَضْبَطِ الأَشْجَعِيُّ عَلَى قُعُودٍ لَهُ، مَعَهُ مَتِيعٌ لَهُ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سَلَّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيَّةِ الإِسْلامِ، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَمَتِيعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله ص فأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» الآيَةَ.
وَقَالَ الواقدي: إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص بَعَثَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ حِينَ خَرَجَ لِفَتْحِ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة عنه، قال: لما رجع رسول الله ص إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ خَيْبَرَ، أَقَامَ بِهَا شَهْرَيْ رَبِيعٍ، ثُمَّ بَعَثَ فِي جُمَادَى الأُولَى بَعْثَهُ إِلَى الشَّامِ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِمُؤْتَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: بعث رسول الله ص بَعْثَهُ إِلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الأُولَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: إِنْ أُصِيبَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ عَلَى النَّاسِ.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ، ثُمَّ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، وَهُمْ ثَلاثَةُ آلافٍ، فَلَمَّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ وَوَدَّعُوهُمْ فَلَمَّا
(3/36)

وُدِّعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَعَ مَنْ ودع من أمراء رسول الله ص بكى، فقالوا له: ما يبكيك يا بن رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا، وَلا صَبَابَةٌ بِكُمْ، [وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا] » .
فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الْوُرُودِ! فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهَزَةً ... بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي ... أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا!
ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِلَى رَسُولِ الله ص فَوَدَّعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الْقَوْمُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يُشَيِّعُهُمْ، حَتَّى إِذَا وَدَّعَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
خَلَفَ السَّلامُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ ... فِي النَّخْلِ خَيْرَ مُشَيِّعٍ وَخَلِيلِ
ثُمَّ مَضَوْا حَتَّى نَزَلُوا مُعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَبَلَغَ النَّاسَ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْمُسْتَعْرِبَةُ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَبَلْقَيْنَ وَبَهْرَاءَ وَبَلِيٍّ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْهُمْ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَلِيٍّ، ثُمَّ أَحَدُ إِرَاشَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانٍ لَيْلَتَيْنِ، يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَقَالُوا: نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ الله وَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا، فَإِمَّا أَنْ يُمِدَّنَا بِرِجَالٍ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَنَمْضِيَ لَهُ فَشَجَّعَ النَّاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَقَالَ: يَا قَوْمُ، وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَ لَلَّذِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلا قُوَّةٍ وَلا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا، فَإِنَّمَا هي إِحْدَى
(3/37)

الْحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ وَاللَّهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَمَضَى النَّاسُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي مَحْبِسِهِمْ ذَلِكَ:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ آجَامِ قُرْحٍ ... تُغَرُّ مِنَ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ
حَذَوْنَاهَا مِنَ الصَّوَّانِ سِبْتًا ... أَزَلَّ كَأَنَّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مُعَانٍ ... فَأُعْقِبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوَّمَاتٌ ... تَنَفَّسُ فِي مَنَاخِرِهَا السَّمُومُ
فَلا وَأَبِي، مَآبِ لَنَأْتِيَنْهَا ... وَلَوْ كَانَتْ بِهَا عُرْبٌ وَرُومُ
فَعَبَّأْنَا أَعِنَّتَهَا فَجَاءَتْ ... عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ
بِذِي لَجَبٍ كَأَنَّ الْبِيضَ فِيهِ ... إِذَا بَرَزَتْ قَوَانِسُهَا النُّجُومُ
فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلَّقَتْهَا ... أَسِنَّتُنَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ
ثُمَّ مَضَى النَّاسُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنْتُ يَتِيمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ، فَخَرَجَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ مُرْدِفِي عَلَى حقيبه رحله، فو الله إِنَّهُ لَيَسِيرُ لَيْلَةً إِذْ سَمِعْتُهُ وَهُوَ يتَمَثَّلُ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ:
إِذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنُكِ أَنْعُمٌ وَخَلاكِ ذَمٌّ ... وَلا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي
وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي ... بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ
وَرَدُّكِ كُلَّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ ... إِلَى الرَّحْمَنِ مُنْقَطِعُ الإِخَاءِ
(3/38)

هُنَالِكَ لا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ ... وَلا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءِ
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهُنَّ مِنْهُ بَكَيْتُ، فَخَفَقَنِي بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: مَا عَلَيْكَ يَا لُكَعُ! يَرْزُقُنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ، وَتَرْجِعُ بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ! ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي بَعْضِ شِعْرِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
يَا زَيْدَ زَيْدَ الْيَعْمَلاتِ الذُّبَّلِ ... تَطَاوَلَ اللَّيْلُ هُدِيتَ فَانْزِلِ
قَالَ: ثُمَّ مَضَى النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ، لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلَ مِنَ الرُّومِ وَالْعَرَبِ، بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا مَشَارِفُ ثُمَّ دَنَا الْعَدُوُّ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النَّاسُ عِنْدَهَا، فَتَعَبَّأَ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، يُقَالُ لَهُ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبَايَةُ بْنُ مَالِكٍ، ثُمَّ الْتَقَى النَّاسُ، فَاقْتَتَلُوا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حارثة برايه رسول الله ص حَتَّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا أَلْحَمَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ جَعْفَرٌ أَوَّلَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فِي الإِسْلامِ فَرَسَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمه وابو تميمله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يحيى بن عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي- وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ غَزْوَةَ مُؤْتَةَ- قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، فَعَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ بِهَا وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَتَرَدَّدُ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ قَالَ:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ طَائِعَةً أَوْ فَلَتُكْرَهِنَّهْ
(3/39)

إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّهْ ... مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ!
قَدْ طَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إِلا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ!
وَقَالَ أَيْضًا:
يَا نَفْسُ إِلا تَقْتُلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيتِ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنَ عَمٍّ لَهُ بِعَظْمٍ مِنْ لَحْمٍ، فَقَالَ: شُدَّ بِهَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ أَيَّامَكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، فَانْتَهَسَ مِنْهُ نَهْسَةً ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النَّاسِ، فَقَالَ: وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا! ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ، أَخُو بِلْعِجْلانِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، فَقَالُوا:
أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ، وَحَاشَى بِهِمْ، ثُمَّ انْحَازَ وتحيز عنه حتى انصرف بالناس.
فحدثني الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيُّ- وَكَانَتِ الأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ- فَغَشِيَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قتادة فارس رسول الله ص، قال: بعث رسول الله جَيْشَ الأُمَرَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فان اصيب فجعفر
(3/40)

ابن أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَوَثَبَ جَعْفَرٌ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَذْهَبُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ زَيْدًا عَلَيَّ! قَالَ: امْضِ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ خَيْرٌ! فَانْطَلَقُوا، فَلَبِثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثم ان رسول الله ص صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ! فَاجْتَمَعَ الناس الى رسول الله، فَقَالَ:
بَابُ خَيْرٍ، بَابُ خَيْرٍ، بَابُ خَيْرٍ! أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي، إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَقُتِلَ زَيْدٌ شَهِيدًا- وَاسْتَغْفَرَ لَهُ- ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ، فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا- فَشَهِدَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ- ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا- فَاسْتَغْفَرَ لَهُ- ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ- وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأُمَرَاءِ، هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ-[ثم قال رسول الله ص: اللَّهُمَّ إِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ، فَأَنْتَ تَنْصُرُهُ- فَمُنْذُ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ خَالِدُ سَيْفَ اللَّهِ- ثُمَّ قال رسول الله: أَبْكِرُوا فَأَمِدُّوا إِخْوَانَكُمْ وَلا يَتَخَّلَفَنَّ مِنْكُمْ أَحَدٌ] فَنَفَرُوا مُشَاةً وَرُكْبَانًا، وَذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ مصاب جعفر، [قال رسول الله ص: قَدْ مَرَّ جَعْفَرٌ الْبَارِحَةَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ، لَهُ جَنَاحَانِ، مُخْتَضِبَ الْقَوَادِمِ بِالدَّمِ، يُرِيدُونَ بِيشَةَ، أَرْضًا بِالْيَمَنِ] .
قال وقد كان قطبة بْن قتادة العذري الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بْن رافلة قائد المستعربة فقتله قَالَ: وقد كانت كاهنة من حدس حين سمعت بجيش رسول الله ص مقبلا قد قالت لقومها من حدس- وقومها بطن يقال لهم بنو غنم: أنذركم قوما خزرا، ينظرون شزرا، ويقودون الخيل بترا، ويهريقون دما
(3/41)

عكرا فأخذوا بقولها، فاعتزلوا من بين لخم، فلم يزالوا بعد اثرى حدس وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة، بطن من حدس، فلم يزالوا قليلا بعد، ولما انصرف خالد بْن الوليد بالناس أقبل بهم قافلا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا دَنَوْا من دخول المدينة، تلقاهم رسول الله ص والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله مُقْبِلٌ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى دَابَّةٍ، فَقَالَ: خُذُوا الصِّبْيَانَ فَاحْمِلُوهُمْ وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ، فَأُتِيَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَأَخَذَهُ، فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: وَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الْجَيْشِ التُّرَابَ، وَيَقُولُونَ:
يَا فُرَّارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، [فَيَقُولُ رسول الله: لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ، إِنْ شَاءَ اللَّهَ!] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ آلِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ- وَهُمْ أَخْوَالُهُ- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زوج النبي ص، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: مَا لِي لا أَرَى سلمه يحضر الصلاة مع رسول الله وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ! قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ، كُلَّمَا خَرَجَ صَاحَ النَّاسُ: أَفَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ! حَتَّى قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَمَا يخرج.
وفيها غزا رسول الله ص أَهْلَ مَكَّةَ

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ فَتْحِ مَكَّةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ،
(3/42)

قال: ثم اقام رسول الله ص بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ بَعْثِهِ إِلَى مُؤْتَةَ، جُمَادَى الآخِرَةَ ورجب.
ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ، وَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ، يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ وَكَانَ الَّذِي هَاجَ مَا بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وبنى خزاعة رجل من بلحضرمى، يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ- وَحِلْفُ الْحَضْرَمِيِّ يَوْمَئِذٍ إِلَى الأَسْوَدِ بْنِ رِزْنٍ- خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ أَرْضَ خُزَاعَةَ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَدَتْ خُزَاعَةُ قُبَيْلَ الإِسْلامِ عَلَى بَنِي الأَسْوَدِ بْنِ رِزْنٍ الدِّيلِيِّ، وَهُمْ مَنْخَرُ بَنِي بَكْرٍ وَأَشْرَافُهُمْ: سُلْمَى، وَكُلْثُومٌ، وَذُؤَيْبٌ، فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، قَالَ: كَانَ بَنُو الأَسْوَدِ يُودَوْنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ديتين ديتين، ونودى ديه ديه لفضلهم فينا.
فَبَيْنَا بَنُو بَكْرٍ وَخُزَاعَةُ عَلَى ذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَهُمُ الإِسْلامُ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ صلح الحديبية بين رسول الله ص وَبَيْنَ قُرَيْشٍ كَانَ فِيمَا شَرَطُوا عَلَى رَسُولِ الله ص، وَشَرَطَ لَهُمْ- كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا- أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ في عهد رسول الله ص وَعَقْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ في عقد رسول الله ص.
فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَتْهَا بَنُو الدِّيلِ، مِنْ بَنِي بَكْرٍ مِنْ خُزَاعَةَ
(3/43)

وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ ثَأْرًا بِأُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَصَابُوا مِنْهُمْ بِبَنِي الأَسْوَدِ بْنِ رِزْنٍ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ فِي بَنِي الدِّيلِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَائِدُهُمْ، لَيْسَ كُلُّ بَنِي بَكْرٍ تَابِعَهُ- حَتَّى بَيَّتَ خُزَاعَةَ، وَهُمْ عَلَى الوتير، ماء لهم، فأصابوا منهم رجلا وتجاوزوا وَاقْتَتَلُوا، وَرَفَدَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قَاتَلَ بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا، حَتَّى حَازُوا خُزَاعَةَ إِلَى الْحَرَمِ.
- قَالَ الواقدي: كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ لَيْلَتَئِذٍ بِأَنْفُسِهِمْ مُتَنَكِّرِينَ صَفْوَانُ بْنُ أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عَمْرٍو، مَعَ غَيْرِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ- رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ: يَا نَوْفَلُ، إِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ إِلَهَكَ إِلَهَكَ، فَقَالَ: كَلِمَةً عَظِيمَةً إِنَّهُ لا إِلَهَ لَهُ الْيَوْمَ! يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الْحَرَمِ، أَفَلا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ! وَقَدْ أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ بَيَّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ رَجُلا يُقَالُ لَهُ مُنَبِّهٌ، وَكَانَ مُنَبِّهٌ رَجُلا مَفْئُودًا خَرَجَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، يُقَالُ لَهُ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ- فَقَالَ لَهُ مُنَبِّهٌ: يَا تَمِيمُ، انْجُ بنفسك، فاما انا فو الله إِنِّي لَمَيِّتٌ قَتَلُونِي أَوْ تَرَكُونِي، لَقَدْ أَنَّبْتُ فُؤَادِيَ فَانْطَلَقَ تَمِيمٌ فَأَفْلَتَ، وَأَدْرَكُوا مُنَبِّهًا فَقَتَلُوهُ- فَلَمَّا دَخَلَتْ خُزَاعَةُ مَكَّةَ لَجَئُوا إِلَى دَارِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ وَدَارَ مَوْلًى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ رَافِعٌ.
قَالَ: فَلَمَّا تَظَاهَرَتْ بَنُو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم مَا أَصَابُوا، وَنَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رسول الله ص مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ بِمَا اسْتَحَلُّوا مِنْ خُزَاعَةَ- وَكَانُوا فِي عَقْدِهِ وَعَهْدِهِ- خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كَعْبٍ، حَتَّى قدم على رسول الله ص
(3/44)

الْمَدِينَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا هَاجَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ بَيْنَ ظهراني الناس، فقال:
لا هم انى ناشد محمدا ... حلف أبينا وابيه ألا تلدا
فَوَالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدًا ... ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أَعْتَدَا ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يُنْمِي صُعُدَا
إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ... فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا
إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا
وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءَ رَصَدَا ... وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا
وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ... هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا
فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا.
يَقُولُ: قَدْ قَتَلُونَا وقد أسلمنا فقال رسول الله ص حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ: قَدْ نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بن سالم! ثم عرض لرسول الله ص عَنَانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ.
ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ، وَبِمُظَاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى مَكَّةَ [وَقَدْ كَانَ رسول الله ص قَالَ لِلنَّاسِ:
كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَ لِيَشْدُدَ الْعَقْدَ، وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ]
(3/45)

وَمَضَى بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَقُوا أَبَا سُفْيَانَ بِعُسْفَانَ، قَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لِيَشْدُدَ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ، وَقَدْ رَهَبُوا الَّذِي صَنَعُوا، فَلَمَّا لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلا، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا بُدَيْلُ؟ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: سرت في خزاعة في الساحل وفي بطن هذا الوادى.
قال: او ما أَتَيْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لا قَالَ: فَلَمَّا رَاحَ بُدَيْلٌ إِلَى مَكَّةَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ كَانَ جَاءَ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِهَا النَّوَى، فَعَمَدَ إِلَى مَبْرَكِ نَاقَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا فَفَتَّهُ، فَرَأَى فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ بُدَيْلٌ مُحَمَّدًا.
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سفيان حتى قدم على رسول الله ص الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رسول الله ص طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ، أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي! قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ:
وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ يَا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ص، فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَلَّمَهُ فَقَالَ:
أَنَا اشفع لكم الى رسول الله! فو الله لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا الذَّرَّ لَجَاهَدْتُكُمْ ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وَعِنْدَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، غُلامٌ يَدُبٌّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّكَ أَمَسُّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا، وَأَقَرَبُهُمْ مِنِّي قَرَابَةً، وَقَدْ جِئْتُ فِي حَاجَةٍ، فَلا أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِبًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ! قَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ، هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي بُنَيَّكِ هَذَا فَيُجِيرُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَكُونَ سَيِّدَ الْعَرَبِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ! قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا بلغ بنيى ذلك
(3/46)

أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَحَدٌ قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنِّي أَرَى الأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ فَانْصَحْنِي فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْحَقْ بِأَرْضِكَ.
قَالَ: او ترى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا! قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ، وَلَكِنْ لا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ.
فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ، قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّدًا فكلمته، فو الله مَا رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَجَدْتُهُ أَعْدَى الْقَوْمِ، ثُمَّ جِئْتُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنَ القوم، وقد اشار على بشيء صنعته، فو الله مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِينِي شَيْئًا أَمْ لا! قَالُوا: وَبِمَاذَا أَمَرَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ فَفَعَلْتُ، قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لا، قَالُوا: وَيْلَكَ! وَاللَّهِ إِنْ زَادَ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ، فَمَا يُغْنِي عَنَّا مَا قُلْتَ قَالَ: لا وَاللَّهِ، مَا وَجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص النَّاسَ بِالْجِهَازِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ وَهِيَ تُحَرِّكُ بعض جهاز رسول الله ص، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، أَأَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِأَنْ تُجَهِّزُوهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَتَجَهَّزْ، قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي.
ثُمَّ إِنَّ رسول الله ص أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ وَالتَّهَيُّؤِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلادِهَا.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ يُحَرِّضُ النَّاسَ، وَيَذْكُرُ مُصَابَ رِجَالِ خُزَاعَةَ:
(3/47)

أَتَانِي وَلَمْ أَشْهَدْ بِبَطْحَاءَ مَكَّةٍ ... رِجَالُ بَنِي كَعْبٍ تُحَزُّ رِقَابُهَا
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسِلُّوا سُيُوفَهُمْ ... وَقَتْلَى كَثِيرٍ لَمْ تُجَنَّ ثِيَابُهَا
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَالَنَّ نُصْرَتِي ... سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو حَرُّهَا وَعِقَابُهَا!
وَصَفْوَانَ عُودًا حَزَّ مِنْ شفر استه ... فهذا او ان الحرب شد عصابها
فلا تامننا يا بن أُمِّ مُجَالِدٍ ... إِذَا احْتَلَبَتْ صَرْفًا وَأَعْصَلَ نَابُهَا
فَلا تَجْزَعُوا مِنْهَا فَإِنَّ سُيُوفَنَا ... لَهَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفْتَحُ بَابُهَا
وَقَوْلُ حَسَّانٍ.
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيُوفَهُمْ.
يَعْنِي قُرَيْشًا وَابْنَ أُمِّ مُجَالِدٍ، يَعْنِي عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا، قَالُوا: لَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الأَمْرِ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً- يَزْعُمُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهَا سَارَّةُ، مَوْلاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- وَجَعَلَ لَهَا جُعْلا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا، ثُمَّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا، ثُمَّ خرجت به واتى رسول الله ص الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَقَالَ: أَدْرِكَا امْرَأَةً
(3/48)

قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبٌ بِكِتَابٍ إِلَى قُرَيْشٍ، يُحَذِّرُهُمْ مَا قَدْ أَجْمَعْنَا لَهُ فِي أَمْرِهِمْ، فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا بِالْحُلَيْفَةِ، حُلَيْفَةِ ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، فَاسْتَنْزَلاهَا، فَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، [فَقَالَ لَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
انى احلف ما كذب رسول الله وَلا كُذِبْنَا، وَلْتُخْرِجِنَّ إِلَيَّ هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكِ،] فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنْهُ، قَالَتْ: أَعْرِضْ عَنِّي، فَأَعْرَضَ عَنْهَا، فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْهُ، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رسول الله ص، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ حَاطِبًا، فَقَالَ:
يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ أَصْلٌ وَلا عَشِيرَةٌ، وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَهْلٌ وَوَلَدٌ، فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نافق، فقال رسول الله ص: وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ! فَأَنْزَلَ الله عز وجل في حاطب: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ» الى قوله: «وَإِلَيْكَ أَنَبْنا» إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ الله ص لسفره، واستخلف
(3/49)

عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنِ بْنِ خَلَفٍ الْغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ شهر رمضان، فصام رسول الله ص، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ مَا بَيْنَ عَسفَانَ وَأَمَجَ، أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص، ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ، وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عُدَدٌ وَإِسْلامٌ، وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ عَمِيَتِ الأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ فَلا يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، فَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يَتَحَسَّسُونَ الأَخْبَارَ، هَلْ يَجِدُونَ خَبَرًا أَوْ يَسْمَعُونَ بِهِ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ فِيمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَلَقَّى رَسُولَ الله ص بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المغيره قد لقيا رسول الله ص بِنِيقِ الْعُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَ الدخول على رسول الله، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ وَصِهْرُكَ، قَالَ: لا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي قَالَ بِمَكَّةَ مَا قَالَ.
فَلَمَّا خَرَجَ الْخَبَرُ إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بُنَيٌّ لَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأْذَنَنَّ لِي أَوْ لآخُذَنَّ بِيَدِ بُنَيَّ هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الأَرْضِ، حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رسول الله ص رَقَّ لَهُمَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا،
(3/50)

فَدَخَلا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَا وَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ قَوْلَهُ فِي إِسْلامِهِ وَاعْتِذَارِهِ مِمَّا كَانَ مَضَى مِنْهُ:
لَعَمْرِيَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً ... لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي
وَهَادٍ هَدَانِي غَيْرَ نَفْسِي وَنَالَنِي ... مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ ... وَأُدْعَى وَلَوْ لَمْ أَنْتَسِبْ مِنْ مُحَمَّدِ
هُمُ مَا هُمُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمُ ... وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلَمُّ وَيُفْنَدِ
أُرِيدُ لأُرْضِيهِمْ وَلَسْتُ بِلائِطٍ ... مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلِّ مَقْعَدِ
فَقُلْ لِثَقِيفٍ لا أُرِيدُ قتالها ... وقل لثقيف تلك غيرى او عدى
وَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي نَالَ عَامِرًا ... وَمَا كَانَ عَنْ جَرَّى لِسَانِي وَلا يَدِي
قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلادٍ بَعِيدَةٍ ... نَزَائِعُ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ
قَالَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ حِينَ انشد رسول الله ص قَوْلَهُ: وَنَالَنِي مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مطرد، ضرب النبي ص فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مطرد! وقال الواقدى: خرج رسول الله ص إِلَى مَكَّةَ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: يُرِيدُ قُرَيْشًا، وَقَائِلٌ يَقُولُ: يُرِيدُ هَوَازِنَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: يُرِيدُ ثَقِيفًا، وَبَعَثَ إِلَى الْقَبَائِلِ فَتَخَلَّفَتْ عَنْهُ، وَلَمْ يَعْقِدِ الأَلْوِيَةَ وَلَمْ يَنْشُرِ الرَّايَاتِ حَتَّى قَدِمَ قُدَيْدًا، فَلَقِيَتْهُ بَنُو سُلَيْمٍ عَلَى الْخَيْلِ وَالسِّلاحِ التَّامِّ، وقد كان عيينه
(3/51)

لحق رسول الله بِالْعَرَجِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ بِالسُّقْيَا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَرَى آلَةَ الْحَرْبِ وَلا تَهْيِئَةَ الإِحْرَامِ، فَأَيْنَ تَتَوَجَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقال رسول الله؟ فقال رسول الله ص:
حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْ تُعَمَّى عَلَيْهِمُ الأَخْبَارُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَلَقِيَهُ الْعَبَّاسُ بِالسُّقْيَا، وَلَقِيَهُ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ بِنِيقِ الْعُقَابِ.
فَلَمَّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَمَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ الله ص مَرَّ الظَّهْرَانِ، قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وقد خرج رسول الله ص مِنَ الْمَدِينَةِ: يَا صَبَاحَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ لَئِنْ بغتها رسول الله فِي بِلادِهَا، فَدَخَلَ مَكَّةَ عَنْوَةً، إِنَّهُ لَهَلاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدَّهْرِ! فَجَلَسَ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ الله ص الْبَيْضَاءَ، وَقَالَ: أَخْرُجُ إِلَى الأَرَاكِ لَعَلِّي أَرَى حَطَّابًا أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ، أَوْ دَاخِلا يَدْخُلُ مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله، فيأتونه فيستامنونه فخرجت، فو الله إِنِّي لأَطُوفُ فِي الأَرَاكِ أَلْتَمِسُ مَا خَرَجْتُ لَهُ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وَقَدْ خَرَجُوا يَتَحَسَّسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص، فَسَمِعْتُ أَبَا سُفْيَانَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ نِيرَانًا! فَقَالَ بُدَيْلٌ: هَذِهِ وَاللَّهِ نِيرَانُ خُزَاعَةَ، حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَلأَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَذَلُّ! فَعَرَفْتُ صوته، فقلت:
(3/52)

يَا أَبَا حَنْظَلَةَ! فَقَالَ: أَبُو الْفَضْلِ! فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! فَمَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ وَرَائِي قَدْ دَلَفَ إِلَيْكُمْ بِمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ بِعَشْرَةِ آلافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقُلْتُ:
تَرْكَبُ عَجُزَ هَذِهِ الْبَغْلَةِ، فَأَسْتَأْمِنُ لَكَ رسول الله، فو الله لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَرَدَفَنِي فَخَرَجْتُ به اركض بغله رسول الله ص نحو رسول الله ص، فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ وَنَظَرُوا الى، قالوا: عم رسول الله عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَبُو سُفْيَانَ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلا عهد! ثم اشتد نحو النبي ص، وَرَكَّضْتُ الْبَغْلَةَ، وَقَدْ أَرْدَفْتُ أَبَا سُفْيَانَ، حَتَّى اقْتَحَمْتُ عَلَى بَابِ الْقُبَّةِ، وَسَبَقْتُ عُمَرَ بِمَا تَسْبِقُ بِهِ الدَّابَّةُ الْبَطِيئَةُ الرَّجُلَ الْبَطِيءَ، فَدَخَلَ عمر على رسول الله ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللَّهِ، قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلا عَقْدٍ، فَدَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ! ثُمَّ جلست الى رسول الله ص فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ، فَقُلْتُ:
وَاللَّهِ لا يُنَاجِيهِ الْيَوْمَ أَحَدٌ دُونِي! فَلَمَّا أَكْثَرَ فِيهِ عُمَرُ، قُلْتُ: مهلا يا عمر! فو الله مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلا لأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عدى ابن كَعْبٍ مَا قُلْتَ هَذَا فَقَالَ: مَهْلا يَا عباس! فو الله لإِسْلامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ! وَذَلِكَ لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ إِسْلامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ إِسْلامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص: اذْهَبْ فَقَدْ أَمَّنَّاهُ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَيَّ بِالْغَدَاةِ فَرَجَعَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غدا به على رسول الله ص، فلما رآه قال:
[وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ! فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ!] وَاللَّهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي
(3/53)

رَسُولُ اللَّهِ! فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ! أَمَّا هَذِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ! فَقَالَ الْعَبَّاسُ: فَقُلْتُ لَهُ وَيْلَكَ! تَشَهَّدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ وَاللَّهِ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ، قَالَ: فَتَشَهَّدَ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِلْعَبَّاسِ حِينَ تَشَهَّدَ أَبُو سُفْيَانَ:
انْصَرِفْ يَا عَبَّاسُ فَاحْبِسْهُ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: [يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا يَكُونُ فِي قَوْمِهِ فَقَالَ: نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ] .
فَخَرَجْتُ حَتَّى حَبَسْتُهُ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْقَبَائِلُ، فَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا عَبَّاسُ؟ فَأَقُولُ: سُلَيْمٌ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ! فَتَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ، فَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَأَقُولُ: أَسْلَمُ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلأَسْلَمَ! وَتَمُرُّ جُهَيْنَةُ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ! حَتَّى مَرَّ رسول الله ص في الخضراء، كتيبه رسول الله ص مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي الْحَدِيدِ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلا الْحَدَقُ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ فَقُلْتُ:
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا فَقُلْتُ: وَيْحَكَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ! فَقَالَ: نَعَمْ إِذًا، فَقُلْت: الْحَقِ الآنَ بِقَوْمِكَ فَحَذِّرْهُمْ، فَخَرَجَ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ! قَالُوا: فَمَهْ! فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ! وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ! فَقَالَ: وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(3/54)

أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا، أَبَانٌ الْعَطَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ خَالِدِ بْنِ الوليد: هل اغار يوم الفتح؟ ويأمر مَنْ أَغَارَ؟ وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِ خَالِدٍ يوم الفتح انه كان مع النبي ص، فَلَمَّا رَكِبَ النَّبِيُّ بَطْنَ مَرٍّ عَامِدًا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعَثُوا أَبَا سُفْيَانَ وحكيم بن حزام يتلقيان رسول الله ص، وَهُمْ حِينَ بَعَثُوهُمَا لا يَدْرُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُ النبي ص! إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى الطَّائِفِ! وَذَاكَ أَيَّامَ الْفَتْحِ، وَاسْتَتْبَعَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَأَحَبَّا أَنْ يَصْحَبَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُ أَبِي سُفْيَانَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَبُدَيْلٍ، وَقَالُوا لَهُمْ حِينَ بَعَثُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص: لا نُؤْتَيَنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ، فَإِنَّا لا نَدْرِي مَنْ يُرِيدُ مُحَمَّدٌ! إِيَّانَا يُرِيدُ، أَوُ هَوَازِنَ يريد، او ثقيفا! وكان بين النبي ص وَبَيْنَ قُرَيْشٍ صُلْحٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَهْدٌ وَمُدَّةٌ، فَكَانَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ مَعَ قُرَيْشٍ، فَاقْتَتَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَكَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَبَيْنَ قُرَيْشٍ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ: لا أَغْلالَ وَلا أَسْلالَ، فَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ، فَاتَّهَمَتْ بَنُو كَعْبٍ قُرَيْشًا، فمنها غزا رسول الله ص أَهْلَ مَكَّةَ، وَفِي غَزْوَتِهِ تِلْكَ لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَحَكِيمًا وَبُدَيْلا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَلَمْ يَشْعُرُوا ان رسول الله ص نزل مر، حَتَّى طَلَعُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ بِمَرٍّ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ وَبُدَيْلٌ وَحَكِيمٌ بِمَنْزِلِهِ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَبَايَعُوهُ، فَلَمَّا بَايَعُوهُ بَعَثَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى قُرَيْشٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ- وَهِيَ بِأَعْلَى مَكَّةَ- وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمٍ- وَهِيَ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ- فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ.
وَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمٌ مِنْ عِنْدِ النبي ص عَامِدِينَ إِلَى مَكَّةَ، بَعَثَ فِي إِثْرِهِمَا الزُّبَيْرَ وَأَعْطَاهُ رَايَتَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى خَيْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ
(3/55)

وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ بِالْحَجُونِ، وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: لا تَبْرَحْ حَيْثُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَغْرِزَ رَايَتِي حَتَّى آتِيَكَ، وَمِنْ ثَمَّ دَخَلَ رسول الله ص، وَأَمَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- فِيمَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْ قُضَاعَةَ وَبَنِي سُلَيْمٍ وَأُنَاسٍ، إِنَّمَا أَسْلَمُوا قُبَيْلَ ذَلِكَ- أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَبِهَا بَنُو بَكْرٍ قَدِ اسْتَنْفَرَتْهُمْ قُرَيْشٌ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَمَنْ كَانَ مِنَ الأَحَابِيشِ أَمَرَتْهُمْ قُرَيْشٌ أَنْ يَكُونُوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَسْفَلَ مكة.
وحدثت ان النبي ص قَالَ لِخَالِدٍ وَالزُّبَيْرِ حِينَ بَعَثَهُمَا:
لا تُقَاتِلا إِلا مَنْ قَاتَلَكُمَا، فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى بنى بكر وو الاحابيش بِأَسْفَلَ مَكَّةَ، قَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ قِتَالٌ غَيْرَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنْ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ أَحْدَ بَنِي مُحَارِبِ بن فهر وابن الأشعر- رجلا مِنْ بَنِي كَعْبٍ- كَانَا فِي خَيْلِ الزُّبَيْرِ فَسَلَكَا كُدَاءَ، وَلَمْ يَسْلُكَا طَرِيقَ الزُّبَيْرِ الَّذِي سَلَكَ، الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَدِمَا عَلَى كَتِيبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَهْبِطَ كُدَاءَ فَقُتِلا، وَلَمْ يَكُنْ بِأَعْلَى مَكَّةَ مِنْ قِبَلِ الزُّبَيْرِ قِتَالٌ، وَمِنْ ثم قدم النبي ص، وَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ يُبَايِعُونَهُ، فَأَسْلَمَ أَهْلُ مَكَّةَ، واقام النبي ص عِنْدَهُمْ نِصْفَ شَهْرٍ، لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَتْ هَوَازِنُ وَثَقِيفٌ فَنَزَلُوا بِحُنَيْنٍ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن ابى نجيح، ان النبي ص حِينَ فَرَّقَ جَيْشَهُ مِنْ ذِي طُوًى، أَمَرَ الزُّبَيْرَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ كُدًى، وَكَانَ الزُّبَيْرُ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، فَأَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَدَاءَ فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ حِينَ وُجِّهَ دَاخِلا: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَا نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ! فَقَالَ رسول الله ص لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:
أَدْرِكْهُ فَخُذِ الرَّايَةَ، فَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِهَا]
(3/56)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح في حديثه، ان رسول الله ص أَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ مِنَ اللِّيطِ أَسْفَلَ مَكَّةَ، فِي بَعْضِ النَّاسِ، وَكَانَ خَالِدٌ عَلَى الْمَجْنَبَةِ الْيُمْنَى، وَفِيهَا أَسْلَمُ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِالصَّفِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْصِبُ لمكه بين يدي رسول الله ص، ودخل رسول الله ص مِنْ أَذَاخِرَ، حَتَّى نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَضُرِبَتْ هُنَالِكَ قُبَّتُهُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بْنِ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر، ان صفوان بن اميه، وعكرمه ابن أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانُوا قَدْ جَمَعُوا أُنَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَقَدْ كَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ أَخُو بَنِي بَكْرٍ يُعِدُّ سِلاحًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَكَّةَ وَيُصْلِحُ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:
لِمَاذَا تعد ما ارى؟ قال: محمد وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أُرَاهُ يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُوَ أَنْ اخدمك بعضهم، فقال:
ان تقبلوا اليوم فمالى عِلَّهْ ... هَذَا سِلاحٌ كَامِلٌ وَآلَهْ
وَذُو غَرَارِينَ سَرِيعُ السَّلَّهْ.
ثُمَّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةَ، فَلَمَّا لَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا من قتال، فقتل كرز ابن جَابِرِ بْنِ حِسْلِ بْنِ الأَجَبِّ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فهر، وحبيش بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ الأَشْعَرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ اصرم بن ضبيس
(3/57)

ابن حَرَامِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، حَلِيفُ بَنِي مُنْقِذٍ- وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَشَذَّا عَنْهُ، وَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ، فَقُتِلا جَمِيعًا- قُتِلَ خُنَيْسٌ قَبْلَ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَعَلَهُ كُرْزٌ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهْرِ ... نَقِيَّةُ الْوَجْهِ نَقِيَّةُ الصَّدْرِ
لأَضْرِبَنَّ الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخْرِ.
وَكَانَ خُنَيْسٌ يُكْنَى بِأَبِي صَخْرٍ، وَأُصِيبَ مِنْ جُهَيْنَةَ سَلَمَةُ بْنُ الْمِيلاءِ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأُصِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أُنَاسٌ قَرِيبٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ ثَلاثَةَ عَشَرَ ثُمَّ انْهَزَمُوا، فَخَرَجَ حِمَاسٌ مُنْهَزِمًا، حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، ثُمَّ قَالَ لامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي، قَالَتْ: فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟ فَقَالَ:
إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ ... إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُؤْتِمَهْ ... وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ
يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ... ضَرْبًا فَلا تَسْمَعُ إِلا غَمْغَمَهْ
لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفُنَا وَهَمْهَمَهْ ... لم تنطقى في اللؤم أَدْنَى كَلِمَهْ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
وَكَانَ رَسُولُ الله ص قَدْ عَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ امرهم ان يدخلوا مكة، الا يَقْتُلُوا أَحَدًا إِلا مَنْ قَاتَلَهُمْ إِلا أَنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمَّاهُمْ، أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وان وجدوا تحت استار الكعبه منهم عبد الله بن سعد
(3/58)

ابن أَبِي سَرْحِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ ابن لؤي- وانما امر رسول الله ص بِقَتْلِهِ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَارْتَدَّ مُشْرِكًا، فَفَرَّ إِلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فغيبه حتى اتى به رسول الله ص بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ أَهْلُ مَكَّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رسول الله، فذكر ان رسول الله ص صَمَتَ طَوِيلا، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ بِهِ عُثْمَانُ، [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَهَلا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ لا يَقْتُلُ بِالإِشَارَةِ]- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بن غالب- وانما امر بقتله لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ص مُصَّدِّقًا، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ يَخْدِمُهُ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلا، وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا، وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، وَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَتْ لَهْ قَيْنَتَانِ: فَرْتَنَى وَأُخْرَى مَعَهَا، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ص، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا مَعَهُ- وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ- وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ لِقَتْلِهِ الأَنْصَارِيَّ الَّذِي كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ خَطَأً، وَرُجُوعِهِ إِلَى قُرَيْشٍ مُرْتَدًّا- وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَارَةُ مَوْلاةٌ كَانَتْ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ فَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَهَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هشام، فاستامنت له رسول الله فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَتَتْ بِهِ رسول الله ص، فَكَانَ عِكْرِمَةُ يُحَدِّثُ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- أَنَّ الَّذِي رَدَّهُ إِلَى الإِسْلامِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الْيَمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَرَدْتُ رُكُوبَ الْبَحْرِ لأَلْحَقَ بِالْحَبَشَةِ، فَلَمَّا أَتَيْتُ السَّفِينَةَ لأَرْكَبَهَا قَالَ صَاحِبُهَا: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَرْكَبْ سَفِينَتِي حَتَّى تُوَحِّدَ اللَّهَ، وَتَخْلَعَ مَا دُونَهُ مِنَ الأَنْدَادِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَنْ نَهْلِكَ فِيهَا، فَقُلْتُ: وَمَا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ
(3/59)

حَتَّى يُوَحِّدَ اللَّهَ وَيَخْلَعَ مَا دُونَهُ! قَالَ: نَعَمْ، لا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ إِلا أَخْلَصَ.
قَالَ: فَقُلْتُ: فَفِيمَ أُفَارِقُ مُحَمَّدًا! فَهَذَا الَّذِي جَاءَنَا به، فو الله إِنَّ إِلَهَنَا فِي الْبَحْرِ لإِلَهُنَا فِي الْبَرِّ، فَعَرَفْتُ الإِسْلامَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَدَخَلَ فِي قَلْبِي واما عبد الله ابن خَطَلٍ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ، اشْتَرَكَا فِي دَمِهِ، وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَتْ أُخْتُ مِقْيَسٍ:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخَزَى نُمَيْلَةُ رَهْطَهُ ... وَفَجَّعَ أَضْيَافَ الشِّتَاءِ بِمِقْيَسِ
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَ مِقْيَسٍ ... إِذَا النُّفَسَاءُ أَصْبَحَتْ لَمْ تُخَرَّسِ!
وَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا، وَهَرَبَتِ الأُخْرَى حَتَّى استؤمن لها رسول الله ص بَعْدُ، فَأَمَّنَهَا وَأَمَّا سَارَةُ، فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا فَأَمَّنَهَا، ثُمَّ بَقِيَتْ حَتَّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ فَرَسًا لَهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالأَبْطَحِ، فَقَتَلَهَا وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقال الواقدى: امر رسول الله ص بِقَتْلِ سِتَّةِ نَفَرٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَذَكَرَ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ سَمَّاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَمِنَ النِّسَاءِ هند بنت عتبة ابن رَبِيعَةَ، فَأَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ، وَسَارَةَ مَوْلاةَ عَمْرِو بْنِ هاشم بن عبد المطلب ابن عَبْدِ مَنَافٍ، قُتِلَتْ يَوْمَئِذٍ، وَقَرِيبَةَ، قُتِلَتْ يَوْمَئِذٍ، وَفَرْتَنَى عَاشَتْ إِلَى خِلافَةِ عُثْمَانَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى ابن الْوَجِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ السَّدُوسِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَامَ قَائِمًا حِينَ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ،
(3/60)

صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَلا كُلُّ مَأْثَرَةٍ، أَوْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ يُدَّعَى، فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ.
أَلا وَقَتِيلُ الْخَطَأ مِثْلُ العمد، السوط والعصا، فيهما الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا.
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمَهَا بِالآبَاءِ النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تراب ثم تلا رسول الله ص:
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» الآيَةَ.
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَيَا أَهْلَ مَكَّةَ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا:
خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ ثُمَّ قَالَ: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
فاعتقهم رسول الله ص، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَمْكَنَهُ مِنْ رِقَابِهِمْ عَنْوَةً، وَكَانُوا لَهُ فَيْئًا، فَبِذَلِكَ يُسَمَّى أَهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقَاءَ ثُمَّ اجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ الله ص عَلَى الإِسْلامِ، فَجَلَسَ لَهُمْ- فِيمَا بَلَغَنِي- عَلَى الصَّفَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ أَسْفَلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ فَبَايَعَ رسول الله ص عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ- فِيمَا اسْتَطَاعُوا- وَكَذَلِكَ كَانَتْ بَيْعَتُهُ لِمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ص مِنَ النَّاسِ عَلَى الإِسْلامِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ص مِنْ بَيْعَةِ الرِّجَالِ بَايَعَ النِّسَاءَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، مُتَنَقِّبَةً مُتَنَكِّرَةً لِحَدَثِهَا وَمَا كَانَ مِنْ صَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ يَأْخُذَهَا رَسُولُ الله ص
(3/61)

بِحَدَثِهَا ذَلِكَ، فَلَمَّا دَنَوْنَ مِنْهُ لِيُبَايِعْنَهُ [قَالَ، رسول الله ص- فِيمَا بَلَغَنِي-: تُبَايِعْنَنِي عَلَى أَلا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا! فَقَالَتْ هِنْدٌ:
وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا أَمْرًا مَا تَأْخُذُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَسَنُؤْتِيكَهُ قَالَ: وَلا تَسْرِقْنَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَةَ وَالْهَنَةَ وَمَا ادرى اكان ذلك حلالي أَمْ لا! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ- وَكَانَ شَاهِدًا لِمَا تَقُولُ: أَمَّا مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى فَأَنْتِ مِنْهُ فِي حِلٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص:
وَإِنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ! فَقَالَتْ: أَنَا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ! قَالَ: وَلا تَزْنِينَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ! قَالَ: وَلا تَقْتُلْنَ أَوْلادَكُنَّ، قَالَتْ: قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا، وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ! فَضَحِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهَا حَتَّى اسْتَغْرَبَ.
قَالَ: وَلا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ، قَالَتْ:
وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ، وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ قَالَ: وَلا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ، قَالَتْ: مَا جَلَسْنَا هَذَا الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِعُمَرَ: بَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ، فَبَايَعَهُنَّ عمر،] وكان رسول الله ص لا يُصَافِحُ النِّسَاءَ، وَلا يَمَسُّ امْرَأَةً وَلا تَمَسُّهُ إِلا امْرَأَةٌ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ، أَوْ ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ ابن صَالِحٍ، أن بيعة النساء قد كانت على نحوين- فيما أخبره بعض أهل العلم- كان يوضع بين يدي رسول الله ص إناء فيه ماء، فإذا أخذ عليهن وأعطينه غمس يده فِي الإناء، ثُمَّ أخرجها فغمس النساء أيديهن فيه ثُمَّ كان بعد ذَلِكَ يأخذ عليهن، فإذا أعطينه ما شرط عليهن، قَالَ: اذهبن فقد بايعتكن، لا يزيد على ذَلِكَ
. قَالَ الواقدي:

فيها قتل خراش بْن أمية الكعبي جنيدب بْن الأدلع
(3/62)

الهذلي- وقال ابن إسحاق: ابن الأثوع الهذلي- وإنما قتله بذحل، كان فِي الجاهلية، فَقَالَ [النبي ص: إن خراشا قتال، إن خراشا قتال! يعيبه بذلك، فامر النبي ص خزاعة أن يدوه] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَلا أَعْلَمُهُ إِلا وَقَدْ حَدَّثَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ- قَالَ: خَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يُرِيدُ جُدَّةَ، لِيَرْكَبَ مِنْهَا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَأَمِّنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ! قَالَ: هُوَ آمِنٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي شَيْئًا يَعْرِفُ بِهِ أَمَانَكَ، فَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكَّةَ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ حَتَّى أَدْرَكَهُ بِجُدَّةَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ الْبَحْرَ، فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! أُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تُهْلِكَهَا! فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهِ، قَالَ:
وَيْلَكَ! اغْرُبْ عَنِّي فَلا تُكَلِّمْنِي! قَالَ: أَيْ صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَبَرُّ النَّاسِ، وَأَحْلَمُ النَّاسِ، وَخَيْرُ النَّاسِ، ابْنُ عَمَّتِكَ، عِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ، وَمُلْكُهُ مُلْكُكَ! قَالَ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي، قَالَ: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْرَمُ، فَرَجَعَ بِهِ مَعَهُ، حَتَّى قَدِمَ به على رسول الله ص فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنَّ هَذَا زَعَمَ أَنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَنِي، قَالَ: صَدَقَ، قَالَ: فَاجْعَلْنِي فِي أَمْرِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ، قَالَ: أَنْتَ فِيهِ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَفَاخِتَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ- وَكَانَتْ فَاخِتَةُ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأُمُّ حَكِيمٍ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ- أَسْلَمَتَا، فَأَمَّا أُمُّ حَكِيمٍ فَاسْتَأْمَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، فَآمَنَهُ، فَلَحِقَتْ بِهِ بِالْيَمَنِ، فَجَاءَتْ بِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ وَصَفْوَانُ، اقرهما رسول الله ص عِنْدَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الأَوَّلِ
(3/63)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، لَمَّا دخل رسول الله ص مَكَّةَ هَرَبَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ إِلَى نَجْرَانَ حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: رَمَى حَسَّانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتٍ وَاحِدٍ، مَا زَادَهُ عَلَيْهِ:
لا تَعْدَمَنْ رَجُلا أَحَلَّكَ بُغْضَهُ ... نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزِّبَعْرَى، رجع الى رسول الله ص، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ:
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ
إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سِنَنِ الرِّيحِ ... وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ لِرَبِّي ... ثُمَّ نَفْسِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ
إِنَّنِي عَنْكَ زَاجِرٌ ثَمَّ حَيٌّ ... مِنْ لُؤَيٍّ فَكُلُّهُمْ مَغْرُورُ
وَأَمَّا هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، فَأَقَامَ بِهَا كَافِرًا، وَقَدْ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ إِسْلامُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَتْ تَحْتَهُ، وَاسْمُهَا هِنْدٌ:
أَشَاقَتْكَ هِنْدٌ أَمْ نَآكَ سُؤَالُهَا ... كَذَاكَ النَّوَى أَسْبَابُهَا وَانْفِتَالُهَا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشره آلاف، من بنى غفار أربعمائة، ومن اسلم أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بني سليم
(3/64)

سبعمائة، ومن جهينة الف وأربعمائة رجل، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من بني تميم وقيس وأسد
. قَالَ الواقدي:

فِي هذه السنة تزوج رَسُول اللَّهِ ص مليكة بنت داود الليثية،
فجاء إليها بعض ازواج النبي ص، فقالت لها: ألا تستحيين حين تزوجين رجلا قتل أباك! فاستعاذت منه، وكانت جميلة، وكانت حدثة، ففارقها رَسُول اللَّهِ، وكان قتل أباها يوم فتح مكة
. قَالَ:

وفيها هدم خالد بْن الوليد العزى ببطن نخلة،
لخمس ليال بقين من رمضان، وهو صنم لبني شيبان، بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بْن عبد العزى، يقولون: هذا صنمنا، فخرج إليه خالد، فَقَالَ: قد هدمته، قَالَ: أرأيت شيئا؟ قَالَ: لا، قَالَ: فارجع فاهدمه، فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته، وكسر الصنم، فجعل السادن يقول: أعزى اغضبي بعض غضباتك! فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثُمَّ اتى رسول الله ص، فأخبره بذلك، فَقَالَ:
تلك العزى، ولا تعبد العزى أبدا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ الله ص خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى- وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ بَيْتًا يُعَظِّمُهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَمُضَرَ كُلِّهَا، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ- فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا بِمَسِيرِ خَالِدٍ إِلَيْهَا، عَلَّقَ عَلَيْهَا سَيْفَهُ، وَأَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ الَّذِي هِيَ إِلَيْهِ فَأُصْعِدَ فِيهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَيَا عُزُّ شُدِّي شَدَّةً لا شَوًى لَهَا ... عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمِّرِي
وَيَا عُزُّ إِنْ لَمْ تَقْتُلِي الْيَوْمَ خَالِدًا ... فَبُوئِي بِإِثْمٍ عَاجِلٍ أَوْ تنصرى
(3/65)

فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا خَالِدٌ هَدَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ الى رسول الله ص
قَالَ الواقدي:

وَفِيهَا هُدِمَ سُوَاعٌ،
وَكَانَ بِرُهَاطٍ لِهُذَيْلٍ، وَكَانَ حَجَرًا، وَكَانَ الَّذِي هَدَمَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الصَّنَمِ، قَالَ لَهُ السَّادِنُ:
مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: هَدْمَ سُوَاعٍ، قَالَ: لا تَطِيقُ تَهْدِمُهُ، قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ:
أَنْتَ فِي الْبَاطِلِ بَعْدُ! فَهَدَمَهُ عمرو، ولم يَجِدْ فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو لِلسَّادِنِ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَاللَّهِ
. وَفِيهَا هُدِمَ مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ،
هَدَمَهُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الأشهلي، وكان للأوس والخزرج
. مسير خالد بن الوليد الى بنى جذيمة بن مالك
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَنِي جُذَيْمَةَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَدْ كَانَ رَسُولُ الله ص بَعَثَ فِيمَا حَوْلَ مَكَّةَ السَّرَايَا تَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالِ، وَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَسْفَلَ تِهَامَةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلا، فَوَطِئَ بَنِي جُذَيْمَةَ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن محمد بن إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلا، وَمَعَهُ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ: سُلَيْمٌ وَمِدْلَجٌ، وَقَبَائِلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى الْغُمَيْصَاءِ- وَهِيَ مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي جذيمة بن عامر بن عبد مناه ابن كِنَانَةَ- عَلَى جَمَاعَتِهِمْ، وَكَانَتْ بَنُو جُذَيْمَةَ قَدْ أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عَوْفٍ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالْفَاكِهَ بْنَ الْمُغِيرَةِ- وَكَانَا أَقْبَلا تَاجِرَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ- حَتَّى إِذَا نَزَلا بِهِمْ قَتَلُوهُمَا، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمَا، فلما كان الاسلام، وبعث
(3/66)

رسول الله ص خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، سَارَ حَتَّى نَزَلَ ذَلِكَ الْمَاءَ، فَلَمَّا رَآهُ الْقَوْمُ أَخَذُوا السِّلاحَ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: ضَعُوا السِّلاحَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جُذَيْمَةَ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَنَا خَالِدٌ بِوَضْعِ السِّلاحِ، قَالَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ جَحْدَمٌ: وَيْلَكُمْ يَا بَنِي جُذَيْمَةَ! إِنَّهُ خَالِدٌ! وَاللَّهِ مَا بَعْدَ وَضْعِ السِّلاحِ إِلا الإِسَارُ، ثُمَّ مَا بَعْدَ الإِسَارِ إِلا ضَرْبُ الأَعْنَاقِ، وَاللَّهِ لا أَضَعُ سِلاحِي أَبَدًا قَالَ: فَأَخَذَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالُوا: يَا جَحْدَمُ، أَتُرِيدُ أَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَنَا! إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا، وَوُضِعَتِ الْحَرْبُ، وَأَمِنَ النَّاسُ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى نَزَعُوا سِلاحَهُ، وَوَضَعَ الْقَوْمُ السِّلاحَ لِقَوْلِ خَالِدٍ، فَلَمَّا وَضَعُوهُ أَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَكُتِّفُوا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ فلما انتهى الخبر الى رسول الله ص رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ! ثُمَّ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع، [فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اخْرُجْ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ، وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَالٌ قَدْ بعثه رسول الله ص بِهِ، فَوَدِيَ لَهُمْ الدِّمَاءَ وَمَا أُصِيبَ مِنَ الأَمْوَالِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَدِي مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَلا مَالٍ إِلا وَدَاهُ، بَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنَ المال.
فقال لهم على ع حِينَ فَرَغَ مِنْهُمْ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ دَمٌ أَوْ مَالٌ لَمْ يُودَ إِلَيْكُمْ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنِّي أُعْطِيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ مِنْ هَذَا المال احتياطا لرسول الله ص مِمَّا لا يَعْلَمُ وَلا تَعْلَمُونَ فَفَعَلَ، ثُمَّ رجع الى رسول الله ص فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ] ثُمَّ قَامَ رسول الله ص، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا شَاهِرًا يَدَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُ ليرى بياض
(3/67)

مَا تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ! قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ يَعْذُرُ خَالِدًا: إِنَّهُ قَالَ: مَا قَاتَلْتُ حَتَّى أَمَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَمَرَكَ بِقَتْلِهِمْ لامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الإِسْلامِ، وَقَدْ كَانَ جَحْدَمٌ قَالَ لَهُمْ حِينَ وَضَعُوا سِلاحَهُمْ، وَرَأَى مَا يَصْنَعُ خَالِدٌ بِبَنِي جُذَيْمَةَ: يَا بَنِي جُذَيْمَةَ، ضَاعَ الضَّرْبُ، قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكُمْ مَا وَقَعْتُمْ فِيهِ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن ابن عَوْفٍ- فِيمَا بَلَغَنِي- كَلامٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الإِسْلامِ! فَقَالَ: إِنَّمَا ثَأَرْتَ بِأَبِيكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ عَوْفٍ: كَذَبْتَ! قَدْ قَتَلْتَ قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ص، [فَقَالَ: مَهْلا يَا خَالِدُ! دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فو الله لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلا رَوْحَتَهُ] .
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِي خَيْلِ خَالِدٍ، فَقَالَ لِي فَتًى مِنْهُمْ- وَهُوَ فِي السَّبْيِ، وَقَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِرُمَّةٍ وَنِسْوَةٌ مُجْتَمِعَاتٌ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُ: يَا فَتَى! قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرُّمَّةِ فَقَائِدِي بِهَا إِلَى هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ، حَتَّى اقضى
(3/68)

إِلَيْهِنَّ حَاجَةً، ثُمَّ تَرُدَّنِي بَعْدُ، فَتَصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَيَسِيرٌ مَا سَأَلْتَ، فَأَخَذْتُ بِرُمَّتِهِ فَقُدْتُهُ بِهَا حَتَّى أَوْقَفْتُهُ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ:
اسْلَمِي حُبَيْشُ، عَلَى نَفَدِ الْعَيْشِ:
أَرَيْتُكَ إِذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِحُلِيَّةٍ أَوْ الفيتكم بالخوانق!
الم يك حقا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ!
فَلا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إِذْ أَهْلُنَا مَعًا ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ!
أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى ... وَيَنْأَى الأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ
فَإِنِّيَ لا سِرًّا لَدَيَّ أَضَعْتُهُ ... وَلا رَاقَ عَيْنِي بَعْدَ وَجْهِكِ رَائِقِ
عَلَى أَنَّ مَا نَابَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... وَلا ذُكِرَ إِلا أَنْ يَكُونَ لِوَامِقِ
قَالَتْ: وَأَنْتَ فَحُيِّيتَ عَشْرًا، وَسَبْعًا وِتْرًا، وَثَمَانِيًا تَتْرَى! ثُمَّ انْصَرَفْتُ بِهِ، فَقَدِمَ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي فراس بْن أبي سنبلة الأسلمي، عن أشياخ منهم، عمن كان حضرها، قالوا:
قامت إليه حين ضربت عنقه، فأكبت عليه، فما زالت تقبله حَتَّى ماتت عِنْدَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقَامَ رسول الله ص بِمَكَّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلاةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثمان.
(3/69)

545241 ذكر الخبر عن غزوه رسول الله ص هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ
وَكَانَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْرِ هَوَازِنَ مَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ- قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَبِي- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ:
اقام النبي ص بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ نِصْفَ شَهْرٍ، لَمْ يَزِدْ على ذلك، حتى جاءت هوازن وثقيف، فنزلوا بِحُنَيْنٍ- وَحُنَيْنٌ وَادٍ إِلَى جَنْبِ ذِي الْمَجَازِ- وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبي ص، وَكَانُوا قَدْ جَمَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ سَمِعُوا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُهُمْ حَيْثُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ مَكَّةَ، أَقْبَلَتْ هوازن عامدين الى النبي ص، وَأَقْبَلُوا مَعَهُمْ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالأَمْوَالِ- وَرَئِيسُ هَوَازِنَ يَوْمَئِذٍ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ أَحَدُ بَنِي نَصْرٍ- واقبلت معهم ثقيف، حتى نزلوا حنينا يريدون النبي ص، فَلَمَّا حُدِّثَ النَّبِيُّ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنْ قَدْ نَزَلَتْ هَوَازِنُ وَثَقِيفٌ بِحُنَيْنٍ، يَسُوقُهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ أَحَدُ بَنِي نَصْرٍ- وَهُوَ رَئِيسُهُمْ يَوْمَئِذٍ- عمد النبي ص حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَوَافَاهُمْ بِحُنَيْنٍ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ فِيهَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكِتَابِ، وَكَانَ الَّذِي سَاقُوا مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَاشِيَةِ غَنِيمَةً غَنَمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ، فَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ فِيمَنْ كَانَ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
لما سمعت هوازن برسول الله ص وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بْن عوف النصري، واجتمعت إليه مَعَ هوازن ثقيف كلها، فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بْن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي جشم دريد بْن
(3/70)

الصمة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا كبيرا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم فِي الأحلاف: قارب بن الأسود ابن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بْن الحارث وأخوه الأحمر بْن الحارث فِي بني هلال، وجماع أمر الناس إلى مالك بْن عوف النصري.
فلما أجمع مالك المسير الى رسول الله ص حط مَعَ الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس، اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بْن الصمة فِي شجار له يقاد به، فلما نزل قَالَ: بأي واد أنتم؟ قالوا:
بأوطاس، قَالَ: نعم مجال الخيل! لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قالوا: ساق مالك بْن عوف مَعَ الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فَقَالَ:
أين مالك؟ فقيل: هذا مالك، فدعي له، فَقَالَ: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قَالَ:
سقت مَعَ الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قَالَ: ولم؟ قَالَ: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قَالَ: فانقض به ثُمَّ قَالَ: راعي ضأن والله! هل يرد المنهزم شيء! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فِي أهلك ومالك.
ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهد منهم أحد، قَالَ: غاب الجد والحد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بْن عامر وعوف بْن عامر، قَالَ: ذانك الجذعان من بني عامر! لا ينفعان ولا
(3/71)

يضران، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن، إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثُمَّ الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذَلِكَ وقد أحرزت أهلك ومالك قَالَ: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حَتَّى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأي قَالَ دريد بْن الصمة: هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع
وكان دريد رئيس بني جشم وسيدهم وأوسطهم، ولكن السن أدركته حَتَّى فني- وهو دريد بْن الصمة بْن بكر بْن علقمة بْن جداعة بْن غزية ابن جشم بْن معاوية بْن بكر بْن هوازن- ثُمَّ قَالَ مالك للناس: إذا أنتم رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم، وشدوا شدة رجل واحد عَلَيْهِمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن اميه ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا مِنْ رِجَالِهِ لِيَنْظُرُوا لَهُ، وَيَأْتُوهُ بِخَبَرِ النَّاسِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُمْ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَا رِجَالا بيضا على خيل بلق، فو الله مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ أَصَابَنَا مَا تَرَى! فَلَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ، إِنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا سَمِعَ بهم رسول الله ص بعث
(3/72)

إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّاسِ فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِخَبَرٍ مِنْهُمْ، وَيَعْلَمَ مِنْ عِلْمِهِمْ فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، فَدَخَلَ فِيهِمْ، فَأَقَامَ مَعَهُمْ حَتَّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا له من حرب رسول الله ص، وَعَلِمَ أَمْرَ مَالِكٍ وَأَمْرَ هَوَازِنَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبْرَ، فدعا رسول الله ص عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبَ! فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ:
إِنْ تُكَذِّبْنِي فَطَالَمَا كَذَّبْتَ بِالْحَقِّ يَا عُمَرُ! فَقَالَ عُمَرُ: أَلا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ! [فقال رسول الله ص: قَدْ كُنْتَ ضَالا فَهَدَاكَ اللَّهُ يَا عُمَرُ] .
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: [حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: لَمَّا اجمع رسول الله ص السَّيْرَ إِلَى هَوَازِنَ لِيَلْقَاهُمْ، ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَدْرَاعًا وَسِلاحًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ:
أَعِرْنَا سِلاحَكَ هَذَا نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنَا غَدًا فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: بَلْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ، قَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنَ السِّلاحِ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ الله ص سَأَلَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ حَمْلَهَا فَفَعَلَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَمَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، مَعَ عَشَرَةِ آلافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ بِهِمْ مَكَّةَ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ الله ص عتاب بن اسيد ابن أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى مَكَّةَ أَمِيرًا عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ يُرِيدُ لقاء هوازن
(3/73)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِيَ حُنَيْنٍ، انْحَدَرْنَا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَجْوَفَ حَطُوطٍ، إِنَّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا- قَالَ: وَفِي عِمَايَةِ الصُّبْحِ، وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ سَبَقُوا إِلَى الْوَادِي، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَأَحْنَائِهِ وَمَضَايِقِهِ، قَدْ اجمعوا وتهيئوا وأعدوا- فو الله مَا رَاعِنَا وَنَحْنُ مُنْحَطُّونَ إِلا الْكَتَائِبَ قَدْ شَدَّتْ عَلَيْنَا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ، فَانْشَمَرُوا لا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وانحاز رسول الله ص ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ! هلم الى! انا رسول الله، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ! قَالَ: فَلا شَيْءَ، احْتَمَلَتِ الإِبِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَانْطَلَقَ النَّاسُ، إِلا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَمِمَّنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَيْمَنُ بن عبيد- وهو ايمن بن أُمِّ أَيْمَنَ- وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ، بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمْحٍ طَوِيلٍ، أَمَامَ النَّاسِ وَهَوَازِنُ خَلْفَهُ، إِذَا أُدْرِكَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ، وَإِذَا فَاتَهُ النَّاسُ رَفَعَ رُمْحَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ، فَاتَّبَعُوهُ وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ، وَرَأَى من كان مع رسول الله ص مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكَّةَ الْهَزِيمَةَ، تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَالأَزْلامُ مَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَصَرَخَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ- وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ أَخَاهُ لأُمِّهِ، وَصَفْوَانُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي جَعَلَ له رسول الله ص- فَقَالَ: أَلا بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ! فَقَالَ لَهُ صفوان: اسكت فض الله فاك! فو الله لأَنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبِّنِي
(3/74)

رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ! وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ:
قُلْتُ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي- وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ- الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمَّدًا.
قَالَ: فَأَرَدْتُ رسول الله لأَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتَّى تَغَشَّى فُؤَادِي فَلَمْ أُطِقْ ذَلِكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطلب، قال:
انى لمع رسول الله ص آخِذٌ بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، قَدْ شَجَرْتُهَا بِهَا، قَالَ: وَكُنْتُ امْرَأً جَسِيمًا شَدِيدَ الصَّوْتِ، قَالَ: ورسول الله ص يَقُولُ حِينَ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَا رَأَى: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ! فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ لا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ قَالَ: يَا عَبَّاسُ، اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ! فَنَادَيْتُ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السَّمُرَةِ! قَالَ: فَأَجَابُوا: أَنْ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! قَالَ: فَيَذْهَبُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُرِيدُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ دِرْعَهُ فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ، وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَتِرْسَهُ، ثُمَّ يَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ فَيُخَلِّي سَبِيلَهُ فِي النَّاسِ، ثُمَّ يَؤُمُّ الصَّوْتَ، حتى ينتهى الى رسول الله ص، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ استقبلوا الناس، فاقتتلوا، فكانت الدعوى أول مَا كَانَتْ: يَا للأَنْصَارِ! ثُمَّ جُعِلَتْ أَخِيرًا: يَا لِلْخَزْرَجِ! وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، فَأَشْرَفَ رسول الله ص فِي رِكَابِهِ، فَنَظَرَ مُجْتَلَدَ الْقَوْمِ وَهُمْ يَجْتَلِدُونَ، فَقَالَ: الآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ! حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يقود بالنبي ص بغلته يوم حنين، فلما
(3/75)

غشى النبي ص الْمُشْرِكُونَ، نَزَلَ فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
[أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
] فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ أَشَدُّ مِنْهُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرَّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ، إِذْ هَوَى لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُرِيدَانِهِ، فَيَأْتِيهِ عَلِيٌّ مِنْ خَلْفِهِ، فَيَضْرِبُ عُرْقُوبَيِ الْجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ، وَوَثَبَ الأَنْصَارِيُّ عَلَى الرَّجُلِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنَّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَانْجَعَفَ عَنْ رَحْلِهِ.
قَالَ: وَاجْتَلَدَ الناس، فو الله مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الأُسَارَى مُكَتَّفِينَ، وَقَدِ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ص الى ابى سفيان ابن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- وَكَانَ مِمَّنْ صَبَرَ يومئذ مع رسول الله ص، وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلامِ حِينَ أَسْلَمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ- فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: ابْنُ أُمِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهَ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله ص الْتَفَتَ، فَرَأَى أُمَّ سُلَيْمٍ بِنْتَ مِلْحَانَ- وَكَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي طَلْحَةَ- حَازِمَةً وَسَطَهَا بِبُرْدٍ لَهَا، وَإِنَّهَا لَحَامِلٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَعَهَا جَمَلُ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ خَشِيَتْ أَنْ يَعُزَّهَا الْجَمَلُ، فَأَدْنَتْ رَأْسَهُ مِنْهَا، فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي خِزَامَتِهِ مَعَ الْخِطَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص: أُمَّ سُلَيْمٍ! قَالَتْ: نَعَمْ،
(3/76)

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْتُلْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفِرُّونَ عَنْكَ كَمَا تَقْتُلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكَ، فَإِنَّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص:
او يكفى اللَّهُ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! وَمَعَهَا خِنْجَرٌ فِي يَدِهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَةَ: مَا هَذَا مَعَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: خِنْجَرٌ أَخَذْتُهُ مَعِي، إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بعجته به قال: يقول أَبُو طَلْحَةَ: أَلا تَسْمَعُ مَا تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهَ!.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، قال:
حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ ابن مَالِكٍ، قَالَ: لَقَدِ اسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلا وَحْدَهُ هُوَ قَتَلَهُمْ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبِجَادِ الأَسْوَدِ، أَقْبَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ، فَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا الْمَلائِكَةُ، وَلَمْ يَكُنْ إِلا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إِسْحَاقَ، قَالَ:
فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف ببني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بْن عبد الله بْن ربيعة بْن الحارث بْن حبيب، جد ابن أم حكم بنت أبي سفيان، وكانت رايتهم مَعَ ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بْن عبد الله فقاتل بها حَتَّى قُتِلَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عَامِرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قال: لما بلغ رسول الله ص قَتْلُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ! فَإِنَّهُ كَانَ يبغض قريشا
(3/77)

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ انس، قال: كان النبي ص يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، يُقَالُ لَهَا دلدل، فلما انهزم المسلمون، [قال النبي ص لِبَغْلَتِهِ: الْبَدِي دُلْدُلُ! فَوَضَعَتْ بَطْنَهَا عَلَى الأَرْضِ فاخذ النبي ص حِفْنَةً مِنْ تُرَابٍ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ، وَقَالَ: حم لا يُنْصَرُونَ!] .
فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ، مَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ وَلا طَعَنَ بِرُمْحٍ وَلا رَمَى بِسَهْمٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ، عن يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ، قَالَ: قُتِلَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ غُلامٌ لَهُ نَصْرَانِيٌّ أَغْرَلُ قَالَ: فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَسْتَلِبُ قَتْلَى مِنْ ثَقِيفٍ، إِذْ كَشَفَ الْعَبْدَ لِيَسْتَلِبَهُ، فَوَجَدَهُ أَغْرَلَ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ ثَقِيفًا غُرْلٌ مَا تَخْتَتِنُ! قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَذْهَبَ عَنَّا فِي الْعَرَبِ، فَقُلْتُ: لا تَقُلْ ذَلِكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! إِنَّمَا هُوَ غُلامٌ لَنَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ جَعَلْتُ أَكْشِفُ لَهُ قَتْلانَا فَأَقُولُ: أَلا تَرَاهُمْ مُخَتَّنِينَ! قَالَ: وَكَانَتْ رَايَةُ الأَحْلافِ مَعَ قَارِبِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا هُزِمَ النَّاسُ أَسْنَدَ رَايَتَهُ إِلَى شَجَرَةٍ، وَهَرَبَ هُوَ وَبَنُو عَمِّهِ وَقَوْمُهُ مِنَ الأَحْلافِ، فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ إِلا رَجُلانِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِيَرَةَ يُقَالُ لَهُ وَهْبٌ، وَآخَرُ مِنْ بَنِي كُنَّةَ يُقَالُ لَهُ: الْجُلاحُ، فقال رسول الله ص حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ الْجَلاحِ: قُتِلَ الْيَوْمَ سَيِّدُ شَبَابِ ثَقِيفٍ، إِلا مَا كَانَ مِنَ ابْنِ هُنَيْدَةَ- وَابْنُ هُنَيْدَةَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، قَالَ: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بْن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة- ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف- فتبعت خيل رسول الله ص من سلك فِي نخلة
(3/78)

من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بْن رفيع بْن أهبان بْن ثعلبة بْن رَبِيعَةَ بْن يربوع بْن سمال بْن عوف بْن امرئ القيس- وكان يقال له ابن لذعة وهي أمه، فغلبت على نسبه- دريد بْن الصمة، فأخذ بخطام جمله، وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان فِي شجار له، فإذا هو رجل، فأناخ به، وإذا هو بشيخ كبير، وإذا هو دريد بْن الصمة، لا يعرفه الغلام، فَقَالَ له دريد: ماذا تريد بي؟ قَالَ: أقتلك، قَالَ: ومن أنت؟ قَالَ: أنا ربيعة بْن رفيع السلمى، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، فَقَالَ: بئسما سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل فِي الشجار، ثُمَّ اضرب به وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال ثُمَّ إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بْن الصمة، فرب يوم والله قد منعت نساءك! فزعمت بنو سليم أن ربيعة قَالَ: لما ضربته فوقع تكشف الثوب عنه، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.
قَالَ أبو جعفر: وبعث رسول الله ص فِي آثار من توجه قبل أوطاس، فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
لَمَّا قدم النبي ص مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصُّمَّةِ، فَقَتَلَ دُرَيْدًا، وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ.
قَالَ أَبُو مُوسَى: فَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ:
يَا عَمِّ، مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ لأَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي، تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي!
(3/79)

قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ، فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ اقول له: الا تستحي! أَلَسْتَ عَرَبِيًّا! أَلا تَثْبَتُ! فَكَرَّ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ، فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: قَدْ قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزَعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا منه الماء، فقال: يا بن أَخِي، انْطَلِقْ إِلَى رَسُول اللَّهِ، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وَقُلْ لَهُ إِنَّهُ يَقُولُ لَكَ: اسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قَالَ:
يزعمون أن سلمة بْن دريد، هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته، فقتله، فَقَالَ سلمة بْن دريد فِي قتله أبا عامر:
إن تسألوا عني فإني سلمه ابن سمادير لمن توسمه أضرب بالسيف رءوس المسلمه.
وسمادير أم سلمة، فانتمى إليها.
قَالَ: وخرج مالك بْن عوف عِنْد الهزيمة، فوقف فِي فوارس من قومه على ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حَتَّى تمضي ضعفاؤكم وتلحق أخراكم، فوقف هنالك حَتَّى مضى من كان لحق بهم من منهزمة النَّاسُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سعد بن بكر، ان رسول الله ص قَالَ يَوْمَئِذٍ لِخَيْلِهِ الَّتِي بَعَثَ: إِنْ قَدَرْتُمْ على بجاد- رجل من بنى سعد ابن بَكْرٍ- فَلا يَفْلِتَنَّكُمْ، وَكَانَ بِجَادٌ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَلَمَّا ظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ، وَسَاقُوا أُخْتَهُ الشَّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، أُخْتَ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَعَنَّفُوا عَلَيْهَا فِي السِّيَاقِ مَعَهُمْ،
(3/80)

فَقَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنِّي لأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا رسول الله ص.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدٍ السَّعْدِيِّ، قَالَ: لَمَّا انْتُهِيَ بِالشَّيْمَاءِ الى رسول الله ص قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُخْتُكَ، قَالَ: وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعَلامَةَ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهَا، وَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّبَةً مُكَرَّمَةً، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أُمَتِّعْكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكَ، قَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي، فمتعها رسول الله ص، وَرَدَّهَا إِلَى قَوْمِهَا، فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ أَنَّهُ أَعْطَاهَا غُلامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ، وَجَارِيَةً، فَزَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا الآخَرَ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مِنْ نَسْلِهِمَا بَقِيَّةٌ.
قال ابن إسحاق: استشهد يوم حنين من قريش، ثُمَّ من بني هاشم:
أيمن بْن عبيد- وهو ابن أم ايمن، مولاه رسول الله ص- ومن بني أسد بْن عبد العزى يزيد بْن زمعة بْن الأَسْوَدِ بْن المطلب بْن أسد- جمح به فرس له يقال له الجناح، فقتل- ومن الأنصار سراقة بْن الحارث ابن عدي بْن بلعجلان، ومن الأشعريين أبو عامر الأشعري ثم جمعت الى رسول الله ص سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود بن عمرو القاري، فامر رسول الله ص بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست بها حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق:
لما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بْن مسعود ولا غيلان بْن
(3/81)

سلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدباب والضبور والمجانيق.

غزوه الطائف
فَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عروه، قال: سار رسول الله ص يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ- يَعْنِي مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ- حَتَّى نَزَلَ الطَّائِفَ، فَأَقَامَ نِصْفَ شهر يقاتلهم رسول الله ص وَأَصْحَابُهُ، وَقَاتَلَتْهُمْ ثَقِيفٌ مِنْ وَرَاءِ الْحِصْنِ، لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَأَسْلَمَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَجَاءَتْ رَسُولَ الله ص وفودهم، ثم رجع النبي ص وَلَمْ يُحَاصِرْهُمْ إِلا نِصْفَ شَهْرٍ حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، وَبِهَا السَّبْيُ الَّذِي سَبَى رَسُولُ اللَّهِ مِنْ حُنَيْنٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ- وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ السَّبْيَ الَّذِي أَصَابَ يَوْمَئِذٍ مِنْ هَوَازِنَ كَانَتْ عُدَّتُهُ سِتَّةَ آلافٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ- فلما رجع النبي ص إِلَى الْجِعْرَانَةِ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَأَعْتَقَ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ كُلَّهُمْ، وَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
ثُمَّ إِنَّ رسول الله ص رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمْرَهُ أَنْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الإِسْلامَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَمِّنَ مَنْ حَجَّ مِنَ النَّاسِ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا
(3/82)

قَدِمَهَا قَدِمَ عَلَيْهِ وُفُودُ ثَقِيفٍ، فَقَاضُوهُ عَلَى الْقَضِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَبَايَعُوهُ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي عِنْدَهُمْ كَاتَبُوهُ عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عمرو بن شعيب، ان رسول الله ص سَلَكَ إِلَى الطَّائِفِ مِنْ حُنَيْنٍ عَلَى نَخْلةِ الْيَمَانِيَّةِ، ثُمَّ عَلَى قَرَنٍ، ثُمَّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمَّ عَلَى بَحْرَةَ الرُّغَاءِ مِنْ لِيَّةَ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا، فَصَلَّى فِيهِ، فَأَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبَحْرَةَ الرغاه حِينَ نَزَلَهَا بِدَمٍ- وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الإِسْلامِ- رَجُلا مِنْ بَنِي لَيْثٍ، قَتَلَ رَجُلا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ وَهُوَ بِلِيَّةَ بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ، ثُمَّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضَّيِّقَةُ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ فِيهَا، سَأَلَ عَلَى اسْمِهَا، فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الطَّرِيقِ؟
فَقِيلَ لَهُ: الضَّيْقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى ثم خرج رسول الله ص عَلَى نَخَبٍ، حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصَّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثقيف، فأرسل اليه رسول الله ص: إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ، وَإِمَّا أَنْ نُخَرِّبَ عَلَيْكَ حَائِطَكَ، فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِإِخْرَابِهِ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الطَّائِفِ، فَضَرَبَ عَسْكَرُهُ، فَقُتِلَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنَّبْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَسْكَرَ اقْتَرَبَ مِنْ حَائِطِ الطَّائِفِ فَكَانَتِ النَّبْلُ تَنَالُهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَدْخُلُوا حَائِطَهُمْ، غَلَّقُوهُ دُونَهُمْ، فَلَمَّا أُصِيبَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنَّبْلِ، ارْتَفَعَ، فَوَضَعَ عَسْكَرَهُ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الَّذِي بِالطَّائِفِ الْيَوْمَ، فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ، إِحْدَاهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأُخْرَى مَعَهَا- قَالَ الواقدي:
الأُخْرَى زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ- فَضَرَبَ لَهُمَا قُبَّتَيْنِ، فَصَلَّى بَيْنَ القبتين
(3/83)

فَلَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، بَنَى عَلَى مُصَلَّى رَسُول الله ص ذَلِكَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكٍ مَسْجِدًا، وَكَانَتْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ سَارِيةٌ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- لا تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، إِلا سُمِعَ لها نقيض، فحاصرهم رسول الله ص، وَقَاتَلَهُمْ قِتَالا شَدِيدًا، وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الشَّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطَّائِفِ، دَخَلَ نفر من اصحاب رسول الله ص تَحْتَ دَبَّابَةٍ، ثُمَّ زَحَفُوا بِهَا إِلَى جِدَارِ الطَّائِفِ، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحَمَّاةً بِالنَّارِ، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنَّبْلِ، وَقَتَلُوا رِجَالا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَوَقَعَ فِيهَا النَّاسُ يَقْطَعُونَ.
وَتَقَدَّمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى الطائف فناديا ثَقِيفًا:
أَنْ أَمِّنُونَا حَتَّى نُكَلِّمَكُمْ! فَأَمَّنُوهُمَا، فَدَعَوْا نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ لِيَخْرُجَنَّ إِلَيْهِمَا- وَهُمَا يَخَافَانِ عَلَيْهِنَّ السِّبَاءَ- فَأَبَيْنَ، مِنْهُنَّ آمِنَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، كَانَتْ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لَهُ مِنْهَا دَاوُدُ بْنُ عُرْوَةَ وَغَيْرُهَا.
وَقَالَ الواقدي: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا مَضَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ، اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيَّ، وَقَالَ: يَا نَوْفَلُ، مَا تَرَى فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: قد بلغنى ان رسول الله ص قَالَ لأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا بِالطَّائِفِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَأَيْتُ أَنَّهُ أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ
(3/84)

مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَأَهْرَاقَ مَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَكَ هَذَا مَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ الله فقال رسول الله ص:
وَأَنَا لا أَرَى ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الأَوْقَصِ السُّلَمِيَّةِ- وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الطَّائِفَ حُلِّيَّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ، أَوْ حُلِيَّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ عَقِيلٍ- وَكَانَتَا مِنْ أَحْلَى نِسَاءِ ثَقِيفٍ- قَالَ: فَذُكِرَ لي ان رسول الله ص قَالَ لَهَا: وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يَا خُوَيْلَةُ! فَخَرَجَتْ خُوَيْلَةُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى رسول الله ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَدِيثٌ حَدَّثَتْنِيهِ خُوَيْلَةُ أَنَّكَ قُلْتَهُ! قَالَ: قَدْ قُلْتُهُ، قَالَ: او ما أُذِنَ فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: لا، قَالَ:
أَفَلا أُؤَذِّنُ بِالرَّحِيلِ فِي النَّاسِ! قَالَ: بلى، فاذن عمر بِالرَّحِيلِ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ النَّاسُ نَادَى سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ أُسَيْدِ بْن أَبِي عَمْرِو بْنِ عِلاجٍ الثَّقَفِيَّ:
أَلا إِنَّ الْحَيَّ مُقِيمٌ! قَالَ: يَقُولُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَجَلْ وَاللَّهِ مَجَدَّةً كِرَامًا! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا عُيَيْنَةُ! أَتَمْدَحُ قَوْمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ جِئْتَ تَنْصُرَهُ! قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا جِئْتُ لأُقَاتِلَ مَعَكُمْ ثَقِيفًا، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَفْتَحَ مُحَمَّدٌ الطَّائِفَ فَأُصِيبُ مِنْ ثَقِيفٍ جَارِيَةً أَتَبَطَّنُهَا لَعَلَّهَا أَنْ تَلِدَ لِي رَجُلا، فَإِنَّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مَنَاكِيرُ.
واستشهد بالطائف من اصحاب رسول الله ص اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، سَبْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَجُلٌ من بنى ليث، واربعه من الانصار
(3/85)

امر اموال هوازن وعطايا المؤلفه قلوبهم منها
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ عَلَى دَحْنَا، حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ قَدِمَ سَبْيُ هَوَازِنَ حِينَ سَارَ إِلَى الطَّائِفِ الى الجعرانة، فحبس بها، ثم اتته بالجعرانة، وكان مع رسول الله ص مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَمِنَ الإِبِلِ سِتَّةُ آلافِ بَعِيرٍ، وَمِنَ الشَّاءِ مَا لا يُحْصَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: أَتَى وَفْدُ هَوَازِنَ رَسُولَ الله ص وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ! فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ- أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَ بَنُو سعد هم الذين ارضعوا رسول الله ص- يُقَالُ لَهُ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ، وَكَانَ يُكَنَّى بِأَبِي صُرَدَ- فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ! وَلَوْ أَنَّنَا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ أَوْ لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ نَزَلَ مِنَّا بِمِثْلِ مَا نَزَلْتَ بِهِ، رَجَوْنَا عَطْفَهُ وَعَائِدَتَهُ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ! ثُمَّ قَالَ:
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نرجوه وندخر
(3/86)

امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُمَزَّق شَمْلُهَا، فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
فِي أَبْيَاتٍ قَالَهَا، فقال رسول الله ص: أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وَأَمْوَالِنَا، بَلْ تَرُدُّ عَلَيْنَا نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ، فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا، فَسَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَأَسْأَلُ لَكُمْ، فَلَمَّا صلى رسول الله ص بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، قَامُوا فَتَكَلَّمُوا بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ، فقال رسول الله: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ:
وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ قَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلا، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فلا، وقال عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلا، قَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ: يَقُولُ الْعَبَّاسُ لِبَنِي سليم: وهنتمونى! [فقال رسول الله ص: أَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ بِحَقِّهِ مِنْ هَذَا السَّبْيِ مِنْكُمْ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتُّ فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ نُصِيبُهُ، فَرُدُّوا إِلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السَّعْدِيُّ أَبُو وَجْزَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ص كَانَ أَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ يُقَالُ لَهَا رَيْطَةُ بِنْتُ هِلالِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ هِلالِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ قُصَيَّةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ حَيَّانَ بْنِ
(3/87)

عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ، وَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَارِيَةً، فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ص عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، فَوَهَبَهَا لِي، فَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى أَخْوَالِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا حَتَّى أَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ آتِيهِمْ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصِيبَهَا إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حِينَ فَرَغْتُ، فَإِذَا النَّاسُ يَشْتَدُّونَ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَدَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، قَالَ: قُلْتُ: تِلْكُمْ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحٍ، اذْهَبُوا فَخُذُوهَا، فَذَهَبُوا إِلَيْهَا فَأَخَذُوهَا، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَأَخَذَ عَجُوزًا مِنْ عَجَائِزِ هَوَازِنَ، وَقَالَ حِينَ أَخَذَهَا: أَرَى عَجُوزًا وَأَرَى لَهَا فِي الْحَيِّ نَسَبًا، وَعَسَى أَنْ يَعْظُمَ فداؤها! فلما رد رسول الله ص السَّبَايَا بِسِتِّ فَرَائِضَ أَبَى أَنْ يَرُدَّهَا، فَقَالَ له زهير ابو صرد: خذها عنك، فو الله مَا فُوهَا بِبَارِدٍ، وَلا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، وَلا بطنها بوالد، ولا درها بما كد، وَلا زَوْجُهَا بِوَاجِدٍ فَرَدَّهَا بِسِتِّ فَرَائِضَ حِينَ قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ مَا قَالَ، فَزَعَمُوا أَنَّ عُيَيْنَةَ لَقِيَ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَشَكَا إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا أَخَذْتَهَا بِكْرًا غَرِيرَةً، وَلا نَصَفًا وَثِيرَةً، [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِوَفْدِ هَوَازِنَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ: مَا فَعَلَ؟ فَقَالُوا: هُوَ بِالطَّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنَّهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ،] فَأَتَى مَالِكٌ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ الطَّائِفِ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ خَافَ ثَقِيفًا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ الله ص قَالَ لَهُ مَا قَالَ، فَيَحْبِسُوهُ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَهُيِّئَتْ لَهُ، وَأَمَرَ بِفَرَسٍ لَهُ فَأُتِيَ بِهِ الطَّائِفَ، فَخَرَجَ لَيْلا، فَجَلَسَ عَلَى فَرَسِهِ فَرَكَضَهُ، حَتَّى أَتَى رَاحِلَتَهُ حَيْثُ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُحْبَسَ لَهُ، فَرَكِبَهَا، فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ فَأَدْرَكَهُ بالجعرانة- او
(3/88)

بِمَكَّةَ- فَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ.
وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ الله ص عَلَى قَوْمِهِ وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ حَوْلَ الطَّائِفِ: ثُمَالَةَ وَسَلِمَةَ وَفَهْمَ، فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ ثَقِيفًا، لا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إِلا أَغَارَ عَلَيْهِ، حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ ابو محجن ابن حَبِيبِ بْن عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ:
هَابَتِ الأَعْدَاءُ جَانِبَنَا ... ثُمَّ تَغْزُونَا بَنُو سَلِمَهْ
وَأَتَانَا مَالِكٌ بِهِمْ ... نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْحُرْمَهْ
وَأَتَوْنَا فِي مَنَازِلِنَا ... وَلَقَدْ كُنَّا أُولِي نِقْمَهْ
وَهَذَا آخِرُ حَدِيثِ أَبِي وَجْزَةَ.
ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ رسول الله ص مِنْ رَدِّ سَبَايَا حُنَيْنٍ إِلَى أَهْلِهَا، رَكِبَ وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ [يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْسِمْ علينا فيئنا الإِبِلِ وَالْغَنَمِ، حَتَّى أَلْجَئُوهُ إِلَى شَجَرَةٍ، فَاخْتَطَفَتِ الشَّجَرَةُ عَنْهُ رِدَاءَهُ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي ايها الناس، فو الله لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ شَجَرِ تِهَامَةَ نِعَمًا لَقَسَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ مَا لَقِيتُمُونِي بَخِيلا وَلا جَبَانًا وَلا كَذَّابًا ثُمَّ قَامَ إِلَى جَنْبِ بَعِيرٍ، فَأَخَذَ وَبْرَةً مِنْ سِنَامِهِ فَجَعَلَهَا بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَيْسَ لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلا هَذِهِ الْوَبَرَةُ إِلا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الخياط والمخيط،
(3/89)

فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ عَارًا وَنَارًا وَشَنَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِكُبَّةٍ مِنْ خُيُوطِ شَعَرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتُ هَذِهِ الْكُبَّةَ أَعْمَلُ بِهَا بَرْذَعَةَ بَعِيرٍ لِي دُبِرَ، قَالَ: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ،] فَقَالَ:
إِنَّهُ إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ فَلا حَاجَةَ لِي بِهَا، ثُمَّ طَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ.
إِلَى هَاهُنَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن ابى بكر، قال: اعطى رسول الله ص الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ- وَكَانُوا أَشْرَافًا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ يَتَأَلَّفُهُمْ وَيَتَأَلَّفُ بِهِ قُلُوبَهُمْ- فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ مائه بعير، واعطى حكيم ابن حِزَامٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى النَّضِيرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الْعَلاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الأَقْرَعَ ابن حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عوف النصرى مِائَةَ بَعِيرٍ، فَهَؤُلاءِ أَصْحَابُ الْمِئِينَ، وَأَعْطَى دُونَ المائه رجالا من قريش، منهم مخرمه ابن نَوْفَلِ بْنِ أُهَيْبٍ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ- لا يُحْفَظُ عِدَةُ مَا أَعْطَاهُمْ، وَقَدْ عُرِفَ فِيمَا زُعِمَ أَنَّهَا دُونَ الْمِائَةِ- وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعِ بْنِ عَنْكَثَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ خَمْسِينَ مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى السَّهْمِيَّ خَمْسِينَ مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مرداس السلمى اباعر فنسخطها، وعاتب فيها رسول الله ص، فقال:
(3/90)

كَانَتْ نِهَابًا تَلافَيْتُهَا ... بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الأَجْرَعِ
وَإِيقَاظِيَ الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا ... إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيدِ ... بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
إِلا أَفَائِلَ أُعْطَيْتُهَا ... عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الأَرْبَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لا يُرْفَعِ
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ص: اذْهَبُوا فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ، فَزَادُوهُ حَتَّى رَضِيَ، فَكَانَ ذَلِكَ قَطْعَ لِسَانِهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ [مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحارث، ان قائلا قال لرسول الله ص مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِائَةً، وَتَرَكْتَ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ الضَّمْرِيَّ! فَقَالَ رَسُولُ الله ص: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلاعِ الأَرْضِ، كُلِّهِمْ مِثْلَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَلَكِنِّي تَأَلَّفْتُهُمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى إِسْلامِهِ]
(3/91)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مِقْسَمٍ أَبِي الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَتَلِيدُ بْنُ كِلابٍ اللَّيْثِيُّ حَتَّى أتينا عبد الله ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مُعَلِّقًا نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، فَقُلْنَا لَهُ:
هَلْ حَضَرْتَ رَسُولَ الله ص حِينَ كَلَّمَهُ التَّمِيمِيُّ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟
[قَالَ: نَعَمْ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ ذو الخويصره، فوقف على رسول الله ص وَهُوَ يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ رَأَيْتُ مَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْيَوْمِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَجَلْ، فَكَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: لَمْ ارك عدلت! فغضب رسول الله ص، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَدْلُ عِنْدِي، فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَقْتُلُهُ! فَقَالَ: لا، دَعُوهُ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي النَّصْلِ فَلا يوجد شيء، ثم في القدح فَلا يُوجَدُ شَيْءٌ، ثُمَّ فِي الْفَوْقِ فَلا يُوجَدُ شَيْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ، وَسَمَّاهُ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيَّ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ الَّذِي كَلَّمَ رسول الله ص بهذا الكلام، انما كلمه به في مال كان على ع بَعَثَهُ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعُ، وَزَيْدُ الْخَيْلِ، فَقَالَ حِينَئِذٍ مَا ذُكِرَ عَنْ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ أَنَّهُ قَالَهُ رَجُلٌ حَضَرَهُ
(3/92)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ [أَنَّ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص مِمَّنْ شَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لاسير الى جنب رسول الله ص عَلَى نَاقَةٍ لِي، وَفِي رِجْلَيَّ نَعْلٌ غَلِيظَةٌ، إِذْ زَحَمَتْ نَاقَتِي نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَقَعُ حَرْفُ نَعْلِي عَلَى سَاقِ رَسُولِ اللَّهِ فَأَوْجَعَهُ، قال: فقرع قدمي بالسوط، وقال:
أوجعتني فتأخر عَنِّي، فَانْصَرَفْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ إِذَا رسول الله يَلْتَمِسُنِي، قَالَ: قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ لِمَا كُنْتُ أَصَبْتُ مِنْ رِجْلِ رَسُولِ اللَّهِ بِالأَمْسِ قَالَ:
فَجِئْتُهُ وَأَنَا أَتَوَقَّعُ، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ قَدْ اصبت رجلي بالأمس فاوجعتنى فقرعت قدمك بالسوط، فَدَعَوْتُكَ لأُعَوِّضَكَ مِنْهَا، فَأَعْطَانِي ثَمَانِينَ نَعْجَةً بِالضَّرْبَةِ الَّتِي ضَرَبَنِي] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُمُ الْقَالَةُ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ قَوْمَهُ! فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا مِنْ قَوْمِي! قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَاهُمْ رسول الله ص، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ،
(3/93)

وَمَوْجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالَّا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ! قَالُوا: بَلَى، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ! فَقَالَ: أَلا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ! قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ، وَلَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلا فَآسَيْنَاكَ، وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ! أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا برسول الله الى رحالكم! [فو الذى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ! اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ!] قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ الله ص وتفرقوا
. عمرة رسول الله من الجعرانة
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا، وَأَمَرَ بِبَقَايَا الْفَيْءِ، فَحُبِسَ بِمَجَنَّةَ، وَهِيَ بِنَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ وَانْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، اسْتَخْلَفَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ عَلَى مَكَّةَ، وَخَلَفَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُفَقِّهُ النَّاسَ فِي الدِّينِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ، وَاتُّبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ص ببقايا الفيء وكانت عمره رسول الله في ذي القعده، فقدم رسول الله ص
(3/94)

الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَحَجَّ النَّاسُ تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّ عَلَيْهِ، وَحَجَّ تِلْكَ السَّنَةِ بِالْمُسْلِمِينَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ، وَأَقَامَ أَهْلُ الطَّائِفِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ فِي طَائِفِهِمْ مَا بَيْنَ ذِي الْقَعْدَةِ، إِذِ انْصَرَفَ رسول الله عَنْهُمْ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ.
قال الواقدى: لما قسم رسول الله ص الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْجِعْرَانَةِ، أَصَابَ كُلَّ رَجُلٍ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا أَخَذَ سَهْمَ فَرَسِهِ أَيْضًا وَقَالَ أيضا: قدم رسول الله ص الْمَدِينَةَ لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ مِنْ سَفْرَتِهِ هَذِهِ.
قَالَ: وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعَمْرِو ابْنَيْ الْجلندي مِنَ الأَزْدِ مُصَدِّقًا، فَخَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرَدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ الَّذِينَ بِهَا، وَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْبَلَدِ، وَالْعَرَبُ كَانُوا يَكُونُونَ حولها.
قال: وفيها تزوج رسول الله ص الْكِلابِيَّةَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ، فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا حِينَ خُيِّرَتْ وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَفَارَقَهَا وَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ وُثَيْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السعدي ان النبي ص تَزَوَّجَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
قَالَ: وَفِيهَا وَلَدَتْ مَارِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذِي الْحَجَّةِ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ الله ص إِلَى أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بن لبيد بن خداش بن عامر ابن غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بن أوس بن خالد بن الجعد ابن عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ.
قَالَ: وكانت قابلتها سلمى مولاه رسول الله ص، فَخَرَجَتْ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا وَلَدَتْ غُلامًا، فَبَشَّرَ بِهِ أَبُو رَافِعٍ رَسُولَ اللَّهِ، فَوَهَبَ لَهُ مَمْلُوكًا.
قَالَ: وَغَارَتْ نِسَاءُ رَسُولِ الله ص، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَتْ مِنْهُ الْوَلَدَ
(3/95)

ثُمَّ دخلت

سنة تسع
وفيها قدم وفد بنى اسد على رسول الله ص- فيما ذكر- فقالوا: قدمنا يَا رَسُولَ اللَّهِ قبل أن ترسل إلينا رسولا، فأنزل الله عز وجل فِي ذَلِكَ من قولهم: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ» الآية.
وفيها قدم وفد بلي فِي شهر ربيع الأول، فنزلوا على رويفع بْن ثابت البلوي.
وفيها قدم وفد الداريين من لخم، وهم عشره.

امر ثقيف وإسلامها
وفيها قدم- فِي قول الْوَاقِدِيّ- عروة بْن مسعود الثقفى على رسول الله ص مسلما، وَكَانَ من خبره- ما حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال:
حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق- ان رسول الله ص حِينَ انْصَرَفَ عَنْ أَهْلِ الطَّائِفِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص- كَمَا يَتَحَدَّثُ قَوْمُهُمْ: إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ، وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ فِيهِمْ نَخْوَةً بِالامْتِنَاعِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ- فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ- وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبَّبًا مُطَاعًا-
(3/96)

فَخَرَجَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَرَجَا أَلا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عُلِّيةٍ لَهُ وَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ، رَمَوْهُ بِالنَّبْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَتَزْعُمُ بَنُو مَالِكٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ، وَتَزْعُمُ الأَحْلافُ أَنَّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَتَّابِ بْنِ مَالِكٍ، يُقَالُ لَهُ وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ فَقِيلَ لِعُرْوَةَ:
مَا تَرَى فِي دَمِكَ؟ قَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيَّ، فَلَيْسَ فِيَّ إِلا مَا فِي الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ص قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ، فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ، فَدَفَنُوهُ معهم [فزعموا ان رسول الله ص قَالَ فِيهِ: إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ] .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ اهل الطائف على رسول الله ص، قِيلَ:
إِنَّهُمْ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
فحدثنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
ثُمَّ أقامت ثقيف بعد قتل عُرْوَة أشهرا، ثُمَّ إنهم ائتمروا بينهم ألا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخَا بَنِي عِلاجٍ كَانَ مُهَاجِرًا لعبد ياليل بن عمرو، الذى بينهما سيئ- وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَبِ- فَمَشَى إِلَى عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرٍو حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ دَارَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنَّ عَمْرَو بْنِ أُمَيَّةَ يَقُولُ لَكَ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ لِلرَّسُولِ: وَيْحَكَ! أَعَمْرٌو أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ ذَا وَاقِفٌ فِي دَارِكَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا كُنْتُ أَظُنُّهُ! لِعَمْرٍو كَانَ أَمْنَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا رَآهُ رَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَتْ مَعَهُ هِجْرَةٌ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا قَدْ رَأَيْتَ، وَقَدْ أَسْلَمَتِ
(3/97)

الْعَرَبُ كُلَّهَا، وَلَيْسَتْ لَكُمْ بِحَرْبِهِمْ طَاقَةٌ، فَانْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ ائْتَمَرَتْ ثَقِيفٌ بَيْنَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلا تَرَوْنَ أَنَّهُ لا يَأْمَنُ لَكُمْ سَرَبٌ، وَلا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا اقْتُطِعَ بِهِ! فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَأَجْمَعُوا أَنْ يرسلوا الى رسول الله ص رجلا، كما أرسلوا عروه، فكلموا عبد يا ليل ابن عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ- وَكَانَ فِي سِنِّ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ- وَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، وَخَشِيَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إِذَا رَجَعَ كما يصنع بِعُرْوَةَ، فَقَالَ: لَسْتُ فَاعِلا حَتَّى تَبْعَثُوا مَعِيَ رِجَالا، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنَ الأَحْلافِ وَثَلاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ، فَيَكُونُوا سِتَّةً: عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ دُهْمَانَ أَخُو بَنِي يَسَارٍ، وَأَوْسُ بْنُ عَوْفٍ أَخُو بَنِي سَالِمٍ، وَنُمَيْرُ بْنُ خَرَشَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَخُو بَلْحَارِثِ، وَبَعَثُوا مِنَ الأَحْلافِ مَعَ عَبْدِ يَالِيلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتِّبٍ وَشَرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، فَخَرَجَ بِهِمْ عَبْدُ يَالِيلَ- وَهُوَ نَابُ الْقَوْمِ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ، وَلَمْ يخرج إِلا خَشْيَةً مِنْ مِثْلِ مَا صُنِعَ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، لِيَشْغَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَى الطَّائِفِ رَهْطَهُ- فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَنَزَلُوا قَنَاةً لَقُوا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَرْعَى فِي نَوْبَتِهِ رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَانَتْ رَعْيَتُهَا نَوْبًا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُغِيرَةُ تَرَكَ الرِّكَابَ وَضَبَرَ يَشْتَدُّ لِيُبَشِّرَ رسول الله ص بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَكْبِ ثَقِيفٍ أَنَّهُمْ قَدِمُوا يُرِيدُونَ الْبَيْعَةَ وَالإِسْلامَ، بِأَنْ يَشْرِطَ لَهُمْ شُرُوطًا، وَيَكْتَتِبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كِتَابًا فِي قَوْمِهِمْ وَبِلادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُغِيرَةِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لا تَسْبِقَنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أُحَدِّثُهُ، فَفَعَلَ الْمُغِيرَةُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَكْبِ ثَقِيفٍ بِقُدُومِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَرَوَّحَ الظُّهْرَ مَعَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ كَيْفَ يحيون رسول الله ص، فَلَمْ يَفْعَلُوا إِلا بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ
(3/98)

ولما ان قدموا على رسول الله ص ضُرِبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ- كَمَا يَزْعُمُونَ- وَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص، حَتَّى اكْتَتَبُوا كِتَابَهُمْ، وَكَانَ خَالِدٌ هُوَ الَّذِي كَتَبَ كِتَابَهُمْ بِيَدِهِ، وَكَانُوا لا يَطْعَمُونَ طَعَامًا يَأْتِيَهُمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ خَالِدٌ، حَتَّى أَسْلَمُوا وَبَايَعُوا وَفَرَغُوا مِنْ كِتَابِهِمْ- وَقَدْ كَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ص أَنْ يَدَعَ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ اللاتَ، لا يَهْدِمُهَا ثَلاثَ سِنِينَ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فما برحوا يسالونه سنه سَنَةً، فَأَبَى عَلَيْهِمْ حَتَّى سَأَلُوهُ شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ مَقْدِمِهِمْ، فَأَبَى أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا يُسَمَّى، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا يُظْهِرُونَ أَنْ يَسْلَمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوِّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا حَتَّى يُدْخِلَهُمُ الإِسْلامَ- فَأَبَى رسول الله ص ذَلِكَ إِلا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حرب والمغيره ابن شُعْبَةَ فَيَهْدِمَاهَا، [وَقَدْ كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ تَرْكِ الطَّاغِيَةِ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَأَنْ يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَمَّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنَعْفِيكُمْ مِنْهُ، وَأَمَّا الصَّلاةُ فَلا خَيْرَ فِي دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَمَّا هَذِهِ فَسَنُؤْتِيكَهَا وَإِنْ كَانَتْ دَنَاءَةً] .
فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص كِتَابَهُمْ، أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ- وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا- وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن، فقال ابو بكر لرسول الله ص:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْغُلامَ فِيهِمْ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الإِسْلامِ وَتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ ابن عُتْبَةَ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله ص وَتَوَجَّهُوا إِلَى بِلادِهِمْ رَاجِعِينَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ،
(3/99)

وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي هَدْمِ الطَّاغِيَةِ، فَخَرَجَا مَعَ الْقَوْمِ، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا الطَّائِفَ أَرَادَ الْمُغِيرَةُ أَنْ يُقَدِّمَ أَبَا سُفْيَانَ، فَأَبَى ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: ادْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِكَ، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَرْمِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ، وَقَامَ قَوْمُهُ دُونَهُ- بَنُو مُعَتِّبٍ- خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى أَوْ يُصَابَ كَمَا أُصِيبَ عُرْوَةُ، وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسَّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا، وَيَقُلْنَ:
أَلا ابْكِيَنْ دُفَّاعْ ... أَسْلَمَهَا الرَّضَاعْ
لَمْ يُحْسِنُوا الْمِصَاعْ.
قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ يَضْرِبُهَا بالفاس: واها لك! واها لَكَ! فَلَمَّا هَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ أَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيَّهَا وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَحُلِيُّهَا مَجْمُوعٌ، وَمَالُهَا من الذهب والجزع، وكان رسول الله ص أَمَرَ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ مَالِ اللاتِ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالأَسْوَدَ ابْنَيْ مَسْعُودٍ، فَقَضَى مِنْهُ دَيْنَهُمَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا رَسُولُ الله ص غَزْوَةَ تَبُوكَ.

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الطَّائِفِ، مَا بَيْنَ ذِي الْحَجَّةِ إِلَى رَجَبٍ
(3/100)

ثم امر الناس بالتهيؤ الغزو الرُّومِ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَيَزِيدَ بْنَ رُومَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَ فِي غَزْوَةَ تَبُوكَ مَا بَلَغَهُ عَنْهَا، وَبَعَضُ الْقَوْمِ يُحَدِّثُ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بَعْضٌ، وَكُلٌّ قَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي هَذَا الحديث ان رسول الله ص أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ، وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلادِ، وَحِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَأُحِبَّتِ الظِّلالُ، فَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلالِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ عَنْهَا عَلَى الْحَالِ مِنَ الزَّمَانِ الذى هم عليه، وكان رسول الله ص قَلَّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلا كَنَّى عَنْهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ، إِلا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ وَشِدَّةِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ، لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُرْهِ لِذَلِكَ الْوَجْهِ لِمَا فِيهِ، مَعَ مَا عَظَّمُوا مِنْ ذِكْرِ الرُّومِ وَغَزْوِهِمْ، [فَقَالَ رسول الله ص ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جِهَازِهِ ذَلِكَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَخِي بَنِي سَلِمَةَ: هَلْ لَكَ يَا جَدُّ الْعَامَ فِي جِلادِ بَنِي الأَصْفَرِ؟ فقال: يا رسول الله، او تاذن لي ولا تفتني! فو الله لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي مَا رَجُلٌ أَشَدُّ عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الأَصْفَرِ أَلا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رسول الله ص وَقَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَفِي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي] » الآيَةَ، أَيْ إِنْ كَانَ إِنَّمَا يَخْشَى الْفِتْنَةَ مِنْ نِسَاءِ بَنِي الأَصْفَرِ- وَلَيْسَ ذَلِكَ بِهِ- فَمَا سَقَطَ فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالرَّغْبَةِ بِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَعْظَمُ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمِنْ وَرَائِهِ.
وَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِبَعْضٍ: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، زَهَادَةً في الجهاد،
(3/101)

وَشَكًّا فِي الْحَقِّ، وَإِرْجَافًا بِالرَّسُولِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِمْ: «وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» إِلَى قَوْلِهِ:
«جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» .
ثم ان رسول الله ص جَدَّ فِي سَفَرِهِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ وَالانْكِمَاشِ، وَحَضَّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النَّفَقَةِ وَالْحُمْلانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَحَمَلَ رِجَالٌ من اهل الغنى فاحتسبوا، وانفق عثمان ابن عَفَّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْ نَفَقَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّ رِجَالا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَغَيْرُهُمْ، [فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ، فَقَالَ:
«لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ] » قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ يَامِينَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبِ النَّضَرِيَّ لَقِيَ أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا يُبْكِيكُمَا؟ قَالا: جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا فَارْتَحَلاهُ، وَزَوَّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ، فَخَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص
(3/102)

قَالَ: وَجَاءَ الْمُعَذَّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ بَنِي غِفَارٍ، مِنْهُمْ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءَ بْنِ رَحْضَةَ.
ثُمَّ اسْتَتَبَّ بِرَسُولِ الله ص سَفَرُهُ، وَأُجْمِعَ السَّيْرُ، وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمُ النِّيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى تَخَلَّفُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلا ارْتِيَابٍ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ أَخُو بَنِي وَاقِفٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا نَفَرَ صِدْقٍ لا يُتَّهَمُونَ فِي إِسْلامِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ الله ص ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ الله بن ابى بن سَلُولَ عَسْكَرَهُ عَلَى حِدَةٍ أَسْفَلَ مِنْهُ بِحِذَاءِ ذُبَابِ، جَبَلٍ بِالْجَبَّانَةِ أَسْفَلَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- لَيْسَ بِأَقَلَّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سار رسول الله ص تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ- وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَخَا بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ أَخَا بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانُوا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا مِمَّنْ يَكِيدُ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ.
قَالَ: وفيهم- فيما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عن عمرو بْن عبيد، عن الحسن البصري- أنزل الله عز وجل:
«لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ» ، الآية.
قَالَ ابن إسحاق: وخلف رَسُول اللَّهِ ص علي بْن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلف على الْمَدِينَةِ سباع بْن عرفطة، أخا بني غفار، فأرجف المنافقون بعلي بْن أبي طالب، وقالوا: ما خلفه
(3/103)

إلا استثقالا لَهُ، وتخففا منه [فلما قَالَ ذَلِكَ المنافقون، أخذ علي سلاحه ثُمَّ خرج حتى اتى رسول الله ص وهو بالجرف فَقَالَ: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني، أنك استثقلتني وتخففت مني! فَقَالَ:
كَذَبُوا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خَلَفْتُكَ لِمَا وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَفَلَا تَرْضَى يَا عَلِيُّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي!] فرجع علي إلى الْمَدِينَةِ، ومضى رَسُول الله ص على سفره.
ثُمَّ إن أبا خيثمة أخا بني سالم رجع- بعد أن سَارَ رَسُول الله ص أياما- إلى أهله فِي يوم حار، فوجد امرأتين لَهُ فِي عريشين لهما فِي حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت لَهُ فيه ماء، وهيأت لَهُ فيه طعاما، فلما دخل فقام على باب العريشين، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا لَهُ، قَالَ: رَسُول اللَّهِ فِي الضح والريح، وأبو خيثمة فِي ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيإ وامرأة حسناء، فِي ماله مقيم! ما هذا بالنصف! ثُمَّ قَالَ: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حَتَّى ألحق برسول الله، فهيئا لي زادا، ففعلتا ثُمَّ قدم ناضحه فارتحله، ثُمَّ خرج في طلب رسول الله ص حَتَّى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بْن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله ص، فترافقا حَتَّى إذا دنوا من تبوك قَالَ أبو خيثمة لعمير بْن وهب: إن لي ذنبا، فلا عليك أن تخلف عني حَتَّى آتى رسول الله ص ففعل، ثُمَّ سَارَ حَتَّى إذا دنا من رسول الله ص وهو نازل بتبوك، قَالَ الناس: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذا راكب على الطريق مقبل، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
كن أبا خيثمة! فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هو والله أبو خيثمة! فلما اناخ اقبل فسلم على رسول الله ص، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ: أولى لك
(3/104)

يا أبا خيثمة! ثُمَّ أخبر رَسُول اللَّهِ الخبر، فقال له رسول الله ص خيرا، ودعا لَهُ بخير.
وقد كان رَسُول الله ص حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منها للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإِبِل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب لَهُ،] ففعل الناس ما أمرهم به رَسُول الله ص إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر فِي طلب بعير لَهُ، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب فِي طلب بعيره فاحتملته الريح حَتَّى طرحته فِي جبلي طيئ، فاخبر بذلك رسول الله ص وَسَلَّمَ فَقَالَ: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحب لَهُ! ثُمَّ دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذى وقع بجبلي طيّئ، فان طيئا هدته لرسول الله ص حين قدم الْمَدِينَةَ.
قَالَ أبو جعفر: والحديث عن الرجلين.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ- وَلا مَاءَ مَعَهُمْ- شَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، فَدَعَا اللَّهَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ، وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنَ الْمَاءِ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: هَلْ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ النِّفَاقَ فِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَعْرِفُهُ مِنْ أَخِيهِ ومن
(3/105)

أَبِيهِ وَمِنْ عَمِّهِ وَمِنْ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ يَلْبِسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ مَحْمُودٌ:
لَقَدْ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مَعْرُوفٌ نِفَاقُهُ، كَانَ يَسِيرُ مَعَ رسول الله ص حَيْثُ سَارَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمَاءِ بالحجر ما كان، ودعا رسول الله ص حِينَ دَعَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّحَابَةَ فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ، أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نَقُولُ: وَيْحَكَ! هَلْ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ! قَالَ: سَحَابَةٌ مَارَّةٌ ثُمَّ ان رسول الله ص سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ضَلَّتْ نَاقَتُهُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا، وَعِنْدَ رَسُولِ الله ص رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا، وَهُوَ عَمُّ بَنِي عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بْنُ لُصَيْبٍ الْقَيْنُقَاعِيُّ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَقَالَ زَيْدُ بن لصيب وهو في رحل عماره، وعماره عند رسول الله ص: [أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَبِيٌّ يُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ! فقال رسول الله ص- وعماره عنده: ان رجلا قال: ان محمدا هذا يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ! وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي الْوَادِي مِنْ شِعْبِ كَذَا وَكَذَا قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا بِهَا، فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهَا،] فَرَجَعَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَعَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدَّثَنَاهُ رسول الله ص آنِفًا عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا- لِلَّذِي قَالَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْبِ- فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللَّهِ: زَيْدٌ وَاللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ على زيد يجأ في عنقه، ويقول: يَا عِبَادَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةً وَمَا أَدْرِي! اخْرُجْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ رَحْلِي فَلا تَصْحَبْنِي! قَالَ: فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضٌ:
لَمْ يَزَلْ مُتَّهَمًا بِشَرٍّ حَتَّى هَلَكَ
(3/106)

ثم مضى رسول الله ص سَائِرًا، فَجَعَل يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ [فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ فُلانٌ، فَيَقُولُ: دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى قِيلَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ] .
قَالَ: وَتَلَوَّمَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ مَاشِيًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ، فَنَظَرَهُ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فقال رسول الله ص: كُنْ أَبَا ذَرٍّ! فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَبُو ذَرٍّ! فَقَالَ رسول الله ص: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ! يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ نَزَلَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبَذَةَ، فَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَهُ وَغُلامَهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنْ غَسِّلانِي وَكَفِّنَانِي، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلا ذَلِكَ بِهِ، ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَرَهْطٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمَّارًا، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلا بِجِنَازَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ قَدْ كَادَتِ الإِبِلُ تَطَؤُهَا، وَقَامَ إِلَيْهِمُ الْغُلامُ، فقال: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ قَالَ: فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي، وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ! تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ! ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَارَوْهُ.
ثُمَّ حَدَّثَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ وَمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي مَسِيرِهِ إِلَى تَبُوكَ
(3/107)

قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، مِنْهُمْ وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو ابن عَوْفٍ، وَمِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سلمه، يقال له مخشى ابن حمير، يسيرون مع رسول الله ص وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ قِتَالَ بَنِي الأَصْفَرِ كَقِتَالِ غَيْرِهِمْ! وَاللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ غَدًا مُقْرَنِينَ فِي الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشى ابن حُمَيِّرٍ: وَاللَّهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَأَنَّا نَنْفَلِتُ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِينَا قُرْآنًا لِمَقَالَتِكُمْ هذه [وقال رسول الله ص- فِيمَا بَلَغَنِي- لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى قَدْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا] فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَامَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَسُولُ اللَّهِ وَاقِفٌ عَلَى نَاقَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ آخِذٌ بِحَقَبِهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» وَقَالَ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمَ أَبِي، فَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ، فَسُمِّيَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ مَكَانُهُ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ فَلَمَّا انْتَهَى رسول الله ص إِلَى تَبُوكَ، أَتَاهُ يُحَنةُ بْنُ رُؤْبَةَ، صَاحِبُ ايله، فصالح رسول الله ص واعطاه الجزية، واهل جرباء واذرح اعطوه الجزية، وكتب رسول الله ص لِكُلٍّ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ الله ص دَعَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَهُ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ- وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ، كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا- فقال رسول الله ص لِخَالِدٍ: إِنَّكَ سَتَجِدُهُ
(3/108)

يَصِيدُ الْبَقَرَ، فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَائِفَةٍ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَبَاتَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ! قَالَ: لا وَاللَّهِ، قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ هَذَا؟ قَالَ: لا أَحَدٌ فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فِيهِمْ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ حَسَّانٌ، فَرَكِبَ، وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمَطَارِدِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجُوا تَلَقَّتْهُمْ خيل رسول الله ص فأخذته، وقتلوا أخاه حسان، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ قِبَاءٌ لَهُ مِنْ دِيبَاجٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ، فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى رسول الله ص قَبْلَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: [رَأَيْتُ قُبَاءَ أُكَيْدِرٍ حين قدم به الى رسول الله ص، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمَسُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله: اتعجبون من هذا! فو الذى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا!] حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قَالَ:
ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا قَدِمَ بِأُكَيْدِرٍ عَلَى رسول الله ص، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ الَّذِي فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ:
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَلَمْ يُجَاوِزْهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ قَافِلا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ مَا يَرْوِي الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ وَالثَّلاثَةَ، بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْمُشَقَّقِ، [فقال رسول الله ص: مَنْ سَبَقَنَا إِلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ قَالَ:
فَسَبَقَهُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ، فَلَمَّا أتاه رسول الله ص
(3/109)

وَقَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا، فَقَالَ: مَنْ سَبَقَنَا إِلَى هَذَا الْمَاءِ؟ فَقِيلَ لَهُ:
يا رسول الله، فلان وفلان، فقال: او لم نَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ! ثُمَّ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، وَدَعَا عَلَيْهِمْ] ثُمَّ نزل ص، فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ الْوَشَلِ، فَجَعَلَ يُصَبُّ فِي يَدِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَصُبَّ، ثُمَّ نَضَحَهُ بِهِ وَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ، فَانْخَرَقَ مِنَ الْمَاءِ- كَمَا يَقُولُ مَنْ سَمِعَهُ: إِنَّ لَهُ حِسًّا كَحِسِّ الصَّوَاعِقِ، فَشَرِبَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا حَاجَتَهُمْ منه، [فقال رسول الله ص:
مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لَيَسْمَعُنَّ بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ] 12414 ثُمَّ اقبل رسول الله ص حَتَّى نَزَلَ بِذِي أَوَانَ، بَلَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ قَدْ كَانُوا أَتَوْهُ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى تَبُوكَ، [فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، وَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنَا فُتَصَلِّيَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ:
إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ- أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي أَوَانَ أَتَاهُ خبر المسجد، فدعا رسول الله ص مَالِكَ بْنَ الدَّخْشَمِ، أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ- أَوْ أَخَاهُ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا بَنِي الْعِجْلانِ- فَقَالَ: انْطَلَقَا الى المسجد الظالم اهله فاهد ماه وَحَرِّقَاهُ،] فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ ابن عَوْفٍ، وَهُمْ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ الدَّخْشَمِ، فَقَالَ مَالِكٌ لِمَعْنٍ: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي، فَدَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ، فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا، ثُمَّ خَرَجَا يشتد ان حَتَّى دَخَلا الْمَسْجِدَ وَفِيهِ أَهْلُهُ، فَحَرَّقَاهُ وَهَدَّمَاهُ، وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نَزَلَ: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ» ، إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ، مِنْ بَنِي عبيد بن
(3/110)

زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ- وَمِنْ دَارِهِ أَخْرَجَ مَسْجِدَ الشِّقَاقِ- وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ- وَهُوَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأَزْعَرِ من بنى ضبيعه بن زيد، وعباد ابن حُنَيْفٍ، أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَجَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَابْنَاهُ مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ وَزَيْدُ بْنُ جَارِيَةَ، وَنَبْتَلُ بن الحارث، من بنى ضبيعه، وو بحزج- وَهُوَ إِلَى بَنِي ضُبَيْعَةَ- وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ- وَهُوَ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ- وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ رَهْطُ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ.
قَالَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَدِينَةَ-[وَقَدْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَتَخَلَّفَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلا نِفَاقٍ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ- فَقَالَ رسول الله ص: لا يُكَلِّمَنَّ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ،] وَأَتَاهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ وَلا رَسُولُهُ، وَاعْتَزَلَ الْمُسْلِمُونَ كَلامَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ النَّفَرِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهُ: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ» - إِلَى قَوْلِهِ- «وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ، وَقَدْ مضى ذكر خبرهم قبل
. امر طيّئ وعدى بن حاتم
قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ- وجه رسول الله ص عَلِيّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى بِلادِ طَيِّئٍ فِي رَبِيعٍ الآخِرٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَسَبَى وَأَخَذَ سَيْفَيْنِ كَانَا فِي بَيْتِ الصَّنَمِ، يُقَالُ لأَحَدِهِمَا:
(3/111)

رَسُوبٌ، وَلِلآخَرِ الْمِخْذَمُ، وَكَانَ لَهُمَا ذِكْرٌ، كَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شَمِرٍ نَذَرَهُمَا لَهُ، وَسَبَى أُخْتَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا الأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عِنْدَنَا بِذَلِكَ فَبِغَيْرِ بَيَانِ وَقْتٍ، وَبِغَيْرِ مَا قَالَ الواقدي فِي سَبْيِ عَلِيٍّ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جاءت خيل رسول الله ص- او قال: رسل رسول الله- فأخذوا عمتي وناسا، فاتوا بهم النبي ص قَالَ: فَصُفُّوا لَهُ قَالَتْ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَأَى الْوَافِدُ، وَانْقَطَعَ الْوَالِدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ:
عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! قَالَتْ: فَمَنَّ عَلَيَّ- وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ تَرَى أَنَّهُ عَلِيُّ ع، قال: سليه حملانا- قال: فسألته، فامر بها فَأَتَتْنِي، فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلْت فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا! قَالَتِ:
ائْتِهِ رَاغِبًا وَرَاهِبًا، فَقَدْ أتاه فُلانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصِبْيَانٌ- أَوْ صَبِيٌّ- فَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنَ النبي ص- فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَلِكِ كِسْرَى وَلا قَيْصَرَ، [فَقَالَ لِي:
يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ، مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ! فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ! وَمَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ! فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ! فَأَسْلَمْتُ فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ سَعْدٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ طَيِّئٍ يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي:
مَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سمع به منى، اما
(3/112)

انا لكنت امْرَأً شَرِيفًا، وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ، فَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ، وَكُنْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِي، لِمَا كَانَ يُصْنَعُ بِي، فَلَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ كَرِهْتُهُ، فَقُلْتُ لِغُلامٍ كَانَ لِي عَرَبِيٌّ وَكَانَ رَاعِيًا لإِبِلِي: لا ابالك! أَعْدِدِ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالا ذُلُلا سِمَانًا مسان، فَاحْبِسْهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ قد وطيء هَذِهِ الْبِلادَ فَآذِنِّي، فَفَعَلَ ثُمَّ إِنَّهُ أَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ الآنَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:
فَقُلْتُ: قَرِّبْ لِي جِمَالِي، فَقَرَّبَهَا، فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ:
أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى بِالشَّامِ، فَسَلَكْتُ الْحُوشِيَّةَ وَخَلَفْتُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فِي الْحَاضِرِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ أَقَمْتُ بِهَا، وَتَخَالَفَنِي خَيْلٌ لِرَسُولِ الله ص فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فِيمَنْ أُصِيبَ فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي سَبَايَا طَيِّئٍ، وَقَدْ بلغ رسول الله ص هَرَبِي إِلَى الشَّامِ قَالَ: [فَجُعِلَتْ ابْنَةُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ كَانَتِ السَّبَايَا يُحْبَسْنَ بها، فمر بها رسول الله ص فَقَامَتْ إِلَيْهِ- وَكَانَتْ امْرَأَةً جَزْلَةً- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ! قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ص وَتَرَكَنِي، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ مَرَّ بِي وَقَدْ أَيِسْتُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ: أَنْ قُومِي إِلَيْهِ فَكَلِّمِيهِ، قَالَتْ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ! قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ فَلا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكِ مَنْ يَكُونُ لَكِ ثِقَةً حَتَّى يُبَلِّغَكِ إِلَى بِلادِكِ ثُمَّ آذِنِينِي] قَالَتْ: فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيَّ أَنْ كَلِّمِيهِ فَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: وَأَقَمْتُ حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَلِيٍّ- أَوْ مِنْ قُضَاعَةَ- قَالَتْ: وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي
(3/113)

بالشام، قالت: فجئت رسول الله ص، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلاغٌ قَالَتْ: فكساني رسول الله ص، وَحَمَلَنِي وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشام قال عدى: فو الله، إِنِّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي إِذْ نَظَرْتُ إِلَى ظَعِينَةٍ تُصَوِّبُ إِلَيَّ تَؤُمُّنَا قَالَ: فَقُلْتُ: ابْنَةُ حَاتِمٍ! قَالَ: فَإِذَا هِيَ هِيَ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيَّ انْسَحَلَتْ تَقُولُ: الْقَاطِعُ الظَّالِمُ! احْتَمَلْتَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ، وَتَرَكْتَ بُنَيَّةَ وَالِدِكَ وَعَوْرَتَهُ! قَالَ: قُلْتُ: يا أخيه، لا تقولي الا خيرا، فو الله مَا لِي عُذْرٌ، لَقَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْتِ قَالَ: ثُمَّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْتُ لَهَا- وَكَانَتْ امْرَأَةً حَازِمَةً: مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: أَرَى وَاللَّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ نَبِيًّا فَالسَّابِقُ إِلَيْهِ لَهُ فَضِيلَةٌ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تُذَلَّ فِي عِزِّ الْيَمَنِ وَأَنْتَ أَنْتَ! قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لِلرَّأْيُ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَقَامَ رَسُولُ الله ص فانطلق بي الى بيته، فو الله إِنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، فَتَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةً لِيفًا، فَقَذَفَهَا إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ، قَالَ: قُلْتُ: لا بَلْ أَنْتَ، فَاجْلِسْ عَلَيْهَا قَالَ: لا بَلْ أَنْتَ، [فَجَلَسْتُ وَجَلَسَ رسول الله ص بِالأَرْضِ قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ، ثُمَّ قَالَ: إِيهٍ يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ! أَلَمْ تَكُ رَكُوسِيًّا! قَالَ: قلت: بلى، قال: او لم تَكُنْ تَسِيرَ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ! قَالَ: قُلْتُ:
بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ- وَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ- قَالَ: ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَدِيُّ بْنَ
(3/114)

حَاتِمٍ، إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدين ما ترى من حاجتهم! فو الله لَيُوشِكَنَّ الْمَالُ يَفِيضُ فِيهِمْ حَتَّى لا يُوجَدُ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عدوهم وقله عددهم، فو الله لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لا تَخَافُ إِلا اللَّهَ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ أَنَّكَ تَرَى أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ] قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَكَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ: مَضَتِ الثِّنْتَانِ وَبَقِيَتِ الثَّالِثَةُ، وَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ قَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتَحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا لا تَخَافُ شَيْئًا حَتَّى تَحُجَّ هَذَا الْبَيْتِ وَايْمُ اللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حتى لا يوجد من يأخذه.

قدوم وفد بنى تميم ونزول سوره الحجرات
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالا: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ الله ص عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ التَّمِيمِيُّ فِي أَشْرَافٍ مِنْ تَمِيمٍ، مِنْهُمُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَعْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ الأَهْتَمِ، وَالْحَتَّاتُ بْنُ فُلانٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أَخُو بَنِي سَعْدٍ فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، مَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْفَزَارِيُّ- وَقَدْ كَانَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ شَهِدَا مَعَ رَسُولِ الله ص فتح مكة وحصار الطائف، فلما وفد وفد بنى تَمِيمٍ كَانَا مَعَهُمْ- فَلَمَّا دَخَلَ وَفْدُ بَنِي تميم المسجد، نادوا رسول الله ص مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ فَآذَى ذَلِكَ مِنْ صِيَاحِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ
(3/115)

ص، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَاكَ لِنُفَاخِرَكَ، فاذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ فَقَامَ إِلَيْهِ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَهُوَ أَهْلُهُ، الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا فِي النَّاسِ! أَلَسْنَا بِرُءُوسِ النَّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ! فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، وَإِنَّا لَوْ نَشَاءُ لأَكْثَرْنَا الْكَلامَ، وَلَكِنَّا نَحْيَا مِنَ الإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا، وَإِنَّا نُعْرَفُ أَقُولُ هَذَا الآنَ لِتَأْتُونَا بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ رَسُولُ الله ص لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: قُمْ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ.
فَقَامَ ثَابِتٌ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إِلا مِنْ فَضْلِهِ ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولا أَكْرَمَهُمْ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيَرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الإِيمَانِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاسِ أَنْسَابًا، وَأَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاسِ فِعَالا، ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ الْخَلْقِ إِجَابَةً- وَاسْتَجَابَ لِلَّهِ حِينَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص- نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُنِعَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ، والسلام عليكم.
قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ البيع
(3/116)

وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... عِنْدَ النِّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزِّ يُتَّبَعُ
وَنَحْنُ نُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مَطْعَمَنَا ... مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ
ثُمَّ تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سُرَاتُهُمُ ... مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هَوِيًّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أَرُومَتِنَا ... لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَلا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ ... إِلا اسْتَقَادُوا وَكَادَ الرَّأْسُ يُقْتَطَعُ
إِنَّا أَبَيْنَا وَلَنْ يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ ... إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فَمَنْ يُقَادِرُنَا فِي ذَاكَ يَعْرِفُنَا ... فَيَرْجِعُ الْقَولُ وَالأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ غَائِبًا، فبعث اليه رسول الله ص، قَالَ حَسَّانٌ: فَلَمَّا جَاءَنِي رَسُولُهُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَانِي لأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنَا أَقُولُ:
مَنَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا ... عَلَى كُلِّ بَاغٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ بُيُوتِنَا ... بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ عَادٍ وَظَالِمِ
بِبَيْتِ حَرِيدٍ عِزُّهُ وَثَرَاؤُهُ ... بِجَابِيَةِ الْجَوْلانِ وَسْطَ الأَعَاجِمِ
هَلِ الْمَجْدُ إِلا السُّؤْدَدُ الْعُودُ وَالنَّدَى ... وَجاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ!
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى رسول الله ص وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ، فَقَالَ مَا قَالَ، عَرَضْتُ فِي قَوْلِهِ وَقُلْتُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا قَالَ، فَلَمَّا فَرَغَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ
(3/117)

بدر من قوله [قال رسول الله ص لِحَسَّانٍ: قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِيمَا قَالَ،] قَالَ: فَقَالَ حَسَّانٌ:
إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الإِلَهِ وَكُلُّ الْخَيْرِ يُصْطَنَعُ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرَوْا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ
إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فَكُلُّ سَبْقٍ لأَدْنَى سَبْقِهِمْ تبع
لا يرقع النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفَّهُمُ ... عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمُ ... أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا
أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ ... لا يَطْبَعُونَ وَلا يُرْدِيهِمُ طَمَعُ
لا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفْضِلِهِمُ ... وَلا يَمَسَّهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ ... كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذَّرَعُ
نَسْمُو إِذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا ... إِذَا الزِّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
لا فَخْرَ إِنْ هُمْ أَصَابُوا مِنْ عُدُوِّهِمُ ... وَإِنْ أُصِيبُوا فَلا خُورٌ وَلا هُلُعُ
كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ ... أُسْدٌ بِحَلْيَةٍ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ
خُذْ مِنْهُمْ مَا أَتَوْا عَفْوًا إِذَا غَضِبُوا ... وَلا يَكُنْ هَمُّكَ الأَمْرَ الَّذِي منعوا
(3/118)

فَإِنَّ فِي حَرْبِهِمْ- فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ ... شَرًّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ وَالسَّلَعُ
أَكْرَمَ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع
اهدى لهم مَدْحَتِي قَلْبٌ يُوَازِرُهُ ... فِيمَا أَحَبَّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمِعُوا
فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمُؤَتَّى لَهُ! لَخَطِيبَةٌ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَأَصْوَاتُهُمْ أَعْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا فَلَمَّا فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ص فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ- وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ قَدْ خَلَفَهُ الْقَوْمُ فِي ظَهْرِهِمْ- فَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ- وَكَانَ يُبْغِضُ عَمْرَو بْنَ الأَهْتَمِ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنَّا رَجُلٌ فِي رِحَالِنَا وَهُوَ غُلامٌ حَدَثٌ، وَأَزْرَى بِهِ، فاعطاه رسول الله ص مِثْلَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، وَهُوَ يَهْجُوهُ:
ظَلَلْتَ مُفْتَرِشًا هلْبَاكَ تَشْتُمُنِي ... عِنْدَ الرَّسُولِ فَلَمْ تُصْدَقْ وَلَمْ تُصِبِ
إِنْ تُبْغِضُونَا فَإِنَّ الرُّومَ أَصْلُكُمُ ... وَالرُّومُ لا تملك البغضاء للعرب
سدنا فسؤددنا عود وسوددكم ... مُؤَخَّرٌ عِنْدَ أَصْلِ الْعُجْبِ وَالذَّنَبِ
(3/119)

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، قَالَ: فأنزل الله فيهم القرآن: «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ» - من بني تميم- «أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ، قال: وهي القراءة الاولى.
قال الواقدى: وفيها مات عبد الله بْن أبي بن سلول، مرض فِي ليال بقين من شوال، ومات فِي ذي القعدة، وَكَانَ مرضه عشرين ليلة.

قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله بكتابهم
قال: وفيها قدم على رسول الله ص كتاب ملوك حمير فِي شهر رمضان مقرين بِالإِسْلامِ، مَعَ رسولهم الحارث بْن عبد كلال ونعيم ابن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رُعَيْن.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ص كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ وَرَسُولُهُمْ إِلَيْهِ بِإِسْلامِهِمُ:
الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كَلالٍ وَنُعَيْمُ بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، وَهَمْدَانَ وَمَعَافِرَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكُ بْنُ مُرَّةَ الرَّهَاوِيُّ بِإِسْلامِهِ، وَمُفَارَقَتِهِمُ الشِّرْكَ واهله، فكتب اليهم رسول الله ص:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كَلالٍ ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رُعَيْنٍ وَهَمْدَانَ وَمَعَافِرَ، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِنَا رَسُولُكُمْ مَقْفَلَنَا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَلَقِينَا بِالْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ مَا أَرْسَلْتُمْ،
(3/120)

وَخَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ، وَأَنْبَأَنَا بِإِسْلامِكُمْ وَقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهِدَايَتِهِ، إِنْ أَصْلَحْتُمْ وَأَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَعْطَيْتُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ، وَسَهْمَ نَبِيِّهِ وَصَفِيِّهِ، وَمَا كَتَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ عُشْرَ مَا سَقَتِ الْعَيْنُ وَمَا سَقَتِ السَّمَاءُ، وَكُلُّ مَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَفِي الإِبِلِ فِي الأَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفِي ثَلاثِينَ مِنَ الإِبِلِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِي كُلِّ خُمُسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ من البقر تبيع، جذع أو جذعة، وفي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةٌ وَحْدَهَا، شَاةٌ وَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَى إِسْلامِهِ وَظَاهَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، له ما لهم وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلَ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لا يُفْتَنُ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، عَلَى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ قِيمَتُهُ مِنَ الْمَعَافِرِ أَوْ عَرْضُهُ ثِيَابًا، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَهُ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ أَرْسَلَ إِلَى زُرْعَةَ ذِي يَزَنَ أَنْ إِذَا أَتَتْكُمْ رُسُلِي فَأُوصِيكُمْ بِهِمْ خَيْرًا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ مُرَّةَ وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَنِ اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ مِنْ مُخَالِفِيكُمْ وَبَلِّغُوهَا رُسُلِي، وَإِنَّ أَمِيرَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلا يَنْقَلِبَنَّ الا راضيا
(3/121)

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ إِنَّ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهَاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّكَ أَسْلَمْتَ مِنْ أَوَّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ، وَآمُرُكَ بِحِمْيَرَ خَيْرًا، وَلا تَخُونُوا وَلا تَخْذِلُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَوْلَى غَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لأَهْلِهِ، إِنَّمَا هِيَ زَكَاةٌ يُتَزَكَّى بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَإِنَّ مَالِكًا قَدْ بَلَّغَ الْخَبَرَ وَحَفِظَ الْغَيْبَ، وَآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِي، وَأُولِي عِلْمِهِمْ، فَآمُرُكُمْ بِهِمْ خَيْرًا فَإِنَّهُ مَنْظُورٌ إِلَيْهِمْ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
قال الْوَاقِدِيّ: وفيها قدم وفد بهراء على رسول الله ص ثلاثة عشر رجلا، ونزلوا على المقداد بْن عمرو.
قَالَ: وفيها قدم وفد بني البكاء.
وفيها قدم وفد بني فزارة، وهم بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بْن حصن.
قَالَ: وفيها نعى رسول الله ص للمسلمين النجاشي، وأنه مات فِي رجب سنة تسع.
قَالَ: وفيها حج أبو بكر بالناس ثُمَّ خرج أبو بكر من الْمَدِينَةِ فِي ثلاثمائة، وبعث معه رسول الله ص بعشرين بدنة، وساق أبو بكر خمس بدنات وحج فيها عبد الرحمن بْن عوف وأهدى.
وبعث رسول الله ص على بن ابى طالب ع على أثر أبي بكر رضي الله عنه، فأدركه بالعرج، فقرأ عَلِيُّ عليه براءة يوم النحر عِنْد العقبة فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتِ إِلَى رَأْسِ الأَرْبَعِينَ
(3/122)

- يَعْنِي مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ- فَبَعَثَ بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّرَهُ عَلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا سَارَ فَبَلَغَ الشَّجَرَةَ مِنْ ذِي الْحَلِيفَةِ أَتْبَعَهُ بِعَلِيٍّ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، [فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ الى النبي ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! أَنَزَلَ فِي شَأْنِي شَيْءٌ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي أَوْ رَجُلٌ مِنِّي أَمَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ، وَأَنَّكَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ!] قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَارَ أَبُو بكر على الحج، [وَسَارَ عَلِيٌّ يُؤَذِّنُ بِبَرَاءَةَ، فَقَامَ يَوْمَ الأَضْحَى فَآذَنَ فَقَالَ: لا يَقْرَبَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ عَامِهِ هَذَا، وَلا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَلَهُ عَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَإِنَّ هَذِهِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا] فَقَالُوا: نَحْنُ نَبْرَأُ مِنْ عَهْدِكَ وَعَهْدِ ابْنِ عَمِّكَ إِلا مِنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ.
فَرَجَعَ الْمُشْرِكُونَ فَلامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالُوا: مَا تَصْنَعُونَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ! فَأَسْلَمُوا.
حدثنى الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالُوا: بعث رسول الله ص أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةَ، فَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ، يُؤَجِّلُ الْمُشْرِكِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِي الأَرْضِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ بَرَاءَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، أَجَّلَ الْمُشْرِكِينَ عِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ ذِي الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَشَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَعَشْرًا مِنْ رَبِيعٍ الآخِرِ، وَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلا يَحُجَّنَّ بَعْدَ عَامِنَا هَذَا مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِضَتِ الصدقات، وفرق فيها رسول الله ص عُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ
(3/123)

وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ» ، وَكَانَ السَّبَبَ الَّذِي نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ قِصَّةُ أَمْرِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ.
قَالَ الواقدي: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ماتت أم كلثوم ابنه رسول الله ص فِي شَعْبَانَ، وَغَسَّلَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَصَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ: وَقِيلَ غَسَّلَتْهَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فِيهِنَّ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا أَبُو طَلْحَةَ.
قَالَ: وفيها قدم وفد ثعلبه بن منقذ
. قدوم ضمام بن ثعلبه وافدا عن بنى سعد
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ سَعْدِ هُذَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثعلبه الى رسول الله ص، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ص جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ رَجُلا جَلِدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ، [فَأَقْبَلَ حَتَّى وقف على رسول الله ص فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: يَا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ لَكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ! قَالَ: لا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ
(3/124)

قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ امرك ان نامرنا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا تَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ؟
قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟
قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الإِسْلامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً، الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الإِسْلامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عَنْ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَاشَدَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لا أَنْقُصُ ولا ازيد ثم انصرف الى بعيره راجعا.
فقال رسول الله ص حِينَ وَلَّى: إِنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ: فَأَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: باست اللاتُ وَالْعُزَّى! قَالُوا:
مَهْ يَا ضِمَامُ! اتَّقِ الْبَرَصَ، اتَّقِ الْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ! قَالَ: وَيْحَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لا يَنْفَعَانِ وَلا يَضُرَّانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عنه] .
قال: فو الله مَا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلا امْرَأَةٌ إِلا مُسْلِمًا قَالَ:
يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ من ضمام بن ثعلبه
(3/125)

سنه عشر

سريه خالد بن الوليد الى بنى الحارث بن كعب واسلامهم
قَالَ أبو جعفر: فبعث فيها رَسُول اللَّهِ ص خالد بن الوليد فِي شهر ربيع الآخر- وقيل فِي شهر ربيع الأول، وقيل فِي جمادى الاولى- سريه في أربعمائة إلى بني الحارث بْن كعب.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله ص خالد ابن الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ- أَوْ فِي جُمَادَى الأُولَى- مِنْ سَنَةَ عَشْرٍ، إِلَى بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ثَلاثًا، فَإِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَأَقِمْ فِيهِمْ، وَعَلِّمْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَمَعَالِمَ الإِسْلامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَاتِلْهُمْ.
فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الرُّكْبَانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ، وَيَقُولُونَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَأَسْلَمَ النَّاسُ، وَدَخَلُوا فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ خَالِدٌ فِيهِمْ، يُعَلِّمُهُمُ الإِسْلامَ وَكِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ.
ثُمَّ كَتَبَ خَالِدٌ إِلَى رسول الله ص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
لِمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ الله ص مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، السَّلامُ عَلْيَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هو، اما بعد يا رسول الله ص، بَعَثْتَنِي إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَمَرْتَنِي إِذَا أَتَيْتُهُمْ أَلا أُقَاتِلَهُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَنْ أَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا قَبِلْتُ مِنْهُمْ وَعَلَّمْتُهُمْ مَعَالِمَ الإِسْلامِ وَكِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قَاتَلْتُهُمْ وَإِنِّي قَدِمْتُ عَلَيْهِمْ فَدَعَوْتُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَنِي رسول الله ص، وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ، أَسْلِمُوا
(3/126)

تَسْلَمُوا، فَأَسْلَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَأَنَا مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَآمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَأَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، وَأُعَلِّمُهُمْ مَعَالِمَ الإِسْلامِ وسنه النبي ص حَتَّى يَكْتُبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَكَتَبَ اليه رسول الله ص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رسول الله إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ سَلامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتَابَكَ جَاءَنِي مَعَ رُسُلِكَ بِخَبَرٍ أَنَّ بَنِي الْحَارِثِ قَدْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلُوا، وَأَجَابُوا إِلَى مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الإِسْلامِ وَشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ قَدْ هَدَاهُمُ اللَّهُ بِهُدَاهُ، فَبَشِّرْهُمْ وَأَنْذِرْهُمْ، وَأَقْبِلْ وَلَيُقْبِلْ مَعَكَ وَفْدُهُمْ، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَأَقْبَلَ خَالِدُ بن الوليد الى رسول الله ص، وَأَقْبَلَ مَعَهُ وَفْدُ بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قِنَانَ ذِي الْغُصَّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجَّلِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرَيْظٍ الزِّيَادِيُّ، وَشَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَنَانِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضِّبَابِيُّ.
[فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ص، فَرَآهُمْ قَالَ: مَنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَأَنَّهُمْ رِجَالُ الْهِنْدِ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلاءِ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمَّا وَقَفُوا عِنْدَ رسول الله ص سَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا:
نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ص: أَنْتُمُ الَّذِينَ إِذَا زُجِرُوا اسْتَقْدَمُوا! فَسَكَتُوا، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نحن الذين إذا زجرنا اسْتَقْدَمْنَا، فَقَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: لَوْ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمْ يَكْتُبْ الى فيكم
(3/127)

أَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمْ وَلَمْ تُقَاتِلُوا لأَلْقَيْتُ رُءُوسَكُمْ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَمِدْنَاكَ وَلا حَمِدْنَا خَالِدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَمَنْ حَمِدْتُمْ؟ قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله، قال: صدقتم، ثم قال رسول الله ص: بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُنْ نَغْلِبُ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: بَلَى قَدْ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَغْلِبُ مَنْ قَاتَلَنَا، أَنَّا كُنَّا بَنِي عُبَيْدٍ، وَكُنَّا نَجْتَمِعُ وَلا نَتْفَرِقُ، وَلا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمٍ، قَالَ: صَدَقْتُمْ] ثُمَّ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ فَرَجَعَ وَفْدُ بلحارث ابن كَعْبٍ إِلَى قَوْمِهِمْ فِي بَقِيَّةِ شَوَّالَ أَوْ فِي صَدْرِ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمْ يَمْكُثُوا بَعْدَ أَنْ قَدِمُوا إِلَى قَوْمِهِمْ إِلا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، حتى توفى رسول الله ص.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بكر، قال: وكان رسول الله ص بَعَثَ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بَعْدَ أَنْ وَلَّى وَفْدَهُمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي النَّجَّارِ، لِيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ وَيُعَلِّمَهُمُ السُّنَّةَ وَمَعَالِمَ الإِسْلامِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا عَهِدَ إِلَيْهِ فِيهِ، وَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا بيان من الله ورسوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» ، عَقْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ في امره كله، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَيَنْهَى النَّاسَ وَلا «يَمَسَّ أَحَدٌ الْقُرْآنَ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ،» وَيُخْبِرَ النَّاسَ بِالَّذِي لَهُمْ، وَبِالَّذِي عَلَيْهِمْ، وَيَلِينَ لِلنَّاسِ فِي الْحَقِّ، وَيَشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ الظُّلْمَ وَنَهَى عَنْهُ وَقَالَ: «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» ، وَيُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ بِالنَّارِ
(3/128)

وَبِعَمَلِهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النَّاسَ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعَالِمَ الْحَجِّ وَسُنَّتَهُ وَفَرِيضَتَهُ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْحَجِّ الأَكْبَرِ وَالْحَجِّ الأَصْغَرِ، وَهُوَ الْعُمْرَةُ، وَيَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ، إِلا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا وَاحِدًا يُثْنِي طَرفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَنْهَى أَنْ يَحْتَبِيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَنْهَى أَلا يَعْقِصُ أَحَدٌ شَعْرَ رَأْسِهِ إِذَا عَفَا فِي قَفَاهُ، وَيَنْهَى إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ هَيْجٌ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى اللَّهِ وَدَعَا إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ فَلْيُقْطَعُوا بِالسَّيْفِ حَتَّى يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَيَأْمُرَ النَّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَهُمْ إِلَى الكعبين، ويمسحون برؤسهم كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَرَهُ بِالصَّلاةِ لِوَقْتِهَا، وَإِتْمَامَ الرُّكُوعِ وَالْخُشُوعِ، وَيُغَلِّسَ بِالْفَجْرِ، وَيُهْجِرَ بِالْهَاجِرَةِ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ، وَصَلاةُ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ فِي الأَرْضِ مُدْبِرَةٌ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ، لا تُؤَخَّرُ حَتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعِشَاءِ أَوَّلُ اللَّيْلِ وَيَأْمُرَ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ إِذَا نُودِيَ لَهَا، وَالْغُسْلُ عِنْدَ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ عُشْرُ مَا سُقِيَ الْبَعْلُ وَمَا سَقَتِ السماء ومما سَقَى الْغَرْبُ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنَ الإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةُ شَاةٍ، فَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِسْلامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ، وَدَانَ دِينَ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مِثْلُ مَا لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ أَوْ يَهُودِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لا يُفْتَنُ عَنْهَا، وَعَلى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عَرَضُهُ ثِيَابًا، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا
(3/129)

قال الواقدى: توفى رسول الله ص وعمرو بْن حزم عامله بنجران.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وفي هذه السنة قدم وفد سلامان فِي شوال على رسول الله ص، وهم سبعة نفر، رأسهم حبيب السلاماني.
وفيها قدم وفد غسان فِي رمضان وفيها قدم وفد غامد في رمضان

قدوم وفد الأزد
وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صرد بْن عبد الله فِي بضعة عشر فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ص صرد ابن عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، فِي وَفْدٍ مِنَ الأَزْدِ، فَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَسِيرُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ فِي جَيْشٍ حَتَّى نَزَلَ بِجُرَشَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةٌ مُغْلَقَةٌ، وَفِيهَا قَبَائِلُ الْيَمَنِ، وَقَدْ ضَوَتْ إِلَيْهِمْ خَثْعَمٌ، فَدَخَلُوا مَعَهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَاصَرُوهُمْ بِهَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، وَامْتَنَعُوا مِنْهُمْ فِيهَا ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُمْ قَافِلا، حَتَّى إِذَا كَانَ إِلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ كُشَرَ ظَنَّ أَهْلُ جُرَشَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَلَّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكُوهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشَ قَدْ بعثوا رجلين منهم الى رسول الله ص وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ يَرْتَادَانِ وَيَنْظُرَانِ، فَبَيْنَا هُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَشِيَّةً بَعْدَ الْعَصْرِ، إِذْ قَالَ رسول الله ص: بِأَيِّ بِلادِ اللَّهِ شُكَرُ؟ فَقَامَ الْجُرَشِيَّانِ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِبِلادِنَا جَبَلٌ
(3/130)

يُقَالُ لَهُ جَبَلُ كُشَرَ، وَكَذَلِكَ تُسَمِّيهِ أَهْلُ جُرَشَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكُشَرَ، وَلَكِنَّهُ شُكَرُ [قالا: فماله يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرَ عِنْدَهُ الآنَ] قَالَ فَجَلَسَ الرَّجُلانِ إِلَى ابى بكر والى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ الآنَ لَيَنْعِي لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَقُومَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَاسْأَلاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا، فَقَامَا إِلَيْهِ فَسَأَلاهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ رَاجِعَيْنِ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا أُصِيبُوا يَوْمَ أَصَابَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْيَوْمِ الذى قال فيه رسول الله ص مَا قَالَ، وَفِي السَّاعَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَا ذَكَرَ، فَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ حَتَّى قَدِمُوا على رسول الله ص فَأَسْلَمُوا، وَحَمَى لَهُمْ حِمًى حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ عَلَى أَعْلامٍ مَعْلُومَةٍ لِلْفَرَسِ، وَلِلرَّاحِلَةِ، وَلِلْمُثِيرَةِ تُثِيرُ الْحَرْثَ، فَمَنْ رَعَاهَا مِنَ النَّاسِ سِوَى ذَلِكَ فَمَالُهُ سُحْتٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَزْدِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ- وَكَانَتْ خَثْعَمٌ تُصِيبُ مِنَ الأَزْدِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانُوا يَغْزُونَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ:
يَا غَزْوَة مَا غَزَوْنَا غَيْرَ خَائِبَةٍ ... فِيهَا الْبِغَالُ وَفِيهَا الْخَيْلُ وَالْحُمُرُ
حَتَّى أَتَيْنَا حُمَيْرًا فِي مَصَانِعِهَا ... وَجَمْعُ خَثْعَمَ قَدْ سَاغَتْ لَهَا النُّذُرُ
إِذَا وَضَعْتُ غَلِيلا كُنْتُ أَحْمِلُهُ ... فَمَا أُبَالِي أدانوا بعد أم كفروا!

سريه على بن ابى طالب الى اليمن
قال: وفيها وجه رسول الله ص عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى الْيَمَنِ فِي رَمَضَانَ فَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ هَيَّاجٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَزْجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: بَعَثَ
(3/131)

رسول الله ص خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَكُنْتُ فِيمَنْ سَارَ مَعَهُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لا يُجِيبُونَهُ إِلَى شَيْءٍ، فبعث النبي ص عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْفُلَ خَالِدًا وَمَنْ مَعَهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَعْقُبَ مَعَهُ تَرَكَهُ.
قَالَ الْبَرَاءُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقِبَ مَعَهُ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى أَوَائِلِ الْيَمَنِ، بَلَغَ الْقَوْمَ الْخَبَرُ، فَجَمَعُوا لَهُ، فَصَلَّى بِنَا عَلِيٌّ الْفَجْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ صَفَّنَا صَفًّا وَاحِدًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ص، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَكَتَبَ بذلك الى رسول الله ص، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ خَرَّ سَاجِدًا، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَى هَمْدَانَ، السَّلامُ عَلَى هَمْدَانَ! ثم تتابع اهل اليمن على الاسلام
. قدوم وفد زبيد
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ زُبَيْدٍ على النبي ص بِإِسْلامِهِمْ فحدثنا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ص عمرو بْن معد يكرب فِي أناس من بنى زبيد، فاسلم، وكان عمرو بن معديكرب قد قَالَ لقيس بْن مكشوح المرادي حين انتهى اليهم امر رسول الله ص: يا قيس، إنك سيد قومك اليوم، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول، إني نبي، فانطلق بنا إليه حَتَّى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول، فإنه لا يخفى عليك.
إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذَلِكَ علمنا علمه، فأبى عليه ذَلِكَ قيس بْن مكشوح وسفه رأيه
(3/132)

فركب عمرو بْن معد يكرب حَتَّى قدم على رسول الله ص فصدقه وآمن به، فلما بلغ ذَلِكَ قيسا أوعد عمرا، وتحفظ عليه، وقال:
خالفني وترك رأيي! فَقَالَ عمرو فِي ذَلِكَ:
أمرتك يوم ذي صنعاء ... أمرا باديا رشده
أمرتك باتقاء الله ... والمعروف تاتعده
خرجت من المنى مثل الحمار ... أعاره وتده
تمناني على فرس ... عليه جالسا أسده
علي مفاضة كالنهي ... أخلص ماءه جدده
ترد الرمح مثني السنان ... عوائرا قصده
فلو لاقيتني لاقيت ... ليثا فوقه لبده
تلاقي شنبثا شثن البراثن ... ناشزا كتده
يسامي القرن إن قرن ... تيمَّمه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده
فيدمغه فيحطمه ... فيخضمه فيزدرده
ظلوم الشرك فيما أحرزت ... أنيابه ويده
(3/133)

متى ما يغد أو يغدى ... به فقبوله برده
فيخطر مثل خطر الفحل ... فوق جرانه زبده
فأمسى يعتريه من البعوض ... ممنعا بلده
فلا تتمننى وتمن ... غيرى لينا كتده
وبوئنى لَهُ وطنا ... كثيرا حوله عدده
قَالَ: فأقام عمرو بن معديكرب فِي قومه من بني زبيد، وعليهم فروة ابن مسيك المرادى، فلما توفى رسول الله ص ارتد عمرو فَقَالَ حين ارتد:
وجدنا ملك فروة شر ملك ... حمارا ساف منخره بقذر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خبث وغدر

قدوم فروه بن مسيك المرادى
وقد كان قدم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي هذه السنة- أعني سنة عشر- قبل قدوم عمرو ابن معديكرب، فروة بْن مسيك المرادي مفارقا لملوك كندة فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بَكْرٍ، قَالَ: قَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ على رسول الله ص مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَمُعَانِدًا لَهُمْ، وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الإِسْلامِ بَيْنَ مُرَادٍ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ أَصَابَتْ فِيهَا هَمْدَانُ مِنْ مُرَادٍ مَا أَرَادُوا، حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ فِي يَوْمٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ الرَّزْمِ، وَكَانَ الَّذِي قَادَ هَمْدَانَ إِلَى مُرَادٍ الأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ، فَفَضَحَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ:
(3/134)

فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدَمًا ... وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا
وَإِنْ نُقْتَلْ فَلا جُبْنَ وَلَكِنْ ... مَنَايَانَا وَطُعْمَةَ آخَرِينَا
كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ ... تَكِرُّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينَا
فَبَيْنَاهُ يُسَرُّ بِهِ وَيَرْضَى ... ولو لبست غضارته سنينا
إذ انْقَلَبَتْ بِهِ كَرَّاتُ دَهْرٍ ... فَأَلْفَى لِلأُولَى غَبِطُوا طَحِينَا
وَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ ... يَجِدْ ريب الزمان له خؤونا
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا ... وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا
فَأَفْنَى ذَاكُمُ سَرَوَاتُ قَوْمِي ... كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الأَوَّلِينَا
وَلَمَّا تَوَجَّهَ فَرْوَةُ بن مسيك الى رسول الله ص مفارقا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها
يممت رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا ... أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا
قال: فلما انتهى الى رسول الله ص [قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- فِيمَا بَلَغَنِي: يَا فروه، هل ساءك ما أصاب قومك يومك يَوْمَ الرَّزْمِ؟ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ ذَا يُصِيبُ قَوْمَهُ مِثْلَ مَا أَصَابَ قَوْمِي يَوْمَ الرَّزْمِ، لا يَسُوءُهُ
(3/135)

ذلك! فقال رسول الله ص: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ قَوْمَكَ فِي الإِسْلامِ إِلا خَيْرًا] فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي بِلادِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ص.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، قَالَ: [قال رَسُولُ اللَّهِ: أَكَرِهْتَ يَوْمَكَ وَيَوْمَ هَمْدَانَ؟ فَقُلْتُ: إِي وَاللَّهِ! أَفْنَى الأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ، فَقَالَ: أَمَا انه خير لمن بقي] .

قدوم الجارود في وفد عبد القيس
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ، فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قدم على رسول الله ص الجارود بْن عمرو بْن حنش بْن المعلى، أخو عبد القيس فِي وفد عبد القيس وَكَانَ نصرانيا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى إِلَى رسول الله ص كَلَّمَهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلامَ، وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، وَرَغَّبَهُ فِيهِ، [فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، فَتَضْمَنُ لي ديني؟ فقال رسول الله ص: نَعَمْ أَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ قَالَ: فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ الله الْحِمْلانَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلادِنَا ضَوَالَّ مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ، أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا إِلَى بِلادِنَا؟ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَإِيَّاهَا، فَإِنَّمَا ذَلِكَ حَرْقُ النَّارِ] قَالَ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ الْجَارُودُ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ- وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلامِ صُلْبًا عَلَى دِينِهِ- حَتَّى هَلَكَ، وَقَدْ أَدْرَكَ الرده،
(3/136)

فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَى دِينِهِمْ الأَوَّلِ مَعَ الْغَرُورِ، الْمُنْذِرِ ابن النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَقَامَ الْجَارُودُ فَشَهِدَ شَهَادَةَ الحق ودعا الى الاسلام، فقال: يا ايها النَّاسُ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْهَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَبْلَ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلاءُ أَمِيرٌ عِنْدَهُ لِرَسُولِ الله على البحرين

قدوم وفد بنى حنيفه ومعهم مسيلمه
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قدم على رسول الله ص وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بْن حبيب الكذاب، فكان منزلهم فِي دار ابنة الحارث، امرأة من الأنصار، ثُمَّ من بني النجار.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَنَّ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَتْ بِمُسَيْلِمَةَ الى رسول الله ص تَسْتُرُهُ بِالثِّيَابِ، وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَمَعَهُ عَسِيبٌ مِنْ سَعْفِ النَّخْلِ، فِي رَأْسِه خوصات، [فلما انتهى الى رسول الله ص وهم يسترونه بالثياب، كلم رسول الله ص، فقال له رسول الله: لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعَسِيبَ الَّذِي فِي يَدِي مَا أَعْطَيْتُكَ!] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، قَالَ: كَانَ حَدِيثُ مُسَيْلِمَةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا،
(3/137)

زَعَمَ أَنَّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ الله ص وَخَلَّفُوا مُسَيْلِمَةَ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا لَهُ مَكَانَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ خَلَّفْنَا صَاحِبًا لَنَا فِي رِحَالِنَا وَرِكَابِنَا يحفظهما لَنَا قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ، وَقَالَ: [أَما إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، يَحْفَظُ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ،] وَذَلِكَ الذى يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَجَاءُوا مُسَيْلِمَةَ بِمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْيَمَامَةِ ارْتَدَّ عَدُوُّ اللَّهِ وَتَنَبَّأَ وَتَكَذَّبَ لَهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي قَدْ اشركت في الأمر معه، وقال الوفد: أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ حَيْثُ ذَكَرْتُمُونِي: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا! مَا ذَلِكَ إِلا لِمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ مَعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْجَعُ السَّجَعَاتِ، وَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحِشَى، وَوَضَعَ عَنْهُمْ الصَّلاةَ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَشَهِدَ لِرَسُولِ الله ص أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَصْفَقَتْ بَنُو حَنِيفَةَ عَلَى ذَلِكَ، فالله اعلم اى ذلك كان.

قدوم الاشعث بن قيس في وفد كنده
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ كِنْدَةَ، رَأْسُهُمُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رسول الله ص الاشعث ابن قَيْسٍ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا على رسول الله مسجده، وقد
(3/138)

رَجَّلُوا جُمَمَهُمْ، وَتَكَحَّلُوا، عَلَيْهِمْ جُبَبُ الْحَبِرَةِ، قَدْ كَفَّفُوهَا بِالْحَرِيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، قَالَ: أَلَمْ تُسْلِمُوا؟
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟ قَالَ: فَشَقُّوهُ مِنْهَا فَأَلْقَوْهُ، ثُمَّ قَالَ الأَشْعَثُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمُرَارِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ناسبوا بهذا النسب العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: وَكَانَ رَبِيعَةُ وَالْعَبَّاسُ تَاجِرَيْنِ، فَكَانَا إِذَا سَاحَا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَسُئِلا مَنْ هُمَا؟ قَالا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، يَتَعَزَّزَانِ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ كنده كانت ملوكا، [فقال رسول الله ص: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا] فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: هَلْ عَرَفْتُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ! وَاللَّهِ لا أَسْمَعُ رَجُلا قَالَهَا بَعْدَ الْيَوْمِ الا ضربته حده ثمانين
. [حوادث متفرقة]
قال الْوَاقِدِيّ: وفيها قدم وفد محارب وفيها قدم وفد الرهاويين.
وفيها قدم وفد العاقب والسيد من نجران، فكتب لهما رَسُول اللَّهِ ص كتاب الصلح.
قَالَ: وفيها قدم وفد عبس.
وفيها قدم وفد صدف، وافوا رَسُول اللَّهِ ص فِي حجة الوداع
(3/139)

قَالَ: وفيها قدم عدي بْن حاتم الطائي، فِي شعبان.
وفيها مات أبو عامر الراهب عِنْد هرقل، فاختلف كنانة بْن عبد ياليل وعلقمة بْن علاثة فِي ميراثه، فقضي به لكنانة بْن عبد ياليل قَالَ: هما من اهل المدر، وأنت من اهل الوبر.

قدوم رفاعة بن زيد الجذامى
قَالَ: وفيها قدم وفد خولان، وهم عشرة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ خَيْبَرَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ ثُمَّ الضُّبَيْبِيُّ، فَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ غُلامًا، وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قَوْمِهِ كِتَابًا، فِي كِتَابِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، إِنِّي بَعَثْتُهُ إِلَى قَوْمِهِ عَامَّةً وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَنْ أَقْبَلَ فَمِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَحِزْبِ رَسُولِهِ، وَمَنْ أَدْبَرَ فَلَهُ أَمَانُ شَهْرَيْنِ فَلَمَّا قَدِمَ رِفَاعَةُ عَلَى قَوْمِهِ، أَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الْحَرَّةِ، حَرَّةِ الرَّجْلاءِ فَنَزَلُوهَا.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لا يَتَّهِمُ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُذَامٍ كَانُوا بِهَا عُلَمَاءَ، أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، لَمَّا قَدِمَ مِنْ عند رسول الله ص بِكِتَابِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ، لَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَقْبَلَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ صَاحِبِ الرُّومِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ لَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا، يُقَالُ لَهُ: شَنَارٌ، أَغَارَ عَلَى دِحْيَةَ الْهُنَيْدُ بْنُ عَوْصٍ وَابْنُهُ عَوْصُ بْنُ الْهُنَيْدِ، الضَّلِيعِيَّانِ- وَالضَّلِيعُ بَطْنٌ مِنْ جُذَامٍ- فَأَصَابَا كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ،
(3/140)

فَبَلَغَ ذَلِكَ نَفَرًا مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ قَوْمِ رِفَاعَةَ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ وَأَجَابَ، فَنَفَرُوا إِلَى الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فِيهِمْ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي جِعَالٍ، حَتَّى لَقُوهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْتَمَى يَوْمَئِذٍ قُرَّةُ بْنُ أَشْقَرٍ الضُّفَارِيُّ ثُمَّ الضَّلِيعِيُّ، فَقَالَ: أنا ابْنُ لُبْنَى، وَرَمَى النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي جِعَالٍ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ، فَقَالَ حِينَ أَصَابَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ لُبْنَى- وَكَانَتْ لَهُ أُمٌّ تُدْعَى لُبْنَى- قَالَ: وَقَدْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ مَلَّةَ الضُّبَيْبِيُّ قَدْ صَحِبَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعَلَّمَهُ أُمَّ الْكِتَابِ، فَاسْتَنْقَذُوا مَا كَانَ فِي يَدِ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ عَوْصٍ، فَرَدُّوهُ عَلَى دِحْيَةَ، فَسَارَ دِحْيَةُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَاسْتَسْقَاهُ دَمَ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِم رَسُولُ اللَّهِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ- وَذَلِكَ الَّذِي هَاجَ غَزْوَةَ زيد جذاما، وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا- وَقَدْ وَجَّهَتْ غَطَفَانُ مِنْ جُذَامٍ كُلِّهَا وَوَائِلُ وَمَنْ كَانَ مِنْ سَلامَانَ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ حِينَ جَاءَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ، فَنَزَلُوا بِالْحَرَّةِ، حَرَّةِ الرَّجْلاءِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكُرَاعِ ربَّةَ وَلَمْ يَعْلَمْ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ وَسَائِرُ بَنِي الضُّبَيْبِ بِوَادٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ مِمَّا يَسِيلُ مَشْرِقًا، وَأَقْبَلَ جَيْشُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الأَوْلاجِ، فَأَغَارَ بِالْفَضَافِضِ مِنْ قِبَلِ الْحَرَّةِ، وَجَمَعُوا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ وَأُنَاسٍ، وَقَتَلُوا الْهُنَيْدَ وَابْنَهُ وَرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي الأَحْنَفِ، وَرَجُلا مِنْ بَنِي خَصِيبٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو الضُّبَيْبِ وَالْجَيْشُ بِفَيْفَاءَ مُدَانٍ، رَكِبَ حَسَّانُ بْنُ مَلَّةَ عَلَى فَرَسٍ لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ يُقَالُ لَهَا الْعَجَّاجَةُ، وَأُنَيْفُ بْنُ مَلَّةَ عَلَى فَرَسٍ لِمَلَّةَ، يُقَالُ لَهَا رِغَالُ، وَأَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا شِمْرٌ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْجَيْشِ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ لأُنَيْفِ بْنِ مَلَّةَ: كُفَّ عَنَّا وَانْصَرِفْ، فَإِنَّا نَخْشَى لِسَانَكَ، فَانْصَرِفْ فَوَقَفَ عَنْهُمَا، فَلَمْ يُبْعِدَا مِنْهُ، فَجَعَلَ فَرَسَهُ تَبْحَثُ بِيَدِهَا وَتُوثَبُ، فَقَالَ: لأَنَا أَضِنُّ بِالرَّجُلَيْنِ مِنْكَ بِالْفَرَسَيْنِ، فَأَرْخَى لَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُمَا، فَقَالا لَهُ: أَمَا إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَكُفَّ عَنَّا لِسَانَكَ وَلا تَشْأَمُ