السبت، 6 مايو 2023

تبيين العجب بما ورد في شهر رجب-للحافظ ابن حجر العسقلاني

تبيين العجب بما ورد في شهر رجب-للحافظ ابن حجر العسقلاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

شاهدت بخط سيدي الأخ في الله - تعالى - الشيخ شمس الدين السخاوي، كان الله له. وجدت بخط شيخي شيخ الإسلام، حافظ الوقت أبي الفضل أحمد بن الإمام أبي الحسن، على بن محمد، العسقلاني الأصل، المصري، الشافعي، ابن حجر - رحمه الله تعالى - ما نصه.

الحمد لله كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأكبره تكبيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أرسل بالحق بشيرا ونذيرا - صلى الله وسلم عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وآل كل وصحبه، قديما وأخيرا.

أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة من الإخوان في جميع ما ورد في فضائل شهر رجب الفرد، وصيامه والصلاة فيه، وبيان صحيح ذلك من سقيمه، فسطرت في هذه الأوراق ما وصلت إليه بحسب العجلة.

قال ابن دحية: رجب. جمعه أرجاب، ورجبانات، وأرجبة وأراجب ورجابي. قال. وله ثمانية عشر اسما:

الأول: رجب؛ لأنه كان يرجب في الجاهلية، أي يعظم.

الثاني: الأصم؛ لأنه ما كان تسمع فيه قعقعة السلاح.

الثالث: الأصب؛ لأنهم كانوا يقولون: إن الرحمة تصب فيه.

الرابع: رجم - بالميم - لأن الشياطين ترجم فيه.

الخامس: الشهر الحرام.

السادس: الحرم، لأن حرمته قديمة.

السابع: المقيم؛ لأن حرمته ثابتة.

الثامن:المعلى؛ لأنه رفيع عندهم.

التاسع: الفرد، وهذا اسم شرعي.

العاشر: منصل الأسنة، ذكره البخاري، عن أبي رجاء العطاردي.

الحادي عشر: منصل الآل، أي الجواب. وقع في شعر الأعشى.

الثاني عشر: منزع الأسنة.

الثالث عشر: شهر العتيرة؛ لأنهم كانوا يذبحون.

الرابع عشر: المبرى.

الخامس عشر: المعشعش.

السادس عشر: شهر الله.

هذه ستة عشر: ثم ذكر ابن دحية.

السابع عشر: سمي رجبا؛ لترك القتال: يقال. أقطع لله الرواجب.

الثامن عشر: سمي رجبا؛ لأنه من الرواجب.

وهذان ليسا اسمين زائدين، بل هذا اختلاف في اشتقاق اسم رجب.

ثم قال: وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب. قال: وذلك كذب.

قال الحربي: كان الإسراء ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول.

 

 

 

فصل

 

لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه، - معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه - حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره، ولكن اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف، ما لم تكن موضوعة. وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا، وأن لا يشهر بذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة.

وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره. وليحذر المرء من دخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين". فكيف بمن عمل به.

ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام، أو في الفضائل، إذ الكل شرع.

ثم نرجع فنقول: إن أمثل ما ورد في ذلك:

ما رواه النسائي من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: " قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم في شعبان. قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان... "الحديث.

فهذا فيه إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان. لذلك كان يصومه.

وفي تخصيصه ذلك بالصوم - إشعار بفضل رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم.

ومن ذلك: ما رواه أبو داود في السنن، قال:  حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن سعيد الجريري، عن أبي السليل - يعني ضريب بن نفير - عن مجيبة الباهلية، عن أبيها - أو عمها.

أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ثم انطلق فأتاه بعد سنة، وقد تغير حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله، أما تعرفني ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ومن أنت ؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال صلى الله عليه وسلم: فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة ؟ قال: ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: لما عذبت نفسك ؟ ثم قال: صم شهر الصبر، ويومان من كل شهر. قال: زدني، فإن بي قوة. قال صلى الله عليه وسلم: صم يومين فإن بي قوة. قال صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام. قال: زدني. قال صلى الله عليه وسلم: صم الحزم واترك. صم من الحرم واترك. فقال: بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها.

ففي هذا الخبر - وإن كان في إسناده من لا يعرف - ما يدل على استحباب صيام بعض رجب، لأنه أحد الأشهر الحرم.

وأما حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام من شهر حرام: الخميس والجمعة، والسبت - كتبت له عبادة سبعمائة سنة "فرويناه في فوائد تمام الرازي. وفي سنده ضعفاء ومجاهيل.

وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب، أو فضل صيامه، أو صيام شيء منه صريحة، فهي على قسمين: ضعيفة، وموضوعة. ونحن نسوق الضعيفة ونشير إلى الموضوعة إشارة مفهمة.

فمن الضعيفة:

ما أخبرنا أبو الحسن بن عقيل: أنبأنا أبو الفرج بن قدامة، أنبأنا أحمد بن عبد الدائم، أنبأنا يحي بن محمود، أنبأنا جدي لأمي، الحافظ أبو القاسم التيمي في كتاب الترغيب والترهيب له، أخبرنا سليمان بن إبراهيم وغيره، قال: حدثنا أبو سعيد النقاش، أخبرنا أبو أحمد العسال، حدثنا جعفر بن أحمد فارس، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا محمد بن المغيرة بن بسام، حدثنا منصور يعني ابن زيد، حدثنا موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري، سمعت أنس بن مالك، يقول: "إن في الجنة نهرا يقال له رجب: ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل: من صام يوم من رجب سقاه الله من ذلك النهر".

وهكذا أورده أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو النقاش الحافظ الأصبهاني في كتاب فضل الصيام له.

وهكذا رواه أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر الحافظ، في كتاب فضل الصوم، عن جعفر بن أحمد بن فارس، بسنده. وقال في إسناده: حدثنا منصور. وهو ابن زيد الأسدي.

ورواه البيهقي في فضائل الأوقات له من طريق منصور بن زيد، قال: حدثنا موسى بن عمران، سمعت أنس بن مالك.

وهكذا رويناه في أمالي أبي محمد الجوهري. وقال فيها: عن منصور بن زيد  بن زائدة الأسدي عن موسى بن عمران.

وهكذا رواه ابن شاهين في كتاب الترغيب والترهيب له من طريق الحسن بن الصباح عن عبد الله بن عبد الرحمن عن منصور بن زائدة عن موسى بن عمران به.

وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية: فيه مجاهيل.

قلت:

أما موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري، فإنه رجل ثقة معروف، أخرجه له مسلم وغيره. نعم.

أما موسى بن عمران، فلا يدرى من هو. وقد جاء منسوبا مجودا في الرواية التي سقناها وأظن أن موسى يكنى أبى عمران. وأظن أن في رواية البيهقي وغيره. عن موسى أبي عمران فصحفها بعض الرواة عن موسى ابن عمران؛ ومثل هذا يقع كثيرا.

وأما منصور بن زيد، فقد روى عنه جماعة ولكن لم أقف فيه للمتقدمين على جرح ولا تعديل.

نعم ذكره الذهبي في الميزان، فقال:

( منصور بن يزيد حدث عنه محمد بن المغيرة، في فضل رجب، لا يعرف والخبر باطل). ثم ساقه من طريق السلفي بإسناده إلى جعفر بن أحمد بن فارس، بسنده المتقدم.

قلت:

وقوله منصور بن يزيد، بزيادة ياء مثناة من تحت في أوله، وَهْمٌ. وإنما هو زيد، بفتح الزاي، كما تضافرت بذلك الروايات. ولم ينفرد محمد بن المغيرة عن برواية ذلك بل روى عنه محمد بن روق ويعيش بن الجهم، وغيرهما، كما تقدم.

ثم قال الذهبي في الميزان:

(محمد بن المغيرة بن بسام يروي عن منصور بن يزيد، وعنه البخاري بإسناد نظيف إلى البخاري، يحدث: إن في الجنة نهرا يقال له: رجب... الحديث. وهو باطل).

قلت:

وفي الكامل لابن عدي: محمد بن المغيرة، عن أيوب بن سويد الرملي، كان يسرق الحديث وهو عندي ممن يضع الحديث، أ هـ.

وفي ثقات ابن حبان: ( محمد بن المغيرة بن بسام الشهرزوري سكن أذنة، يروى عن إسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، حدثنا عنه عمر بن سنان، وغيره من شيوخنا، ربما أخطأ يعتبر حديثه إذا روى عنه الثقات ). أ هـ.

وهذان عندي واحد، وإن كان الذهبي يفرق بينهما في الميزان، وتبين أن هذا ليس بحجة.

وأما شيخه فمجهول الحال. فالإسناد ضعيف في الجملة، لكن لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع. والله أعلم.

وله طريق أخرى عن أنس:

رواه أبو عبد الله الحسين بن فتحوية عن عبد الله بن شنبة، عن سيف بن المبارك، عن عمر بن حميد القاضي عن كثير بن سليم، عن أنس. وفي إسناده مجاهيل. ووجدت له شاهدا إلا أنه باطل. فقرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي:

أنبأنا الشيخ أبو البركات هبة الله ابن المبارك السقطي، أخبرنا أبو الغنائم الدجاجي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الذهبي، حدثنا البغوي، حدثنا سويد، عن يحي بن أبي زائدة، عن عاصم بن أبي نضرة، عن أبيه عن أبي سعيد الخدري، مرفوعا:

" إن في الجنة نهرا يقال له: رجب، ماؤه الرحيق، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أعده الله لصوام رجب ".

قالت: ورجال هذا الإسناد ثقات إلا السقطي، فإنه من وضعه، وأما عاصم بن أبي نضرة فما عرفته.

حديث آخر:

قال أبو بكر البزار في مسنده، حدثنا أحمد بن مالك القشيري، أنبأنا زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب قال: " اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ".

أخبرناه أبو الحسن بن أبي المجد، أخبرنا سليمان بن حمزة، وعيسى بن معالي. إجازة، قالا: أنبأنا جعفر بن علي الهمداني، أنبأنا الحافظ أبو طاهر السلفي، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الواحد، حدثنا أبو القاسم بن بشران، حدثنا أبو بكر: محمد بن إسماعيل الوراق، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، هو البغوي، حدثنا عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: " اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ".

ورواه الطبراني في الأوسط، ومن حديث زائدة. وقال: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد. وتفرد به زائدة.

ورواه البيهقي في فضائل الأوقات عن القواريري، وعن زائدة. قال: تفرد به زائدة، عن زياد، وهو حديث ليس بالقوي.

ورواه يوسف القاضي في كتاب الصيام، عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن زائدة به.

قلت:

وزائدة بن أبي الرقاد، روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم يحدث عن زياد النميري، عن أنس أحاديث مرفوعة، منكرة. فلا يدرى منه، أو من زياد، ولا أعلم روى عن غير زياد، فكنا نعتبر بحديثه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: بعد أن أخرج له حديثا في السنن: لا أدري من هو. وقال في الضعفاء: منكر الحديث (و) في الكني: ليس بثقة. وقال ابن حبان لا يحتج بخبره.

ثم وجدت لهذا الخبر إسنادا ظاهره الصحة، فكأنه موضوع، فأردت التنبيه عليه؛ لئلا يغتر به.

قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي: أنبأنا الشيخ أبو البركات السقطي، أخبرنا محمد بن علي بن المهتدي، أنبأنا عيسى بن علي بن الجراح أنبأنا القواريري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس به.

قلت:

وهذا من صنعة السقطي، فيه دليل على جهله، فإن القورايري لم يلحق حماد بن سلمة، وإنما رواه عن زائدة بن أبي الرقاد. كما تقدم.

حديث آخر:

قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن قريش، أخبرنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو زرعة، أنبأنا محمد بن عبد الله الأزدي، أنبأنا يوسف بن عطية الصفار، أنبأنا هشام القروي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لم يصم بعد رمضان إلا رجب وشعبان ".

قلت: وهو حديث منكر من أجل يوسف بن عطية ؟ فإنه ضعيف جدا.

وورد في فضل رجب من الأحاديث الباطلة، أحاديث لا بأس بالتنبيه عليها؛ لئلا يغتر بها... فمنها:

حديث: " رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي ".

رواه أبو بكر النقاش المفسر، أنبأنا أحمد بن العباس الطبري، أنبأنا الكسائي، أنبأنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن أبي سعيد الخدري.

وهو سند مركب، ولا يعرف لعلقمة سماع من أبي سعيد، والكسائي المذكور في السند لا يدري من هو، وليس هو على بن حمزة المقدسي؛ فإنه أقدم من هذه الطبقة بكثير. والعهدة في هذا الإسناد على النقاش.

وقد رواه الحافظ الكبير أبو الفضل محمد بن ناصر في أماليه، أخبرنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو الخطاب بن البطر، سماعا، وأبو علي ابن البناء، إجازة. قالوا:

أنبأنا أبو القاسم الحرفي، أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسن النقاش، أنبأنا أبو عمرو: أحمد بن العباس الطبري القيروي: أنبأنا الكسائي، قال ابن ناصر، هو أبو الحسن على بن حمزة الكسائي المقدسي الكوفي، أنبأنا أبو معاوية، أنبأنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم: رجب لا يقارنه من الأشهر أحد، ولذلك يقال له: شهر الله الأصم، وثلاثة أشهر متواليات: يعني ذا القعدة وذا الحجة والمحرم. إلا وإن رجبا شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي. فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكنه الفردوس الأعلى، ومن صام من رجب يومين فله من الأجر ضعفان، وزن لك ضعف مثل جبال الدنيا. ومن صام من رجب ثلاثة أيام جعل الله بينه وبين النار خندقا، طول مسيرة ذلك اليوم سنة. ومن صام من رجب أربعة أيام عوفي من البلاء، ومن الجذام، والجنون والبرص، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب القبر. ومن صام من رجب خمسة أيام وقى عذاب القبر، ومن صام من رجب ستة أيام خرج من قبره ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر. ومن صام من رجب سبعة أيام فإن لجهنم سبعة أبواب، يغلق الله - تعالى - عنه بصوم كل يوم بابا من أبوابها. ومن صام من رجب ثمانية أيام فإن للجنة ثمانية أبواب، يفتح الله له بكل صوم يوم بابا من أبوابها. ومن صام من رجب تسعة أيام خرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله، فلا يرد وجهه دون الجنة، ومن صام من رجب عشرة أيام جعل الله له على كل ميل على الصراط فراشا يستريح عليه. ومن صام من رجب أحد عشر يوما لم يواف عبد يوم القيامة بأفضل منه إلا من صام مثله، أو زاد عليه. ومن صام من رجب اثني عشر يوما كساه الله يوم القيامة حلتين الحلة الواحدة خير من الدنيا وما فيها. ومن صام من رجب ثلاثة عشر يوما وضع له يوم القيامة مائدة في ظل العرش، فأكل عليها والناس في شدة شديدة. ومن صام من رجب أربعة يوما أعطاه الله من الثواب مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ومن صام من رجب خمسة عشر يوما وقفه الله يوم القيامة موقف الآمنين. وقال ابن ناصر: سقط من سماع ابن البطر وابن خيرون قوله: ومن صام من رجب خمسة أيام. والباقي سواء.

قال: وهذا حديث غريب عال من حديث أبي معاوية الضرير، عن الأعمش. وهو غريب من حديث علقمة، عن أبي سعيد، تفرد به أبو عمرو الطبري. ولا يعرف إلا من روايته. ولم نسمعه إلا من رواية أبي بكر النقاش، عنه.

قلت:

هذا الكلام لا يليق بأهل النقد. وكيف يروج مثل هذا الباطل على ابن ناصر، مع تحقيقه بأن النقاش وضاع دجال. نسأل الله العافية.

فوالله ما حدث أبو معاوية، ولا من فوقه بشيء من هذا قط. وليس الكسائي على بن حمزة المقدسي النحوي، فقد جزم بأنه غيره - الإمام أبو الخطاب بن دحية، فقال: الكسائي المذكور لا يدري من هو. وقال بعد أن أخرج الحديث: هذا موضوع.

قلت:

وللحديث طرق أخرى واهية أيضاً، وفي رواتها مجاهيل رويناه في أمالي أبي القاسم بن عساكر من طريق عصام بن طليق، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بطوله. وفيه زيادة ونقص، وتقديم وتأخير، وقال بعد قوله أنت آمن ومن صام من رجب ستة عشر يوما كان في أوائل من يزور الرحمن، وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه، ومن صام من رجب سبعة عشر يوما نصب الله على كل ميل من الصراط استراحة يستريح عليها، ومن صام من رجب ثمانية عشر يوما زاحم إبراهيم في قبته، ومن صام من رجب تسعة عشر يوما بنى الله له قصرا تجاه إبراهيم وآدم، يسلم عليهما، ويسلمان عليه، ومن صام من رجب عشرين يوما نادى مناد من عند الله: أما ما مضى فقد غفرت لك، فاستأنف العمل.

وله طريق أخرى:

رويناها في "فضائل الأوقات" للبيهقي، من طريق غنجار عن نوح بن أبي مريم، عن زيد العمي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيرة الله من الشهور شهر رجب، وهو شهر الله، من عظم شهر رجب فقد عظم أمر الله أدخله جنات النعيم، وأوجب له رضوانه الأكبر، وشعبان شهري، فمن عظم شهر شعبان فقد عظم أمري، ومن عظم أمري كنت له فرطا وذخرا يوم القيامة، وشهر رمضان شهر أمتي، فمن عظم شهر رمضان، وعظم حرمته، ولم ينتهكه، وصام نهاره، وقام ليله، وحفظ جوارحه، خرج من رمضان وليس عليه ذنب يطالبه الله تعالى به. قال البيهقي: هذا حديث منكر بمرة.

قلت:

بل هو موضوع ظاهر الوضع، بل هو من وضع نوح الجامع، وهو أبو عصمة الذي قال عنه المبارك، لما ذكره لوكيع: عندنا شيخ يقال له: أبو عصمة، كان يضع الحديث، وهو الذي كانوا يقولون فيه: نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق، وقال الخليلي: أجمعوا على ضعفه.

ومنها:

ما قرأت بخط سلفي الحافظ، قال أنبأنا الشيخ أبو البركات هبة الله بن المبارك السقطي، أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، أنبأنا محمد بن عبد الله ابن أخي ميمي، أنبأنا عبد الله بن محمد البغوي، أنبأنا منصور بن أبي مزاحم، ومحمد بن حبيب الجارودي، قالا: حدثنا مالك، عن الزهري: عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل شهر رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الأذكار، وفضل شعبان على سائر الشهور، كفضل محمد على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور، كفضل الله على عباده".

ورجال هذا الإسناد ثقات، إلا السقطي فهو الآفة، وكان مشهورا بوضع الحديث، وتركيب الأسانيد، ولم يحدث واحد من رجال هذا الإسناد بهذا الحديث قط.

ومنها:

حديث رجب، شهر الله ويدعى الأصم، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها، فكان الناس يأمنون وتأمن السبل ولا يخافون بعضهم بعض حتى ينقضي.

وهذا وإن كان معناه صحيحا فإنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رواه عيسى غنجار، عن أبان بن سفيان، عن غالب بن عبيد الله، عن عطاء، عن عائشة، وأبان وغالب معروفان بوضع الحديث.

ومنها:

"رجب شهر الله الأصم، من صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر".

وهو متن لا أصل له، اختلقه أبو البركات السقطي، وركب له إسنادا، فزعم أن جابر بن يس أخبره:

أخبره المخلص، أنبأنا البغوي، أخبرنا عبد الملك بن عبد العزيز، أنبأنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أمية، عن ابن أبي حسين، عن شهر، عن عبد الرحمن غنيم، عن أبي سعيد مرفوعا. وهذا إسناد حسن، إلا أنه من وضع السقطي واختلاقه فسقط.

ومنها:

حديث: "من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر، ومن صام سبعة أيام أغلق عنه سبعة أبواب النار، ومن صام ثمانية أيام فتح الله له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام نصف رجب كتب الله له رضوانه، ومن كتب الله له رضوانه لم يعذبه، ومن صام رجبا كله حاسبه الله حسابا يسيرا".

رويناه في فضل رجب لأبي القاسم السمرقندي، وفي الجزء الثالث من حديث أبي روق الهمزاني من طريق عمرو بن الأزهر، عن أبان ابن أبي عياش عن أنس. وعمرو بن الأزهر: كذبه يحي بن معين وغيره، وأبان تقدم ذكره.

ومنها:

حديث: " من فرج عن مؤمن كربة في رجب أعطاه الله تعالى في الفردوس قصرا مد بصره، أكرموا رجبا يكرمكم الله بألف كرامة".

وهو متن لا أصل له بل اختلقه أبو البركات هبة الله بن المبارك السقطي - لا بارك الله فيه - ووضع إسنادا رجاله ثقات، فقال:

أخبرنا أبو غانم: محمد بن الحسن، أخبرنا علي بن وصيف، حدثنا البغوي، أنبأنا خلف بن هشام، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير مرفوعا.

ومنها:

حديث: "رجب من أشهر الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوما، وجود صومه بتقوى الله، نطق الباب ونطق اليوم، فقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له".

ورواه أبو سعيد محمد بن على الأصبهاني النقاش، وليس هو بالمفسر في كتاب فضل الصيام، له من حديث أبي سعيد الخدري، وفي إسناده إسماعيل بن يحي التيمي، وهو مذكور بالكذب.

 

 

ومنها:

حديث: "من صام يوما من رجب كان كصيام سنة، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوما نادى مناد في السماء قد غفر لك ما سلف، فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله، وفي شهر رجب حمل نوح السفينة فصام، وأمر من معه أن يصوموا".

رويناه في فضائل الأوقات للبيهقي؛ وفضائل رجب لعبد العزيز الكتاني، وفي الترغيب والترهيب لأبي القاسم التيمي من طريق عثمان بن مطر، عن عبد الغفور، عن عبد العزيز بن سعيد، عن أبيه: عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعثمان بن مطر كذبه ابن حبان، وأجمع الأئمة على ضعفه.

قال البخاري في الضعفاء: أخبرنا إبراهيم، أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عثمان بن عطاء عن سعيد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رجب شهر عظيم تضاعف فيه الحسنات، ومن صام فيه يوما فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام منه عشرة أيام لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام منه خمسة عشر يوما نادى مناد من السماء قد غفر الله لك ما قد سلف، فاستأنف العمل، وفي رجب حمل الله نوحا في السفينة فصام ومن معه شكرا لله وجرت السفينة بهم فاستقرت على الجودي في يوم عاشوراء، وفي رجب تاب الله على آدم وعلى أهل مدينة يونس، وفيه فلق البحر لموسى، وفيه ولد إبراهيم وعيسى. المحاربي عثمان بن مطر بن عبد الغفور بن عبد العزيز، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام من رجب يوما كان كسنة".

ومنها:

ما نقلناه من الموضوعات لابن الجوزي، قال: "لا صلاة لأول ليلة منه".

أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا الحسن بن إبراهيم، أنبأنا أبو جعفر: محمد بن علي بن محمد الطائي، أنبأنا عبد الكريم بن أبي حنيفة بن الحسن البخاري، أخبرنا أبو الطيب طاهر بن الحسن المطوعي، أخبرنا أبو ذر: عمار بن محمد بن مخلد البغدادي، أخبرنا عبد الله بن محمد الحارثي، أنبأنا محمد بن يونس الرخى، أخبرنا محمد بن القاسم، عن علي بن محمد عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى المغرب من أول ليلة من رجب، ثم صلى بعدها عشرين ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد مرة، ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟ فإن الروح الأمين جبريل علمني ذلك، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: حفظه الله في نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب".

قال المصنف: هذا موضوع وأكثر رجاله مجاهيل.

ومنها:

صلاة في رجب....

أخبرنا عبد الجبار بن إبراهيم بن منده، أخبرنا هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، أنبأنا عبد الصمد بن الحسن الحافظ، أنبأنا أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب، أنبأ محمد بن خشرم أخبرنا أبو الفضل: أحمد بن محمد بن سعيد، أخبرنا أبو سليمان المرجاني، اخبرنا حجر بن هشام، عن عثمان بن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صام يوما من رجب، وصلى فيه أربع ركعات، يقرأ في أول ركعة مائة مرة آية الكرسي، وفي الركعة الثانية قل هو الله أحد مائة مرة، لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة، أو يرى له ".

قال المصنف: هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر رواته مجاهيل. وعثمان متروك عند المحدثين.

أنبئت عن يحيى بن محمد بن سعد، أنبانا عبد الوهاب بن زين الأمناء، أنبأنا القاسم بن أبى القاسم بن أبي القاسم  الحافظ بن الحافظ، أنبأنا الفقيه أبو الفتح: نصر الله بن محمد الشافعي أنبأنا نصر بن إبراهيم الزاهد، أنبأنا أبو سعيد: بندار بن عمر بن محمد الرويانى، أخبرنا أبو محمد: عبد الله بن جعفر الخيازى، أنبأ الحسن: على بن محمد بن عمر الفقيه، بالرى، أخبرنا أبو الحسن: عبيد الله بن خالد، أخبرنا أبو حاتم، أخبرنا ابن الأحمر أخبرنا محمد بن زياد اليشكري، أخبرنا ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغ من صلاته قرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس، ثم قال: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله وأكبر ولا حول لله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربع مرات، ثم أصبح صائما، حط الله عنه ذنوبه ستين سنة. وهى الليلة التي بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم.

ومنها:

صلاة الرغائب...

أخبرنا على بن عبيد الله بن الزاغوفى، حدثنا أبو زيد: عبد الله بن عبد الملك الأصفهاني، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده وأنبأ محمد بن ناصر الحافظ أنبأنا أبو القاسم بن منده أنبأنا أبو القاسم على بن عبد الله بن جهضم الصوفي أخبرنا على بن محمد سعيد البصري، حدثنا أبي حدثنا خلف بن عبد الله - وهو الصغانى، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي. قيل: يا رسول الله ما معنى قولك: رجب شهر الله ؟ قال: لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه أنقذ أولياءه من بلاء عذابه. من صامه استوجب على الله ثلاثة أشياء: مغفرة لجميع ما سلف من ذنوبه، وعصمته فيما بقى من عمره، وأمانا من العطش يوم العرض الأكبر. فقام شيخ ضعيف فقال. يا رسول الله، إني لأعجز عن صيامه كله فقال صلى الله عليه وسلم: صم أول يوم منه فإن الحسنة بعشر أمثالها، وأوسط يوم منه، وآخر يوم منه - فإنك تعطى ثواب من صامه كله: ولكن لا تغفلوا عن أو ليلة جمعة في رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة الرغائب. وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى مالك في جميع السموات والأرض إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، ويطلع الله - عز وجل - عليهم إطلاعه فيقول: ملائكتي. سلوني ما شئتم. فيقولون: يا ربنا حاجتنا إليك: أن تغفر لصوام رجب. فيقول الله عز وجل -: قد فعلت ذلك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من أحد يصوم يوم الخميس، أول خميس من رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعنى ليلة الجمعة. اثني عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وإنا أنزلنا في ليلة القدر، ثلاث مرات، وقل هو الله أحد اثنتى عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة؛ فإذا فرغ من صلاته صلى سبعين مرة، يقول: اللهم صلي على محمد النبي الأمي، وعلى آله، ثم يسجد، فيقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبعين مرة، ثم يرفع رأسه، فيقول: اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت العزيز الأعظم، سبعين مرة، ثم يسجد الثانية، فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى - حاجته، فإنها تقضى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة إلا غفر له جميع ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، وعدد ورق الأشجار. وشفع يوم القيام في سبعمائة من أهل بيته. فإذا كان أول ليلة في قبره جاءه ثواب هذه الصلاة، فيجيبه بوجه طلق ولسان ذلق، ويقول له: يا حبيبي، أبشر قد نجوت من كل شدة. فيقول: من أنت ؟ فوالله ما رأيت وجها أحسن من وجهك، ولا سمعت كلاما أحلى من كلامك، ولا شممت رائحة أطيب من رائحتك. فيقول له: يا حبيبي، أنا ثواب الصلاة التي صليتها في ليلة كذا، من شهر كذا جئت الليلة لأقضي حقك، وأونس وحدتك، وأرفع عنك وحشتك، وإذا نفخ في الصور أطللت في عرض القيامة على رأسك. فأبشر فلن تعدم الخير من مولاك أبداً.

قال المصنف ولفظ الحديث لمحمد بن ناصر هذا، حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اتهموا به ابن جهضم، فنسبوه إلى الكذب. وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ، يقول: رجاله مجهولون. وقد فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم.

قال المصنف: ولقد أبدع من وصفها، فإنه تحتاج من يصليها إلى أن يصوم، وربما كان النهار شديد الحر، فإذا صام لم يتمكن من الأكل حتى يصلي المغرب، ثم يقف فيها، ويقع في ذلك التسبيح الطويل، والسجود الطويل، فيتأذى غاية الأذى: وإني لأغار لرمضان ولصلاة التراويح. كيف زوحم بهذه ؟ بل هذه عند العوام أعظم وأجل؛ فإنه يحضرها من لا يحضر الجماعات.

قلت:

وأخرج هذا الحديث أبو محمد عبد العزيز الكناني الحافظ، في كتاب: فضل رجب له. فقال: ذكر على بن محمد بن سعيد البصري أخبرنا أبى بكر، فذكره بطوله. وأخطأ عبد العزيز في هذا، فإنه أوهم أن الحديث عنده عن غير على بن عبد الله بن جهضم. وليس الأمر كذلك، فإنه إنما أخذه عنه، فحذفه لشهرته بوضع الحديث وارتقى إلى شيخه، مع أن شيخه مجهول، وكذا شيخ شيخه، وكذا خلف. والله أعلم.

ومنها:

ما رواه أبو الفرج بن الجوزي في " الموضوعات " له قال: أنبأنا إبراهيم بن محمد الأزجى، أنبأنا الحسين بن إبراهيم، أنبأنا أبو عثمان بن الحسن بن نصر الأديب، أخبرنا على بن محمد بن حمدان أخبرنا إبراهيم بن محمد بن أحمد بن يوسف، حدثنا ربيعة بن على بن محمد، أخبرنا محمد ابن الحسين، أخبرنا عبد الله بن عبد العزيز أخبرنا عصام بن محمد، أخبرنا سلمة بن شبيب وعمرو بن هشام، ومحمود ابن غيلان، قالوا: أخبرنا أحمد بن زيد بن يحيى، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ليلة النصف من رجب، أربع عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، وقل أعوذ برب الناس ثلاث مرات فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ عشر مرات، ثم يسبح الله ويحمده، ويكبره ويهلله ثلاثين مرة، بعث الله إليه ألف ملك، يكتبون له الحسنات، ويغرسون له الأشجار في الفردوس، ومحي عنه كل ذنب أصابه إلى تلك الليلة ولم يكتب عليه إلا مثلها من القابل، ويكتب له بكل حرف قرأ في هذه الصلاة سبعمائة حسنة، وبني له بكل ركوع وسجود عشرة قصور في الجنة من زبرجد أخضر وأعطي بكل ركعة عشر مدائن في الجنة ملك فيضع يده بين كتفيه، فيقول له. استأنف العمل. فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك.

قال المصنف: وهذا موضوع، ورواته مجهولون. ولا يخفى تركيب إسناده ورجالة. والظاهر أنه من عمل الحسين بن إبراهيم.

ومنها:

ما أخبرنا عمرو بن محمد الباسي، عن زينب بنت الكمال سماعا، عن أعز بن العليق، عن شهدة بنت أحمد، سماعا، أنبأنا طراد بن محمد في أماليه، حدثنا الحسن بن عمر بن برهان، أنبأنا عثمان بن أحمد، هو ابن السماك، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الختَّلى، حدثنا الحسين ابن على بن يزيد الصدائي، عن أبيه، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن على بن أبى طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شهر رجب شهر عظيم، من صام منه يوما كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام منه يومين كتب له صوم ألفى سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام، كتب الله له صوم ثلاثة آلاف سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، فيدخل من أيها شاء، ومن صام خمسة عشر بدلت سيئاته حسنات ونادى مناد من السماء قد غفر لك، فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله.  وهو حديث موضوع، لا شك فيه. والمتهم به الخُتَّلي.

وروينا في القاضي، عن أبى الحسن بن صخر، حدثنا أبو العلاء: على بن أحمد الأهوازي، حدثنا على بن إسحاق المادري أخبرنا عمر بن مدرك، أخبرنا شهاب بن عثمان أبو مسعود، أخبرنا خالد الزيات، قال: بلغنا أن نوحا ركب السفينة أول يوم رجب وقال لمن معه، من الأنس والجن: صوموا هذا اليوم؛ فإنه من صام منكم بعدت النار عنه مسيرة سنة، ومن صام منكم سبعة أيام أغلقت عنه أبواب النيران السبعة، ومن صام منكم ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية ومن صام منكم عشرة أيام قال الله له: سل نعطه، ومن صام منكم خمسة عشر يوم قال الله له: استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى ومن زاد زاده الله. وهذا موقف، وسنده ضعيف.

ومنها:

ما أخبرنا به عمر بن محمد البالسى، وهذا الإسناد المتقدم إلى عثمان بن أحمد، حدثنا خلف بن الحسين بن حوامد، أخبرنا زكريا بن يحيى الحزاز، أخبرنا فضاله بن حصين، أخبرنا شديق أبو عبد الله عن الفرات ابن السائب، عن ميمون بن مهران، عن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صام يوما من رجب عدل صيام شهر، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب الجحيم السبعة، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام عشر أيام بدّل الله سيئاته حسنات، ومن صام ثمانية عشر نادى مناد قد غفر الله ما مضى، - فاستأنف العمل. وروى هذين الحديثين عبد العزيز الكتاني في " فضل رجب " له عن على بن أحمد الرزار، عن عثمان بن أحمد بن السماك به. ورواه الحكم بن مروان، عن فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران فقال: عن ابن عباس، بدل أبى ذر. أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحسين بن فتحويه، عن ابن شيبة، عن سيف بن المبارك عنه ورشدين والحكم متروكان.

قرأت على فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي، عن حسن بن عمر، أنبأنا مكرم ابن أبى الصقر، حضوراًً وإجازة، أنبأنا سعيد بن سهل الخوارزمي، أنبأنا أبو الحسن: عن بن الأخرم، أنبأنا الحسين بن أحمد بن فتحوبه. ولفظ المتن: أن رجب شهر عظيم، يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات " من صام يوماً من رجب " - فذكره نحوه - وزاد فيه: " ومن صام منه ثلاثة أيام أدخل الجنة. ولم يقل: من صام ثمانية عشر، بل قال: من صام عشرة أيام لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، ومن صام منه خمسة عشر يوماً نادى مناد من السماء غفرت لك ذنوبك، وبدلت سيئاتك حسنات، فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله ".

ومنها:

ما رواه الحافظ أبو محمد عبد العزيز وأحمد الكتابي في كتاب " فضل رجب " له، قال: ذكر أبو الحسن: على بن يعقوب بن يوسف، عن عمران القزويني البلاذري. قدم دمشق في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة: وحدثهم بها، فقال:

حدثنا أبو سعيد: الحسن بن أحمد بن المبارك الطوسي، بتنيس، إملاء، سنة أربع وأربعين، أخبرنا العباس بن إبراهيم القراطيسي، بالموصل، أخبرنا محمد بن زوران السليطي، أخبرنا محمد بن عمر الأنصاري، عن مالك بن دينار، وأبان عن أنس بن مالك، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل رجب بجمعة، فقال: أيها الناس، إنه قد أظلكم شهر عظيم، شهر رجب، شهر الله، الأصم، تضاعف فيه الحسنات، وتستجاب فيه الدعوات، ويفرج عن الكربات، لا يرد فيه للمؤمنين دعوة، فمن اكتسب فيه خيراً ضوعف له فيه أضعافاً مضاعفة، والله يضاعف لمن يشاء. فعليكم بقيام ليله، وصيام نهاره، فمن صلى في يوم فيه خمسين صلاة يقرأ في كل ركعة ما تيسر من القرآن، أعطاه الله من الحسنات بعد الشفع والوتر، وبعد الشعر والوبر، ومن صام يوماً منه كتب له به صيام سنة، ومن خزن فيه لسانه لقنه الله حجته عند مساءلة منكر ونكير، ومن تصدق فيه بصدقة كان بها فكاك رقبته من النار، ومن وصل فيه رحمه وصله الله في الدنيا والآخرة، ونصره على أعدائه أيام حيانه، ومن عاد فيه مريضاً أمر الله كرام ملائكته بزيارته والتسليم عليه، ومن صلى فيه على جنازة فكأنما أحيا مؤودة، ومن أطعم مؤمناً فيه طعاما أجلسه الله يوم القيامة على مائدة عليها إبراهيم ومحمد، ومن سقى فيه شربة ماء سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كسا فيه مؤمناً كساه الله ألف حلة من حلل الجنة، ومن أكرم فيه يتيما، ومسح يده على رأسه غفر الله له بعدد كل شعرة مستها يده، ومن استغفر الله فيه مرة واحدة غفر الله له، ومن سبح الله تسبيحة أو هلل تهليلة كتب عند الله من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ومن ختم فيه القرآن مرة واحدة ألبس هو ووالده يوم القيامة كل واحد منهم تاج مكلل باللؤلؤ والمرجان وأمن فزع يوم القيامة وهذا حديث موضوع وإسناده مجهول.

 

ومنها:

ما أخبرنا أبو الحسن المرداوي، بصالحية دمشق، أنبأنا أحمد بن  على الجزري، وعائشة بنت محمد بن المسلم، قراءة عليهما، وأنا حاضر وإجازة ابن إبراهيم بن خليل الآدمي، أنبأنا منصور بن على الطبري ابنا عبد الجبار بن محمد الفقيه، أنبأنا الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو نصر رشيق بن عبد الله الرومي، إملاء من أصل كتابه، بالطابران، حدثنا الحسين بن أديس، أخبرنا خالد بن الهياج، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن أبى عثمان، عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة، وقام مائة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب، وفيه بعث، الله محمدًا.

هذا حديث منكر إلى الغاية. وهياج هو ابن بسطام الهروي: روى عن جماعة من التابعين. وضعفه ابن معين، وقال أبو داود: تركوه. وقال صالح بن محمد الحافظ، الملقب بجزرة: الهياج منكر الحديث لا يكتب من حديثه إلا حديثان أو ثلاثة؛ للاعتبار، ولم أكن أعلم أنه بكل هذا، حتى قدمت هراة، فرأيت عندهم أحاديث مناكير كثيرة لهم.

قال الحاكم أبو عبد الله: وهذه الأحاديث التي رآها صالح من أحاديث الهياج، الذنب فيها لابنه خالد، انتهى. وروينا قريباً من هذا المتن من حديث أنس بإسناد مظلم. رواه البيهقي أيضاً من طريق عيسى غنجار، عن محمد بن المفضل بن عطية، " في رجب ليلة يكتب للعامل فيها حسنات مائة سنة، وذلك لثلاث بقين من رجب، فمن صلى فيها اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة من القرآن، يتشهد في كل ركعتين، ويسلم في آخرهن، ثم يقول: سبحان الله ولا إله إلا الله، والله وأكبر، مائة مرة، ويستغفر مائة مرة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة ويدعو لنفسه بما شاء من أمر دنياه وآخرته، ويصبح صائماً، فإن الله يستجيب دعاءه كله، إلا أن يدعو في معصية".

وروينا في جزء من فوائد هناد النسفي بإسناد له منكر، إلى الزهري، عن أنس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت نبيا في السابع والعشرين من رجب فمن صام ذلك اليوم كان كفارة ستين شهرا" وقد تقدم هذا موقوفاً على ابن عباس في حديث طويل.وروينا في فوائد أبى الحسن بن صخر، بسند باطل إلى علي بن أبي طالب، مثل هذا المتن، لكن قال فيه. "فمن صام ذلك اليوم ودعا عند إفطاره كانت كفارة عشر سنين". وروينا في جزء أبي معاذ الشاة المروزي، وفي " فصائل رجب " لعبد العزيز الكتاني من طريق حمزة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب، عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال:" من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب له صيام ستين شهرا، وهو اليوم الذي هبط فيه جبريل بالرسالة ".  وهذا موقوف ضعيف الإسناد، وهو أمثل ما ورد في هذا المعنى.

ومنها:

وما أخبرنا أحمد بن الحسين، أنبأنا محمد بن أحمد بن سليم أخبرهم. أنبأنا عبد العزيز بن عبد المنعم. أنبأنا سعيد بن محمد: عطاف أنبأنا أبو القاسم بن السمرقندى، أنبأنا أبو الحسين بن النقور، أنبأنا أبو الحسن بن الجندي، أخبرنا أبو علي: إسماعيل بن العباس الوراق، أخبرنا الفضل بن يعقوب الرخامي، أخبرنا داود بن المحبر، أخبرنا سليمان بن الحكم - يعنى ابن عوانة - عن العلاء بن خالد، عن مكحول: أن رجلا سأل أبا الدرداء عن صيام رجب، فقال: سألت عن شهر كانت الجاهلية تعظمه في جاهليتها، وما زاده الإسلام إلا فضلا وتعظيما، ومن صام منه يوما تطوعا، يحتسب به ثواب الله ويبتغى به وجه الله مخلصاً أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله، وغلق عنه بابا من أبواب النار، ولو أعطى ملء الأرض ذهبا ما كان حقاً له، لا يستكمل أجره بشيء من الدنيا دون يوم الحساب، وله عشر دعوات مستجابات، فإن دعا بشيء في عاجل الدنيا أعطيه، وإلا أدخر له من الخير كأفضل ما دعا داع من أولياء الله، وأحبائه، وأصفيائه، ومن صام يومين كان له مثل ذلك، وله مع ذلك أجر عشرة من الصديقين في عمرهم بالغة أعمارهم، وشفع في مثل ما شفعوا فيه، فيكون في زمرتهم حتى يدخل الجنة معهم، ويكون من رفقائهم، ومن صام ثلاثة أيام كان له مثل ذلك، وقال الله له عند إفطاره. لقد وجب حق عبدي هذا، ووجبت له محبتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت ما تقدم من ذنبه، وما تأخر [فذكر الحديث بألفاظ نحو هذا الجنس يقول فيه]: ومن صام تسعة أيام منه رفع كتابه في عليين، وبعث يوم القيامة من الآمنين، ويخرج من قبره ووجه يتلألأ حتى يقول أهل الجمع هذا نبي مصطفى، وأن أدنى ما يعطى أن يدخل الجنة بغير حساب، ومن صام عشرة فبخ بخ بخ له مثل ذلك وعشرة أضعافه، وهو ممن يبدل الله - عز وجل - سيئاته حسنات ويكون من المقربين لله بالقسط، وكمن عبد الله ألف عام صائما قائما محتسبا، ومن صام عشرين يوما كان له مثل ذلك وعشرون ضعفا، وهو ممن يزاحم خليل الله في قبته، ويشفع في مثل ربيعة ومضر، كلهم من أهل الخطايا والذنوب، ومن صام ثلاثين يوما كان له من جميع ذلك ثلاثين ضعفا، ونادى مناد من السماء أبشر يا ولي الله بالكرامة العظمى، والكرامة: النظر إلى وجه الله الجليل في مرافقة النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك وفيقا. طوبى لك طوبى لك ثلاث مرات، غدا إذا انكشف الغطاء ’ فأفضيت إلى جسيم ثواب ربك الكريم. فإذا نزل به الموت سقاه ربه عند خروج نفسه شربة من حياض القدس، ويهون سكرة الموت، حتى ما يجد للموت ألماً، ويطلع في قبره رياه، ويظل في الموقف ريان، حتى يرد حوض النبي صلى الله عليه وسلم وإذا خرج من قبره شيعه سبعون ألفًاُ من النجائب من الدر والياقوت، ومعهم الطرائف والحلي والحلل، فيقولون: يا ولي الله. التجىء إلى ربك الذي أظميت له نهارك، وانحلت له جسمك، فهو من أول الناس دخول جنات عدن يوم القيامة مع الفائزين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. ذلك هو الفوز العظيم. فإن كان له في كل يوم يصوم على قدر قوته. فتصدق به فهيهات هيهات - ثلاثا - لو اجتمع الخلائق على أن يقدر وأقدر ما أعطى ذلك العبد من الثواب، ما بلغوا معشار العشر مما أعطى ذلك العبد من الثواب.

قلت:

وهذا حديث موضوع ظاهر الوضع. قبح الله من وضعه فوالله لقد وقف شعري من قراءته في حال كتابته، فقبح الله من وضعه، ما آجراه على الله وعلى رسوله والمتهم به عندي: داود بن الحبر. أو العلاء بن خالد. كلاهما قد كذب، ومكحول لم يدرك أبا الدرداء ولا والله ما حدث به مكحول قط. وقد رواه عبد العزيز بن أحمد الكسائي، بطول في كتاب " فضائل شهر رجب " من طريق الحارث بن أسامة: عن داود بن المحبر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فصل

 

قال ابن ماجة في السنن: أخبرنا إبراهيم بن المنذر، أخبرنا داود بن عطاء، أخبرنا زيد بن عبد الحميد، عن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نهى عن صوم رجب كله "

رواه الطبرانى في " الكبير" عن مسعد العطار، عن إبراهيم مثله. وداود بن عطاء المذكور، لينه ابن معين. ورواه البيهقى في " فضائل الأوقات " من هذا الوجه. وقال: داود بن عطاء ليس بالقوى. وإنما الرواية فيه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فحرف الرواة الفعل إلى النهي. ثم إن صح فهو محمول على التنزيه. والمعنى فيه ما ذكره الشافعي في القديم. قال: أكره أن يتخذ الرجل صوم شهر، يكمله من يبن الشهر، كما يكمل رمضان. قال: وكذلك أكره أن يتخذ الرجل يوما من الأيام. ،إنما كرهت هذا؛ لئلا يتأسى جاهل فيظن أن ذلك واجب.

قلت:

والحديث الذي أشار البيهقي إليه من رواية ابن عباس، أخرجه من طريق عثمان بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم.

وروينا في " كتاب أخبار مكة " لأبى محمد الفاكهي، بإسناد لا بأس به، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: لا تتخذوا رجبا عيدا، ترونه حتما مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم منه صمتم وقضيتموه. وقال عبد الرزاق في " مصنفه "، عن ابن جريج، عن عطاء، كان ابن عباس، ينهى عن صيام رجب كله: ألا يتخذ عيدا. وهذا إسناد صحيح. ومثل هذا: ما رويناه في سنن سعيد بن منصور أخبرنا سفيان - يعنى ابن عيينة، عن مسعر، عن وبرة، هو ابن عبد الرحمن عن خرشة بن الحر، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن الطعام حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه. وروى نحو ذلك، عن أبى بكرة.

فهذا النهى منصرف إلى من يصومه معظما لأمر الجاهلية. أما إن صامه لقصد الصوم في الجملة، من غير أن يجعله حتما، أو يخص منه أياما معينه يواظب على صومها، أو ليال معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنها سنة. فهذا من فعله من السلامة مما استثنى، فلا بأس به. فإن خص ذلك، أو جعله حتما فهذا محظور. وهو في المنع بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام " رواه مسلم.

وإن صامه معتقدا أن صيامه، أو صيام شيء منه أفضل من صيام غيره، فقي هذا نظر. ويقوم جانب المنع ما في الصحيح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحرى صوم يوم يفضله على غيره إلا هذا اليوم: يوم عاشوراء. وهذا الشهر يعنى رمضان.

ومن ذلك: ما أنبانا نصر الله بن أحمد، شفاها أنبأنا محمد بن أحمد بن عبد الله الحراني، أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف، أنبأنا عمر بن محمد أنبأنا محمد بن عبد الباقي، أنبأنا عبد الله بن محمد الخطيب أنبأنا عمر بن إبراهيم الكتاني أخبرنا أبو بكر النيسابوري، أخبرنا بحر، أخبرنا عبد الله بن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد، عن أمه، أنها كانت دخلت على عائشة، فذكرت لها أنها تصوم رجب، فقالت عائشة: صومي شعبان، فإن فيه الفضل. قد ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناس يصومون رجب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين هم من صيام شعبان.

ورواه عبد الرزاق في "مصنفه"،عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوم يصومون رجب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين هم من شعبان ؟ قال زيد: وكان أكثر صيام رسول الله بعد رمضان، شعبان. ويحتمل أن تحريه صلى الله عليه وسلم صيام عاشوراء بعينه كان لغير هذا المعنى، لأنه صدر أن صوم كان مفترضا قبل رمضان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئا من الطاعات واظب عليه. وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل شهرا قد إلا رمضان، وما رأيت أكثر صياما منه في شعبان.

فظاهرة فضيلة الصوم في شعبان على غيره. لكن ذكر بعض أهل العلم أن السبب في ذلك، أنه كان صلى الله عليه وسلم ربما حصل له الشغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر، بسفر أو غيره، فيقضيها في شعبان، فلذلك كان يصوم في شعبان أكثر مما يصوم في غيره، لأن لصيام شعبان فضيلة على صيام غيره ومما يقوي هذا التأويل: ما رواه أبو داود وغيره، من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخل النصف من شعبان فلا تصوموا". وفي رواية، فلا يصومن أحد.

وفي رواية، إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام.

وقد ذكر بعض أهل العلم، أن معنى هذا النهى للمبالغة في الاحتياط، لئلا يختلط برمضان ما ليس بغيره، ويكون هذا بمعنى نهيه صلى الله عليه وسلم أن يتقدم أحد رمضان بيوم أو يومين.

قال أبو بكر الطرطوشى في كتاب " البدع والحوادث ": يكره صوم رمضان على ثلاثة أوجه.

أحدها: أنه إذا خصه المسلمون بالصوم من كل عام حسب العوام إما أنه فرض كشهر رمضان، وإما سنة ثابتة كالسنن الثابتة وإما لأن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على صيام باقي الشهور. ولو كان من هذا شيء لبينه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن دحية: الصيام عمل بر لا لفضل شهر رجب، فقد كان عمر - رضي الله عنه - ينهى عن صيامه. والله أعلم.=


معلومات عن الكتاب

العنوان:
تبيين العجب قيما ورد في شهر رجب.

المؤلف:
الحافظ ابن حجر.

نبذة عن الكتاب:
يمكننا
إبراز قيمة الكتاب من النواحي الآتية:
الأولى:
أن الذي قام بتأليفه هو من هو جلالة وعلماً، وبصراً، ونقداً، وحياداً، ونزاهة، وتديناً، وورعاً. وكفيل بمن كانت هذه أوصاف صاحبه أن يكون له القيمة العلمية الكبرى، وأن يتلقفه الناس في شغف، ليطلعوا عليه، ويعملوا بما فيه.

الثانية:
المنهج العلمي الذي اتبع في تأليفه، فمؤلفه رحمه الله قد أفرغ فيه أحسن مزايا البحث العلمي الرصين، حيث جمع كل ما وصل إلى علمه من أحاديث هذا الموضوع، ثم أوردها بكل أمانة ودقة، متتبعاً جميع طرقها التي وصلت معها، وهذه مزية تعطي الكتاب قيمة كبرى عند الباحثين، حيث تطمئن باستيعاب البحث وصحة مادته العلمية.

الثالثة:
موضوعيته، فقد التزم المؤلف رحمه الله في كتابه البحث في موضوع واحد، وهو ما عَنْوَن به الكتاب، ولم يتعده ولو مرة واحدة في بحثه، وذلك وصف عظيم يعطي الكتاب قمية كبرى في دنيا البحوث العلمية.

الرابعة:
الجهد العلمي المبذول فيه من حيث النقد، فقد أولاه المؤلفرحمه الله من وقته وإخلاصه وجهده قدراً كبيراً، تمثل لنا في تلك النقول الكثيرة المتنوعة عن علماء كثر في نقد هذه الأحاديث تضعيفاً أو وضعاً.
كما تمثل لنا في تلك الآراء السديدة التي يراها في تلك الأحاديث، يؤيدها بما أنعم الله عليه من علم غزير، وفهم دقيق.

الخامسة:
الحاجة الماسة لموضوع الكتاب، ومعرفة ما فيه من أبحاث، والوقوف على ما يُنتهى إليه فيها من نتائج، ذلك أن الناس وخاصة في زماننا هذا قد كثرت فيهم البدع، وانتشرت بينهم أمور ليست من الإسلام في شيء، ومن أبرزها الاعتقاد بأن رجب يشتمل على ما كان مدوناً في تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي ردها المؤلف في هذا الكتاب، ففي الإطلاع على ما ورد في هذا الكتاب كبح لجماح هذه البدع، وهداية للناس إلى الطريق الأقوم، وهذا كله يعطي الكتاب قيمة علمية كبرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

«التصلب الحَدبي لتلافيف المخ» (Sclérose tubéreuse des circonvolutions cérébrales)

التسلسل الزمني للتصلب الحدبي  ديزري-ماغلوار بورنفيل هو أول من وصفَ المرض عام 1880، وأطلقَ عليه اسم «التصلب الحَدبي لتلافيف المخ» (Sclérose...