الأربعاء، 3 مايو 2023

ج1وج2.تهذيب الآثار للطبري

ج1. تهذيب الآثار للطبري

تهذيب الآثار للطبري بسم الله الرحمن الرحيم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل

ذكر ما صح عندنا سنده من حديث أبي سعيد الخدري ، عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم نذكره فيما مضى

1 - حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري رضي الله عنه قال : حدثني القاسم بن بشر بن معروف ، حدثنا الأسود بن عامر ، أنبأنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، عن عمر أنه قال : يا رسول الله ، لقد سمعت فلانا وفلانا يذكران خيرا ، يزعمان أنك أعطيتهما دينارين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « ولكن فلانا ما هو كذلك - أو ما يقول ذاك - لقد أعطيته من عشرة إلى مائة فما يقول ذاك ، وإن أحدهم يخرج بمسألته من عندي متأبطها » يعني نارا ، فقال عمر : يا رسول الله ، فلم تعطيهم ؟ قال : « يأبون إلا ذاك ، ويأبى الله لي البخل »

2 - حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، عن عمر بن الخطاب ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، إني رأيت فلانا يحسن الثناء ، قال : « إني كنت أعطيته دينارين ، ولكن فلانا أعطيته ما بين الدينارين إلى الثمانية ، فما أثنى ولا قال خيرا » ، قال : قلت : بأبي وأمي ، فلم تعطيهم ؟ قال : « يسألوني ، يريدون لي البخل ، ويأبى الله لي إلا السخاء »

ذكر علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، لا سبب يضعفه ، ولا علة توهنه ؛ لعدالة من بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقلته ، وقد يجب أن يكون سقيما غير صحيح ؛ لعلل : إحداها : أن هذا الحديث قد حدث به جماعة من الثقات من أصحاب أبي بكر بن عياش ، عن أبي بكر ، فجعلوا هذا الخبر عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدخلوا بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ، وأخرى : أنه حدث به عن الأعمش غير أبي بكر ، فجعل الخبر عنه عن غير أبي صالح ، والثالثة : أنه حدث به جماعة من التابعين عن أبي سعيد ، فجعلوا الخبر عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدخلوا بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ، والرابعة : أنه خبر لا يعرف له مخرج عن أبي سعيد ، عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا من هذا الوجه الذي ذكرناه

ذكر من حدث بهذا الحديث عن أبي بكر بن عياش فلم يدخل بين أبي سعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم عمر

3 - حدثني عيسى بن يوسف بن الطباع ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندي متأبطها (1) ، وما هي له إلا نار » ، فقال عمر : فلم تعطيهم يا رسول الله وهي نار ؟ قال : « ما أصنع ؟ يسألوني وأنا كاره فأعطيهم ، يأبى (2) الله لي البخل » ، حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا أبو بكر ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال عمر : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعت فلانا يثني خيرا ، ثم ذكر نحوه
__________
(1) تأبط الشيء : جعله تحت إبطه ، والإبط : باطن الذراع
(2) يأبى : يمتنع ويرفض

ذكر من حدث بهذا الحديث عن الأعمش ، فجعله عن غير أبي صالح

4 - حدثنا تميم بن المنتصر ، أنبأنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، أنبأنا شريك ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أتى رجلان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهما دينارين ، فخرجا من عنده فلقيا عمر ، فأثنيا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ولكن فلانا أعطيته ما بين عشرة إلى مائة فلم يثن بذلك » قال : يعني أبا سفيان قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أما إن أحدكم يخرج من عندي متأبطا مسألته وهي نار » ، فقال عمر : فلم تعطيناها يا رسول الله وهي نار ؟ قال : « إنكم تسألوني ، وإن الله يأبى لي البخل »

ذكر من حدث بهذا الحديث عن أبي سعيد غير من ذكرت ، فلم يدخل بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا

5 - حدثنا حميد بن مسعدة السامي ، حدثنا فضيل بن سليمان النميري ، حدثنا محمد بن أبي يحيى الأسلمي ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذهبا ، إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله أعطني ، فأعطاه ، ثم قال : زدني . فزاده مرارا . قال : ثم ولى مدبرا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الرجل ليأتيني فيسألني فأعطيه ، ثم يسألني ، فأعطيه ، يقولها ثلاث مرات ، ثم يولي مدبرا وقد أخذ بيده نارا ، ووضع في ثوبه نارا ، وانقلب إلى أهله بنار »

6 - حدثني أبو عميرة عبد العزيز بن أحمد بن سويد الرملي ، حدثنا أيوب بن سويد ، عن مالك ، عن الزهري ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى إذا نفد ما عنده قال : « ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر »

7 - حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أرسلني أهلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم طعاما ، قال : فجئت والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ، فسمعته يقول في خطبته : « من يتصبر يصبره الله ، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، وما رزق العبد رزقا أوسع من الصبر » وقد وافق عمر في روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روي عنه من كراهته مسألة الناس أموالهم جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نذكر ما صح منها عندنا سنده ، ثم نتبع جميعه البيان عنه إن شاء الله عز وجل

ذكر ذلك

8 - حدثني أحمد بن المقدام العجلي ، حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي ، قال : سمعت أبي يحدث ، عن قتادة ، عن هلال أخي بني مرة بن عباد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال أبو سعيد الخدري : أعوزنا إعوازا شديدا ، فأمرني أهلي أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله شيئا فأقبلت ، فكان أول ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « من استغنى أغناه الله ، ومن استعفف أعفه الله ، ومن سألنا لم ندخر عنه شيئا وجدنا » ، أو كما قال . قال : فقلت في نفسي : لأستغنين فيغنيني الله ، ولأتعففن فيعفني الله ، فلم أسأل نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئا

9 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن هلال بن حصن أحد بني مرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أعوزنا مرة ، فقال لي رجل : لو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته ، فأتيته فإذا هو يقول : « من يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن سألنا لا نبخل عليه بما نجد ، أو لا نبخل عليه شيئا نجده » ، قال : قلت في نفسي : ألا أستعفف فيعفني الله أو لا أستغني فيغنيني الله قال : فرجعت إلى أهلي ، فسالت علينا الدنيا ، وغرقنا إلا ما عصم الله «

10 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا جمرة يحدث عن هلال بن حصن ، قال : نزلت دار أبي سعيد الخدري ، فضمني وإياه المجلس ، قال : فحدث أنه أصبح ذات يوم وقد عصب (1) على بطنه حجرا من الجوع ، فقالت له امرأته أو أمه : إيت النبي صلى الله عليه وسلم فسله ؛ فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه ، وأتاه فلان فسأله فأعطاه ، قال : قلت : حتى ألتمس شيئا ، قال : فالتمست شيئا ، فأتيته وهو يخطب ، قال : فأدركت من قوله وهو يقول : « من يستعف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن سألنا إما أن نبذل له أو نواسيه - أبو جمرة الشاك - ومن يستعف عنا أو يستغن أحب إلينا ممن يسألنا » ، قال : فرجعت فما سألته شيئا ، فما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم أحدا في الأنصار أهل بيت أكثر أموالا منا
__________
(1) عصب : ربط

11 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من استعف أعفه الله ، ومن استغنى أغناه الله ، ومن سألنا شيئا فوجدنا أعطيناه »

12 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا بشير بن سلمان ، عن سيار أبي الحكم ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تستد فاقته ، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى ، إما غنى عاجلا ، وإما أجلا عاجلا » ، حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني ، حدثنا أبو قتيبة ، وأبو أحمد الكوفي ، قالا : حدثنا بشير بن سلمان ، حدثنا سيار ، عن طارق ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، حدثنا بشير بن سلمان أبو إسماعيل ، عن سيار ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه

13 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم »

14 - حدثني محمد بن معمر البحراني ، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، وحدثنا محمد بن عبد الله المخرمي ، حدثنا أبو هشام المخزومي ، قالا جميعا : أنبأنا وهيب ، حدثنا النعمان بن راشد ، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري قال : حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر ، قال : أقبلنا من الشام ، فقال عبد الله بن عمر : أتيتم الشام تسألوني ، أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تزال المسألة بالعبد حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة (1) لحم »
__________
(1) مزعة لحم : قطعة يسيرة من اللحم ، والمراد أنه يجيء ذليلا لا جاه له ولا قدر

15 - حدثنا ابن حميد ، وابن وكيع ، قالا : حدثنا جرير ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن هذه المسائل كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل سلطانا ، أو في أمر لا بد منه »

16 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي ، وابن بشار ، قالا : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المسائل كد يكد بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه ، ومن شاء ترك ، إلا أن يسأل رجل ذا سلطان ، أو يسأل في شيء لا يجد منه بدا »

17 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذه المسائل كد يكد بها الرجل وجهه ، إلا أن يسأل ذا سلطان ، أو في أمر لا بد منه » ، قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مسألة الرجل شين يوم القيامة في وجهه خدوش ، أو كدوح »

18 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن بشر ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المسائل كد يكد بها الرجل وجهه ، من شاء كدح ، ومن شاء ترك ، إلا أن يسأل رجل ذا سلطان في شيء لا يجد منه بدا » فحدثت به الحجاج فقال : إني ذو سلطان فسلني

19 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو أسامة ، عن زائدة ، قال : حدثنا عبد الملك بن عمير ، قال : قال زيد بن عقبة : قلت للحجاج : ألا أحدثك بشيء حدثنيه سمرة بن جندب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هلم ، قال : « المسائل كد يكد بها الرجل وجهه وخدوش ، فمن شاء أبقى على وجهه ، ومن شاء ترك ، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان ، أو ينزل به أمر لا يجد منه بدا فيسأل فيه » فقال الحجاج : سلني ، قال : قلت : ولد لي غلام ، قال : فألحقه في العطاء

20 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، والعباس بن أبي طالب ، قالا : حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا الحارث بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من سأل الناس في غير فاقة نزلت به ، أو عيال لا يطيقهم جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم »

21 - حدثنا محمد بن عمارة ، حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا الحارث بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به ، أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب »

22 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا عمرو بن مجمع ، حدثنا يونس بن خباب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر ؛ لأن العفة خير »

23 - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، قال : حدثني قاص ، فلسطين ، أو : قاضي فلسطين - شك أبو عبد الله سوار - قال : سمعت عبد الرحمن بن عوف ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر »

24 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يفتح أحد على نفسه باب مسألة ، إلا فتح الله عليه باب فقر ، لأن يأخذ أحدكم أحبله ، فيأتي الجبل فيحتطب على ظهره فيبيعه ، فيأكله خير له من أن يسأل الناس معطى أو ممنوعا »

25 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا الحسن بن الربيع ، عن سفيان ، عن ابن عجلان ، عن سعيد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من فتح باب مسألة فتح الله له باب فقر في الدنيا والآخرة ، ومن فتح باب عطية ابتغاء وجه الله أعطاه الله خير الدنيا والآخرة »

26 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالي ، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك »

27 - حدثني علي بن سهل الرملي ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ، فلم يكن عنده ما يعطيه ، قال : فتغيظ عليه وقال : « والذي نفسي بيده لا يسأل عبد وله أوقية أو عدل (1) ذلك إلا سأل إلحافا »
__________
(1) العدل : المساوي والنظير والمثيل

28 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من بني أسد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يسأل رجل وله أوقية أو عدلها إلا سأل إلحافا »

29 - حدثني علي بن سعيد الكندي ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ح وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا ابن نمير جميعا عن مجالد ، عن الشعبي ، عن حبشي بن جنادة ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « من سأل الناس ليثري به ماله فإنه خموش في وجهه ، ورضف من جهنم يأكله يوم القيامة »

30 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ، حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، حدثنا حبشي بن جنادة السلولي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأل وله ما يغنيه فإنما يأكل الجمر »

31 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا سفيان ، عن حكيم بن جبير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأل وله ما يغنيه جاء خموشا أو كدوحا ، أو شينا في وجهه » ، قال رجل : يا رسول الله : وما يغنيه ؟ قال : « خمسون درهما ، أو حسابهم من الذهب » قال سفيان : سمعت زبيدا يحدث عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد نحوه

32 - حدثني إسماعيل بن موسى الفزاري ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن حكيم بن جبير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خدوش ، أو كدوح ، أو خموش » قيل : يا رسول الله ، وما يغنيه ؟ قال : « خمسون درهما أو قيمتها من الذهب »

33 - حدثني علي بن سهل الرملي ، والربيع بن سليمان قالا : حدثنا أيوب بن سويد ، قال : حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : حدثني ربيعة بن يزيد ، قال : قدم أبو كبشة السلولي دمشق ، فقال له عبد الله بن عامر : ما أقدمك ؟ لعلك أردت أن تسأل أمير المؤمنين شيئا ؟ قال : وأنا أسأل أحدا شيئا بعد الذي حدثني سهل بن الحنظلية أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من يسأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم » ، قلت : يا رسول الله : ما ظهر الغنى ؟ قال : « أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم أو يعشيهم » . قال أبو كبشة : لا أسأل بعد هذا أحدا

34 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة ، أو خموش »

35 - حدثنا ابن حميد الرازي ، حدثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يد السائل السفلى » ، قلت : ومنك ؟ قال : « ومني » ، فقلت : والذي أكرمك ، لا تكون يدي تحت يد رجل من العرب بعدك أبدا ، « ومن يستغن يغنه الله ، ومن يستعفف يعفه الله » فلم يأخذ حكيم من أبي بكر وعمر شيئا

36 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : أخبرني عن ابن عبد الله بن سالم ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن حكيم بن حزام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اليد العليا خير من اليد السفلى ، وليبدأ أحدكم بمن يعول ، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله »

37 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، قال ، حدثني ابن أبي ذئب ، عن مسلم بن جندب ، عن حكيم بن حزام أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال ، فألحفت عليه ، فقال : « ما أنكر مسألتك يا حكيم ، إنما هذا المال خضرة حلوة ، وإنما هو مع ذلك أوساخ أيدي الناس ، وإن يد الله فوق يد المعطي ، ويد المعطي فوق يد المعطى ، ويد المعطى أسفل الأيدي »

38 - حدثنا الغلابي أبو عبد الرحمن ، حدثنا أبو مسهر ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس عن أبي مسلم الخولاني ، قال : أخبرني الحبيب الأمين أما هو إلي فحبيب ، وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك الأشجعي أنهم كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة ، فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فمددنا أيدينا ، فبايعناه ، قلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، وعلى ما بايعناك ؟ قال : « على أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا ، والصلوات الخمس » ، وذكر كلمة خفية : « لا تسألوا الناس شيئا » . قال : فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا يناوله إياه

39 - حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني ، حدثنا أبو قتيبة ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن قيس ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن ثوبان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يتقبل لي بواحدة أتقبل له الجنة » ، قال : قال ثوبان : أنا ، قال : « لا تسأل الناس شيئا » . قال : فإن كان سوطه يقع ، فما يقول لأحد ناولنيه ، حتى ينزل فيأخذه ، حدثني علي بن شعيب السمسار ، حدثنا معن بن عيسى القزاز ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن قيس ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من تكفل لي بواحدة تكفلت له بالجنة » ، ثم ذكر نحوه حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن محمد بن قيس ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من يتقبل لي بواحدة ، وأتقبل له بالجنة » ؟ ثم ذكر نحوه

40 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، حدثنا المحاربي ح وحدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، أنبأنا يزيد جميعا عن محمد بن إسحاق ، عن العباس بن عبد الرحمن بن ميناء ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يضمن لي خلة (1) ، وأضمن له الجنة » ؟ قال : قلت : أنا يا رسول الله ، قال : « لا تسأل الناس شيئا » . قال : فإن كان سوط ثوبان ليسقط من يده وهو على بعيره ، فيذهب الرجل يناوله ، فيأبى (2) أن يأخذه حتى ينيخ بعيره ، ثم ينزل فيأخذه
__________
(1) الخلة : السمة والخصلة والصفة
(2) يأبى : يمتنع ويرفض

41 - حدثني محمد بن عبد الملك ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي العالية ، عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا ، وأتكفل له بالجنة » ؟ قال ثوبان : أنا ، قال : فكان ثوبان لا يسأل أحدا شيئا ، حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثني أبي ، حدثنا شعبة ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية ، عن ثوبان ، قال ، وقال : كان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يتكفل لي » ، ثم ذكر نحوه

42 - حدثني محمد بن عثمان بن صفوان الثقفي ، حدثنا أمية بن خالد ، حدثنا شعبة ، عن بسطام بن مسلم ، عن عبد الله بن خليفة الغبري ، عن عائذ بن عمرو أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فأعطاه فلما وضع رجله على أسكفة (1) الباب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو تعلمون ما في المسألة ، ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا »
__________
(1) الأسكفة : عتبة تكون تحت الباب

43 - حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا بسطام بن مسلم ، قال : سمعت خليفة بن عبد الله الغبري ، يحدث عن عائذ بن عمرو ، قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء أعرابي فقال : يا رسول الله ، أطعمني شيئا فإني جائع . فألح عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أراد أن يدخل أخذ بعضادتي الباب ، ثم أقبل علينا فقال : « لو تعلمون ما في المسألة ما أعلم ، لم يسأل رجل وعنده ما يبيته ليلة » ، ثم أمر له بطعام

44 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن فضيل ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأل الناس أموالهم تكثرا ، فإنما هو جمر ، فليستقل منه أو ليستكثر »

45 - حدثني محمد بن خلف ، حدثنا كثير بن هشام ، عن النضر بن معبد ، قال ابن خلف : وحدثنا عبيد الله بن محمد ، حدثنا سلام أبو المنذر ، كلاهما عن محمد بن واسع ، عن ابن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : « أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أسأل الناس شيئا »

46 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا بشر بن بكر التنيسي ، عن ابن جابر ، عن عروة بن محمد بن عطية ، قال : حدثني أبي أن أباه أخبره قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من بني سعد بن بكر ، وكنت أصغر القوم ، فخلفوني في رحالهم ، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى حوائجهم ، ثم قال : « هل بقي منكم أحد » ؟ قالوا : يا رسول الله ، غلام منا خلفناه في رحالنا ، فأمرهم أن يبعثوني إليه ، فأتوني ، فقالوا : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيته ، فلما رآني قال : « ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئا ، فإن اليد العليا المنطية ، وإن اليد السفلى هي المنطاة ، وإن مال الله لمسئول ومنطى » ، قال : يكلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا «

47 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، حدثني عاصم بن عبد الله بن نعيم ، عن أبيه ، عن عروة بن محمد ، عن أبيه ، عن جده : أنه قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف ، فلما دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم كان فيما ذكروا له أن سألوه ، فقال لهم : « هل قدم معكم أحد غيركم » ؟ قالوا : نعم ، معنا فتى منا خلفناه في رحالنا ، فأرسلوا إلي ، فلما دخلت عليه وهم عنده استقبلني فقال : « إن اليد المنطية هي العليا ، وإن السائلة هي السفلى ، فما استغنيت فلا تسأل ، فإن مال الله لمسئول ومعطى »

48 - حدثني أحمد بن حماد الدولابي ، حدثنا سفيان ، عن هارون بن رئاب ، عن كنانة بن نعيم ، عن قبيصة بن المخارق أنه تحمل بحمالة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ، فقال : « نؤديها ونخرجها من نعم الصدقة ، يا قبيصة ، إن المسألة حرمت إلا على ثلاث : رجل تحمل بحمالة ؛ فحلت له المسألة حتى يؤديها ، ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة (1) فاجتاحت ماله ؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قواما - أو سدادا - من عيش ، ثم يمسك ، ورجل أصابته حاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن قد حلت له المسألة ؛ حتى يصيب قواما - أو سدادا - من عيش ، ثم يمسك ، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت (2) » ، حدثنا ابن وكيع ، حدثنا ابن عيينة ، عن هارون بن رئاب ، عن كنانة بن نعيم ، عن قبيصة بن المخارق الهلالي ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إني تحملت بحمالة فسألته ، فقال : « نؤديها ونخرجها من إبل الصدقة » . ثم ذكر نحوه ، غير أنه قال في حديثه : « ورجل أصابته حاجة أو فاقة حتى يتكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه ، يشهدون أنه قد حلت له المسألة » . وقال أيضا : « فما سوى ذلك سحت » . وسائر الحديث نحوه
__________
(1) الجائحة : الآفة أو الشدة تصيب المال فتفسده وتهلكه
(2) السُّحت : الحَرَام الذي لا يَحِلُّ كسْبُه؛ لأنه يَسْحَت البركة : أي يُذْهبها ، والسَّحت من الإهْلاك والاستِئصال.

49 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن هارون بن رئاب ، عن كنانة بن نعيم ، عن قبيصة بن المخارق الهلالي ، قال : حملت حمالة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها ، فقال : « أقم حتى تأتينا الصدقة ، فإما أن نتحملها عنك ، وإما أن نعينك فيها » ، وقال : « إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة : رجل تحمل حمالة بين قوم ؛ فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة (1) فاجتاحت ماله ؛ فيسأل فيها حتى يصيب قواما من عيش ، أو : سدادا من عيش ، ثم يمسك ، ورجل أصابته فاقة حتى شهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن قد أصابته فاقة ، وأن قد حلت له المسألة ؛ فيسأل حتى يصيب قواما من عيش - أو سدادا من عيش - ثم يمسك ، وما سوى ذلك من المسائل سحت (2) يا قبيصة ، يأكله صاحبه سحتا » ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، حدثنا أيوب ، عن هارون بن رئاب ، عن كنانة بن نعيم ، عن قبيصة بن المخارق ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستعينه في حمالة ، فقال : « أقم عندنا ، فإما أن نتحملها عنك ، وإما أن نعينك فيها ، واعلم أن المسألة لا تحل إلا لثلاثة » . ثم ذكر نحوه
__________
(1) الجائحة : الآفة أو الشدة تصيب المال فتفسده وتهلكه
(2) السُّحت : الحَرَام الذي لا يَحِلُّ كسْبُه؛ لأنه يَسْحَت البركة : أي يُذْهبها ، والسَّحت من الإهْلاك والاستِئصال.

50 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، حدثنا أبو الأحوص ، عن بيان ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لأن يغتدي أحدكم فيأتي بحطب على ظهره فيبيعه ، فيستغني به عن الناس ويتعفف ، خير له من أن يأتي رجلا يسأله ، أعطاه أو منعه ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول (1) »
__________
(1) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

51 - حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري ، أنبأنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن أبي هريرة ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « والله لأن يغدو (1) أحدكم فيحتطب على ظهره فيبيعه فيستغني منه ، أو يتصدق به ، خير له من أن يأتي رجلا فيسأله فيمنعه ذلك ، إن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول (2) » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن نمير ، حدثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه قال : « فيمنعه أو يؤتيه ذلك ، إن اليد العليا » . وسائر الحديث مثل حديث عبد الحميد ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، أنبأنا يزيد ، أنبأنا إسماعيل ، عن قيس ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولم يقل فيه : « وابدأ بمن تعول »
__________
(1) الغُدُو : السير أول النهار
(2) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

52 - حدثني محمد بن حاتم المؤدب ، حدثنا عبيدة بن حميد ، حدثني سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لأن يحتطب (1) الرجل على ظهره فيبيعه فيأكل خير له من أن يسأل »
__________
(1) الاحتطاب : جمع الحطب

53 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب فيحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلا فيعطيه أو يمنعه » حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثني عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني الليث بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، عن الزهري ، عن أبي عبيد أنه سمع أبا هريرة ، يقول : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لأن يحتزم أحدكم حزمة حطب « ، ثم ذكر نحوه

54 - حدثني سلم بن جنادة السوائي ، حدثنا حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول (1) » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله حدثنا أبو كريب ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثني محمد بن إسحاق ، حدثني موسى بن يسار ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن فضيل ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . حدثنا الحسن بن الجنيد ، حدثنا سعيد بن مسلمة ، حدثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله
__________
(1) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

55 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا معقل بن عبيد الله ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، رفعه معقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة ، وقصر به أخرى ، قال : « اليد العليا خير من اليد السفلى »

56 - حدثنا عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا الربيع بن روح ، حدثنا أبو هاشم المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي ، حدثنا محمد بن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول (1) »
__________
(1) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

57 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن إبراهيم الهجري ، قال : سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الأيدي ثلاث أيد : يد الله العليا ، ويد المعطي التي تليها ، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة ، فاستعفف عن السؤال ما استطعت »

58 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا الفضيل بن سليمان النميري ، حدثنا موسى بن عقبة ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « اليد العليا خير من اليد السفلى ، واليد العليا المتعففة (1) ، واليد السفلى السائلة » ، حدثنا ابن البرقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا صدقة ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله
__________
(1) التعَفُّف : هو الكَفُّ عن الحَرَام والسُّؤالِ من الناس ، وأعفه الله أي أغناه عن سؤال الناس وعما لا يجمل من القول والفعل

59 - حدثنا إسماعيل بن حفص الأيلي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، قال : كتب ابن عمر إلى عبد العزيز بن مروان : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الأيدي ثلاث : يد الله العليا ، ويد المعطي الوسطى ، ويد المعطى السفلى » ، وإني أرى أنها صارت السفلى لمسألتها «

60 - حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي ، حدثنا صفوان بن عيسى ، عن ابن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، قال : كتب ابن عمر إلى عبد العزيز بن مروان : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول (1) »
__________
(1) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

61 - حدثنا ابن وكيع ، حدثني أبي ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : « كنا نقول : إن اليد العليا هي المتعففة »

62 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر ، يقول : « كنا نتحدث أن اليد العليا يد المتعفف »

63 - حدثني الفضل بن داود الواسطي ، حدثنا عمر بن يونس ، قال عكرمة بن عمار : حدثنا شداد أبو عمار ، قال : سمعت أبا أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف ، وابدأ بمن تعول (1) ، واليد العليا خير من اليد السفلى »
__________
(1) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

64 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أنبأنا عمرو بن عثمان ، عن موسى بن طلحة ، عن حكيم بن حزام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خير الصدقة عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول (1) »
__________
(1) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

65 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا بكر بن عبد الرحمن ، حدثنا عيسى بن المختار ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول (1) ، وخير الصدقة عن ظهر غنى »
__________
(1) عَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم : إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

66 - حدثنا بشر بن آدم ، حدثنا قبيصة بن عقبة ، حدثنا سفيان ، عن أشعث بن سليم ، عن الأسود بن هلال ، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي ، قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث ، فقال : « اليد العليا خير من اليد السفلى » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الله بن نمير ، ويونس بن بكير ، بنحوه ، عن يزيد بن زياد الأشجعي ، عن أبي صخرة جامع بن شداد ، عن طارق ، قال : دخلنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول : « يد المعطي العليا »

67 - حدثني عمران بن بكار ، حدثنا جنادة بن مروان ، حدثنا الحارث بن النعمان ، قال : سمعت أنس بن مالك يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله أن يعطيه شيئا ، فقال : « لا أقدر على شيء أعطيكه » . قال : فأتاه رجل فوضع في يده شيئا ، فقال محمد رسول الله : « وعزة ربي ، إنها لثلاث أيد بعضها فوق بعض : المعطي يضعها في يد الله ، ويد الله العليا ، ويد الآخذ أسفل ذلك . قال ربي : بعزتي ، عبدي ، لأنفسنك بما رحمت عبدي ، وبعزتي ، عبدي ، لأجزينك بما رحمت عبدي ، وبعزتي ، عبدي ، لأخلفن بها عليك رحمة من عندي »

68 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، قال : قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اليد العليا خير من اليد السفلى »

ذكر ما في هذه الأخبار من الفقه فمما في ذلك منه : تحريم النبي صلى الله عليه وسلم المسألة ، ثم اختلف أهل العلم في المسألة التي حرمها صلى الله عليه وسلم ، وفي صفة السائل الذي حرم ذلك عليه . فقال بعضهم : المسألة التي حرمها صلى الله عليه وسلم على من حرمها عليه ، هي المسألة التي يسألها السائل عن غنى منه عنها ، بوجوده ما فيه له الكفاية لما لا بد له منه ، من غذاء من مطعم ومشرب ، وملبس ومسكن ، منميا بذلك ماله ، طالبا به تكثيره ، ثم حد في مبلغ قدر ذلك مقدارا بوزن وكيل وقيمة . وأنكر آخرون منهم تحديد ذلك بمقدار من الكيل والوزن والقيمة ، إلا بالبيان عنه في تحديده بالكفاية والغنى ، والمعروف معناه عند عوام الناس . وأنكر آخرون منهم تحديد ذلك ، إلا بوجود المرء قوت يومه لغدائه وعشائه . وأنكره آخرون إلا بوجود قوت ساعته . وأنكر آخرون ذلك إلا عند الضرورة الحالة به ، وأحلوا ذلك محل الميتة للمضطر . وأنكر آخرون المسألة بكل حال ، وقالوا : الأخبار التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمها عام في المسائل كلها

ذكر من قال بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم المسألة في حديث عمر ، وقوله : « إن أحدهم ليخرج بمسألته من عندي متأبطا بها نارا » ، إنما هي المسألة التي يسألها السائل من يسأل ؛ تكثيرا بها ماله ، وهو عنها غني ، ولم يحد في الغنى حدا غير الغنى المعروف في العوام

69 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا داود ، عن الشعبي ، قال : قال عمر : « من سأل الناس ليثري (1) به فإنه رضف جهنم يتلقمه ، فمن شاء استقل ، ومن شاء استكثر » ، حدثنا حميد بن مسعدة ، ومحمد بن عبد الله بن بزيع ، قالا : حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا داود ، عن عامر ، عن عمر نحوه ، إلا أن ابن بزيع ، قال في حديثه : ليثري ماله
__________
(1) أثرى ماله : كَثَّرَه ونمَّاه

70 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا داود ، عن عامر ، عن عمر ، قال : « من سأل الناس ليثري ماله ، فهو في رضف من جهنم يتلقمه ، فمن شاء فليقل ، ومن شاء فليكثر » ، حدثنا ابن المثنى ، حدثني ابن أبي عدي ، عن داود ، عن الشعبي ، أن عمر ، قال : فذكر نحوه

71 - حدثنا تميم بن المنتصر ، أنبأنا إسحاق بن يوسف ، عن شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن رجل من أهل الربذة يقال له عبد الرحمن - أو أبو عبد الرحمن - قال : أتى رجل أبا ذر يسأله ، فأعطاه شيئا ، فقيل له : إنه غني . قال : وما أحفل أن يجيء يوم القيامة يخمش (1) وجهه
__________
(1) خمش : خدش

72 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا إسحاق ، قال : سمعت مسروقا ، قال : « مسألة الغني كدح في وجهه » وعلى هذا القول عوام علماء أهل الحجاز . واعتلوا لإنكارهم تحديد قدر الغنى بحد من الوزن والكيل بأن قالوا : أحوال الناس في الغنى والفقر متفاوتة ، وأسبابهم فيه مختلفة ، فمنهم ذو العيال والمؤن الكثيرة الذي لا يغنيه إلا العظيم من المال ؛ لاستغراق نفقته التي لا بد منها في كل يوم اليسير من المال في اليسير من المدة ، ومنهم ذو المؤونة الخفيفة ، والخلي من العيال الذي يغنيه اليسير من المال ، ويخرجه القليل منه من الفاقة والفقر ، إلى الغنى وحسن الحال . قالوا : فغير جائز لأحد تحديد المقدار الذي يخرج المرء من حال الفاقة والفقر إلى الغنى واليسر بحد من الكيل والوزن ، مع الأسباب التي ذكرنا ؛ فيكون بتحديده ذلك قد حرم على الفقير ما أباحه الله له من الصدقة إن كان قدر الذي حد لا يخرجه من فقره ، وأجاز للغني إن كان ما دون ذلك يخرجه من الفاقة والفقر وهو لقدر ذلك مالك أخذ ما قد حرم الله عليه أخذه من الصدقة ، وأباح له من مسألة الناس ما قد حظر الله عليه مسألتهم إياه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . قالوا : ولا بيان في ذلك أبين مما بينه الله عز وجل لعباده في تنزيله بقوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين (1) الآية . قالوا : فالمسألة حلال للفقير والمسكين ما دام الفقير فقيرا الفقر المتعارف في الناس ، والمسكين مسكينا المسكنة المعلومة فيهم . قالوا : وإنما لم يحد تعالى ذكره الغنى بحد في تنزيله من الكيل والوزن ؛ لعلمه بالسبب الذي ذكرنا من تفاوت أحوال خلقه في ذلك . قالوا : وترك تحديده ذلك للسبب الذي وصفنا نظير تركه تحديد متعة المطلقة ، إذ قال : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف (2) ، بحد لا يتجاوزه ولا يقصر عنه ؛ لعلمه بتفاوت أحوال خلقه في ذلك ، ونظير تركه تحديد نفقات النساء بحد إذ قال : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن (3) ، إذ كان ما يكفيهن من ذلك مختلفة أمورهن فيه ، وأشباه ذلك من الأمور التي يمل إحصاؤها ، ويتعب تعدادها . ذكر من قال مثل قول هؤلاء في صفة المسألة التي حظرها النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنها ، غير أنهم فارقوهم في تحديد قدر المال الذي إذا كان عند السائل حرمت عليه المسألة . فحد بعضهم ذلك بخمسين درهما من الدراهم التي أوزانها سبعة ، وبقدر قيمة ذلك من سائر الأشياء غيرها
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 60
(2) سورة : البقرة آية رقم : 236
(3) سورة : الطلاق آية رقم : 6

73 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن الحكم ، قال : قال عبد الله : « لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما ، أو عدلها من الذهب »

74 - حدثنا أبو هشام الرفاعي ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، قال : لا يأخذ من الزكاة من له خمسون درهما . واعتل أهل هذه المقالة لتصحيح قولهم هذا بالخبر الذي ذكرناه قبل عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خدوش أو كدوح ، قيل : وما يغنيه يا رسول الله ؟ قال : خمسون درهما ، أو قيمتها من الذهب » وقالوا : ليس لما ورد به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التسليم له ، قالوا : وإنما يجوز إدخال النظر والبحث على ما لم يرد به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما ما ورد به الخبر فليس لأحد الاعتراض فيه . وحد آخرون منهم قدر مبلغ ذلك ، ما يجب فيه الزكاة إذا حال عليه عند مالكه حول كمائتي درهم وزن سبعة ، أو عشرين دينارا مثاقيل وقالوا : من كان ذلك عنده في وقت من الأوقات فحرام عليه مسألة الناس الصدقة ما دام ذلك عنده ، وغير جائز له أخذها ممن أعطاهم كائنا من كان ذلك من الناس ، وهذا قول عظم متفقهة أهل الكوفة من المتأخرين . واعتلوا لقولهم هذا بأن قالوا : إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقة من أغنياء المؤمنين فيردها في فقرائهم ، قالوا : ومن كان عنده مائتا درهم قد حال عليهم حول كامل ، فلا شك في وجوب الصدقة عليه فيها . قالوا : ففي ذلك بيان واضح أنه بها غني ؛ لأن الصدقة إنما أوجبها الله عز وجل في أموال الأغنياء للفقراء والمساكين ، لا في أموال الفقراء والمساكين لهم ، قالوا : فعلمنا بذلك أن من كان عنده قدر ما ذكرنا حرام عليه المسألة والصدقة ، ومباح ذلك لمن لم يكن ذلك عنده

ذكر من أنكر المسألة بكل حال

75 - حدثنا ابن المثنى ، ومحمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي ، قالا : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، قال : سمعت مطرفا ، يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم ، أن أباه ، حين حضرته الوفاة قال لبنيه : « يا بني إياكم والمسألة ، فإنها آخر كسب المرء » ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن حكيم بن قيس ، عن أبيه بمثله

76 - حدثني عبد الرحمن بن أبي البختري الطائي ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن حماد بن شعيب ، عن يزيد بن زياد ، أو ابن أبي زياد ، عن الحسن ، أن قيس بن عاصم ، قال لبنيه : « يا بني إياكم والمسألة ، فإنها آخر كسب المرء ، وإن أحدا لن يسأل إلا ترك كسبه »

77 - حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا المبارك بن سعيد ، عن عمر بن محمد ، عن عبيد ، عن الحسن ، عن قيس بن عاصم المنقري أنه قال لبنيه لما حضرته الوفاة : « يا بني إياكم والمسألة ، فإنها آخر كسب الرجل »

78 - حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عاصم بن حكيم ، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني ، عن عبد الله بن الديلمي ، قال : قلت لأبي بشر : هل تسأل الناس شيئا ؟ قال : لا ، قلت : لم ؟ قال : سمعت كعبا يقول : « يوشك أن يأتي على الناس زمان ترفع فيه الأمانة ، وتنزع فيه الرحمة ، وترسل المسألة ، فمن سأل في ذلك الزمان لم يبارك له فيه » وذهب هؤلاء فيما أنكروا من ذلك إلى الخبر الذي ذكرناه عن ثوبان وغيره ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : « من يضمن لي واحدة أضمن له الجنة » ، وقوله لأبي ذر : « لا تسأل الناس شيئا » ، وما أشبه ذلك من الأخبار . وقالوا : نهي النبي صلى الله عليه وسلم نهي عام عن كل مسألة ، فلا ينبغي لأحد أن يسأل أحدا شيئا ، وأما الذين حرموا المسألة على كل من كان عنده قوت يومه ، فإنهم ذهبوا إلى الخبر الذي ذكرناه عن سهل بن الحنظلية وقالوا : غنى الرجل في كل حال من أحوال دهره ، وجوده الكفاية ، فمن وجد كفايته في يوم فهو غني بذلك عن غيره غير جائز له مسألة الناس ، وهذا قول من بعض أقوال الصوفية الذين زعموا أنه ليس لأحد ادخار شيء لغد ، وقد مضى البيان عما يلزمهم في ذلك ، وأما الذين حرموا المسألة على من كان عنده عشاء ليلته فإنهم ذهبوا إلى حديث

79 - حدثني به علي بن مسلم الطوسي ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثني أبي ، حدثنا الحسن بن ذكوان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنم ، قالوا : وما ظهر غنى ؟ قال : عشاء ليلة » والصواب من القول في ذلك عندنا : أن المسألة مكروهة لكل أحد إلا المضطر يخاف على نفسه التلف بتركها ، فإن من كان قد بلغ حد الخوف على نفسه من الجوع ولا سبيل له إلى ما يقيم به رمقه ، ويرد عن نفسه الضرورة الحالة به إلا بالمسألة ، فإن عليه المسألة فرضا واجبا ؛ لأنه لا يحل له إتلاف نفسه ، وهو يجد السبيل إلى إحيائها بما أباح الله له بها إحياءها به ، والمسألة مباحة لمن كان ذا فاقة وفقر ، وإن كرهناها له ، وقد وجد عنها مندوحة بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق ، وإنما كرهناها على السبيل التي وصفنا ، لمن كرهنا له ؛ لتتابع الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا قبل من قوله : « يد السائل السفلى » ، وقوله : « ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر » ، وقوله : « من يتكفل لي بواحدة وأتكفل له الجنة ؟ » ، فلما قال له ثوبان : أنا ، قال : « لا تسأل أحدا شيئا » ، وقوله : « من يستغن يغنه الله ، ومن يستعفف يعفه الله » ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي ذكرناها الواردة بكراهة النبي صلى الله عليه وسلم المسألة كراهة عامة من غير خصوص ذلك في حال من دون حال ، وقلنا : هي مع ذلك مباحة لمن كان ذا فاقة وفقر ؛ لتظاهر الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي وردت عنه بالوعيد عليها أو بتحريمها موصولة بالشروط التي ذكرناها ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « من سأل وله ما يغنيه » ، وقوله : « من سأل الناس عن ظهر غنى » فإن ظن ظان أن الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك أو بتحريمه غير موصولة بما ذكرنا من الشروط ، لما قلنا في ذلك مخالف ، فقد ظن غير الصواب ، وذلك أن الأخبار التي لا فضل فيها لتحريم المسألة بما ذكرنا من الشروط أخبار مجملة تبين معانيها الأخبار المفسرة الموصولة بالشروط التي ذكرنا . وقد بينا في كتبنا أن المفسر من الأخبار غير دافع لمجمل منها ، ولا المجمل منها دافع حكم المفسر ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، والمسألة تكره جميعها لمن وجد عنها مندوحة ، ولا نحرمها فنلزم السائل المأثم بها ، إلا سائلا سأل عن غنى مكثرا بها ماله ، فأما في غرم لحقه فلم يكن في ماله وفاء به ، أو في حمالة تحملها لم يكن في ماله لها سعة ، أو في فاقة نزلت به وحاجة لا يقدر على سدها إلا بالمسألة ؛ فإن المسألة له جائزة حلال ، وإن اخترنا له الاستعفاف والتجمل والصبر ، والفزع إلى ربه عز وجل في كشف النازل به من ذلك ، فإنه الجواد الذي لا يخاف بسعة الإفضال الفقر ، ولا تنقص خزائنه كثرة البذل . وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك الخبر الذي ذكرنا عن قبيصة بن المخارق وغيره ، وبه قالت جماعة العلماء من السلف والخلف

80 - حدثنا ابن حميد الرازي ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا يونس بن عمرو ، عن حبال بن رفيدة ، قال : أتيت الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال : ما حاجتك ؟ فقلت : سائل ، فقال : إن كنت تسأل في دم موجع ، أو غرم مفظع ، أو فقر مدقع (1) ، فقد وجب حقك ، وإلا فلا حق لك ، فقلت : إني سائل في إحداهن ، فأمر لي بخمسمائة ، ثم أتيت الحسين بن علي رضي الله عنه فاستقبلني بمثل ما استقبلني ، ثم أمر لي بمثل ذلك . ثم أتيت عائشة رضي الله عنها فاستقبلتني بمثل ما استقبلاني به ، ثم أعطتني دون ما أعطياني
__________
(1) المدقع : الشديد الذي يفضي بصاحبه إلى الدعقاء، وهي اللصوق بالتراب من شدة الفقر

81 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا عثام بن علي ، عن الأعمش ، قال : عصى إبراهيم ، فخرج غرم ألف درهم ، فقال : « إني أخاف أن أحاسب يوم القيامة فيقال : قد كان لك وجه في الناس ، أفلا سألت فأديتها ؟ فأرسل إلى الحكم وناس معه ، فسألوها ، فأدوها » وأما صفة الغنى التي تحرم معه المسألة على الغني ، والمعنى الذي يستحق به الرجل اسم « غني » ، فقد بينا في كتابنا « كتاب الزكاة » من « لطيف القول في شرائع الإسلام » ما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه ، وفي هذا الخبر - أعني خبر عمر الذي رواه أبو سعيد الخدري عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أيضا الدلالة الواضحة على أن من الأمور أمورا للرجل من المسلمين بذل بعض ماله فيما هو حرام على المبذول له الأخذ ، فيأثم الآخذ بالأخذ ، ولا يحرج بإعطائه ذلك المعطي ، وذلك كالرجل يصانع عن نفسه أو ماله في حال الخوف عليه من ظلم ظالم لا يطيق دفعه عنه بنفسه ، ولا بأعوان يعينونه عليه ، فيبذل له بعض ماله ليكف عادية شره ، وكالرجل يضطر إلى بعض الأمور التي لا بد له منها ، وذلك كالرجل ذي الضياع والمزارع ، لا يجد لزرعه وغرسه ريا من الماء إلا بثمن ، فيبذل من ماله لمن له فضل ماء بعضه ؛ ليعطيه من مائه ما يعيش به زرعه وغرسه ، وكالرجل ذي الماشية بحيث لا ماء لريها إلا من فضل بئر احتفرها محتفر هنالك ، فحال بينه وبين فضلها إلا بثمن ، وكالمحتجر بقعة من بقاع الأسواق من ذي سلطان ، أو أرضا من أرض الإسلام ، مما للمسلمين فيه منافع ، وقد احتازها لنفسه لغير نفع لهم ولا نظر ، فيبذل له بعض المسلمين من ماله ما يكون سببا لوصوله إلى حاجته منه ، فإن ذلك كله وما أشبهه - وإن كان حراما على المعطى أخذه - فحلال للمعطي إعطاؤه إياه ؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر - لما قال له : « إن أحدهم ليخرج بمسألته متأبطها ، وما هي إلا نار » . فقال له عمر : فلم تعطيهم يا رسول الله وهي نار ؟ - : « إنهم يسألوني يريدون بي البخل ، ويأبى الله لي إلا السخاء » ، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم سائله ما سأل ، وهو يعلم أن ذلك عليه حرام ؛ كراهة أن يتخلق بغير شيمته التي فطره الله عليها ، وأن يضاف إليه ما ليس من سجيته من البخل ، فلم يمنعه صلى الله عليه وسلم علمه بمكروه ذلك على من أعطاه في مسألته إياه ، وما عليه من المأثم في أخذه ما أخذ منه من إعطائه إياه ما سأل ، فكذلك كل أمر اضطر إليه مضطر مما يحل له ، فلم يصل إليه إلا ببذل ما على الآخذ فيه المكروه والإثم ، فلا حرج على الباذل والمعطي فيما بذل في ذلك وأعطى ، إذا لم يكن له السبيل إليه إلا ببذل ما بذل وإعطائه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم من سلف الأمة وخلفهم

ذكر بعض من حضرنا ذكره منهم

82 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي ، عن أبيه ، قال : بلغني أن أبا قلابة قال في الحجام (1) : « لولا أنه يمص لم أر بكسبه بأسا ، فقيل له : أليس قد احتجم (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجره ؟ فقال : رب شيء يكره للآخذ ولا يكره للمعطي ، فذكر الشاعر - مخافة الشاعر على والديه أن يشتمهما فيعطيه - أن ذلك عطية لا تصلح للشاعر ، ورشوة العامل الظالم يعرض لك فيحبسك ، فتفتدي منه فيصلح لك إن شاء الله ولا يصلح له ، قال : وعسب (3) الفحل ، الناس لا يطرقون اليوم إلا بأجر ، ليس يجد بدا من أن يعطيهم » وفيه أيضا الدلالة على أن من كتم معروفا أسدي إليه ، ولم يشكر مسديه ، فيظهر شكره عليه ويذيعه في الناس ، فقد بخسه حقا له عليه لازما ، وأتى من الفعل مذموما إذا لم يثبه من معروفه إليه ، ولم يكافئه عليه من إحسانه إليه من ماله ، وأن من أظهر ذلك وأذاعه ، وأثنى عليه بما أولاه من الإحسان - إذا لم يثبه من ماله لعدم وفقر - فقد فعل جميلا ، وأتى أمرا حميدا ، وقضى حقا لموليه ذلك لازما ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما أخبره عن اللذين أثنيا على النبي صلى الله عليه وسلم بما كان أولاهما من المعروف بإعطائه إياهما الدينارين : « ولكن فلانا ما يقول ذلك ، وقد أعطيته من عشرة إلى مائة » ، ذاما بذلك من قيله ، تاركا شكر ما أولاه بإعطائه إياه ما أعطى ، وحامدا له فعل المثني الشاكر على ما كان منه إليه من العطاء . وبنحو الذي دل عليه ذلك تتابعت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منصوصا ، وقالته علماء الأمة مبينا
__________
(1) الحجام : من يعالج بالحجامة وهي تشريط موضع الألم وتسخينه لإخراج الدم الفاسد من البدن
(2) احتجم : تداوى بالحجامة وهي تشريط موضع الألم وتسخينه لإخراج الدم الفاسد منه
(3) العسب : تأجير ماء الفحل للتلقيح ، والفحل : الذكر من كل حيوان

ذكر الرواية عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وعن بعض من حضرنا ذكره من السلف في ذلك

83 - حدثنا عبدة بن عبد الله الصفار ، أنبأنا يحيى بن إسحاق ، عن يحيى بن أيوب ، عن عمارة بن غزية ، عن شرحبيل الأنصاري ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أتي له معروف فوجد فليكافئ ، ومن لم يجد فليثن (1) به ، فإن من أثنى به فقد شكره ، ومن كتمه فقد كفره »
__________
(1) الثناء : المدح والوصف بالخير

84 - حدثنا محمد بن سهل البخاري ، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن عمارة بن غزية ، عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعطي شيئا فليجز به ، ومن لم يجد فليثن (1) به ، ومن كتمه فقد كفره »
__________
(1) الثناء : المدح والوصف بالخير

85 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا سعيد بن عفير ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن عمارة بن غزية ، عن شرحبيل مولى الأنصار ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من صنع إليه معروف فليجز به ، فإن لم يجد ما يجزي به فليثن (1) عليه ، فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره ، وإن كتمه فقد كفره »
__________
(1) الثناء : المدح والوصف بالخير

86 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استعاذ بالله فأعيذوه ، ومن سألكم بالله فأعطوه ، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا فأثنوا عليه حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه » ، حدثني سليمان بن عبد الجبار ، حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر رفع الحديث ، ثم ذكر نحوه غير أنه قال : « فإن لم يكن عندكم ما تكافئونه به ، فادعوا الله عز وجل حتى تروا أنكم قد كافأتموه »

87 - حدثني تميم بن المنتصر الواسطي ، أنبأنا إسحاق الأزرق ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استعاذ بالله فأعيذوه ، ومن أهدى إليكم فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به ، فادعوا الله حتى تروا أنكم قد كافأتموه » ، حدثنا ابن حميد ، وابن وكيع ، قالا : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

88 - حدثنا علي بن مسلم الطوسي ، حدثنا محمد بن أبي عبيدة المسعودي ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعطاكم فكافئوه ، فإن لم تجدوا فادعوا الله حتى تروا أنكم قد كافأتموه » ، حدثني يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة المسعودي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أتى إليكم معروفا فكافئوه » ، ثم ذكر مثله

89 - حدثنا علي بن سهل ، حدثنا أحمد بن محمد النسائي ، حدثنا أبو سلمة المغيرة بن مسلم ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأل بالله فأعطوه ، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه ، فمن لم يستطع أن يكافئه فليدع الله حتى يعلم أنه قد كافأه »

90 - حدثني سليمان بن عبد الجبار ، حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن ثابت ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سألكم بالله فأعطوه ، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه »

91 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس بن مالك أن المهاجرين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، ما رأينا قوما قط أبذل من كثير ، ولا أحسن مواساة من قليل من الأنصار ، لقد قدمنا المدينة فكفونا المئونة وأشركونا في المهنى ، لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال : « أما ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم ، فلا »

92 - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، أنبأنا الربيع بن مسلم القرشي ، حدثنا محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يشكر الله من لا يشكر الناس »

93 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا الربيع يعني ابن مسلم ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لم يشكر الناس لم يشكر الله » ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثني أبو الوليد ، حدثنا الربيع ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه

94 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا يحيى بن إسحاق ، عن الربيع بن مسلم القرشي ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أشكركم للناس أشكركم لله »

95 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثني عبيد الله ، أنبأنا ابن أبي ليلى ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لا يشكر الناس لا يشكر الله » ، حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا المطلب بن زياد ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله

96 - حدثني محمد بن معمر البحراني ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا محمد بن طلحة ، عن عبد الله بن شريك العامري ، عن عبد الرحمن بن عدي الكندي ، عن الأشعث بن قيس الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أشكر الناس لله أشكرهم للناس »

97 - حدثنا سوار بن عبد الله ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن طلحة ، عن عبد الله بن شريك العامري ، عن عبد الرحمن بن عدي الكندي ، عن الأشعث بن قيس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أشكر الناس لله أشكرهم للناس »

98 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا سعيد بن إياس الجريري ، عن أبي نضرة ، قال : « كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها »

99 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : « لما عرض على آدم ذريته ، ورأى فضل بعضهم على بعض قال : يا رب ، ألا سويت بينهم ؟ قال : أردت أن أشكر »

100 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « عرض على آدم ذريته ، فجعل يرى فيهم القصير والطويل وبين ذلك ، والأسود والأحمر وبين ذلك ، والجميل والدميم وبين ذلك ، فقال آدم : رب ، لو كنت سويت بين عبيدك ؟ فقال له ربه : يا آدم ، أردت أن أشكر »

101 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا عوف ، عن خالد الثقفي ، قال : « كان يقال : مما تعجل عقوبته ولا تؤخر : الأمانة تخان ، والإحسان يكفر ، والبغي على الناس »

102 - حدثني محمد بن سهل البخاري ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا بكار بن عبد الله ، أنه سمع وهب بن منبه ، يقول : « ترك المكافأة من التطفيف » وفيه أيضا الدلالة البينة على أن المدحة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم أمته وقال : « إياكم والتمادح ، فإنه الذبح » ، غير مدحة الرجل الرجل بما فيه من خلائقه الجميلة وأفعاله الحميدة التي هو بها معروف ، وعند الناس بها مشهور ، وأن ذلك إنما هو مدحته : إما بما هو غير معروف ، وما هو بغيره مشهور ، وإما مدحته بباطل ، وبما المادح فيه كاذب ، أو مدحه في وجهه ، أو بحيث يسمعه ، بغير الذي هو به معروف . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر ثناء المثني عليه بما كان أولاه من جميل الفعل ، إذ أخبره عمر عن جميل مقاله وحسن ثنائه عليه ؛ للذي كان منه إليه من عطائه ما أعطاه ، بل استحسن ذلك من المثني ، واستقبح ما كان من فعل المخفي ما كان أسدى إليه من المعروف ، من تركه إظهار صنيعه إليه عند الناس وشكره عليه فقال : « ولكن فلانا أعطيته من كذا إلى كذا فلم يقل ذلك » ، ولو كان غير جائز مدح من يستحق المدح بجميل أفعاله وكريم أخلاقه ، لكان صلى الله عليه وسلم قد استنكر فعل المثني عليه على إعطائه ، واستحسن فعل كاتم إحسانه إليه وفي استحسانه صلى الله عليه وسلم ثناء المثني ، وتركه النهي عنه ، واستقباحه كتمان الكاتم ، وإنكاره عليه ذلك من فعله ، البيان البين أن الصحيح من القول هو ما قلنا من جواز ما أجزنا ، وكراهة ما كرهنا في ذلك ، فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما

103 - حدثكم به ابن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، قال : قام رجل فأثنى على أمير من الأمراء ، فجعل المقداد يحثو (1) في وجهه التراب ، وقال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب
__________
(1) الحثو والحثي : الاغتراف بملء الكفين ، وإلقاء ما فيهما

104 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، قال : جعل رجل يثني على عثمان بن عفان ، قال : فقام إليه المقداد بن الأسود ، فجعل يحثي (1) في وجهه الحصباء (2) ، وقال : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحثو في وجوه المداحين التراب »
__________
(1) الحثو والحثي : الاغتراف بملء الكفين ، وإلقاء ما فيهما
(2) الحصباء : الحجارة الصغيرة

105 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث أن رجلا ، جعل يمدح عثمان ، فعمد إليه المقداد فجثا (1) على ركبتيه - وكان رجلا ضخما - فجعل يحثو (2) في وجهه الحصباء ، فقال له عثمان : ما شأنك ؟ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب »
__________
(1) الجثو : الجلوس على الركبتين
(2) الحثو والحثي : الاغتراف بملء الكفين ، وإلقاء ما فيهما

106 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ميمون بن أبي شبيب ، قال : جعل رجل يمدح عاملا لعثمان ، فعمد المقداد فجعل يحثو (1) التراب في وجهه ، فقال له عثمان : ما هذا ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب »
__________
(1) الحثو والحثي : الاغتراف بملء الكفين ، وإلقاء ما فيهما

107 - حدثنا علي بن سهل الرملي ، حدثنا الحسن بن بلال ، حدثنا حماد ، أنبأنا علي بن الحكم ، عن عطاء بن أبي رباح : أن رجلا مدح رجلا ، فجعل ابن عمر يدفع التراب بأصابعه نحوه ، وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب »

108 - حدثني موسى بن سهل ، حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر ، حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : سمعت ابن عمر ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا رأيتم المداحين ، فاحثوا (1) في وجوههم التراب »
__________
(1) الحثو والحثي : الاغتراف بملء الكفين ، وإلقاء ما فيهما

109 - حدثني علي بن عيسى البزاز ، حدثنا محمد بن الصباح ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، حدثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة ، فقال : « لقد أهلكتم - أو قطعتم - ظهر هذا الرجل »

110 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا ابن إدريس ، عن كهمس ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي ، يقرأ ، فقال لبريدة : « أتعرف هذا ؟ » قال : قلت : نعم يا رسول الله ، هذا أكثر أهل المدينة صلاة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تسمعه فيهلك ، إنكم أمة أريد بكم اليسر »

111 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن معبد الجهني ، قال : كان معاوية قل ما يدع يوم الجمعة أن يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إياكم والتمادح فإنه الذبح »

112 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا ابن نمير ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن معبد الجهني ، عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إياكم والمدح ، فإنه الذبح »

113 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن عبد الله بن شقيق ، عن رجاء بن أبي رجاء الباهلي ، قال : قال محجن : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بيدي ، فأتينا المسجد ، فرأى رجلا يصلي ، فقال : « من هذا » ؟ قلت : هذا فلان كذا وكذا ، فأثنيت عليه ، فقال : « لا تسمعه فتهلكه »

114 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، عن شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه أن رجلا مدح رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « ويحك ، قطعت عنق صاحبك ، ويحك قطعت عنق صاحبك » ، ثم قال : « إن كان مادحا أحدكم أخاه لا محالة فليقل : أحسب فلانا ، ولا أزكي على الله أحدا ، وحسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا يحيى بن أبي بكير العبدي ، عن شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، إلا أنه قال : « إن كان أحدكم لا بد مادحا أخاه » ، وسائر الحديث مثله «

115 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، ومحمد بن صخر العتبي ، قالا : حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي ، قال : سمعت خالدا الحذاء ، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه : أن رجلا جاء إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، فلان هو هو ، فأخذ يثني عليه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « ويلك قطعت عنقه - مرتين ، أو ثلاثا - إن كنت لا بد فاعلا فقل : أحسب فلانا ، والله حسيبه ، ولا أزكي على الله أحدا ، أحسب فلانا كذا وكذا ، إن كنت تعلم ذلك منه » قيل : إن معاني هذه الأخبار هو ما قلنا ، ولم يخرج شيء منها عما وصفنا ، وذلك أنه غير جائز أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم أقوالا متضادة ، وإنما يكون في أخباره الخصوص والعموم ، والمجمل والمفسر ، والناسخ والمنسوخ ، على ما قد بينا في سائر كتبنا . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان صحيحا عنه صلى الله عليه وسلم الخبر بالنهي عن المدح ، وثابتا عنه الندب إليه والأمر به علم أن مما أمر به من ذلك أو ندب إليه ، غير الذي نهى منه ، وحظره ، أو كرهه وأنكره . وإذا كان ذلك كذلك ، صح الذي قلنا فيما ورد عنه من الأخبار التي ذكرناها ، وقد

116 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثني علي بن زيد بن جدعان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن الأسود بن سريع ، قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني مدحت الله مدحة ومدحتك ، قال : « هات وابدأ بمدحة الله عز وجل » فلم يستنكر صلى الله عليه وسلم من الأسود بن سريع مدحه إياه ، إذ كان في مدحه إياه بما مدحه به محقا ، وفيما وصفه به صادقا معروفا ، فكذلك كل ما كان من أمره معروف به الممدوح ، فمدحه به مادح بمحضر منه أو بظهر الغيب ، فلا حرج فيه على المادح ، ولا مكروه فيه على الممدوح ، وما كان من أمر هو به غير معروف ، أو كان المادح به فيه كاذبا ، فهو المدح المحظور ، والمادح به مذموم . وفي هذا الخبر أيضا - أعني خبر عمر الذي ذكرناه قبل - الدلالة الواضحة على أن أحب الخليقتين إلى الله تعالى ذكره ، وأشرف السجيتين والخلتين عنده ، من خلتي البخل والسخاء ، الخليقة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وفضله بها وشرفه ، وذلك السخاء والبذل ، دون البخل والمنع ، إذا كان ذلك البذل على ما أدب الله به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (1) ، وعلى ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأديبه أمته بقوله : « خير الصدقة ما أبقت غنى ، ولا تلام على كفاف » ، فتأدب امرؤ بأدب ربه عز وجل ، ولم يكتسب إلا الطيب من الكسب ، ولم ينفق إلا القصد ، ولم يسرف ولم يقتر ، وجعل ما أفضله القصد من نفقته عدة له يوم فقره وفاقته . وبالذي قلنا من تفضيل البذل والسخاء على السبيل التي وصفنا - على البخل والمنع - تتابعت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال به السلف الصالحون من الصحابة والتابعين ، نذكر ما صح عندنا سنده من ذلك ، ونبدأ منه بذكر من وافق أبا سعيد الخدري في روايته عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روى منه ، ثم نتبع ذلك من وافق عمر في روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روي عنه في ذلك من الصحابة ، إذ كنا لم نذكره فيما مضى قبل ، تحريا وضعه في موضعه الذي هو به أولى ، وطلبا منا إلحاقه بأشكاله
__________
(1) سورة : الإسراء آية رقم : 29

117 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن سلمان بن ربيعة ، قال : قال عمر بن الخطاب : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت : والله ، لغير هؤلاء كان أحق منهم ، فقال : « إنهم يخيروني بين أن يسألوني بالفحش ، وأن أبخل ، ولست بباخل »

118 - حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي ، حدثنا علي بن المديني ، حدثني إسحاق بن إبراهيم الحنيني ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ، فقال : « ما عندي شيء أعطيك ، ولكن استقرض علي حتى يأتينا شيء فنعطيك . فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما كلفك الله هذا ، هذا أعطيت ما عندك ، فإذا لم يكن عندك فلا تكلف ، قال : فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر - وكان إذا غضب عرف ذلك في وجهه - فقام رجل من الأنصار فقال : بأبي أنت وأمي ، أعط ولا تخف من ذي العرش إقلالا ، قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : » بهذا أمرت «

ذكر من وافق عمر في رواية ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة

119 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا أبي ، وشعيب بن الليث ، عن الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد ، عن ابن أبي هلال ، عن أبي سعيد : أن جابر بن عبد الله ، أخبرهم أن رجلا أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه ، ثم أتاه آخر فسأله فأعطاه ، ثم سأله آخر فأعطاه ، ثم أتاه آخر فسأله فوعده ، ثم أتاه آخر فسأله فوعده ، فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله ، سئلت فأعطيت ، ثم سئلت فأعطيت ، ثم سئلت فأعطيت ، ثم سئلت فوعدت ، ثم سئلت فوعدت . فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهها ، فقام عبد الله بن حذافة السهمي ، فقال : أنفق يا رسول الله ، ولا تخف من ذي العرش إقتارا ، فقال : « بذلك أمرت »

120 - حدثني حاتم بن بكر الضبي ، حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، حدثنا يونس بن يزيد الأيلي ح وحدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن المبارك ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري ، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجود الناس وأسمحهم ، وكان أجود ما يكون إذا لقيه جبريل ، وكان جبريل صلى الله عليه وسلم يلقاه في كل رمضان يدارسه القرآن ، فإذا لقيه جبريل يكون أسمح من الريح المرسلة » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن مبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، بمثله حدثنا أبو كريب ، حدثنا رشدين بن سعد ، عن يونس ، وعقيل ، وقرة ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس نحوه

121 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبدة ، ويونس بن بكير ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا يعلى بن عبيد ، وحدثنا ابن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، جميعا عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الكتاب في كل رمضان على جبريل ، فيصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من التي يعرض فيها ما يعرض وهو أجود من الريح المرسلة ، لا يسأل شيئا إلا أعطاه »

122 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا حماد بن واقد ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : « كان نبي الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس ، وأسمح الناس ، وأشجع الناس »

123 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ، وأحسن الناس ، وأجود الناس »

124 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني الليث ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عمر بن محمد بن جبير ، عن أبيه ، عن جده أنه قال : بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقبلة من حنين علقت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة (1) فخطفت رداءه ، قال : فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أعطوني ردائي ، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعم لقسمته بينكم ، ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذابا ، ولا جبانا » ، حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه . أخبرني عبد الله بن أبي زياد القطواني ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا ابن أخي ابن شهاب ، عن عمه ، قال : أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم أن محمد بن جبير ، قال : أخبرني جبير بن مطعم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله
__________
(1) السَّمُر : هو ضربٌ من شجَرَ الطَّلح، الواحدة سَمُرة

125 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا فردوس بن الأشعري ، حدثنا مسعود بن سليمان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه جبير ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ، وهو عند ثنية الأراكة وهو يعطي حين فرغ من حنين ، فاضطره الناس إلى سلمة فانتزع غصن من السلمة رداءه ، فالتفت إلينا بوجهه مثل شقة القمر فقال : « أعطوني ردائي » . فأعطيناه إياه ، ثم قال : « تخافون علي البخل ، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي مثل صوحي هذا الجبل لأعطيتكموه » قال : وصوحا الجبل : جانباه ، مقادمه ومواخره . قال أبو جعفر : إنما هو ضوجا الجبل ، ولكن الشيخ كذا قال

126 - حدثنا سليمان بن عبد الجبار ، حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن حبيب ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما قسما ، قال : فقد من الناس ، قال : فتبعه الناس ، فأخذ ثوبه شجرة ، فقام ، فقال : « ردوا علي ثوبي ، تخافون بخلي ، لو كان لي ما بينهما مالا لقسمته »

127 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، والليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين سأله الناس فأعطاهم من البقر والغنم والإبل حتى لم يبق من ذلك شيء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قد أعطيتكم من الغنم والبقر والإبل حتى لم يبق شيء من ذلك ، فماذا تريدون ؟ أتريدون أن تبخلوني ، فوالله ما أنا ببخيل ، ولا جبان ، ولا كذوب » ، فجذبوا ثوبه ، حتى بدا منكبه ، فكأنما أنظر حين بدا منكبه إلى شقة القمر من بياضه

128 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، قال : سمعت جابر بن عبد الله ، يقول : « ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال : لا »

129 - حدثني محمد بن فراس الضبعي المعروف بأبي هريرة ، حدثنا أبو داود ، حدثنا زمعة ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي ، قال : حيكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة أنمار صوف سوداء ، فجعل حاشيتها بيضاء - أو قال : بياضا - فخرج فيها إلى أصحابه ، فضرب بيده على فخذه ، فقال : « ألا ترون إلى هذه ؟ ما أحسنها » فقال أعرابي : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، هبها لي - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا أبدا فيقول لا - فقال : « نعم » ، فأعطاه الجبة ، ودعا بمعوزين له فلبسهما ، وأمر بمثلها ، فحيكت له ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في المحاكة ، حدثني محمد بن معمر البحراني ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا زمعة ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : حيكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من أنمار صوف أسود ، فجعل لها حواشي من صوف أبيض ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما عليه إلى المجلس ، فضرب على فخذه ، ثم ذكر نحو حديث أبي هريرة

130 - حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان ، حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة ، فقال سهل للقوم : تدرون ما البردة ؟ قال القوم : هي شملة (1) ، فقال سهل : هي شملة منسوجة فيها حاشيتها ، فقالت : يا رسول الله ، جئتك أكسوك هذه ، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ، فلبسها ، فرآها عليه رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ، ما أحسن هذه اكسنيها ، فقال : « نعم » . فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه ، فقالوا : ما أحسنت حين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها ، ثم سألته إياها ، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه ، قال : والله ما حملني على ذلك إلا رجوت بركتها حين لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لعلي أكفن فيها
__________
(1) الشملة : كساء يُتَغَطَّى به ويُتَلفَّف فيه

131 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم القرشي ، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، أنبأنا حيوة بن شريح ، حدثنا الوليد بن أبي الوليد ، عن عبد الله بن دينار ، مولى عبد الله بن عمر أخبره أن رجلا أتى عبد الله بن عمر فسأله رداءه ، فأعطاه إياه ، ثم سأله قميصه ، فأعطاه إياه ، ثم سأله عمامته فأعطاه إياها ، ثم نظر إليه ابن عمر ، فقال للرجل : ماذا أردت بهذا ؟ أردت أن تبخلني ؟ فقال الرجل : إنه ذكر لي منك شيء ، فأردت أن أجربك ، فرد الرجل إلى ابن عمر ثيابه ، فقال عبد الله بن عمر : جاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، ثم ذهب الرجل ، فلما أدبر قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : « أخذ هذا ما له وما ليس له »

132 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، قال : قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب : أن صفوانا ، قال : والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني ، وإنه لأبغض (1) الناس إلي ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي ، وأعطى حكيم بن حزام يومئذ ، وحكيم يسأله مائة من النعم ، ثم مائة ، ثم مائة
__________
(1) البغض : عكس الحب وهو الكُرْهُ والمقت

133 - حدثني الفضل بن إسحاق ، حدثنا سعيد بن محمد الوراق ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب من النار . ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل ، وأكبر الداء البخل »

134 - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا سعيد بن محمد الوراق ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سيدكم يا بني عبيد ؟ » قالوا : الجد بن قيس ، على أن فيه بخلا ، قال : « وأي داء أدوأ من البخل ، بل سيدكم وابن سيدكم ، وابن سيدكم ، بشر بن البراء بن معرور »

135 - حدثني إسحاق بن وهب الواسطي ، حدثنا أبو داود ، حدثنا صدقة بن موسى ، حدثنا مالك بن دينار ، عن عبد الله بن غالب الحداني ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خصلتان لا تجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق »

136 - حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطي ، حدثنا خالد بن عبد الله الطحان ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن صفوان بن يزيد ، عن القعقاع بن اللجلاج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجتمع الشح (1) والإيمان في قلب عبد أبدا »
__________
(1) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

137 - حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن صفوان بن أبي يزيد ، عن القعقاع بن اللجلاج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يجتمع شح (1) وإيمان في قلب عبد أبدا »
__________
(1) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

138 - حدثنا محمد بن العلاء الهمداني ، حدثنا المحاربي ، وعبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو المديني ، عن صفوان بن أبي يزيد ، عن الحصين بن اللجلاج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجتمع الشح (1) والإيمان في جوف رجل مسلم »
__________
(1) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

139 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا موسى بن علي ، عن أبيه ، عن عبد العزيز بن مروان ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « شر ما في الرجل : شح هالع (1) ، أو جبن خالع »
__________
(1) الهلع : أشد الجزع والضجر ، والمراد المحزن .

140 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا موسى بن علي ، عن أبيه ، عن عبد العزيز بن مروان ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « شر ما في الرجل شح هالع ، وجبن خالع »

141 - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني ، حدثنا أبو نباتة ، حدثنا داود بن قيس ، عن عبيد الله بن مقسم ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا الشح (1) ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم ؛ حملهم على أن سفكوا (2) دماءهم ، واستحلوا محارمهم »
__________
(1) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا
(2) سفك الدم : القتل

142 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إياكم والشح (1) ؛ فإنه أهلك من كان قبلكم من الأمم ؛ دعاهم فسفكوا دماءهم ، ودعاهم فقتلوا أولادهم »
__________
(1) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

143 - حدثني موسى بن سهل الرملي ، حدثنا عمران بن هارون ، حدثنا سليمان بن حيان ، قال : حدثني محمد بن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إياكم والبخل ؛ فإن البخل دعا قوما فمنعوا زكاتهم ، ودعاهم فقطعوا أرحامهم ، ودعاهم فسفكوا دماءهم »

144 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، ومحمد بن يزيد الرفاعي ، قالا : حدثنا حسين بن علي ، عن فضيل بن عياض ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن زهير بن الأقمر ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إياكم والبخل فإنه أهلك من كان قبلكم ؛ أمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالفجور ففجروا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا »

145 - حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا أبو داود ، وأبو الوليد ، قالا : حدثنا شعبة ، قال : أنبأني عمرو بن مرة ، قال : سمعت عبد الله بن الحارث ، يحدث عن أبي كثير الزبيدي ، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إياكم والشح (1) ، فإنه أهلك من كان قبلكم ؛ أمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا ، وأمرهم بالبخل فبخلوا » ، حدثنا محمد بن العلاء ، ومحمد بن يزيد ، قالا : حدثنا وكيع ، عن المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أبي كثير الزبيدي ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله
__________
(1) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

146 - حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار أبو حفص ، عن محمد بن جحادة الأودي ، عن بكر بن عبد الله المزني ، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إياكم والشح (1) ، فإنما أهلك من كان قبلكم الشح ؛ أمرهم بالكذب فكذبوا ، وأمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا »
__________
(1) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

147 - حدثني أحمد بن يحيى بن زكريا الصوفي الأودي ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، عن أنس بن مالك ، قال : قبض رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : هنيئا لك الجنة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « وما علمكم ؟ لعله قد تكلم فيما لا يعنيه ، أو منع مالا ينقصه »

148 - حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي ، حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثني بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن جده أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الأشعريين إذا أرملوا (1) في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية (2) ، هم مني وأنا منهم »
__________
(1) أرمل : نفد زاده
(2) السوية : العدل والتساوي

149 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن ليث ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، قال : لقد أتى علينا زمان ، وما نرى أن أحدا منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم ، حتى كان ها هنا بأخرة ، فأصبح الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا ضن (1) الناس بالدينار والدرهم ، وتبايعوا بالعينة ، واتبعوا أذناب البقر ، وتركوا الجهاد بعث الله عليهم ذلا لا ينزعه منهم حتى يراجعوا دينهم » ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني جرير بن حازم ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : قال عبد الله بن عمر : لقد أتى علينا زمان وما يرى أحدنا أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم . ثم ذكر نحوه إلا أنه قال : « أدخل الله عليهم ذلا ، لا ينزعه منهم حتى يراجعوا أمر دينهم » حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، قال : أنبأنا حيوة شريح ، ويحيى بن أيوب ، عن أبي عبد الرحمن الخراساني ، عن عطاء الخراساني ، عن نافع ، عن ابن عمر بذلك ، إلا أنه قال : « وأخذتم بأذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد » ، وزاد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : « وإن الرجل ليتعلق بجاره يوم القيامة فيقول : إن هذا أغلق بابه ، وضن عني بماله »
__________
(1) الضن : البخل

150 - حدثني زياد بن عبيد الله المزني ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، وحدثني عبد الله بن عبد الله بن أسيد الكلابي ، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد - واللفظ ليعقوب - جميعا عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده ، فيمنعه إياه ، إلا دعي له يوم القيامة شجاعا يتلمظ فضله الذي منع »

151 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا محمد بن هلال ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغدوات في المسجد ، فإذا قام إلى بيته لم نزل قياما حتى يدخل بيته ، فقام يوما ، فلما بلغ وسط المسجد ، أدركه أعرابي فقال : يا محمد ، احملني على بعيرين ، فإنك لا تحملني من مالك ولا من مال أبيك وجبذ بردائه حين أدركه ، فاحمرت رقبته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا ، وأستغفر الله ، لا أحملك حتى تقيدني (1) » قالها ثلاث مرات ، ثم دعا رجلا فقال له : « احمله على بعيرين : على بعير شعير ، وعلى بعير تمر »
__________
(1) القَوَد : القِصاص وقَتْل القاتِل بَدل القَتيل

152 - حدثني مروان بن الحكم الحراني ، حدثنا البابلتي ، قال : حدثنا الأوزاعي ، حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، قال : سمعت أنس بن مالك ، يقول : « دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما المسجد ، وعليه برد نجراني غليظ الصنفة ، قال : فأتاه أعرابي من خلفه ، فأخذ بجانب ردائه حتى أثرت الصنفة في صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، أعطنا من مال الله الذي عندك ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم ، وقال : » مروا له «

153 - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني ، حدثنا سيار بن حاتم ، حدثنا صالح المري ، عن الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كانت أمراؤكم خياركم ، وكان أغنياؤكم سمحاءكم ، وكانت أموركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كانت أمراؤكم شراركم ، وكان أغنياؤكم بخلاءكم ، وكانت أموركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها »

ذكر ما حضرنا ذكره في ذلك عن السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم

154 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، حدثنا أبو أسامة ، عن إسماعيل ، أنبأنا قيس ، قال : « دخلت أنا وأبي على أبي بكر ، وإذا هو رجل أبيض ، خفيف الجسم ، عنده أسماء ابنة عميس تذب عنه ، وهي موشومة اليدين - كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر - فعرض عليه فرسان فرضيهما ، فحملني على أحدهما ، وحمل أبي على الآخر »

155 - حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا حماد بن زيد ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين : أن صهرا لعمر بن الخطاب قدم على عمر ، فعرض له أن يعطيه من بيت المال ، فانتهره (1) عمر وقال : « أردت أن ألقى الله ملكا خائنا ؟ » فلما كان بعد ذلك أعطاه عمر من صلب ماله عشرة آلاف
__________
(1) انتهره : زجره ونهاه وعنفه

156 - حدثني محمد بن عثمان بن مخلد الواسطي ، حدثنا أبو بلال بن محمد بن الحارث الأشعري ، حدثنا القاسم بن محمد ، عن معروف بن خربوذ ، قال : قال عمر بن الخطاب : « لن تزال العرب عربا ما كانت مجالسها أندية ، وأكلت طعامها بالأفنية (1) . فإذا كانت مجالسها أخبية (2) ، وأكلت طعامها في بيوتها ، أنكرتم من أمركم ما تعرفون »
__________
(1) الفناء : الساحة في الدار أو بجانبها
(2) الأخبية : مفردها خباء وهي الخيمة

157 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري ، حدثنا الفضيل بن سليمان النميري ، حدثنا محمد بن مطرف الغفاري ، عن أبي حازم ، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي ، عن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب قال : بعثني عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح ، ودفع إلي أربع مائة دينار في صرة ، فقال : « اذهب بها إليه ، وتلبث ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع بها » ، قال : فأتيته فقلت له : يقول لك أمير المؤمنين : استعن بهذه في حاجتك ، قال : وصله الله ورحمه . ثم قال : تعالى يا جارية ، خذي هذه السبعة ، وخذي هذه الخمسة ، حتى أنفدها ، قال : ثم رجعت إليه فأخبرته وقد أعد مثلها لمعاذ بن جبل ، قال : فأتيته بها فقلت له : يقول لك أمير المؤمنين : انتفع بهذه في حاجتك فقال : وصله الله ورحمه ، ثم قال : تعالى يا جارية ، قال : فبذرها . قال : فاطلعت امرأته فقالت : ونحن والله مساكين ؛ فأعطنا - ولم يبق في الخرقة غير دينارين - فدخل عليها بها . قال : فرجعت إلى عمر فأخبرته ، فقال : القوم أخذ بعضهم من بعض

158 - حدثني عبد الرحمن بن أبي البختري الطائي ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن معاوية بن سلمة النصري ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : « توفي غنيان وفقيران ، فقال تبارك وتعالى لأحد الغنيين : ما قدمت لنفسك ، وما تركت لعيالك ؟ قال : فيقول : يا رب ، خلقتني وإياهم سواء ، وتكفلت برزق كل دابة ، وقلت : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له (1) ، فقدمت لهذا ، وعلمت أنك ترزق عيالي من بعدي ، قال : فيقول : اذهب ، فلو تعلم ما لك عندي لضحكت كثيرا ، ولبكيت قليلا . قال : ثم يقال للغني الآخر : ما قدمت لنفسك ، وما تركت لعيالك ؟ فيقول : يا رب ، كان لي عيال تخوفت عليهم العيلة ، قال : فيقول تبارك وتعالى : ألم أخلقك وإياهم سواء ، وتكفلت برزق كل دابة ؟ فقال : بلى ، ولكن تخوفت عليهم العيلة ، قال : فقد أصابهم ما حذرت عليهم ، فاذهب ، فلو تعلم ما لك عندي لضحكت قليلا ولبكيت كثيرا . وقال لأحد الفقيرين : ما قدمت لنفسك ، وما تركت لعيالك ؟ قال : فيقول : يا رب خلقتني صحيحا فصيحا ، وعلمتني أسماءك ودعاءك ، ولو كنت أكثرت لي لخشيت أن يشغلني عن طاعتك ، فقد رضيت عنك يا رب ، قال : فيقول : وأنا راض عنك ، فاذهب ، فلو تعلم ما لك عندي لضحكت كثيرا ولبكيت قليلا ، وقال للفقير الآخر : ما قدمت لنفسك ، وما تركت لعيالك ؟ قال : فيقول : يا رب ، أعطيتني شيئا تسألني عنه ؟ قال : فيقول : ألم أخلقك صحيحا فصيحا ، وجعلتك سميعا بصيرا ، وقلت : ادعوني أستجب لكم (2) ، قال : بلى يا رب ، ولكني نسيت ، قال : وأنا أنساك اليوم ، فاذهب ، فلو تعلم ما لك عندي لضحكت قليلا ، ولبكيت كثيرا »
__________
(1) سورة : البقرة آية رقم : 245
(2) سورة : غافر آية رقم : 60

159 - حدثنا يعقوب بن ماهان ، حدثنا هشيم ، عن أبي عامر المزني ، حدثنا شيخ من بني تميم ، قال : خطبنا علي - أو قال : قال علي - : « يأتي على الناس زمان عضوض (1) ، يعض الموسر (2) على ما في يديه ، ولم يؤمر بذلك ، قال الله تعالى : ولا تنسوا الفضل بينكم (3) »
__________
(1) العضوض : ما فيه عَسف وظلم
(2) الموسر : الغني وذو المال والسعة
(3) سورة : البقرة آية رقم : 237

160 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا إسحاق بن منصور ، أنبأنا هريم ، عن الشيباني ، عن جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه ، قال : « اشتريت من علي برنسين (1) منسوجين بذهب بسبعة آلاف ، قال : فبعت أحدهما من أهل كذا بسبعة آلاف ، فما سألني عن ثمنها ، ولا أعطيته »
__________
(1) البرنس : كل ثوب رأسُه منه مُلْتَزق به

161 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن عمار بن ياسر ، أنه قال : « ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان - أو : ثلاث من كمال الإيمان - الإنفاق من الإقتار ، والإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم »

162 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا أبو إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن عمار ، قال : « ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان : الإنفاق من الإقتار : أن ينفق وهو يحسن بالله الظن ، والإنصاف من نفسك : أن لا تذهب بالرجل إلى السلطان حتى تنصفه ، وبذل السلام للعالم »

163 - حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا فطر بن خليفة ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن عمار بن ياسر ، قال : « ثلاث من استعملهن فقد استكمل الإيمان : الإنفاق من الإقتار ، وإنصاف الناس من نفسك ، وإفشاء السلام للعالم »

164 - حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا المسعودي ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، قال : أتى رجل ابن مسعود ، فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت قال : « وما ذاك ؟ » قال : أسمع الله يقول : ومن يوق شح نفسه (1) ، وأنا رجل شحيح (2) ، لا يكاد يخرج من يدي شيء ، فقال : « ليس ذلك بالشح (3) الذي ذكر الله في القرآن ، الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ، ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل »
__________
(1) سورة : الحشر آية رقم : 9
(2) الشحيح : الشديد البخل والحرص على متاع الدنيا
(3) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

341 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إني أخشى أن لا تكون أصابتني هذه الآية : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (1) ، والله ما أعطي شيئا أستطيع منعه . قال : « ليس ذلك بالشح (2) ، إنما الشح أن تأكل مال أخيك بغير حقه ، ولكن ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل »
__________
(1) سورة : الحشر آية رقم : 9
(2) الشح : أشد البخل والحرص على متاع الدنيا

342 - حدثنا عمران بن موسى البصري ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، حدثنا ليث ، عن ميمون بن مهران : أن رجلا ، من جهينة كان يرعى على أبي ذر ذودا (1) له ، وكان أبو ذر يعلمه القرآن ، وكان أهل الماء قد أصابهم خمص ، فقال أبو ذر : « يا فلان ، ايتني بخير جمل فيها ، وإن علمت أني أعزها » ، قال : فخطم (2) ناقة ، فجاء بها ، ولم يكن في الإبل خير منها ، إلا جملا واحدا كان فحل الإبل ، وكانوا يتبقلون عليه . قال : « هل من رجلين يحتسبان عمل أيديهما ؟ » فقام رجلان فقالا : نحن نحتسب عمل أيدينا . قال : « انحراه ، ثم اقسما ولا تفضلا حرا على عبد ، واجعلا آل أبي ذر بيتا من بيوتكم . ثم قال : يا فلان ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال : كان فحل الإبل ، وكنتم تتبقلون عليه ، وعرفت حاجتكم إليه . فقال : ألا أنبئك بيوم حاجتي ، يوم أدلى في حفرتي ليس معي مما ترى شيء . ثم قال : إن شركاءك في المال ثلاثة ، أنت أحدهم ، والقدر شريكك لا يستأمرك ، يجيء فيأخذ أفضلها وأخسها وأرذلها ، ووارثك محتب (3) بالطريق ، ينتظر متى تموت ، فيقتسم مالك وأنت ذميم
__________
(1) الذَّوْدُ من الإبل : ما بين الثَّنتين إلى التِّسْع. وقيل ما بين الثَّلاثِ إلى العَشْر. واللفْظَة مُؤَنثةٌ، ولا واحدَ لها من لَفْظِهَا كالنَّعَم
(2) الخطام : كل ما وُضِعَ على أنف البعير ليُقتادَ به
(3) الاحْتبَاء : هو أن يَضُّمّ الإنسان رجْلَيْه إلى بَطْنه بثَوْب يَجْمَعَهُما به مع ظَهْره، ويَشُدُّه عليها. وقد يكون الاحتباء باليَدَيْن عوَض الثَّوب

343 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن عبيد الله بن الوليد ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، قال : « لقد تداولت سبعة أبيات رأس شاة يؤثر به بعضهم بعضا ، وإن كلهم لمحتاج إليه ، حتى رجع إلى البيت الذي خرج منه »

344 - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثني أبو هانئ ، حدثني شفي الأصبحي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : ليأتين على الناس زمان تكون قلوبهم فيه قلوب الأعاجم . فقيل له : وما قلوب الأعاجم ؟ قال : حب الدنيا ، وسنتهم سنة الأعراب : ما آتاهم الله من رزق جعلوه في الحيوان ، يرون الجهاد ضرارا ، والصدقة مغرما

345 - حدثني الحسين بن علي الصدائي ، حدثنا محمد بن القاسم ، عن يوسف بن ميمون الصباغ ، عن عطاء ، قال : قال حذيفة : « لقد رأيتنا وما يرى أحدنا أنه أحق بديناره وبدرهمه من أخيه المسلم . ثم قال : لقد طال بي عمر حتى أدركتكم ، والدرهم والدينار أحب إلى أحدكم من أخيه المسلم »

346 - حدثني سلم بن جنادة ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة ، قال : « لقد رأيتها تصدق بسبعين ألفا ، وإنها لترقع جانب درعها »

347 - حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن محمد بن مهاجر ، حدثني الزبيدي ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت : يا ويح لبيد حيث يقول : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب قالت عائشة : فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ قال عروة : رحم الله عائشة ، فكيف لو أدركت زماننا هذا ؟ ثم قال الزهري : رحم الله عروة ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ ثم قال الزبيدي : رحم الله الزهري ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ قال محمد : وأنا أقول : رحم الله الزبيدي ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ قال أبو حميد : قال عثمان : ونحن نقول : رحم الله محمدا ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ قال أبو جعفر : قال لنا أبو حميد : رحم الله عثمان ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ قال أبو جعفر : رحم الله أحمد بن المغيرة ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ قال الشيخ : رحم الله أبا جعفر ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ ، حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، مثله

348 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : « كفى بالمرء من الشر أن يكون فاجرا . أو قال : يكون بخيلا »

349 - حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا هشام بن المفضل الفزاري ، حدثنا محمد بن كثير الصنعاني ، عن الأوزاعي ، عن حسان ، فيما يحسب قال : شكا أهل دمشق إلى أبي الدرداء قلة الثمار ، فقال : « إنكم أطلتم حيطانها ، وأكثرتم حراسها ، فجاءها الوبأ من فوقها »

350 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، قال : قال يونس يعني ابن عبيد : كان لعثمان بن أبي العاص تجار يتجرون في البحر ، ويتجرون في المدائن ، فكان إذا قدم تجاره قسم في جيرانه ، حتى تبلغ قسمته بني السمين قال يعقوب : قال إسماعيل : حي من بني حنيفة

351 - حدثنا حميد بن مسعدة السامي ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا الجريري ، عن أبي العلاء ، عن مطرف ، قال : أتيت عثمان بن أبي العاص أستسلفه ، فقال : « يا مطرف ، إن يدي ربك ملأى . قال : فلما انصرفت أتبعني رسولا معه صرة (1) فيها أربعمائة ، فلما تيسرت أتيته بها . قال : فقال : إني لم أعطكها وأنا أريد أن آخذها منك »
__________
(1) الصرة : ما يجمع فيه الشيء ويُشدُّ

352 - حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، حدثنا أبو قطن ، حدثنا المسعودي ، عن الحكم ، قال : كان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه ، قال : سمعت الله يقول : جمع فأوعى (1)
__________
(1) سورة :

353 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا سهل بن عامر البجلي ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر ، قال ، قال لي أبو جعفر : يا حجاج ، كيف تواكسكم ؟ قلت : صلح يا أبا جعفر . قال : يدخل أحدكم يده في كيس أخيه فيأخذ حاجته إذا احتاج ؟ قلت : أما هذا فلا . قال : أما لو فعلتم ما احتجتم

354 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن يمان ، أنبأنا مبارك ، قال : كان الحسن ، يقول : « ابن آدم خذ ما في يديك لما بين يديك ، عند الموت تلقى أكثره »

355 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، حدثنا موسى بن عمير العنبري : سمعت الحسن البصري ، يقول : « رحم الله امرأ اكتسب طيبا وأنفق قصدا (1) ، وقدم فضلا ليوم فقره وفاقته »
__________
(1) القصد : التوسط والاعتدال في الأمور بلا غلو أو تفريط

356 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : « رحم الله عبدا اكتسب حلالا ، وأنفق قصدا (1) ، وقدم فضلا ليوم فقره وفاقته »
__________
(1) القصد : التوسط والاعتدال في الأمور بلا غلو أو تفريط

357 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي ، حدثنا مخلد بن حسين ، عن هشام ، قال : قال الحسن : « رحم الله عبدا جعل الهم هما واحدا ، فأكل كسرا ، ولبس خلقا ، وقدم فضلا ليوم فقره وفاقته ، وأنفق قصدا »

358 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا الهيثم بن عبيد ، الذي يقال له الصيد - ، حدثنا أبي ، قال : كان الحسن البصري ، يقول : « قد أتى علينا زمان ، وإنا لنرى البخيل فينا من يسلف (1) إلى ميسرة »
__________
(1) أسلف : أقرض

359 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا حكام بن سلم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عبد ربه : أن الحسن ، كان يقول : « ابن آدم صاحب الدنيا ببدنك ، وفارقها بهمك وقلبك ؛ فإنك موقوف على عملك ، فخذ مما في يديك لما بين يديك ، وعند الموت يأتيك الخبر »

360 - حدثني يونس ، أنبأنا يحيى بن حسان ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : سمعت الحسن ، يقول : « إن المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا ، فإذا وسع عليه وسع ، وإذا أمسك عنه أمسك »

361 - حدثنا علي بن مسلم الطوسي ، حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : « ما رأيت أسخى منهما - يعني الحسن وابن سيرين - إلا أن الحسن كان أشدهما إنجاحا . قال : وكنت إذا قلت عند الحسن نفض لي الفراش بيده »

362 - حدثني مهنأ بن يحيى ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني ، قال : كان روح بن زنباع يخطبنا ، فكان يقول : « ألا إن خياركم آكلكم في الأفنية ، وأوسعكم آنية ، وأحلاكم أطلية ، وإن شراركم آكلكم في الأخبية ، وأصغركم آنية ، وأمركم أطلية »

363 - حدثني القاسم بن بشر بن معروف ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن يزيد بن حازم ، عن الضحاك بن مسلم ، عن قتيبة بن مسلم ، قال : كانت الدماء في مصر ، فقعدوا لذلك في المسجد الجامع ، فأرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع : إن قومك قد اجتمعوا ، فاحضرهم . قال : فأتيته فأبلغته ، فقال : ادخل . فدعا بخوانه (1) ، فجيء بخوان عليه أربعة أرغفة ، وقصعة (2) فيها مريس ، قال : فكسر ذلك الخبز في تلك القصعة ، قال : فدعا بزيت ، فقال : ادن فكل . قلت : لا أريد . فأكل تلك الأربعة أرغفة ، ورفع القصعة فحسا ما فيها من ذاك المريس ، قال : ودعا بماء فشرب ، ثم قال : لباب البر ، وجنى النحل ، وزيت الشأم ، وماء الفرات ، هذه - والله - الطيبات ثم قام وذهبت معه ، فأتى المسجد الجامع ، وهم في المسجد حلقا ، فنظر الشمس ، ثم جعلها في ظهره ، ثم جلس وحده ، فجعلوا يقومون إليه ، رجل ورجلان ، حتى تقوضت تلك الحلق فصدروا حوله ، ثم جعلوا يتهارشون . قال : وهو ساكت لا يتكلم ، إلى أن جاءت الصلاة ، فقال له رجل : يا أبا القعقاع ، ألا تتكلم ؟ ألا ترى ما فيه قومك ؟ قال : أو قد اجتمعتم إلي لذلك ؟ قالوا : نعم . فقال للذين يطلبون بالدماء : حقكم علي . وقال للمطلوبين : أما أنتم ، فبرئتم . فكأنها كانت نارا صب عليها ماء ، فتفرقوا ، وأرسل إلى إبل له في البادية ، فأدى تلك الديات
__________
(1) الخوان : ما يوضع عليه الطَّعام عند الأكل
(2) القصعة : وعاء يؤكل ويُثْرَدُ فيه وكان يتخذ من الخشب غالبا

364 - حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي ، حدثنا منصور بن سلمة ، قال : سمعت شيخا ، من التيم قال : كان مجمع التيمي يعمل من الشهر أياما ، فإذا كسب ما يكفيه بقية شهره أمسك عن العمل . قال : وكان يتحدث إليه ، قال : فقام أصحابه من عنده يوما فأتبعهم بصره ، قال : فرأى في إزار سفيان بلى أو خرقا (1) أو رقاعا . قال : فسأله أن يرجع إليه ، فرجع إليه سفيان . قال : فضرب بيده إلى بارية كان عليها . قال : فأخرج خمسة دارهم كانت تحتها ، ثم أقبل على سفيان ، فقال : يا أبا عبد الله ابتع (2) بهذه إزارا (3) . قال : فقال له سفيان : إن هذا عن غير حاجة . قال : فقال له مجمع : فإني أسألك - يعني : لما قبلتها - فجعل سفيان يأبى (4) ، وجعل مجمع يسأله قبولها . قال : فجعلنا نعجب من رجل لا يملك إلا خمسة دراهم من عمل يده بذلها
__________
(1) الخرقة : القطعة من الثوب الممزق
(2) ابتع : اشتر وهو أمر بالابتياع أي الشراء
(3) الإزار : ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن
(4) يأبى : يمتنع ويرفض

365 - حدثنا محمد بن عبيد الأدمي ، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض ، قال : رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له : غدا القيامة ، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة . لقد انصرف يوم فطر ، أو أضحى إلى منزله ، ومعه صديق له ، فقرب إليه خبزا وزيتا ، فجاء سائل فوقف على الباب ، فقام إليه ، فأعطاه دينارا

366 - حدثنا الزبير بن بكار الزبيري ، قال : حدثني عبد الله بن عمر بن القاسم العمري ، قال : حدثني أسقف ، قال : كنت أخرج مع سالم بن عبد الله إلى الحج ، فيخرج على شارف (1) وعليه خنيف وبركان ، يلتحف (2) نصف البركان ، ويفترش النصف الآخر ، وكان يذبح لنا في كل منزل شاة ، فإذا قدم المدينة أمر بالشارف ، فنحرت لأصحاب الصفة
__________
(1) الشارف : الناقة المسنة التي ارتفع لبنها
(2) التحف : كل شيء تغطيت به فقد التحفت به

367 - حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي ، حدثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، قال : « كان سالم يصنع في بيته الكوامخ وأشباهها فيتصدق بها ، فقال له أهله : تذهب ولا تترك لنا شيئا فقال : أذهب بخير وأترككم بشر ، أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير »

368 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن مسروق ، أنه زوج ابنة له السائب بن الأقرع . قال : وكان يطعن في حسبه ، فزوجه على عشرة آلاف ، وقال : « إنما زوجتك أنه ليس لي مال » فأعطته ابنته صداقها (1) ، فأعطاه قومه ، وتصدق به على المساكين
__________
(1) الصداق : المهر

القول فيما في هذه الأخبار من الغريب فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : « من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خدوش أو كدوح أو خموش » ، فالكدوح : آثار الخدوش ، ومنه قول الشاعر : هما الغول والسعلاة حلقي منهما مخدش ما بين التراقي مكدح يعني بقوله : مكدح : مؤثر ، فيه آثار الخدوش ، ومنه قول نابغة بني ذبيان : أقب كعقد الأندري معقرب حزابية قد كدحته المساحل يعني بقوله : قد كدحته : قد عضضته ، فأثرت به من عضها إياه آثارا . وإنما يصف بذلك عيرا قد كدحته المعيوراء ، فأثرت به آثارا . وأما الخموش : فنحو الخدوش ، ومنه الخبر الآخر الذي روي عن أبي أمامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لعن يوم حنين الخامشة وجهها ، والشاقة جيبها ، يعني بالخامشة وجهها ما وصفت ، يقال منه : خمشت المرأة وجهها تخمش وتخمش خمشا وخموشا ، ومنه قول لبيد بن ربيعة : خمشن حرا أوجه صحاح في السلب السود وفي الأمساح وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله ليس على وجهه مزعة لحم » ، فإنه يعني بالمزعة : القطعة من اللحم . من ذلك قولهم : غضب فلان على فلان حتى كاد أنفه يتمزع ، يراد به : يتقطع قطعا . وأما قول قبيصة بن المخارق : تحملت بحمالة ، فإنه يعني : تكفلت بكفالة ، يقال للكفيل يتكفل بالمال عن القوم : هو كفيل به ، وهو حميل ، وضمين ، وزعيم ، وقبيل ، وصبير . وإنما أراد قبيصة بقوله ذلك أنه تضمن ديات أقوام قتلوا ؛ للإصلاح بين عشائر القاتلين والمقتولين ؛ فأباح النبي صلى الله عليه وسلم المسألة فيها ؛ حتى يؤديها ؛ لما في ذلك من حقن دماء الفريقين ، وصلاح ذات بين الطائفتين . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله » ، فإنه يعني بالجائحة : المصيبة تنزل بمال الرجل ، والآفة تحل به ، فيهلك لذلك المال الذي أصابه ذلك ، ومنه الخبر الآخر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بوضع الجوائح ، يعني بترك المطالبة بما أهلكته الجوائح من الأموال التي كانت أصول أشريتها غير صحيحة ، ولم يهلكها مبتاعوها ، ولا هلكت في أيديهم بعد قبضهموها ، فأباح النبي صلى الله عليه وسلم لمن اجتاحت الجوائح ماله المسألة ؛ حتى يصيب سدادا من عيش ، أو قواما منه . و السداد بكسر السين : هو ما سد الخلة ، وكذلك ما سد خللا من شيء فهو سداد بكسر السين ، يقال منه : هذا الشيء سداد من عوز وفقر ، واجعل لقارورتك سدادا ، وهو الصمام ؛ لأنه يسد رأسها ، ومنه قول الطرماح بن حكيم : يا خال ، أنت سداد ما لو لم تكن شقت بوائقه على الأمصار ومنه : سداد الثغر ، إذا سد بالخيل والرجال ، ومنه قول العرجي : أضاعوني ، وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر وأما السداد بفتح السين : فهو القصد والإصابة ، يقال منه : إنه لرجل مسدد ، إذا كان يعمل بالسداد . وعليك أيها الرجل بالسداد ، يراد به القصد . وكذلك القوام بكسر القاف : مصدر أقام أمر الرجل ، من كفاية تقيم عيشه وغير ذلك من أموره . والقوام ، بفتح القاف : القصد والعدل من قول الله عز وجل : وكان بين ذلك قواما (1) . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة من ذوي الحجى من قومه » ، فإنه يعني بذوي الحجى : ذوي العقل والتمسك بالدين والحق ، يقال منه للرجل إذا أقام بالمكان ولزمه : حجا به يحجو حجوا ، ومنه قول العجاج : بربض الأرطى وحقف أعوجا فهن يعكفن به إذا حجا عكف النبيط يلعبون الفنزجا وأما قولهم : فلان يأتينا بالأحاجي ، فإنه جائز أن يكون من الحجى ، وذلك أن الأحاجي ما يعايا به ، يقال منه : حاجيت فلانا ما في يدي : إذا عاييته به ، أي شيء منها ، وذلك من امتحان العقل بالمعاياة . وأما قولهم : أحج بذاك ، فإنه من غير هذا المعنى ، ومعناه : أخلق به أن يكون ، وأحر به . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « وما سوى ذلك من المسائل سحت يا قبيصة ، يأكله صاحبه سحتا » ، فإنه يعني بالسحت : الحرام الذي يهلك آكله ويستأصله هلاكا ، بأكله إياه وإفساده دينه . وأصل السحت : كلب الجوع ، يقال منه : فلان مسحوت المعدة ، إذا كان أكولا لا يلفى أبدا إلا جائعا . وإنما قيل لآكل الحرام : هو يأكل السحت ؛ لشرهه إلى أكل ذلك ، وأخذه من أموال الناس ، كشره المسحوت المعدة إلى أكل الطعام ، يقال منه : سحته الله ، وأسحته ، لغتان محكيتان ، وقد قرئ بهما في القرآن ، وذلك قوله ( فيسحتكم ) و فيسحتكم بعذاب (2) ، ومنه قول الفرزدق بن غالب : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف يعني بالمسحت : الذي قد استؤصل هلاكا ؛ بإفساده إياه ، ومحكي عن العرب أنها تقول للحالق إذا حلق : اسحت شعره ، تعني به : استأصله . وأما قول عمر : من سأل الناس ليثري به ماله ، فإنه يعني بقوله : ليثري به ماله : ليكثره ، وإنما عنى بذلك : من سأل عن غنى من غير فاقة ليكثر بمسألته ماله ، لا ليسد به فاقته . والثراء بالمد : كثرة المال ، ومنه قول علقمة بن عبدة : يردن ثراء المال حيث علمنه وشرخ الشباب عندهن عجيب وأما الثرى بالقصر : فإنه التراب المبتل ، ومنه قول الله عز وجل : وما تحت الثرى ، ويقال : بدا ثرى الماء من أعطاف الخيل ، إذا عرقت ، ومنه قول الشاعر : يذدن ذياد الخامسات وقد بدا ثرى الماء من أعطافها المتحلب يقال من المقصور من ذلك : ثرى فلان التراب ، فهو يثريه تثرية ، وذلك إذا بله ، ومن الممدود : أثرى فلان فهو يثري إثراء . ويقال : ثرى بنو فلان بني فلان ، إذا كثروهم ، وكانوا أكثر منهم . ويقال : هو في ثروة من قومه وثراء ، يراد بالثروة : العدد . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « من أعطي شيئا فليجز به » ، فإنه يعني بقوله : « فليجز به » : فليكاف به ، ومنه قول الناس : جزى الله فلانا عن فلان خيرا ، يعنى به : أثابه الله وكافاه عنه ، على فعله الذي كان منه إليه . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « شر ما في الرجل شح هالع ، وجبن خالع » ، فإنه يعني بقوله : « هالع » : جازع ، يجزع صاحبه من الإنفاق في الحقوق مخافة الفاقة والإقتار . ووصف بالهلع الشح - وهو من صفة الشحيح - كما قيل : ليل نائم ، ونهار صائم ، يراد به : ينام في هذا ، ويصام في هذا ، فكذلك معنى قولهم : شح هالع ، أنه يهلع به صاحبه ، ومنه قول الله عز وجل : إن الإنسان خلق هلوعا (3) ، قيل : ضجورا ، وقيل : جزوعا . والهلع عند العرب : أشد الجزع وأقبحه ، يقال منه : هلع فلان يهلع هلعا وهلوعا . وأما الجبن الخالع : فهو الجبن الذي يخلع فؤاد صاحبه من الخوف والرعب عند لقاء الناس . وإنما وصفهما صلى الله عليه وسلم بأنهما شر ما في الإنسان من خلائقه ؛ لأن الشح يحمل صاحبه على كل عظيمة ، من منع حقوق الله عز وجل التي أوجبها في ماله كالزكاة ، ويحول بينه وبين أداء ما يلزمه للناس من الديون ، ولأهله من النفقات ، ويدعوه إلى السرق وغصب الناس أموالهم ، وخيانتهم فيما اتمنوه عليه ، وأشباه ذلك من الأمور التي يمل تعدادها ، وأن الجبن الخالع يصد عن القيام بحق الله من جهاد أعداء الله ، ويدعو إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حذرا على نفسه من المأمور أو المنهي ، ونحو ذلك . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يأتي رجل مولاه يسأله من فضل ما عنده فيمنعه إياه ، إلا دعي له شجاعا يتلمظ ، فضله الذي منع » ، فإنه يعني بالشجاع : نوعا من الحيات ، وهي من عظامها وخباثها ، وإياه عنى الراجز بقوله : قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان والشجاع الشجعما وأما قوله : « يتلمظ » ، فإن التلمظ : التمطق وتكرير العض والقضم ، يقال منه : ما ذاق فلان اليوم لماظا ، ولا مضاغا ، ولا قضاما ، ولا أكالا ، إذا لم يذق شيئا . وأما قول سهل بن سعد : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعوزين له ، فإنه يعني بالمعوزين : ثوبين خلقين ، والمعاوز : جمع ذلك ، وهي الخلقان من الثياب ، وهي الأسمال ، والأخلاق ، والأطمار والأهدام ، والشبارق ، والشراذم ، والشماطيط . وأما قول جبير بن مطعم : فاضطره الناس - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى سلمة ، فإنه يعني بالسلمة : شجرة تدعى بهذا الاسم لها شوك ، وإياها عنى الشاعر بقوله : صاح الغراب بمه بالبين من سلمة وكذلك السمرة : شجرة تعرف بهذا الاسم تكون بالبوادي . وأما قول قيس بن أبي حازم : دخلت أنا وأبي على أبي بكر وعنده أسماء بنت عميس تذب عنه ، وهي موشومة اليدين ، كانوا وشموها في الجاهلية ، فإن وشم اليد : تغريز ظهورها بالإبرة أو غيرها من الحديد الذي يؤثر فيه نقوشا ، ثم يحشى مواضع التغريز نؤورا ليخضرها أو يسودها ، ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لعن الواشمة والمستوشمة ، فالواشمة : فاعلة الوشم ، والمستوشمة : السائلة الواشمة أن تشمها ، ومن الوشم الذي وصفت قول الأخطل في صفة ثور وحشي : أما السراة فمن ديباجة لهق وبالقوائم مثل الوشم بالقار ومنه قول لبيد بن ربيعة : أو رجع واشمة أسف نؤورها كففا تعرض فوقهن وشامها وأما قول ميمون بن مهران : فكان أهل الماء قد أصابهم خمص ، فإنه يعني بالخمص : الأزل والشدة والمجاعة ، والخموصة : ضمور البطن من المجاعة وغيرها ، ولذلك قيل للمرأة الضامرة البطن : خمصانة ، ومنه قول ميمون بن قيس : خمصانة فنق درم مرافقها كأن أخمصها بالشوك منتعل وذلك مما يمدح به النساء ، ومن الخمص أيضا قول ميمون الآخر : تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غبر يبتن خمائصا يعني بالخمائص : المهازيل الضامرات البطون من الجوع ، ومنه قول الله تعالى ذكره : فمن اضطر في مخمصة (4) ، يعني بالمخمصة : المجاعة ، وهو المفعلة من الخمص . وأما قول لبيد : وبقيت في خلف ، فإنه يقول : وبقيت في قوم شرار أردياء ، خلفوا أهل الفضل الذين كانوا قبلهم ، وكذلك تفعل العرب إذا أرادت الخبر عن شرار خلفوا خيارا كانوا قبلهم قالوا : خلفهم خلف سوء ، بتسكين اللام من الخلف ، وإذا أرادوا الخبر عن خيار خلفوا خيارا قالوا : خلفهم خلف صالح ، بفتح اللام من الخلف . ومن الخلف بسكون اللام قول الله عز وجل : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة (5) ، ومن الخلف بفتح اللام قول كعب بن زهير : بان الشباب وأمسى الشيب قد أزفا ولا أرى لشباب ذاهب خلفا وأما قول قتيبة بن مسلم : فأتي بأربعة أرغفة ، وقصعة فيها مريس ، فإن المريس : فعيل من المرس ، أصله مفعول صرف إلى فعيل ، كما قيل للمقتول قتيل ، وللمجروح جريح ، وإنما عنى بالمريس : الشيء الممروس باليد أو غيرها من عسل ، أو تمر ، أو سمن ، يقال منه : قد مرس فلان العسل في القصعة ، إذا صفاه فيها من شهده ، ومرس التمر في السمن ، ومنه قولهم للرجل الذي قد جرب الأمور وعالجها : قد مارس الأمور وضارسها ، كما قال الطرماح : وضارست الأمور وضارستني فلم أعجز ، ولم تضعف قناتي ومن المرس أيضا قوله : بنو الحرب ما يلفى بنبعة عودهم إذا امترست فيه الأكف ، صدوع
__________
(1) سورة : الفرقان آية رقم : 67
(2) سورة : طه آية رقم : 61
(3) سورة : المعارج آية رقم : 19
(4) سورة : المائدة آية رقم : 3
(5) سورة : مريم آية رقم : 59

ذكر خبر آخر من أخبار أبي سعيد الخدري ، عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

369 - حدثني ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : قال رجل : يا رسول الله ، إنا بأرض مضبة (1) ، فما تأمرنا - أو : ما تفتينا ؟ قال : « ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت (2) » . فلم يأمر ولم ينه . قال أبو سعيد : فلما كان بعد ذلك قال عمر : إن الله لينفع به غير واحد ، وإنه لطعام عامة الرعاء ، ولو كان عندي لطعمته ، وإنما عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم «
__________
(1) المضبة : الأرض يكثر فيها حيوان الضب
(2) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

القول في علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، لا علة فيه توهنه ، ولا سبب يضعفه ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ؛ لعلل : إحداها : أنه خبر قد حدث به عن أبي سعيد غير واحد من الرواة عنه ، فلم يذكروا فيه الكلام الذي ذكره أبو نضرة في هذا الحديث عنه ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أعني قول عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ترك أكل الضب ؛ لأنه عافه . وأخرى : أنه حدث به أيضا عن أبي نضرة غير داود ، فلم يذكر ذلك فيه . والثالثة : أنه حدث به عن داود بعض الرواة ، فجعل كلام عمر ، عن أبي نضرة ، عنه ، ولم يدخل بينه وبينه أبا سعيد . والرابعة : أنه قد حدث به عن داود ، عن أبي نضرة جماعة فلم يذكروا فيه ما ذكره ابن أبي عدي في حديثه من قول عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تركه ؛ لأنه عافه . والخامسة : أن أبا نضرة عندهم غير مرتضى نقله

ذكر من حدث بهذا الحديث بهذا الإسناد ، فلم يذكر فيه ما ذكره ابن أبي عدي من قول عمر في الضب : إنما عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم

370 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : قال رجل : يا نبي الله ، إنا بأرض مضبة (1) ، فكيف ترى في الضباب ؟ قال : « ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت » ، فلم يأمر به ولم ينه عنه . قال عمر : إنه لطعام عامة الرعاء ، وإن الله لينفع به غير واحد ، ولو كان عندي لطعمته
__________
(1) المضبة : الأرض يكثر فيها حيوان الضب

ذكر من حدث بهذا الحديث عن عمر ، فجعله عن داود ، عن أبي نضرة ، عن عمر مرسلا ، ولم يدخل بين أبي نضرة وبين عمر أبا سعيد

371 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا داود ، عن أبي نضرة : قال : قال عمر : « إن الله لينفع بالضب ، وإنه لطعام عامة الرعاء ، ولو كان عندي لطعمت منه »

ذكر من حدث بهذا الحديث عن أبي سعيد ، فلم يذكر فيه الكلام الذي ذكره داود ، عن أبي نضرة ، عنه ، عن عمر

372 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ضلت أمة من بني إسرائيل ، فأرهب أن تكون الضباب »

373 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب ، فقال : « أمة مسخت (1) ، فأرهب أن تكون هذه ، والله أعلم »
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

374 - حدثني عبيد الله بن يوسف الجبيري ، حدثنا عمر بن حفص ، عن بشر بن حرب أبي عمرو الندبي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب ، فقال : « اقلبوه » . فقلب ظهره لبطنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سبط (1) من بني إسرائيل غضب الله عليهم فتاهوا ، فإن يك شيئا فهؤلاء »
__________
(1) السبط : الجماعة أو الأمة أو القبيلة

ذكر من حدث بهذا الحديث عن داود فوافق - في ترك الكلام الذي ذكره ابن أبي عدي ، عن أبي سعيد ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - قتادة

375 - حدثنا عمران بن موسى البصري ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، حدثنا داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ، فلما انصرف قال رجل : يا رسول الله ، إنا بأرض مضبة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فقدت أمة من بني إسرائيل » . فلم يأمر ولم ينه

376 - حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا يزيد ، أنبأنا داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنا بأرض مضبة ، فما تأمرنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بلغني أن أمة من بني إسرائيل مسخت (1) دواب ، فلا أدري أي الدواب هي ؟ » فلم يأمر ولم ينه وقد وافق الرواية التي رواها أبو نضرة عن أبي سعيد ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، رواية آخرين عن عمر ، لم يسمع بعضهم من عمر شيئا ، وقد سمعه بعضهم بأسانيد بعضها صحاح ، وبعضها واه
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

ذكر ذلك

377 - حدثنا ابن بشار ، وابن المثنى ، قالا : حدثنا سالم بن نوح ، حدثنا عمر بن عامر ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب ، سئل عن الضب ، فقال : « أتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم ينه عنه ، ولم يأمر به ، وأبى أن يأكله ، وإنما تقذره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان عندنا لأكلنا ، وإنه لرعائنا وسفرنا ، وإن الله لينفع به ناسا كثيرا »

378 - حدثني أبو عبيد الوصابي محمد بن حفص ، حدثنا ابن حمير ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن سليمان اليشكري ، عن جابر : أن عمر بن الخطاب ، قال : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكن قذره ، وإن الله لينفع به عامة الرعاء وغيرهم ، ولو كان عندي لأكلت منه »

379 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن بن دينار ، عن الحسن ، قال : قال عمر بن الخطاب : « إن هذه الضباب طعام عامة هذه الرعاء ، وإن الله لينفع به غير واحد ، ولو كان عندي لطعمته ، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرمه ، ولكن قذره » وقد وافق عمر رحمه الله - في روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روى عنه في ذلك من أنه إنما ترك أكله تقذرا - جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نذكر ما حضرنا ذكره مما صح سنده منه ، ثم نتبع جميعه البيان إن شاء الله عز وجل

ذكر ذلك

380 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا الشيباني ، حدثني يزيد بن الأصم ، قال : دعانا رجل ، فأتانا بثلاثة عشر ضبا . قال : فآكل وتارك . قال : فلما أصبحت غدوت على ابن عباس فسألته عن الضب ، فأكثر فيه جلساؤه ، وقال بعضهم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا آكله ولا أحرمه » فقال ابن عباس : ما قلتم ؟ إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلا ومحرما ، كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة وعنده الفضل بن العباس وخالد بن الوليد . قال : فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بخوان عليه خبز ولحم ضب . قال : فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل قالت له ميمونة : يا رسول الله ، إنه لحم ضب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هذا لحم لم آكله ، ولكن كلوا » . قال : فأكل الفضل بن العباس ، وخالد بن الوليد والمرأة ، وقالت ميمونة : لا آكل من طعام لم يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلم تأكل ميمونة حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أسباط بن محمد ، عن الشيباني ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

382 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن فضيل ، عن أبي إسحاق الشيباني ، وحسين ، عن زائدة ، عن الشيباني ، عن يزيد بن الأصم ، قال : دعينا لعرس بالمدينة ، فقربت إلينا ثلاثة عشر ضبا ، فمن آكل وتارك ، فلما أصبحت أتيت ابن عباس ، فقلت : تزوج فلان فقرب إلينا ثلاثة عشر ضبا ، فمن آكل وتارك . فقال بعض من عنده : حلال . وقال بعضهم : حرام . وقال بعضهم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أحله ولا أحرمه « . فقال ابن عباس : ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا محلا ومحرما ، قرب للنبي صلى الله عليه وسلم طعام ليأكل ، فمد يده ، فقالت ميمونة : يا رسول الله ، إنه لحم ضب ؛ فكف يده ، وقال : » إنه لحم لم آكله قط « . فأكل الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة كانت معهم ، وقالت ميمونة : لا آكل من طعام لم يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا المحاربي ، عن الشيباني ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، إلا أنه قال في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم : » هذا طعام ما أكلته قط ، فكلوه أنتم « . فأكل خالد وأكل القوم . وسائر الحديث نحوه

383 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، قال : ذكر الضب عند ابن عباس ، فقال بعض من كان عنده : أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يحله ولم يحرمه . فقال له ابن عباس : بئس ما قلت إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلا ومحرما ، جاءت أم حفيد ابنت الحارث تزور أختها ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعها طعام وفيه لحم ضب ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أغسق - يعني : بعدما أظلم - فكرهت ميمونة أن يأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لا يعلم ما هو ، قالت : إنه لحم ضب . فأمسك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسكت ميمونة . قال ابن عباس : فأكله من كان عنده ، ولو كان حراما نهاهم عنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنه ليس بأرضنا ، ونحن نعافه » ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، ( ح ) وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، قال : ذكر الضب عند ابن عباس ، فقال رجل من جلسائه : أتي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه ، غير أن أبا كريب قال في حديثه : جاءت أم حفيد ، وقال سفيان : جاءت أم حفيز ، بالزاي ابنت الحارث ، وقالا جميعا : ومعها طعام فيه لحم ضب ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا خالد بن حيان الرقي ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، قال : ذكر الضب عند ابن عباس ، فقال بعضهم : حرام . فقال ابن عباس : بئس ما قلتم ، ثم ذكر نحوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه قال في حديثه : فأكلته أنا وخالد بن الوليد على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو كان حراما نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم

383 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، قال : ذكر الضب عند ابن عباس ، فقال بعض من كان عنده : أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يحله ولم يحرمه . فقال له ابن عباس : بئس ما قلت إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلا ومحرما ، جاءت أم حفيد ابنت الحارث تزور أختها ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعها طعام وفيه لحم ضب ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أغسق - يعني : بعدما أظلم - فكرهت ميمونة أن يأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لا يعلم ما هو ، قالت : إنه لحم ضب . فأمسك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسكت ميمونة . قال ابن عباس : فأكله من كان عنده ، ولو كان حراما نهاهم عنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنه ليس بأرضنا ، ونحن نعافه » ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، ( ح ) وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، قال : ذكر الضب عند ابن عباس ، فقال رجل من جلسائه : أتي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه ، غير أن أبا كريب قال في حديثه : جاءت أم حفيد ، وقال سفيان : جاءت أم حفيز ، بالزاي ابنت الحارث ، وقالا جميعا : ومعها طعام فيه لحم ضب ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا خالد بن حيان الرقي ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، قال : ذكر الضب عند ابن عباس ، فقال بعضهم : حرام . فقال ابن عباس : بئس ما قلتم ، ثم ذكر نحوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه قال في حديثه : فأكلته أنا وخالد بن الوليد على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو كان حراما نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم

385 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، حدثنا عبيدة بن حميد ، حدثني واقد بن عبد الله الخياط ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم سمن وأقط وضب ، فأكل من السمن والأقط (1) ، وقال للضب : « إن هذا شيء ما أكلته »
__________
(1) الأقط : لبن مجفف يابس يطبخ به

386 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا حسين ، عن زائدة ، حدثنا واقد أبو عبد الله ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقط وسمن وضب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أما هذا فليس بأرضنا ، من أحب منكم أن يأكل منه فليأكل » ، فأكل على خوانه ولم يأكل منه

387 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمنا وأقطا وأضبا (1) ، فأكل من السمن والأقط (2) وترك الأضب تقذرا ، فأكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) أضب : جمع ضب ، وهو حيوان من جنس الزواحف له ذنب عريض يسكن صحارى الأقطار العربية
(2) الأقط : لبن مجفف يابس يطبخ به

388 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : « أهدي لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ضب نضيج ، فبعثت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأكل القوم ولم يأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله ، أحرام هو ؟ قال : » لا . ولكني أقذره « ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا عمرو بن حماد ، حدثنا أسباط ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، إلا أنه قال في حديثه : قال : » لا ، بل حلال « . وسائر الحديث مثله

389 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني يونس ، عن الزهري ، أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف : أن عبد الله بن عباس ، أخبره أن خالد بن الوليد الذي يقال له سيف الله أخبره أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - وهي خالته وخالة ابن عباس - فوجد عندها ضبا محنوذا (1) قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد ، فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان قل ما يقدم يده لطعام حتى يحدث به ويسمى له - فأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الضب ، فقالت امرأة من النسوة الحضور : أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمتن له . قلن : هو الضب يا رسول الله . فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ، فقال خالد : أحرام الضب يا رسول الله ؟ قال : « لا ولكنه لم يكن بأرض قومي ؛ فأجدني أعافه » . قال خالد : فاجتررته فأكلته ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ، فلم ينهني
__________
(1) المحنوذ : المشوي

390 - حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، ومالك ، عن ابن شهاب ، أخبرهما عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن ابن عباس ، أن خالد بن الوليد ، دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتي بضب محنوذ (1) ، فأهوى (2) إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة : أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد أن يأكل . قالوا : هو ضب . فرفع يده . قال : فقلت : أحرام هو ؟ قال : « لا ، ولكنه لم يكن بأرض قومي ؛ فأجدني أعافه » قال : فاجتررته ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ، فلم يمنعني
__________
(1) المحنوذ : المشوي
(2) أهْوَى : يقال أهوى يَدَه وبِيَده إلى الشَّيء لِيَأخُذَه ويمسك به

391 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن يزيد بن الأصم ، قال : أهدي لميمونة ابنت الحارث ضب - أو : ضباب - فأمرت به فصنع طعاما ، فأتاها رجلان من قومها ، فقدمته إليهما تتحفهما به ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ، فرحب بهما ، ثم تناول ليأكل ، فقال : « ما هذا ؟ » ، فقالوا : ضب أهدي لنا . فقذفه ، ثم كف يده ؛ فكف الرجلان ، فقال لهما : « كلا فإنكم أهل نجد تأكلونها ، وإنا أهل تهامة نعافها » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الرازي ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن يزيد بن الأصم ، عن ميمونة ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم - وهي خالته - عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

392 - حدثنا محمد بن المثنى ، وأحمد بن الوليد ، قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن توبة العنبري ، قال : قال الشعبي : أرأيت حديث الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : قاعدت - ابن عمر قريبا من سنتين ، أو سنة ونصفا ، فلم أسمعه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أنه قال : كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سعد ، فذهبوا يأكلون من لحم ، فنادتهم امرأة : إنه لحم ضب . فأمسكوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلوا - أو : اطعموا - فإنه حلال - أو قال : لا بأس به - توبة شك فيه - ولكنه ليس من طعامي » لفظ الحديث ، حديث ابن الوليد

393 - حدثنا هناد بن السري ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن عبيد الله ، ( ح ) وحدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، أنبأنا عبد الله بن نمير ، أنبأنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر عن الضب ، فقال : « لا آكله ولا أحرمه »

394 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عبيد الله ، عن نافع ، عن عبد الله : أن رجلا ، سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال : يا نبي الله ، ما تقول في الضب ؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : « لا آكله ولا أحرمه »

395 - حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، ح ، وحدثنا هناد بن السري ، حدثنا عبدة بن سليمان ، ( ح ) وحدثنا تميم بن المنتصر ، أنبأنا يزيد جميعا عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، وسأله رجل عن الضب ، فقال : « لا آكله ولا أحرمه »

396 - حدثنا هناد بن السري ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أنبأنا مالك بن مغول ، وابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب ، فقال : « لا آكله ولا أنهى عنه »

397 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو عاصم ، أنبأنا ابن جريج ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب ، فقال : « لست بآكله ولا محرمه »

398 - حدثنا خلاد بن أسلم ، حدثنا النضر بن شميل ، أنبأنا صخر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رجلا ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لست بآكله ولا محرمه »

399 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، حدثنا أيوب ح وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : « أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بضب فلم يأكله ولم يحرمه »

400 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، وأبو مسعود الجحدري ، أنبأنا الفضيل بن سليمان النميري ، حدثنا موسى بن عقبة ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن الضب ، فقال : « لست بآكله ولا محرمه » . قال : فتركه عبد الله حين سمع ذلك ، وقد كان يأكله

401 - حدثني بشر بن معاذ العقدي ، حدثنا ثابت بن زهير ، قال : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل ، فسأله عن الضب ؟ فقال : « لست بآكله ولا محرمه »

402 - حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني مالك بن أنس ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، قال : نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله ، كيف ترى في أكل الضب ؟ قال : « لست بآكله ولا محرمه »

403 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضب ، فقال : « لست بآكله ولا محرمه » ، حدثنا بشر بن معاذ ، حدثنا ثابت بن زهير ، سمعت هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، مثل ذلك

404 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو تميلة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن حبان بن جزء ، عن أخيه خزيمة بن جزء ، قال : قلت : يا رسول الله ، ما تقول في الضب ؟ فقال : « لا آكله ولا أحرمه » . قلت : فإني آكل مما لم تحرمه . قال : « فقدت أمة من الأمم ، ورأيت خلقا رابني » فقال بهذا الخبر جماعة من متقدمي أهل العلم ومتأخريهم ، وقالوا : أكل الضب حلال

ذكر بعض من حضرنا ذكره منهم

405 - حدثنا هناد بن السري ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أنبأنا عبد الرحمن بن إسحاق ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، قال : جاء أعراب إلى عمر بن الخطاب أصابتهم مجاعة ، فجعل يرضخ لهم في أيديهم ، فرأى رجلا سمينا فسأل عنه ، فقالوا : سمن من أكل الضباب . فقال عمر : « وددت أن في جحر كل ضب ضبين ، اللهم اجعل رزقهم في بطون التلاع ورءوس الآكام (1) » ، حدثنا هناد بن السري ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أنبأنا إسرائيل ، عن الركين بن الربيع ، عن أبي ربعي الفزاري ، قال : أتينا عمر بن الخطاب . فذكر مثل حديث القاسم ، ثم قال لنا : أما تأكلون الهبيد - يعني الحنظل - لقد كانت أمنا تصنعه فنأكله
__________
(1) الأكمة : ما ارتفع من الأرض دون الجبل

406 - حدثنا هناد ، حدثنا أبو معاوية ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن عبد الله ، قال : رأى عمر أعرابيا سمينا في عام مجاعة ، فقال : « من أي شيء سمن هذا ؟ » ، فقالوا : من أكل الضباب . فقال : « والله لوددت أن في جحر كل ضب ضبين ، اللهم اجعل رزقهم في بطون الآكام ورءوس التلاع »

407 - حدثني العباس بن محمد ، حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال عمر : ما أحب أن لي مائة ناقة ، كلها سود الحدقة (1) ، بحظ العرب من الضباب
__________
(1) الحدقة : سواد مستدير وسط العين

408 - حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب ، قال : « ما أحب أن لي مكان كل ضب دجاجة »

409 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قال عمر : « لضب أحب إلي من دجاجة »

410 - حدثنا ابن بشار ، حدثني ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن : أن رجلا ، شكا إلى عمر الجوع ، فقال : ألست بأرض مضبة (1) ؟ قال : بلى . قال : « ما يسرني بحظي من الضباب حمر النعم »
__________
(1) المضبة : الأرض يكثر فيها حيوان الضب

411 - حدثنا هناد ، حدثنا يعلى ، عن المسعودي ، عن زياد بن علاقة ، قال : رأى عمر رجلا سمينا في عام سنة فقال : ما أسمنك ؟ فقال : الضباب . فقال عمر : « لوددت أن في جحر كل ضب ضبين »

412 - حدثني عبدة بن عبد الله الصفار ، حدثنا عباد بن ليث ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قال عمر : « ما يسرني أن لي مكان كل ضب دجاجة »

413 - حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي ، حدثنا قراد أبو نوح ، قال المسعودي : أنبأنا عن زياد بن علاقة ، عن عمه قطبة بن مالك ، قال : رأى عمر رجلا راعيا سمينا في عام سنة ، فقال : « ما أسمنك ؟ » فقال : الضباب . فقال عمر : « وددت أن في جحر كل ضب ضبين »

414 - حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي ، حدثنا أبو كامل مظفر بن مدرك ، حدثنا شريك ، عن زياد بن علاقة ، عن رجل ، من قومه - يقال له معبد بن سويد أو غيره - أن عمر ، رأى رجلا سمينا في عام الرمادة ، فقال : « ما أسمنك ؟ » قال : الضباب . فقال عمر : « وددت أن في جحر كل ضب ضبين »

415 - حدثنا محمد بن العلاء الهمداني ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن زياد بن علاقة ، عن سعد بن معبد : أن عمر رأى رجلا من محارب ، سمينا في عام سنة ، فقال : « ما طعامك ؟ » ، قال : الضباب . قال : « وددت أن في جحر كل ضب ضبين »

416 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة ، عن زياد بن علاقة ، عن رجل من قومه : أن عمر رأى رجلا سمينا فقال : « ما هذا ؟ » قال : الضباب . قال : « وددت أن مكان كل ضب ضبين » ، حدثنا ابن المثنى ، حدثني وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن زياد بن علاقة ، عن رجل من قومه أن عمر رأى رجلا دحداحا فقال : ما الذي أسمنك ؟ فذكر نحوه

417 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، والمسعودي ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، قال : سأله رجل عن القاسم بن عبد الرحمن ، فقال : انطلق إلى الكناسة يلتمس الضباب . قال : فقال رجل في ذلك ، فقال عبد الرحمن : سمعت ابن مسعود ، يقول : « إن محرم الحلال كمستحل الحرام »

418 - حدثنا هناد بن السري ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أنبأنا أبي ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، قال : سمعت ابن مسعود وذكر الضباب ، فقال : « إن محرم الحلال كمستحل الحرام »

419 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي هارون ، عن أبي سعيد ، قال : « إن كان أحدنا ليهدى له الضبة المكونة ، أحب إليه من أن تهدى له الدجاجة السمينة »

420 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن عبد الأعلى ، قال : سألت ابن الحنفية عن الضب ، فقال : « إن أعجبك فكله »

421 - حدثنا هناد ، حدثنا أبو أسامة ، وعبدة ، عن الزبرقان ، قال : أهدى لي شقيق لحم ضب ، ثم لقيني فقال : كيف رأيت الذي بعثت إليك ؟ قلت : طيبا

422 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، قال : « سألت محمدا عن الضب ، فقال : لا أعلم به بأسا »

423 - حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو أسامة ، عن ابن عون ، عن محمد ، أنه كان : « لا يرى بأكل الضب بأسا »

424 - حدثنا العباس بن الوليد البيروتي ، أخبرني ، عن الأوزاعي ، أنه قال : « لا بأس بأكل الضب »

425 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، عن مالك ، أنه قال : « لا بأس بأكل الضب » واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا بأن الضباب أكلت على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمحضر منه . وقالوا : لو كان ذلك حراما ؛ ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم آكله يأكله ؛ إذ كان غير جائز أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم منكرا ولا يغيره ، ولا منكر أنكر من أكل ما حرم الله أكله . وقالوا : سواء أضيف إليه تركه آكل الحرام وأكله ، وتركه شارب الحرام وشربه . قالوا : ولو كان ذلك جائزة إضافته إليه ؛ جازت إضافة إقرار شارب الخمر على شربه إليه ، وذلك بعيد من صفته صلى الله عليه وسلم ، بل صفته أنه كان لا يقر أحدا على انتهاك شيء من محارم الله عز وجل قالوا : وفي إقراره آكلي الضباب على مائدته على أكلها ، وصفته ما ذكرنا ، أدل الدليل على صحة ما قلنا من أنها حلال غير حرام ، وأن تركه صلى الله عليه وسلم أكلها ، إنما كان كما قال عمر رحمة الله عليه أنه عافها ؛ لأنها لم تكن من طعام قومه . وقال الآخرون : بل كان تركه صلى الله عليه وسلم أكلها تكرها ، لا تحريما . قالوا : وكان تركه من ترك يأكلها على مائدته ؛ لأنه لم يكن أتاه من الله عز وجل أمر بتحريمها . قالوا : ولو كان أتاه من الله بتحليلها أو تحريمها أمر ؛ لم يقل صلى الله عليه وسلم : « لا آمر بها ولا أنهى عنها » ؛ لأنه إنما بعث صلى الله عليه وسلم مبينا للعباد أمر دينهم ، وما يحل لهم ويحرم عليهم قالوا : وقد تظاهرت الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا آمر بها ولا أنهى عنها » . قالوا : فنقول كما قال عليه السلام ، ونكره أكلها كما كره ، ولا نقول لمن أكلها : أكل حراما ، ولا ننهاه عن أكلها ، ولا يحرم ذلك عليه ، ولكنا نكرهه . ذكر الأ خبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا آمر بأكل الضب ولا أنهى عنه » ، وأنه قال : « أمة مسخت ، فأرهب أن تكونه »

426 - حدثني أحمد بن منصور المروزي ، حدثنا النضر بن شميل المازني ، حدثنا شعبة ، حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، قال : سمعت زيد بن وهب ، عن حذيفة ، قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب ، فقال : « إن أمة مسخت (1) دواب في الأرض » . فلم يأمر به ، ولم ينه عنه
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

427 - حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو الأحوص ، عن حصين ، عن زيد بن وهب ، عن ثابت بن يزيد ح ، وحدثنا هناد ، حدثنا أبو زبيد عبثر ، عن حصين ، عن زيد بن وهب ، عن ثابت بن زيد أو يزيد الأنصاري قال : أصبنا ضبابا ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فاشتواها الناس واشتويت منها ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ عودا ، فعد أصابعه ، ثم قال : « إن أمة من بني إسرائيل مسخت (1) في الأرض ، فلا أدري أي الدواب هي » . فقلت : إن الناس قد اشتووها ، فلم ينه عنها ولم يأكل «
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

428 - حدثني مروان بن الحكم الحراني ، حدثنا البابلتي ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي ، عن زيد بن وهب الجهني ، عن ثابت بن زيد ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فأصبنا ضبابا ، فاشتوى - أو : اشتوى الناس منها - واشتويت ، ثم أتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه ، فأخذ عودا ، فجعل يعد أصابعه ، فقال : « إن أمة من الأمم مسخت (1) دواب ، فلا أدري أي أمة هي » . فلم يأكل منها . فقلت له : إن الناس قد أكلوا منها ، فلم يأمرهم ولم ينههم
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

429 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، قال : شهدت زيد بن وهب يحدث ، عن ثابت بن وديعة : « أن رجلا ، من بني فزارة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بضباب قد احترشها (1) - أو : اخترشها - شك ابن مهدي - فقال : » إن أمة مسخت (2) ، فلا أدري ، لعل هذا منهم «
__________
(1) الاحْتِراش والحَرْش : أن تُهيّجَ الضَّبُّ من جُحْره، بأنْ تَضْربه بخَشَبة أو غيرها من خارِجِه فَيَخْرج ذَنَبه ويَقْرُب من باب الجُحْر يَحْسب أنه أفْعَى، فحينئذ يُهْدَم عليه جُحْره ويُؤْخذ
(2) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

430 - حدثنا هناد ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أنبأنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة ، قال : غزونا فأصابتنا مجاعة ، فنزلنا أرضا كثيرة الضباب ، فأخذنا منها فطبخنا ، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « إن أمة من بني إسرائيل فقدت ، فأخاف أن تكون هذه » . فأكفانا القدور ، حدثنا هناد ، حدثنا أبو معاوية ، ويعلى ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه

431 - حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن أبي الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله ، يقول : إن الضب أتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يأكله . فقال عمر : إن فيه منفعة للرعاء . فقال : « إن أمة من الأمم ، فلا أدري لعلها » . فلم يأمر به ، ولم ينه عنه ، ولم يأكله

432 - حدثنا هناد ، حدثنا ابن أبي زائدة ، حدثنا داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الصفة حين انصرف من الصلاة ، فقال : يا رسول الله ، إن أرضنا مضبة (1) ، فما ترى في الضباب ؟ فقال : « بلغني أن أمة مسخت (2) » . فلم يأمر به ، ولم ينه عنه
__________
(1) المضبة : الأرض يكثر فيها حيوان الضب
(2) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

433 - حدثني علي بن سهل ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر ، يقول : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب ، فقال : « لا آمر به ولا أنهى عنه » ، أو قال : « لا أحله ولا أحرمه »

434 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا معلى بن منصور ، عن أبي عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن حصين ، عن سمرة بن جندب : أن رجلا ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن الضب ، فقال : « إن أمة من بني إسرائيل مسخت (1) ، والله أعلم ، أي الدواب مسخت »
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

435 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الملك بن عمير ، عن الحصين بن قبيصة ، عن سمرة ، قال : نادى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فقطع عليه خطبته ، فقال : يا رسول الله ، ما تقول في الضباب ؟ فقال : « مسخت أمة من بني إسرائيل ، الله أعلم أي الدواب مسخت (1) ؟ »
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

ذكر من قال بهذا الخبر من متقدمي أهل العلم

436 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع بن الجراح ، عن أبي المنهال ، عن عمه عبد الله بن زيد ، قال : سألت أبا هريرة عن الضب ، فقال : « لست بآكله ولا بزاجر عنه » وكان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد يقولون : نكره أكل الضب . وقال آخرون : أكل لحم الضب حرام . واعتلوا في تحريمهم ذلك بأخبار رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، منها الخبر الذي

437 - حدثناه هناد بن السري ، وسلم بن جنادة السوائي ، قالا : حدثنا أبو معاوية ، وحدثنا هناد ، حدثنا يعلى ، جميعا عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلنا أرضا كثيرة الضباب ، فأصبنا ، فذبحنا منها ، فبينا القدور تغلي بها ، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إن أمة من بني إسرائيل فقدت ، وإني أخاف أن تكون هذه ؛ فاكفئوها » . فكفأناها

438 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة ، قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلنا أرضا كثيرة الضباب ، ونحن مرملون ، فأصبناها ، فكانت القدور تغلي بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما هذه ؟ » فقلنا : ضباب أصبناها . فقال : « إن أمة من بني إسرائيل مسخت (1) ، وإني أخشى أن تكون هذه » . فأمرنا فأكفأناها ، وإنا لجياع
__________
(1) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

439 - حدثنا محمد بن خلف العسقلاني أبو نصر ، حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم ، عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضب فلم يأكله ، فقلت : يا رسول الله ، ألا نطعمه المساكين ؟ فقال : « لا تطعموهم مما لا تأكلون »

440 - حدثني محمد بن معمر البحراني ، حدثنا موسى بن داود ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قال : أهدي لي ضب مشوي ، فقربته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يأكله ، فقلت : ألا نطعمه السؤال ؟ فقال : « لا تطعموهم مما لا تأكلون »

441 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه بضب ، فأبى (1) أن يأكله ، فقلت : ألا أطعمه السؤال ؟ فقال : « لا تطعميهم مما لا نأكل منه »
__________
(1) أبى : رفض وامتنع

442 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن عائشة ، قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بضب فكرهه ، أو نهى عنه ، فقالوا : ألا نطعمه الخدم ؟ فقال : « لا تطعموهم مما لا تأكلون »

443 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع بن الجراح ، عن سفيان ، ومسعر ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بضب فكرهه ، فجاء سائل فقلنا : يا رسول الله ، ألا نطعمه ؟ فقال : « لا نطعمه مما لا نأكله » قالوا : فالأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن أكل لحومها صحيحة ، والرواية عنه بذلك ثابتة ، وليس لأحد أن يتقدم على تحليل ما حرم ، ولا على إباحة ما حظر صلى الله عليه وسلم

ذكر من نهى عن أكله من السلف

444 - حدثنا هناد بن السري ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أنبأنا عبد الجبار بن عباس ، عن عريب ، عن عبد الرحمن اليامي ، عن الحارث ، قال : « نهى علي عن الضب »

445 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن عبد الجبار بن عباس الشبامي ، عمن ذكره ، عن الحارث ، عن علي : « أنه كره الضباب » والصواب من القول في ذلك عندنا ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لحم الضب غير حرام على آكله أكله ؛ إذ لم ينه عن أكله آكله ، على ما بينه صلى الله عليه وسلم ، ولم يأتنا بتحريمه إياه عنه خبر يصح سنده . ونكره له أكله تقذرا ، وننهاه عنه تنزها ، كما كرهه صلى الله عليه وسلم لنفسه تقذرا وعافه ، فنهى عنه تنزها من غير تحريم منه له . فإن قال لنا قائل : أوليس قد أخبر عبد الرحمن بن حسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم وقد غلت القدور بلحومها بكفئها ؟ وقد علمت أن في كفئها - إن كان ما كان فيها من لحوم الضباب كان حلالا - إفساد طعام حلال أكله ، وفي إفساد ذلك - وهو حلال - تضييع مال ، وفي تضييع المرء مالا من ماله - ولا سيما الطعام الذي هو غذاء الأبدان وأقوات الأجساد - الدخول في معاني أهل السفه الذين يستحقون الحجر ، والتقدم على ما قد نهى عنه صلى الله عليه وسلم من إضاعة المال . قيل : إن ذلك - وإن كان طعاما بالمعنى الذي وصفت من كراهة النفس له وتقذرها إياه ، وإن كان غير حرام على آكله أكله - لم يستحق الرامي به - إذا رمى به - ولا مهريق قدره - إذا أهراقها - اسم مضيع مال ، ومفسد طعام ، كما غير مستحق عند أهل العلم مهريق قدر طبيخ قد أراح ونمس - حتى صار من تغير طعمه ورائحته إلى حال تكرهه النفس ، وتعاف أن تطعمه - اسم مضيع مال ، ولا مفسد طعام ؛ بإراقته إياه ، وإن كان حلالا أكله ، غير حرام على طاعم يطعمه . فكذلك إراقة مريق القدر الغالية بلحوم الضباب - إذا أراقها - غير مستحق اسم مضيع مال ، ولا مفسد طعام ؛ إذا كانت إراقته ذلك تقذرا وتنزها عما تنزه عنه صلى الله عليه وسلم وتقذره ، وإن كان أراق ما هو غير حرام على طاعم أن يطعمه ومن أنكر ما قلنا في لحوم الضباب على السبيل التي وصفنا ، سئل عن الأطعمة النمسة ، والقدور المريحة ، والأطبخة التي قد ماتت فيها الخنافس والجعلان وبنات وردان ، وما أشبه ذلك من الدواب التي لا نفس لها سائلة ، فتغيرت روائحها بموت ما مات فيها من ذلك ، حتى تقذرت النفوس النظر إليها وعافته ، فضلا عن أكلها ، أيأثم مريقها بإراقتها ، ويستحق طارحها بطرحها اسم مضيع مال ، ومفسد طعام ؟ فإن قال : نعم ، خرج من معقول أهل العقل ، وخالف ما عليه جميع الأمة ، من إجازتهم إلقاء ذلك وطرحه وترك أكله . وإن قال : بل غير حرج الرامي به ، ولا آثم ملقيه ومريقه . قيل له : فما الفرق بين ذلك ، وبين مريق قدر طبيخ لحوم الضباب التي أراقها من أراقها تقذرا وتنزها ، وكلاهما غير حرام أكله ، ولا حرج طاعمه ؟ فإن زعم أن ذلك مختلف ، بأن مريق ما وصفنا - من القدور التي قد ماتت فيها الدواب التي ذكرنا - أراق ما علته إراقته فرضا ؛ لتنجسه بموت ما مات فيه من ذلك ، وأن مريق القدر المطبوخ فيها لحوم الضباب ، أراق ما هو حلال أكله عندكم غير حرام ، خالف في ذلك ما عليه الحجة مجمعة وكلف تثبيت ما مات فيه من الدواب مما لا نفس له سائلة ، من الوجه الذي يجب التسليم له ، ولا سبيل إلى ذلك . وفي عزة ذلك عليه ، صحة القول بأن من المأكول والمطعوم ما لصاحبه إلقاؤه وطرحه ، وترك أكله تقذرا وتنزها ، وهو بأكله - لو أكله - غير آثم ، ولا طاعم حراما . وإذا صح ذلك ؛ صح أن من ذلك لحوم الضباب التي وصفنا ، وثبتت صحة ما قلنا من أن آكلها إن أكل ، لم يأكل بأكلها حراما ، وإن ألقاها ونبذها ، لم يكن بفعله ما فعل من ذلك مضيعا مالا ، لا مفسدا طعاما ، ولا لازمه بذلك لوم ولا إثم فيه . وفي صحة ذلك كذلك ؛ صحة معنى الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحوم الضباب كلها ، وذلك أن في أمره من أمر بأكل ذلك ، إعلاما منه أمته أنه حلال غير حرام . وفي تركه أكله ونهيه من نهى عن أكله ، إعلامهم كراهته أكله من غير تحريم ، وكذلك في قوله عليه السلام : « لا آمر به ، ولا أنهى عنه » إخبار منه أنه لا يندب إلى استعمالهم إياه في مطاعمهم استعمال الطيب من بهائم الأنعام من الثمانية الأزواج التي نص الله تعالى تحليلها في كتابه ، وسائر الأغذية التي طيبها في تنزيله ، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يحرمه عليهم تحريم الخبائث التي أبان تحريمها في ذلك ، ولكنه غير حرج طاعمه ولا آثم ، وإن كان متقدما بأكله على أكل ما يكره له أكله ، كما المتقدم على أكل ما قد نمس من القدور وأنتن من موت الخنافس وبنات الوردان والقمل والبراغيث فيه ، متقدم على ما يكره له أكله ، ويختار له تركه فإن قال لنا قائل : فما أنتم قائلون فيما

446 - حدثكم به إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن الحبراني ، عن عبد الرحمن بن شبل : « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الضب » قيل : هذا خبر لا يثبت بمثله في الدين حجة ، ولو كان مما يثبت بمثله في الدين حجة ، لم يكن لما قلنا خلافا ؛ إذا كان محتملا نهيه عن ذلك أن يكون نهي تكره وتقذر ، لا نهي تحريم . وإذا كان محتملا ذلك ، ثم وردت الأخبار الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ببيان مراده من ذلك ؛ كان على ما انتهى ذلك إليه الدينونة بأن معناه في نهيه عن ذلك على ما بينه صلى الله عليه وسلم . وقد وردت الأخبار الصحاح بنقل العدول الأثبات عنه ، بإذنه في أكل ذلك وإباحته ، وأن كراهته إياه من أجل أنه ليس من طعام قومه ، لا من أجل أنه حرام . وفي بعض ذلك البيان الواضح عن أن نهيه عن أكله - لو صح ذلك عنه - بمعنى التكره والتقذر ، لا بمعنى التحريم ، ولعل قائلا يقول : وما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن الضب : « إن أمة مسخت فأرهب أن تكونه » ، وقوله : « فلعل هذا منهم » ، وقد علمت ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسوخ من الخبر الذي

447 - حدثك به ، محمد بن بشار ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري ، عن المعرور بن سويد ، عن عبد الله ، قال : قالت أم حبيبة ابنت أبي سفيان : اللهم متعني بزوجي رسول الله ، وبأبي أبي سفيان ، وبأخي معاوية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لقد سألت لآجال مضروبة (1) ، وأرزاق مقسومة ، وأيام معلومة ، لا يعجل منها شيء قبل حلها ، ولا يؤخر بعد حلها ، ولو سألت الله أن يجيرك - أو يعيذك (2) - من عذاب القبر وعذاب في النار ، كان خيرا لك » . قالت أم حبيبة : يا رسول الله ، القردة والخنازير ، من القردة والخنازير الذين مسخوا (3) ؟ قال : « إن الله لا يهلك أمة فيبقي لها نسلا أو عاقبة » فهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسوخ بأن الله لا يبقي لها نسلا ولا عاقبة ، وكيف يجوز أن يقول صلى الله عليه وسلم : « إن الله لا يبقي للمسوخ نسلا ولا عاقبة » ، ثم يقول في الضباب : « أرهب أن تكون من المسوخ التي مسخت » ؟ فإن قال : إنه ليس في قوله صلى الله عليه وسلم في الضب : « إن أمة مسخت فأرهب أن تكونه » . ولا في قوله : « فأخشى أن يكون هذا منهم » ، خلاف لقوله : « إن الله لا يهلك أمة فيبقي لها نسلا ولا عاقبة » ؛ إذ جائز أن تكون الأمة التي مسخت يومئذ هي الضباب الآن بأعيانها ، لا أنها نسلها ، وجائز أن تكون تلك المسوخ التي مسخت بعض هذه الضباب ، بقيت إلى الآن لم تعقب ، وتكون التي تعقب منها غير الأمة التي مسخت فحولت في صورها . قيل لك : فهذا خلاف القول الذي
__________
(1) مضروبة : محددة
(2) أعاذ : أجار وحمى وحفظ وحصن
(3) المسخ : قلب الخِلْقة من شيء إلى شيء أقبح

448 - حدثنا به محمد بن العلاء الهمداني ، حدثنا عثمان بن سعيد المري ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، أنه قال : « لم يعش مسخ (1) قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ، ولم يشرب ، ولم ينسل » وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله عز وجل في كتابه ، فمسخ هؤلاء القوم - يعني الذين مسخهم قردة في صورة القردة - وكذلك يفعل بمن شاء كيف شاء ، ويحوله كيف يشاء . فما وجه قول ابن عباس هذا إذا ، إن كان الذين مسخوا من بني إسرائيل جائزا عندك أن يكونوا هم هذه الضباب اليوم ، أو أن يكونوا كانوا موجودين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد مر عليهم من الزمان ما مر ، وأتى عليهم من الدهور ما أتى ، وهذا الخبر عن ابن عباس بإنكاره للمسخ عيشا أكثر من ثلاث ؟ وإن أنت قلت بتصحيح القول الذي روي عن ابن عباس ، قيل لك : فما وجه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضباب إذا ، إذ سئل عنها فقال : « إن أمة مسخت فأرهب أن تكونه » ، والمسوخ قد هلكت وبادت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم . والذي قدم إليه فامتنع من أكله منها ، والذي سئل عنه منها ، لا هو المسخ ، ولا هو من نسلها ، فما وجوه كراهته أكل ذلك حذارا أن يكون من الأمة التي مسخت ، وهو صلى الله عليه وسلم يخبر أن المسخ لا يعقب ، وابن عباس يذكر أنه لا يعيش أكثر من ثلاث ؟ قيل له : أما الخبر عن ابن عباس الذي روي بما ذكرت من أن المسخ لا يعيش أكثر من ثلاث ، فخبر في سنده نظر ؛ لعلتين : إحداهما : أن الضحاك لم يسمعه من ابن عباس . والثانية : أن بشر بن عمارة ليس ممن يعتمد على روايته . ولو كان ذلك عن ابن عباس صحيحا ؛ لم يكن فيه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ، وكذلك أنه ليس في الخبر الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم في الضب الذي قدم إليه أو سئل عنه أنه قال : هو من الأمة التي مسخت بأعيانها ، وإنما روي عنه أنه قال : « لعل هذا منهم ، وأرهب أن تكونه » . وجائز أن يكون عنى بقوله : « لعل هذا منهم » : منهم في الصورة والخلقة ، ولعل هذا من نوعهم في المثال . « وأرهب أن تكونه » : بمعنى أن تكون نظيره في المثال والشبه ، لا أنها هي بأعيانها . وإذا احتمل ذلك ما قلنا ، كانت كراهته صلى الله عليه وسلم أكلها لمشابهتها في الخلقة والصورة خلقا غضب الله عليه فغيره عن هيئته وصورته إلى صورتها ، وكذلك هي عندنا . وإذا صح أن ذلك كذلك ؛ صحت مخارج معاني ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن المسخ لا يعقب ، وقوله إذ سئل عن الضب : « إن أمة من بني إسرائيل مسخت فلعل هذا منهم » ، ومخرج معنى قول ابن عباس : إن المسخ لا يعيش أكثر من ثلاث ، وذلك أن تكون الأمة الممسوخة هلكت بعد ثلاث ولم تعقب ولم تنسل ، وتكون كراهة النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضباب إذ كرهه ؛ حذارا أن تكون من نوع ما مسخ الله من الأمة التي مسخ من بني إسرائيل ، إذ كان لم يمسخ تعالى ذكره خلقا من خلقه على صورة دابة من الدواب ، إلا كره إلى أمة نبينا صلى الله عليه وسلم أكل لحم تلك الدابة التي مسخ ذلك الخلق على صورته أو حرمه عليهم . وذلك كتحريمه عليهم لحوم الخنازير التي مسخت على صورتها أمة من اليهود ، وكتحريمه لحوم القردة التي مسخت على صورتها منهم أمة أخرى ، وتكريهه ذلك إليهم . فإن قال : أفكانت عنده الضباب من المسوخ ، وسبيلها سبيلها ؟ قيل : إن في قوله صلى الله عليه وسلم : « إن أمة مسخت فأرهب أن تكونه » ، وفي قوله عليه السلام : « فلعل هذا منهم » ، بيانا واضحا أنه لم يكن تبين له أنها من نوع الأمة التي مسخت - ولذلك لم تحرم - وأنه لو تبين له منها ما تبين من القردة والخنازير لحرم أكلها على آكلها ، ولكنه عليه السلام رأى خلقا مشكلا ، يشبه خلق المسوخ ؛ فكره أكلها لذلك ، ولم يحرمه ؛ إذ لم يكن أتاه الوحي من الله عز وجل بأن ذلك كذلك . وفي صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي ذكرنا من كراهته أكل لحوم الضباب ، مع إذنه لآكليها في أكلها ، الدليل الواضح على أن من أمور الدين أمورا ، الورع في الإحجام عن التقدم عليها ، والفضل في الكف والإمساك عنها ، وإن كان غير محرم التقدم عليها ؛ وذلك إذا التبست على المرء أسبابها ، ولم يتضح له وجه صحتها وضوحا بينا ، كالذي فعل صلى الله عليه وسلم في أكل لحم الضب ، فلم يتقدم عليه ؛ أخذا منه بالاحتياط لنفسه ، واستبراء منه لدينه ؛ إذ خاف أن يكون من نوع المسوخ التي حرم الله نظائرها عليه ، ولم ينه آكله عن أكله ؛ إذ لم تكن وضحت له صحة أمره أنه من نوع المسوخ . وكذلك يفعل المتمسك من أمته بمنهاجه فيما أشكل عليه أمره ؛ يحجم عن التقدم عليه ؛ أخذا منه بالاحتياط لنفسه ، واستبراء لدينه ، ولا يذم المتقدم عليه ذم مؤثم ، ولا يلومه لوم معنف
__________
(1) المسخ : تحويل الصورة إلى أخرى قبيحة

ذكر البيان عما في هذه الأخبار من الغريب فمن ذلك قول عمر رحمه الله في لحم الضب : إنما عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم . يعني بقوله : عافه : كرهه ، يقال منه : عاف فلان هذا الشيء فهو يعافه عيفا ، وعيوفا ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة : لكالثور يوم الورد يضرب ظهره وما ذنبه أن عافت الماء مشربا وما ذنبه أن عافت الماء باقر وما إن تعاف الماء إلا ليضربا ومنه قول نابغة بني ذبيان : دعته نية عنا قذوف وعاف البشر فانتجع الملاحا والعيافة غير هذا المعنى ، وهي شبيهة الكهانة وزجر الطير والسوانح والبوارح ، يقال منه : عاف العائف ، فهو يعيف عيافة ، ومنه أيضا قول أعشى بني ثعلبة : ما تعيف اليوم في الطير الروح من غراب البين أو تيس برح وأما قول ابن عباس : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أغسق ، فإنه كما قال . معناه : إذا أظلم ، يقال منه : غسق الليل يغسق غسوقا ، ومنه قول عمر بن الخطاب : أخروا السحور ، وعجلوا الإفطار ، ولا تفطروا حتى تروا الليل يغسق على الظراب . ومنه أيضا قول الله عز وجل : ومن شر غاسق إذا وقب (1) ، يعني بذلك : من شر مظلم إذا هجم بظلامه . وأما قول خالد بن الوليد : فوجد عندهم ضبا محنوذا ، فإنه يعني بالمحنوذ : المشوي ، الذي قد أنضج شيا . وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معنى المحنوذ : المشوي ، وقال : يقال منه : حنذت فرسي : بمعنى سخنته وعرقته ، واستشهد لقوله ذلك ببيت العجاج : وفرغا من رعي ما تلزجا ورهبا من حنذه أن يهرجا وقال الآخرون منهم : الحنذ : التعريق . وقال آخرون منهم : كل شيء شوي في الأرض إذا خدت له فيها فدفن فيها وغمم فهو المحنوذ ، وقال : تحنيذ الخيل : إلقاء الجلال بعضها على بعض عليها لتعرق ، وذكر عن العرب أنها تقول : إذا سقيته فأحنذ : يعني اخفس ، يراد به : أقل الماء وأكثر النبيذ . وهذه أقوال - وإن اختلفت ألفاظ قائليها - متقاربات المعاني ، والحنذ : هو ما وصفت في هذا الموضع ، أعني في قول خالد بن الوليد : فوجد عندها ضبا محنوذا ، ومنه قول الله تعالى ذكره : فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (2) ، يعنى به : بعجل نضيج ، قد أنضج شيا . وأما قول عمر : اللهم اجعل رزقهم في بطون التلاع ورءوس الآكام ، فإن التلاع : جمع تلعة ، وهي مجاري المياه من الأماكن المرتفعة إلى بطون الأودية مما انخفض منها ، وإياها عنى ذو الرمة بقوله : دهاس سقاها الدلو حتى تنطقت بنور الخزامى في التلاع الجوائف وكذلك أبو النجم بقوله : كأن ريح المسك والقرنفل نباته بين التلاع السيل وأما الآكام : فإنها جمع أكمة ، يقال لواحدتها أكمة ، ثم تجمع : أكم ، وأكم ، وأكم ، وآكام ، وهو المكان المرتفع على ما حوله من الأرض ، لا يبلغ أن يكون جبلا . ومن الأكم قول رؤبة بن العجاج : بل بلد ملء الفجاج قتمه ، لا يشترى كتانه وجهرمه ، يجتاب ضحضاح السراب أكمه ومن الأكم بسكون الكاف قول أبي النجم : كأن فوق الأكم من غثائه قطائف الشأم على عبائه وأما قول عمر للأعراب الذين أتوه : أما تأكلون الهبيد ، فإن الهبيد هو الحنظل ، يؤخذ فينقع أياما سبعة ، ثم يقشر من قشره الأعلى ، ثم يطحن فيخرج منه دسم ، وتتخذ منه عصيدة . وقد حدثت عن أبي عمرو الشيباني أنه قال : إن الهبيد إذا قشر صار كهيئة النشا ، وزعم أنه قد أكل منه ، وإياه عنى الطرماح بقوله : يمسي بعقوتها الهجف كأنه حبشي حازقة غدا يتهبد يعني بقوله يتهبد : يطلب الحنظل ليعمل به ما وصفت . وأما قول أبي سعيد الخدري : لأن يهدى إلى أحدنا الضبة المكونة أحب إليه من أن تهدى له الدجاجة السمينة ، فإنه يعني بالضبة المكونة : التي قد جمعت البيض في بطنها ، يقال من ذلك : قد مكنت الضبة ، وأمكنت ، وهي ضبة مكون . وأما الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أقروا الطير في مكناتها » ، وروى بعضهم : مكناتها ، فإن بعضهم كان يوجهه إلى هذا المعنى ، وإلى أن ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإقرار الطير على بيضها حتى تفرخ ، ويزعم أن المكنات جمع مكنة ، وأنها بيض الطائر ، ويزعم أن ذلك قيل على وجه الاستعارة ، وإن كان المكنات لا تعرف إلا للضباب ، كما قيل : مشافر الحبش ، وإنما المشافر للإبل ، كما قال الشاعر في صفة الأسد : له لبد أظفاره لم تقلم ولا أظفار للأسد ، وإنما له مخالب . وقد أنكر ذلك من قوله آخرون ، وقالوا : بل معنى ذلك : أقروا الطير على أمكنتها ، وامضوا لأموركم ، فإن الأمر بيد الله تعالى . قالوا : وإنما قال ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا أو غزوا أو أمرا من الأمور ، أثار الطير من أوكارها ؛ لينظر أي وجه تسلك ، وإلى أي ناحية تطير ، فإن طارت ذات اليمين خرج لسفره ومضى لأمره ، وإن أخذت ذات الشمال ؛ رجع ولم يمض ؛ فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقروها في أماكنها ، وأبطل ذلك من فعلهم ، كما أبطل الاستقسام بالأزلام . وقال الآخرون : بل هذا تصحيف من الرواة ، وخطأ منهم ، ولا نعرف المكنات إلا اسما لبيض الضباب دون غيرها . قالوا : ونرى أن راوي ذلك سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أقروا الطير في وكناتها » ، بالواو . وقالوا : ووكنات الطير : مواضع عشها ، وحيث تسقط عليه من الشجر وتأوي إليه . واستشهدوا لقولهم ذلك ببيت امرئ القيس بن حجر : وقد أغتدي والطير في أكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل والصواب من القول عندي في ذلك غير ما قال هؤلاء . وذلك أنا إن وجهنا ذلك إلى ما قاله من زعم أن معنى مكناتها أمكنتها ؛ خرجنا عن المعروف من كلام العرب ؛ وذلك أنا لا نعلم في كلامهم أنه يقال للأمكنة : مكنة . وإن وجهناه إلى ما قاله من زعم أنه عنى بالمكنات بيضها ؛ دخلنا أيضا في نحو الذي أنكرنا من الخروج عن المعروف من كلام العرب ، وذلك أنه لا تعرف المكنات إلا للضباب في كلام العرب ، فأما الطير فلم يسمع بالمكنات . وإن قلنا ما قاله الذين نسبوا رواة الخبر إلى الخطأ فيما نقلوه ؛ كنا قد تقدمنا على ما لا يقين عندنا به . ولكن القول في ذلك عندي أن الرواية ينبغي أن تكون : « أقروا الطير على مكناتها » بفتح الميم والكاف ، فتكون المكنات حينئذ جمع مكنة ، والمكنة : اسم من التمكن ، فعلة منه ، من قول القائل : مكن فلان بموضع كذا : بمعنى تمكن فيه ، فهو يمكن فيه مكنا ، ومكنة ، ثم تجمع المكنة مكنات ، كما يقال : قعد فلان قعدة وقعدات ، وجلس جلسة وجلسات ، ويكون معنى الكلام حينئذ : أقروا الطير التي تزجرونها في مواضعها المتمكنة فيها ، التي هي بها مستقرة ، وامضوا لأموركم ، فإن زجركم إياها غير مجد عليكم نفعا ، ولا دافع عنكم ضرا . وأما قول ثابت بن وديعة : أن رجلا من بني فزارة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بضباب قد احترشها ، أو اخترشها ، فإنه إنما هو : قد احترشها ، ولا معنى للشك في ذلك ، ولكن ابن مهدي لعله أن لا يكون عرف معنى احتراش الضباب ، فجعل الخبر بالشك على ما وصفت . ومعنى احتراش الضباب : تحريك طالب اصطيادها في جحرها الذي تأوي إليه عودا ، أو وتدا أو غير ذلك ؛ ليخرج الضب ذنبه ؛ ظنا منه أن الحركة التي أحسها في جحره حركة حية أو أفعى ؛ وذلك أن الحية أو الأفعى ربما دخلت عليه جحره ، فإذا سمع الضب حس دخوله ، أخرج ذنبه فضربها به ، فقطعها ثنتين ، فإذا حرك طالب اصطياده ومحترشه في جحره ما وصفت ، واحترش بذلك الضب ؛ أخرج ذنبه وهو يحسبه حية أو أفعى ؛ ليضربها به ، فإذا أخرج ذنبه قبض عليه المحترش فأخرجه من جحره . وهذا المعنى أم جرير بن عطية في قوله : فيا عجبا ، أتوعدني نمير براعي الإبل يحترش الضبابا وأما قول عبد الرحمن بن حسنة : فنزلنا أرضا كثيرة الضباب ونحن مرملون ، فإنه عنى بقوله : ونحن مرملون : ونحن مقوون ، قد نفدت أزوادنا فلا زاد معنا . يقال : قد أرمل القوم وأقووا وأنفضوا : إذا نفدت أزوادهم . ومنه قول كعب بن زهير بن أبي سلمى : إذا حضراني قلت لو تعلمانه ألم تعلما أني من الزاد مرمل وأما قوله : فأمرنا فأكفأناها ، فقد بينت فيما مضى قبل أن الصواب فيه : فكفأناها ، وذلك المعروف من كلام العرب الفصيح ، منه : كفأت الإناء : وذلك إذا قلبته وأرقت ما فيه . ولكنا نؤدي الخبر على ما سمعناه من ألفاظ الرواة في أكثر رواياتنا ، ما لم يحل المعنى .
__________
(1) سورة : الفلق آية رقم : 3
(2) سورة : هود آية رقم : 69

ذكر ما لم يمض من حديث يعلى بن أمية ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم

449 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، ومحمد بن العلاء الهمذاني ، وسفيان بن وكيع بن الجراح ، قالوا : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (1) ، وقد أمن الناس ، فقال : عجبت ما عجبت ، حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : « صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته »
__________
(1) سورة :

450 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن ابن جريج ، قال : سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ، يحدث عن عبد الله بن بابيه ، يحدث عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب : أعجب من قصر الناس الصلاة وقد أمنوا ، وقد قال الله عز وجل : أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (1) ، فقال عمر : عجبت مما عجبت منه ؛ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : « صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته » ، حدثنا ابن وكيع ، حدثنا يحيى القطان ، عن ابن جريج ، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر . فذكر نحوه حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا ابن جريج ، قال : سمعت عبد الله بن أبي عمار ، يحدث عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب : إنما قال الله : أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، فقد أمن الناس . ثم ذكر مثله . قال ابن منصور : كان عبد الرزاق حدثنا بهذا الحديث فقال : أنبأنا ابن جريج ، قال : سمعت عبد الله بن أبي عمار ، ثم رجع فقال : ابن أبي عامر . والصواب في ذلك عندنا ما قال ابن أبي عدي ، عن ابن جريج وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ، وهو رجل من قريش من أهل مكة ، معروف فيهم ، روى عنه ابن جريج ، وعبد الله بن عبيد بن عمير ، وغيرهما
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 101

القول في علل هذا الحديث وهذا الحديث عندنا صحيح سنده ، لا علة فيه توهنه ، ولا سبب يضعفه ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ؛ لأنه خبر لا يعرف له مخرج عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد بنقله عندهم منفرد وجب التثبت فيه . وقد روي عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة في السفر بلفظ خلاف هذا اللفظ الذي حدث به عنه يعلى بن أمية ، وذلك ما :

451 - حدثنا به خلاد بن أسلم ، أنبأنا النضر بن شميل ، أنبأنا شعبة ، عن يزيد بن خمير ، قال : سمعت حبيب بن عبيد ، عن جبير بن نفير ، عن ابن السمط ، أنه أتى قرية من حمص على رأس ثلاثة عشر ميلا ، فصلى ركعتين . قلت له : أتصلي ركعتين ؟ قال : رأيت عمر بن الخطاب بذي الحليفة يصلي ركعتين ، قلت له : أتصلي ركعتين ؟ قال : « إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل »

452 - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا الحسين بن محمد ، وعاصم بن علي ، عن شعبة ، عن يزيد بن خمير ، عن حبيب بن عبيد ، عن جبير بن نفير ، عن ابن السمط ، قال : خرجت مع عمر إلى ذي الحليفة ، فصلى ركعتين ، فسألته عن ذلك ، فقال : « إنما أصنع كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع » وقد وافق عمر - في إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته القصر في السفر وهم آمنون - من أصحابه عليه السلام جماعة ، وإن خالفوه في لفظ الخبر ، نذكر ما صحت به الرواية عن من صح ذلك عنه ، ثم نتبع جميعه البيان إن شاء الله عز وجل

ذكر ما حضرنا ذكره من ذلك

453 - حدثنا حميد بن مسعدة السامي ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا عبد الله بن عون ، وحدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا يزيد ، أنبأنا عبد الله بن عون ، وحدثني أبو زيد النميري ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس ، قال : « سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ، لا نخاف إلا الله ، نصلي ركعتين ركعتين »

454 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن ابن عباس : « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر من مدينة إلى مكة ، لا يخاف إلا الله ، يصلي ركعتين »

455 - حدثني محمد بن حاتم ، أنبأنا هشيم ، أنبأنا منصور ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة ، لا يخاف إلا الله ، فصلى ركعتين حتى رجع »

456 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، ( ح ) وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن قرة ، ويزيد بن إبراهيم ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس ، قال : « سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة لا يخاف إلا الله ، يصلي ركعتين » ، حدثني أبو زيد النميري ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا قرة بن خالد ، عن محمد ، عن ابن عباس ، قال : سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكر مثله

457 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن هشام ، وأشعث ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بين مكة والمدينة لا يخاف إلا الله ، ويصلي ركعتين »

458 - حدثني أحمد بن منصور ، حدثنا يزيد بن أبي حكيم ، حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس ، قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ركعتين ، لا يخاف إلا الله » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا حسين الجعفي ، عن زائدة ، عن هشام ، عن محمد ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله

459 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أسباط ، عن أشعث ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بين مكة والمدينة لا يخاف إلا الله » ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا عبيد الله ، أنبأنا إسماعيل بن عبد الرحمن ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله

460 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن شفي ، قال : كنت عند ابن عباس بمكة ، فأتاه قوم ، فقالوا : إنا قدمنا هذا البلد وإنا آمنون خافضون مكفيون ، فما ترى في الصلاة ؟ قال : « ركعتين » فأعادوا عليه ، فقال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ركعتين » ، حدثنا أبو كريب ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن شفي ، قال : كنت عند ابن عباس . فذكر مثله سواء ، وزاد فيه : قال : فأعادوا عليه ثلاثا ، فقال بعض من عنده : أما تفقهون ما يقال لكم

461 - حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن شفي ، قال : سألت ابن عباس عن الصلاة في السفر فقال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من أهله يصلي ركعتين حتى يرجع »

462 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ، عن سعيد بن شفي ، عن ابن عباس ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع »

463 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبد ربه بن سعيد الأنصاري ، عن عبد الغفار بن القاسم ، عن سعيد بن شفي الهمداني ، قال : سألت ابن عباس عن صلاة السفر ، فقال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من أهله مسافرا صلى ركعتين حتى يرجع إلى أهله »

464 - حدثنا ابن بشار ، وابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، يحدث عن موسى بن سلمة ، قال : سألت ابن عباس ، قلت : كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام ؟ قال : « ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم » ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن موسى بن سلمة ، عن ابن عباس ، مثله حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، وأبو داود ، قال : حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن موسى بن سلمة ، عن ابن عباس ، مثله

465 - حدثني أحمد بن المقدام العجلي ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، حدثنا أيوب ، عن قتادة ، عن موسى بن سلمة ، قال : كنا مع ابن عباس بمكة ، فقلنا : إنا نصلي معكم أربعا ، فإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين . قال : « تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وإن رغمتم »

466 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن وهب الخزاعي ، قال : « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين »

467 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ( ح ) وحدثني سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني ، قالا جميعا : أنبأنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت حارثة ، - رجلا من خزاعة - قال : « صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما كنا وآمنه ركعتين »

468 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن وهب الخزاعي ، أنه : « صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان الناس وأكثره بمنى ركعتين »

469 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا أبو إسحاق ، عن حارثة بن وهب ، قال : « صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان الناس وآمنه بمنى ركعتين »

470 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم القرشي ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، أنه قال لعبد الله بن عمر : إنا نجد في كتاب الله عز وجل قصر صلاة الخوف ، ولا نجد قصر صلاة السفر ؟ فقال عبد الله : « إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به » واختلف السلف من أهل العلم في حكم هذه الأخبار التي ذكرناها ، فقال بتصحيحها منهم جماعة ، وأنكر صحتها منهم جماعة . وكان من علة مصححيها أن قالوا : تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قصر الصلاة في سفره إلى مكة في حجة الوداع ، وهو ومن معه من المسلمين آمنون ، لا عدو في طريقه يخافه ، ولا أحد يخشى غائلته على نفسه ، وعلى من معه من المؤمنين . ورووا بذلك روايات نذكر ما صح عندنا منها سنده ، ثم نتبع جميعه البيان إن شاء الله عز وجل

ذكر ما حضرنا ذكره من ذلك

471 - حدثنا حميد بن مسعدة ، ونصر بن علي الجهضمي ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثني يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس بن مالك ، قال : « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة يصلي بنا ركعتين حتى رجعنا » قال : قلت : وهل أقام بمكة ؟ قال : « نعم ، أقمنا بها عشرا »

472 - حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي ، حدثنا حسين بن علي الجعفي ، عن زائدة ، عن سفيان ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، قال : سمعت أنس بن مالك ، يقول : « خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع ، وأقمنا بمكة عشرا نقصر حتى رجع »

473 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة ، فقال : « سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصلى بنا ركعتين حتى رجعنا » فسألته : هل أقام ؟ فقال : « نعم ، أقام بمكة عشرا »

474 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا ابن المبارك ، عن أسامة ، عن محمد بن المنكدر ، عن أنس ، قال : « صليت الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا ، ثم صليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين »

475 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا عمي ، قال : أخبرني عمرو ، وابن جريج ، وأسامة بن زيد : أن محمد بن المنكدر ، حدثهم عن أنس بن مالك : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر بالمدينة أربعا ، ثم خرج إلى سفر فصلى العصر ركعتين بالشجرة » ، حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني أسامة بن زيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

476 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، وإبراهيم بن ميسرة ، عن أنس بن مالك : « أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة الظهر أربعا ، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين »

477 - حدثني علي بن سهل الرملي ، حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، عن ابن المنكدر ، سمع أنس بن مالك ، قال : « صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا ، وصلينا معه بذي الحليفة ركعتين » ، حدثني محمد بن عمارة ، حدثنا علي بن قادم ، حدثنا سفيان ، عن إبراهيم بن ميسرة ، ومحمد بن المنكدر ، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

478 - حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني أسامة بن زيد ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان : « إذا سافر صلى الظهر بالمدينة أربعا ، ثم يخرج ، فلما بلغ ذا الحليفة - وذلك ستة أميال - صلى العصر ركعتين »

479 - حدثني بحر بن نصر الخولاني ، قال : قرئ على شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن بكير ، عن محمد بن عبد الله بن أبي سليم ، عن أنس بن مالك ، أنه قال : « صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، ومع عمر بن الخطاب ركعتين ، ومع عثمان بن عفان ركعتين ، صدرا (1) من إمارته »
__________
(1) صدرا : فترة من بداية زمن معين

480 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي ، حدثني عمرو ، عن بكير بن عبد الله ، عن محمد بن عبد الله ، عن أنس بن مالك ، أنه قال : « صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، وصلى لنا أبو بكر الصديق رحمة الله عليه بمنى ركعتين ، وصلى لنا عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ، وصلى لنا عثمان ركعتين صدرا من خلافته ، فلما كان آخر خلافته أتم الصلاة بمنى أربعا »

481 - حدثنا محمد بن حميد الرازي ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا أبو حمزة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : « صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، ثم تفرقت بكم السبل (1) ، فوالله لوددت أن حظي من أربع ركعات ، ركعتان متقبلتان » ، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، قال : سمعت أبي يقول : أنبأنا أبو حمزة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، مثله
__________
(1) السبل : الطرق

482 - حدثني علي بن سهل الرملي ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان الثوري ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، وعمارة ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله ، قال : « صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، ثم تفرقت الطرق بكم ، فلوددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان » ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله ، مثله ، إلا أنه قال : فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان

483 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله ، قال : « صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان »

484 - حدثني سلم بن جنادة السوائي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : صلى عثمان بمنى أربعا ، فقال عبد الله : « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، ثم تفرقت بكم الطرق ، فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين »

485 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن قرة أبي معاوية ، قال : جاء ابن مسعود في زمن عثمان فقال : كم صلى عثمان بمنى ؟ فقالوا : أربعا . فقال عبد الله كلمة ، ثم تقدم فصلى أربعا ، فقالوا : عبت عليه ، ثم صليت كما صلى ؟ فقال : « أما إني قد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ركعتين ، ولكن الخلاف شر »

486 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا أيوب بن سويد ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة المسافر بمنى ركعتين ، ثم صلى أبو بكر ركعتين ، ثم صلاها عمر ركعتين ، ثم صلاها عثمان ركعتين صدرا من خلافته ، ثم أتمها عثمان بعد ذلك » ، حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني عمرو بن الحارث ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، بمثله

487 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي ، أخبرني يونس بن يزيد ، عن الزهري ، أخبرني عبيد بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، وصلاها أبو بكر ركعتين ، وعمر ركعتين ، وعثمان صدرا في خلافته »

488 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى يصلي ركعتين ، وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان صدرا من خلافته ، ثم إن عثمان أتم بعد ذلك »

489 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، ومع عثمان صدرا من إمارته ، ثم أتم بعد »

490 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أنبأنا عقبة الأصم ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رجلا ، جاءه فقال : إن ركعتي السفر ليستا في القرآن . فقال : « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، ومع أبي بكر وعمر ، وصليت مع عثمان طائفة من خلافته بمنى ركعتين ، إنما صاحب الركعتين صاحب الزاد والمزاد »

491 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا سعيد يعني ابن السائب الطائفي ، عن داود بن أبي عاصم ، أنه لقي ابن عمر بمنى ، فسأله عن الصلاة في السفر ، فقال : « ركعتين » ، فقال : كيف ترى ونحن هاهنا ؟ فأخذته عند ذلك ضجرة فقال : ويحك هل سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قلت : نعم ، وآمنت به . قال : « فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج صلى ركعتين ، فصل إن شئت أو دع »

492 - حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، حدثنا إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن داود بن أبي عاصم ، قال : دخلت على عبد الله بن عمر وهو بمنى ، فسألته عن الصلاة ، فقال : « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عثمان ست سنين ركعتين . قال : قلت له : فكيف تصنع ؟ قال : أما إذا صليت وحدي فأصلي ركعتين ، وإذا صليت معهم فكما يصلون »

493 - حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا شبابة ، عن شعبة ، ح ، وحدثني ابن المثنى ، حدثني عبد الصمد ، أخبرني شعبة ، عن خبيب ، قال : سمعت حفص بن عاصم ، يحدث عن ابن عمر ، أنه : « سافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان يصلي صلاة السفر ، ومع أبي بكر صلاة السفر ، ومع عمر صلاة السفر ، ومع عثمان ثماني سنين صلاة السفر ، ثم صلاها بعد أربعا »

494 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا حكام ، وهارون ، عن عنبسة ، عن عثمان الطويل ، عن رفيع أبي العالية ، قال : خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « للظاعن ركعتان ، وللمقيم أربع ، مولدي بمكة ، ومهاجري بالمدينة ، فإذا خرجت من المدينة مصعدا من ذي الحليفة ، صليت ركعتين حتى أرجع »

495 - حدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي ، - من أهل حمص - حدثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عمرو بن أمية الضمري ، قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « يا أمية ألا تنتظر الغداء ؟ » قلت : إني صائم . قال : « هلم أخبرك عن المسافر ، إن الله وضع عنه الصوم ونصف الصلاة »

496 - حدثني موسى بن عبد الرحمن ، حدثنا حسين الجعفي ، عن زائدة ، قال : حدثنا مالك بن مغول ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : « دفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح في قبة (1) ، قال : فخرج فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين » ، حدثنا القاسم بن بشر بن معروف ، حدثنا عثمان بن عمر ، أنبأنا مالك بن مغول ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : دفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فذكر مثله
__________
(1) القبة : هي الخيمة الصغيرة أعلاها مستدير أو البناء المستدير المقوس المجوف

497 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي جحيفة ، قال : « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح صلاة العصر ركعتين »

498 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا أبو إسحاق ، عن ابن عباس ، قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى ركعتين حتى يرجع »

499 - حدثني تميم بن المنتصر ، أنبأنا إسحاق ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن وهب السوائي أبي جحيفة ، قال : « صليت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم العصر بالأبطح ركعتين ، وكانت معه عنزة (1) يركزها بين يديه حين يصلي ، قال : قلنا : مثل من كنت يومئذ ؟ قال : كنت أبري وأريش »
__________
(1) العَنَزَة : عصا شِبْه العُكَّازة

500 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين الظهر ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة »

501 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن سماك ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه : « أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة سجدتين »

502 - حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي ، حدثنا حسين الجعفي ، عن زائدة ، حدثنا سماك بن حرب البكري ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة صلاة الظهر ركعتين ، صلاة المسافر »

503 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سمعت أبا جحيفة ، قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة (1) إلى البطحاء فتوضأ ، فصلى الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين »
__________
(1) الهَجير والهاجِرة : اشتدادُ الحَرِّ نصفَ النهار

504 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا العكلي ، حدثنا عمر بن عبد الله بن أبي خثعم اليمامي ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : أن رجلا ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أقصر الصلاة في سفري ؟ قال : « نعم ؛ إن الله يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يحب أن يؤخذ بفريضته »

505 - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني ، حدثنا زيد بن حباب ، حدثنا عمر بن عبد الله اليمامي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : أن رجلا ، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في السفر ، فقال : « ركعتين » قالوا : فهذه أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقات نقلتها ، صحيح سندها ، عدول رواتها ، تقوم الحجة - فيما لا يدرك علمه إلا من جهة الخبر - بدونها من الأخبار ، وباستفاضة هي دون استفاضتها . قالوا : فإن قال لنا قائل : فما وجه قصر النبي صلى الله عليه وسلم إذا الصلاة ، إن كان الأمر على ما وصفتم من أنه كان يقصرها في أسفاره آمنا غير خائف ، وإنما أذن الله تعالى ذكره في كتابه بقصرها في حال الخوف دون حال الأمن ، وذلك أنه قال جل ثناؤه : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (1) ، أتقولون ذلك من فعله لما في التنزيل نسخ ، فقد علمتم إنكار من ينكر نسخ السنة القرآن ، وإن كان لهم في ذلك مخالفون ؟ أم تقولون : ذلك زيادة حكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام صلاة المسافر ؟ فما برهانكم على ذلك ، وقد علمتم خلاف من يخالفكم فيه من الأئمة ؟ أم ما وجه ذلك ؟ قلنا لهم : قد اختلف الأئمة قبلنا في ذلك . فقالت منهم طائفة - وهم الذين قالوا : فرض الصلاة في السفر ركعتان - : لم يزل حكم الله جل ثناؤه في الواجب عن عدد الصلاة على المسافر - من لدن فرضها على خلقه - ركعتين ، إلا ما كان من صلاة المغرب ، فإنها ثلاث . فأما قوله تعالى : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، فإنه إذن من الله تعالى بالقصر عن حدودها التي أوجبها على الآمن في حال الطمأنينة ، لا إذن في القصر عن عددها . وقد مضى ذكرنا قائلي هذه المقالة في كتابنا هذا قبل ، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادة ذكرهم في هذا الموضع ، وقالت منهم طائفة أخرى : بل قصر الصلاة في السفر من أربع إلى اثنتين ، رخصة من الله جل ذكره لعباده ، وصدقة منه تصدق بها عليهم ؛ تخفيفا منه عنهم ، كما قال عمر رحمة الله عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكم من حكم قول الله عز وجل : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، بمعزل . وذلك أن الإذن من الله جل ثناؤه بقصر الصلاة في حال الخوف ، إنما هو إذن منه بقصرها من اثنتين إلى واحدة ، وأما الركعتان في غير حال الخوف ، فتمام غير قصر
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 101

ذكر بعض من حضرنا ذكره من القائلين بذلك من السلف

506 - حدثني أحمد بن الوليد القرشي ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سماك الحنفي ، قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر ، فقال : « ركعتان تمام غير قصر ، إنما القصر صلاة المخافة » فقلت : وما صلاة المخافة ؟ قال : « يصلي الإمام بطائفة ركعة ، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، فيصلي بهم ركعة ، فتكون للإمام ركعتين ، ولكل طائفة ركعة ركعة »

507 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، من أهل حمص ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا المسعودي ، حدثني يزيد الفقير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : « صلاة الخوف ركعة »

508 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، حدثني بكر بن سوادة ، أن زياد بن نافع ، حدثه عن كعب ، - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قطعت يده يوم اليمامة : « أن صلاة الخوف لكل طائفة ركعة وسجدتان »

509 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : « كيف تكون قصرا ، وهم يصلون ركعتين ؟ إنما هي ركعة » وقالت طائفة أخرى : بل هذه الآية هي الآية التي دلت على ترخيص الله تعالى ذكره للمسافر في قصر الصلاة ، غير أن دلالتها على ذلك متناهية عند قوله تعالى : أن تقصروا من الصلاة (1) قالوا : والكلام : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ، قالوا : فهذا هو الإذن للمسافر في القصر . قالوا : وقوله جل ذكره : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا كلام مبتدأ ، معناه : إن خفتم أيها الناس أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم عن صلاتكم ، وكنت فيهم يا محمد ، فأقمت لهم الصلاة ، فلتقم طائفة منهم معك . قالوا : فقوله تعالى : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، كلام منقطع عن قوله عز وجل : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ، غير مواصل له ، ولا متصل به
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 101

ذكر بعض من حضرنا ذكره من قائلي ذلك من السلف

510 - حدثنا المثنى بن إبراهيم الآملي ، حدثنا إسحاق بن الحجاج ، حدثنا عبد الله بن هاشم ، أنبأنا سيف ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي ، قال : سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي ؟ فأنزل الله عز وجل : « وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة (1) ، ثم انقطع الوحي » فلما كان بعد ذلك بحول ، غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر ، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم ، هلا شددتم عليهم ؟ فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في إثرها ، فأنزل الله تعالى ذكره بين الصلاتين : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا . وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ، فلتقم طائفة منهم معك إلى قوله : إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (2) ، فنزلت صلاة الخوف . قالوا : فالرخصة للمسافر بقصر صلاته عن مبلغ عدد صلاة المقيم ، ثابتة حجتها بترخيص الله تعالى له في ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . وليس في ترخيص الله تعالى له ذلك دفع شيء من معنى قوله : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، ولا في قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم دفع شيء من رخصة الله للمسافر فيما رخص له فيه ، من قصر صلاته عن أربع إلى اثنتين ، إذ كان كل واحد من الصلاتين مفارق معناها معنى صاحبتها ، ولكل واحدة منها سنة وحكم غير سنة الأخرى وحكمها
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 101
(2) سورة : النساء آية رقم : 102

ذكر من قال هذه المقالة من السلف

511 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، حدثنا شيخنا يعني ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة : « أنهم كانوا يصلون مع سعد بقرية من قرى الشام أربعا ، وسعد يصلي ركعتين »

512 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا وهب ، عن حبيب ، عن المسور ، قال : كنا مع سعد بقرية من قرى الشام يقال لها عمان أو عوام . قال : وكان هو يصلي ركعتين ، ويصلون أربعا ، فقلنا له في ذلك ، فقال : « إنا نحن أعلم »

513 - حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي ، حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عبد الرحمن بن مسور ، قال : كنا مع سعد بن مالك بالشام شهرين ، وكان سعد يقصر الصلاة ونحن نتم ، فذكرنا ذلك له ، فقال : « نحن أعلم »

514 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : « إذا خرجت مسافرا فصل ركعتين »

515 - حدثنا موسى بن عبد الرحمن ، حدثنا حسين ، عن زائدة ، حدثنا سعيد بن عبيد الطائي ، قال : أخبرني علي بن ربيعة الأسدي ، أن ربيع بن نضلة الأسدي ، أخبره أنه خرج في اثني عشر راكبا ، كلهم قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم غيره ، وهم سفر . قال : فحضرت الصلاة ، فتدافع القوم أيهم يصلي ، فقدموا رجلا منهم فصلى بهم أربعا ، فلما انصرف قال سلمان : ما هذا ؟ - مرتين أو ثلاثا - نصف المربوعة ، نحن إلى التخفيف أفقر - مرتين . قال : فقال القوم لسلمان : يا أبا عبد الله ، تقدمنا فصل لنا ، فأنت أحقنا بذلك . فقال سلمان : لا ، أنتم بنو إسماعيل الأئمة ، ونحن الوزراء

516 - حدثنا هناد بن السري الحنظلي ، حدثنا أبو الأحوص ، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي ، قال : كان الشعبي معنا بواسط فحضرت الصلاة ، فدخلت منزلي ، ثم خرجت ، فقال : كم صليت ؟ فقلت : أربعا . فقال : لكني ما صليت غير ركعتين ، رأيت عبد الله بن عمر بمكة ما يصلي إلا ركعتين ، حتى خرج منها

698 - حدثني زيد بن أخزم الطائي ، حدثني عبد الصمد ، حدثنا شعبة ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن أبي صالح أو ابن صالح ، قال : سألت عبد الله بن عمرو وقلت : أكون في زرعي وغنمي ستة أشهر ، كيف أصلي ؟ فقال : ركعتين . وسألت ابن الزبير ، فقال مثل ذلك . وسألت ابن عمر ، فقال : مثل ذلك ، فقلت : سبحان الله ، أكون في زرعي وغنمي فقال : « سبحان الله صل ركعتين » ، حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا شعبة ، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن صالح - أو عن ابن صالح - قال : سألت عبد الله بن عمرو فذكر مثله

699 - حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا يحيى بن صالح ، حدثنا ابن عياش ، عن مجاهد بن فرقد الصنعاني ، عن أبي منيب الجرشي ، قال : قيل لابن عمر : قول الله عز وجل : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح (1) الآية ، فنحن آمنون لا نخاف ، أفنقصر الصلاة ؟ فقال : « لقد كان لكم في رسول الله أسوة (2) حسنة »
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 101
(2) الأسوة : القدوة

700 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت عبد الواحد المالكي يحدث عن سالم بن عبد الله بن عمر ، قال : كان ابن عمر إذا أجمع المقام أتم الصلاة ، ولقد أقام بمكة شهرا يصلي ركعتين ، فقيل له : لو صليت قبلها أو بعدها ؟ قال : « لو صليت قبلها أو بعدها لأتممت الصلاة »

701 - حدثنا يونس ، أنبأنا سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : « أصلي صلاة السفر ، مالم أجمع الإقامة ، وإن مكثت اثنتي عشرة ليلة »

702 - حدثنا يونس ، أنبأنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، قال : أتيت سالما أسأله وهو عند باب المسجد ، فقلت : كيف كان أبوك يصنع ؟ قال : « كان إذا أصدر الظهر وقال : نحن ماكثون أتم الصلاة ، وإذا قال : اليوم وغدا قصر (1) ، وإن مكث عشرين ليلة »
__________
(1) القصر : صلاة الرباعية ركعتين للتخفيف

703 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن سالم بن عبد الله : « أن ابن عمر ، كان إذا قدم مكة فلم يدر أيظعن أم يقيم قصر (1) الصلاة خمس عشرة ليلة ، فإذا عرف أنه يقيم أتم الصلاة »
__________
(1) القصر : صلاة الرباعية ركعتين للتخفيف

704 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا يحيى القطان ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يجمع الإقامة

705 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا مسلمة بن الصلت الشيباني ، حدثنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن نافع ، عن ابن عمر « أنه كان إذا قدم مكة فلبث بها سبعا أو ثمانيا صلى صلاة المسافر ، إلا أن يصلي مع الإمام »

706 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا مسلمة بن الصلت ، حدثنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن نافع ، عن عبد الله : « أنه لم يكن يزيد على الركعتين في السفر شيئا إلا في المغرب ، فإنه كان يصليها ثلاثا »

707 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن داود بن قيس ، عن نافع : أن ابن عمر ، أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر (1) الصلاة ، ولم يستطع أن يخرج من البرد ، ولم يرد الإقامة
__________
(1) يقصر : يصلي الصلوات الرباعية ركعتين فقط

708 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا ابن إدريس ، أنبأنا ليث ، عن الشعبي ، قال : « أقمت بالمدينة ستة أشهر - أو عشرة أشهر - لا يأمرني ابن عمر إلا بركعتين ، إلا أن أصلي مع قوم فأصلي بصلاتهم »

709 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا ليث ، عن الشعبي ، قال : « أقمت مع ابن عمر بالمدينة ثمانية أشهر - أو عشرة أشهر - فما أمرني إلا بركعتين ، إلا أن أصلي في جماعة ، ولو أردت أكثر من ذلك ما زادني »

710 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان ، قال : حدثنا عمر بن ذر ، عن مجاهد ، قال : كنت أصحب ابن عمر ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين المكتوبة ، ويحيي الليل صلاة على ظهر بعيره أينما كان وجهه ، وينزل قبل الفجر فيوتر بالأرض ، وإذا قام في منزل ليلة أحيى الليل

711 - حدثنا ابن المثنى ، حدثني عبد الصمد ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء أن ابن عمر صلى بمكة ركعتين وهو مريض يومئ إيماء (1)
__________
(1) الإيماء : الإشارة بأعضاء الجسد كالرأس واليد والعين ونحوه

712 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا الحسين يعني ابن واقد ، عن أبي الزبير ، قال : سمعت ابن عمر : « ينهى عن الصلاة في السفر إلا ركعتين »

713 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن أسلم المنقري ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه « أن عمر بن الخطاب قدم مكة فصلى بهم ركعتين ، ثم قال : قوموا فأتموا ، فإنا قوم سفر » ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا مؤمل ح ، وحدثني علي بن سهل ، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء ، قالا جميعا : أنبأنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر مثله

714 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث أن عمر بن الخطاب صلى بمكة ركعتين ، وقال : « يا أهل مكة أتموا صلاتكم ، فإنا قوم سفر » ، حدثنا سلم بن جنادة السوائي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن عمر مثله

715 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود : أن عمر ، صلى بمكة ركعتين ، ثم قال : « يا أهل مكة أتموا صلاتكم ، فإنا قوم سفر »

716 - حدثني جابر بن الكردي الواسطي ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، قال : رأيت عمر حين دخل مكة ، فقال : « يا أهل مكة ، إنا قوم سفر ، فأتموا صلاتكم »

717 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر : أن عمر صلى بأهل مكة ركعتين ، ثم قال : « أتموا صلاتكم ، فإنا قوم سفر »

718 - حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى ركعتين ، ثم قال لأهل مكة : « أتموا صلاتكم ، فإنا قوم سفر »

719 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : « إذا خرجت مسافرا فصل ركعتين ، وإذا رجعت فصل ركعتين »

720 - حدثنا عمران بن موسى القزاز ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، حدثنا ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : « إذا قدمت أرضا لا تدري متى تخرج ، فأتم الصلاة ، وإذا قلت : أخرج اليوم ، أخرج غدا ، فقصر ما بينك وبين عشر ، ثم أتم الصلاة »

721 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي جمرة ، قال : قلت لابن عباس : ما تطيب نفسي أن أصلي بمكة ركعتين . فقال : « تطيب نفسك أن تصلي الصبح أربعا ؟ » قلت : لا ، قال : « إنها ليست بقصر ، صل ركعتين ، وصل بعدها ركعتين »

722 - حدثنا ابن المثنى ، حدثني وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن أبي المنهال ، قال : قلت لابن عباس : إني أقيم بالمدينة حولا لا أشد علي سيرا ، فكيف أصلي ؟ قال : « ركعتين » ، حدثنا حميد بن مسعدة السامي ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن أبي المنهال العنزي ، قال : قلت لابن عباس فذكر نحوه

723 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن زائدة بن عمير ، قال : سألت ابن عباس : كيف أصلي بمكة ؟ قال : « ركعتين ركعتين »

724 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن سماك بن سلمة ، قال : سئل ابن عباس عن قصر (1) الصلاة ، فقال : « قصر وإن كنت في أرض خمسة أشهر »
__________
(1) القصر : صلاة الرباعية ركعتين للتخفيف

725 - حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا يونس ، عن الحسن أن أنس بن مالك ، كان بنيسابور على جبايتها (1) ، فكان يصلي ركعتين ثم يسلم ، ثم يصلي ركعتين ، ولا يجمع ، وكان الحسن معه شتوتين
__________
(1) الْجِباية : اسْتِخراج الأموال من مَظَانِّها

726 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، قال : أنبأنا يونس ، عن الحسن : أن أنس بن مالك أقام بنيسابور سنة أو سنتين يصلي ركعتين ، ثم يسلم ، ثم يقوم فيصلي ركعتين ، ثم يسلم

727 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا سالم بن نوح ، عن عمر بن عامر ، عن قتادة أن أنسا أقام بفارس سنتين يقصر الصلاة

728 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن شقيق بن سلمة ، قال : أقام مسروق بالسلسلة سنتين يقصر الصلاة ، فقيل له : لم تفعل هذا ؟ قال : « تلك السنة »

729 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، قال : صحبت مسروقا إلى السلسلة ذاهبا وجائيا ، فجعل يصلي ركعتين ركعتين . قال أبو وائل : فسألته فقال : « ما آلو عن السنة »

730 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي وائل ، قال : خرجت مع مسروق إلى السلسلة فصلى ركعتين ، وأقام سنتين يصلي ركعتين ، فقلت : يا أبا عائشة ، ما يحملك على هذا ؟ قال : « السنة »

731 - حدثني أبو السائب ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : « كنت مع مسروق بالسلسلة سنتين ، يصلي ركعتين ؛ يلتمس بذلك السنة »

732 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل ، قال : « كان مسروق بالسلسلة سنتين يصلي ركعتين ، لا يألو (1) عن السنة »
__________
(1) يألو : يقصر

733 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا هشيم ، أنبأنا خالد بن أبي طلحة مولى ابن أسد ، عن أبي وائل ، قال : « كنت مع مسروق بالسلسلة فكان يصلي ركعتين ، لا يألو عن السنة »

734 - أخبرنا ابن بشار ، أنبأنا هشام بن عبد الملك ، أنبأنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، قال : سافرت إلى مكة ، فكنت أصلي ركعتين ، فلقيني قراء من أهل هذه الناحية ، فقالوا : كيف تصلي ؟ قلت : ركعتين ، قالوا : سنة أو قرآن ؟ قلت : كل ذلك ، سنة وقرآن . قلت : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين » قالوا : إنه كان في حرب ، قلت : قال الله عز وجل : « لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون (1) ، وقال : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة (2) ، فقرأ حتى بلغ : فإذا اطمأننتم (3) »
__________
(1) سورة : الفتح آية رقم : 27
(2) سورة : النساء آية رقم : 101
(3) سورة : النساء آية رقم : 103

735 - حدثنا ابن المثنى ، حدثني عبد الأعلى ، حدثنا داود ، عن أبي العالية أنه قال : « المسافر يصلي ركعتين ، فإذا اطمأن صلى أربعا . يعني إذا نزل »

736 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن يونس : أن الحسن كان يقول : « المسافر يصلي ركعتين حتى يرجع إلى أهله »

737 - حدثني يونس ، أنبأنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المديني ، حدثنا عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب أن رجلا سأله : أتم الصلاة وأصوم في السفر ؟ فقال : لا ، قال : إني أقوى على ذلك . قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقوى منك ، كان يفطر ويقصر الصلاة ، وقال : « خياركم من قصر (1) الصلاة وأفطر في السفر »
__________
(1) القصر : صلاة الرباعية ركعتين للتخفيف

738 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، قال : سمعت سعيد بن المسيب ، وقال له رجل : أنا أقوى أن أصوم في السفر ، فقال سعيد : رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى منك وخير منك ، كان لا يصوم في السفر ، وكان يقصر الصلاة ، وقال سعيد : إنه قال : « إن خيركم من قصر (1) الصلاة في السفر وأفطر »
__________
(1) القصر : صلاة الرباعية ركعتين للتخفيف

739 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن حبيب بن الشهيد ، عن ميمون بن مهران ، قال : سألت سعيد بن المسيب عن الصلاة في السفر ، فقال : « إن شئت فثنتين ، وإن شئت فأربعا » وأنكر صحة جميع هذه الأخبار التي ذكرناها آخرون ، وقالوا : كان قصر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة من أربع إلى اثنتين ، فيما قصرها فيه من الصلوات الخمس في سفر كان فيه خائفا من عدو ، غير آمن فيه ، على ما أذن الله عز وجل له بقوله : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (1) . قالوا : ومن أضاف إليه القصر في غير حال الخوف ، وترك الإتمام في حال الأمن ، فقد أضاف إليه ما ليس من صفته . وذلك أن الله تعالى ذكره إنما بعثه رسولا ليبين لهم ما أنزل إليهم ، لا ليشرع لهم خلاف ما أنزل إليهم . قالوا : ومن أضاف إليه أنه قصر الصلاة في حال الأمن ، فقد وصفه بأنه شرع للناس غير ما نزل إليهم . وقالوا : قد قال بنحو الذي قلنا من ذلك جماعة من السلف
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 101

ذكر من أنكر القصر في حال الأمن ، ولم يره إلا في حال خوف فتنة العدو

740 - حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري ، حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد ، حدثنا عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت عائشة تقول في السفر : « أتموا صلاتكم » فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتين . فقالت : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب ، وكان يخاف ، هل تخافون أنتم ؟ والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن قصر الصلاة في السفر - غير مبلغ عدد صلاة المقيم - رخصة من الله عز وجل للمسافر وتخفيف منه عنه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما قال ابن عباس لسائله عن ذلك : سنة أبي القاسم ، وإن رغمتم . وقال ابن عمر إذ سئل عن ذلك : إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به . وذلك من حكم قول الله عز وجل : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (1) بمعزل ؛ وذلك أن هذه الآية نزلت فيما ذكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ تعليما من الله عز وجل له صلاة الخوف عند معاينته العدو المخوفة غائلته ، المحذور بائقته ، إذا هو صلى صلاة الآمن المطمئن . وبالذي قلنا في ذلك تواترت الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتابعت عليه أقوال أهل التأويل . وقد استقصينا ذكر أقوالهم ، واختلاف المختلفين في ذلك في كتابنا المسمى ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن ) ، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ذلك ؛ ليعلم قارئ كتابنا هذا صحة ما قلنا في ذلك
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 101

741 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن سليمان اليشكري ، أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة : أي يوم أنزل ، أو أي يوم هو ؟ فقال جابر : انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشأم ، حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد . قال : « نعم » . قال : تخافني ؟ قال : « لا » . قال : فمن يمنعك مني ؟ قال : « الله يمنعني منك » . قال : فسل السيف ، ثم تهدده وأوعده ، ثم نادى بالرحيل وأخذ السلاح ، ثم نودي بالصلاة ، فصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم ، وطائفة أخرى تحرسهم ، فصلى بالذين يلونه ركعتين ، ثم تأخر الذين يلونه (1) على أعقابهم ، فقاموا في مصاف أصحابهم ، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين ، والآخرون يحرسونهم ، ثم سلم ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ، وللقوم ركعتين ركعتين ، فيومئذ أنزل الله تعالى عز وجل في إقصار الصلاة ، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح
__________
(1) يليه : يكون بعده وخلفه في المكان أو المكانة

742 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، وعلى المشركين خالد بن الوليد . قال : فصلينا الظهر ، فقال المشركون : لقد كانوا على حال ، لو أردنا لأصبنا غفلة . فأنزلت آية القصر بين الظهر والعصر ؛ فأخذ الناس السلاح ، وصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبلي القبلة ، والمشركون مستقبلوهم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبروا جميعا ، ثم ركع وركعوا جميعا ، ثم رفع رأسه ، فرفعوا جميعا ، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء ، ثم نكص (1) الصف الذي يليه وتقدم الآخرون ، فقاموا في مقامهم ، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم فركعوا جميعا ، ثم رفع رأسه ورفعوا جميعا ، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما فرغ هؤلاء من سجودهم ، سجد هؤلاء الآخرون ، ثم استووا معه فقعدوا جميعا ، ثم سلم عليهم جميعا ، فصلى بعسفان ، وصلاها يوم بني سليم ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن شيبان النحوي ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، وعن إسرائيل ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان . ثم ذكر نحوه فقد بينت هذه الأخبار عن صحة ما قلنا من أن قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (2) ، بيان من الله تعالى عن صفة فرضه على الخائف من عدوه في سفره ، في حال دخوله في صلاته ، لا دلالة على ترخيصه للمسافر في قصر الصلاة في حال ضربه في الأرض بكل حال ، وبعد فإن في قوله عز وجل : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة (3) بيانا واضحا عن صحة ما قلنا من أن قوله عز وجل : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا معني به القصر عن حدودها الواجب على الآمن المطمئن إقامتها عليه ؛ لأن ذلك لو كان إذنا بالقصر على مبلغ عددها لقيل : فإذا اطمأننتم فأتموا الصلاة ، وإذا كان الأمر على ما وصفنا في قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، وبالذي عليه استشهدنا ، فمعلوم أن الإذن للمسافر الآمن في سفره من عدو يفتنه ، المطمئن فيه من كافر يغتاله من الله له بغير هذه الآية ، إذ كانت هذه الآية إنما تدل على ما وصفنا من صفة صلاة الخائف من عدوه ، دون الآمن منه ، وأن ذلك الإذن إذ لم يكن موجودا في كتاب الله عز وجل موجودا بنص يتلى ، فإنما ثبت بوحي كان من الله عز وجل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، فبينه صلى الله عليه وسلم لأمته قولا وعملا ، كما قال من ذكرنا ذلك عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقصر الصلاة في السفر إذا رخصة من الله تعالى ذكره ، لمن سافر من عباده المؤمنين به في حال ضربه في الأرض ، بترخيصه ذلك له على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في حال الأمن والطمأنينة ، ليس له قصر شيء من حدودها ما كان آمنا مطمئنا . فإذا كان خوف فله قصرها من حدودها على ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حراسة بعض بعضا فيها ، وتقدم وتأخر في بعض الأحوال ، وفي بعض الأحوال بالاجتزاء فيها بالتكبير والقراءة والإيماء بالركوع والسجود ، دون التمكن فيها من الركوع والسجود تمكن الآمن المطمئن فيها
__________
(1) نكص : رجع وتأخر
(2) سورة : النساء آية رقم : 101
(3) سورة : النساء آية رقم : 103

القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب فمن ذلك قول الذي سأل ابن عباس فقال له : إنا قدمنا البلد ونحن آمنون خافضون . يعني بقوله : خافضون : ساكنون وادعون لا نحارب أحدا . وأصله من خفض الصوت ، وهو سكونه ، وترك رفعه . يقال للرجل : اخفض من صوتك : يراد به أخفه وسكنه ، واترك الضجاج . ومنه قول الطرماح بن حكيم : فاذهبوا ما إليكم خفض الحلم عناني وعريت أنقاضي يعني بقوله : خفض الحلم عناني : سكن الحلم جهلي وأخفاه ، فذهب به ، وغلب الحلم علي . ومنه قول جرير : الظاعنون على العمى لجميعهم والخافضون بغير دار مقام يعني بقوله : والخافضون بغير دار مقام : والمستقرون بغير دار قرار ، والساكنون بها . وأما قول أبي جحيفة - إذ قيل له : مثل من كنت يومئذ ؟ كنت أبري وأريش ، فإنه يعني بقوله : أبري : كنت أنحت القداح . يقال منه : بريت السهم والقلم ، فأنا أبريه بريا : وذلك إذا نحته ، ويقال لما تساقط من العود بالنحت : البراية . ومنه قول نابغة بني ذبيان : يريش قوما ويبري الآخرين به لله من رائش عمرو ومن بار ويقال للرجل إذا أنضى بعيره بطول السير عليه حتى صار حسيرا : قد برى فلان مطيه فهو يبريه بريا : وذلك إذا ذهب لحمه وشحمه ، يشبه ببري القلم والقدح إذا نحتا ، ويقال للبعير إذا كان باقيا على السير : إنه لذو براية . ومنه قول عمرو الكلب في صفة حمار وحش : على حت البراية زمخري السواعد ظل في شري طوال وأما قولهم : برى فلان لفلان : فهو من غير هذا المعنى ، وإنما هو من معنى المعانة والمعارضة ، يقال منه : برى فلان لفلان ، فهو يبري له بريا : وذلك إذا عارضه يصنع مثل صنيعه ، وانبرى له . ومنه قول الشاعر : برت لك حماء العلاط سجوع وداع دعا من خلتيك نزيع ويقال : فلان وفلان يتباريان : إذا كان كل واحد منهما يعارض صاحبه فيصنع مثل صنيعه . ومنه قولهم : فلان يباري الريح سماحة وجودا ، فهو يباريها مباراة : وذلك إذا أطعم وحمل وكسا كلما هبت ، فعارض هبوبها بنائل وإفضال . وأما البرء : فهو من غير هذه المعاني ، وهو مصدر من قول القائل : برأ الله الخلق فهو يبرؤهم برءا ، من قول الله جل ثناؤه : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها (1) ، يعني : من قبل أن نخلقها . وكذلك : ذرأ الله الخلق فهو يذرؤهم ذرءا ، من قول الله عز وجل : يذرؤكم فيه (2) ، والله ذارئ الخلق ، ويذرأهم ، بتسكين الهمزة . وأما البرء ، بضم الباء ، فإنه في لغة تميم وأهل نجد مصدر من قولك : برئت من المرض ، فأنا أبرأ منه برءا ، وفي لغة أهل الحجاز من قولك : برأت من المرض فأنا أبرأ منه برءا . وأما البراء بالمد ، فإنه مصدر من قول القائل : برئت من كذا وكذا ، فأنا أبرأ منه براء ؛ ولذلك لا يثنى ولا يجمع ، فيقال : هو براء من هذا الأمر ، وللاثنين : هما براء منه ، وللجميع : هم براء منه ، الواحد والاثنان والجمع بلفظ واحد ، كما يقال : هو عدل ، وهما عدل ، وهم عدل ، ومنه قول الله عز وجل : إنني براء مما تعبدون (3) ، فأما من قال : أنا بريء منك ، فإنه يثني في التثنية ، ويجمع في الجمع ، فيقول : هما بريئان منك ، وهم براء منك ، وبريئون ، وأبرياء ، وبرآء . وأما الإبراء ، فإنه من غير هذه المعاني كلها ، وهو مصدر ، إما من قول القائل : أبريت الناقة ، فأنا أبريها إبراء ، وهي ناقة مبراة : وذلك إذا جعلت لها برة . والبرة : الحلقة تجعل في أنف البعير ، وإما من قول القائل : أبرأه الله من المرض إبراء . وأما البرأة : فقترة الصائد ، وهي الحفرة التي يكمن فيها للصيد . وأما قوله : وأريش : فإنه يعني أنه كان يجعل للسهم ريشا . وأصل الريش الكسوة ، وما يلبس . يقال : أعطى فلان فلانا رحلا بريشه : يراد بكسوته وجهازه ، ويقال : إنه لحسن ريش الثياب . وإنما قيل لريش الطائر ريش ؛ لأنه له كهيئة الكسوة واللباس لبني آدم . يقال منه : راش فلان فلانا : إذا أعطاه أثاثا وكسوة ، فهو يريشه ريشا وريشا ورياشا ، كما يقال : لبسه فهو يلبسه لباسا ولبسا . وقد أنشد في اللبس بكسر اللام : فلما كشفن اللبس عنه مسحنه بأطراف طفل زان غيلا موشما ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لعن الراشي والمرتشي والرائش الذي يريش بينهما . يعني بذلك صلى الله عليه وسلم : الذي يسفر بين الراشي والمرتشي ليحسن لكل واحد منهما فعله الذي يفعله من الإعطاء والأخذ ، كالذي يحسن رائش السهم السهم بما يريشه من الريش . وأما قول نافع : كان ابن عمر يقصر الصلاة في السفر ما لم يجمع إقامة : فإنه يعني بقوله : ما لم يجمع إقامة : ما لم يعزم على إقامة . يقال منه : قد أجمع فلان على الإقامة بموضع كذا ، وأزمع عليه : يراد به عزم على ذلك . ومنه قول الله عز وجل : فأجمعوا أمركم وشركاءكم (4) ، يعني بذلك : أحكموا أمركم ، وأعدوا واعزموا على ما أنتم عليه عازمون . ومنه قول الراجز : يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمع وأما قول عمر رحمه الله لأهل مكة : أتموا صلاتكم ، فإنا قوم سفر : فإنه يعني بقوله : قوم سفر : قوم مسافرون ، وهو مصدر ؛ ولذلك لم يجمع ، وهو مثل قولهم : قوم زور ، وقوم صوم ، وفطر ، وجنب ، وعدل ، وما أشبه ذلك من المصادر ، لفظ الواحد والاثنين والجميع ، والمذكر والمؤنث ، فيه واحد . ذكر ما لم يمض ذكره من حديث جابر بن عبد الله ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) سورة : الحديد آية رقم : 22
(2) سورة : الشورى آية رقم : 11
(3) سورة : الزخرف آية رقم : 26
(4) سورة : يونس آية رقم : 71

743 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لئن عشت لأنهين أن يسمى نافعا وبركة ويسارا »

القول في علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، لا علة فيه توهنه ، ولا سبب يضعفه ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ؛ لعلل : إحداها : أن المعروف من رواة هذا الحديث القصور به على جابر ، من غير إدخال عمر بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثانية : أنه قد حدث به عن أبي الزبير غير سفيان ، فوافق - في تركه إدخال عمر بين جابر وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم - رواية الذين رووه عن سفيان ، فلم يدخلوا في حديثهم عنه بين جابر وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا . والثالثة : أن أبا الزبير عندهم ممن لا يعتمد على روايته ؛ لأسباب قد تقدم ذكرناها . والرابعة : أنه خبر لا يعرف له مخرج عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه

ذكر من حدث بهذا الحديث عن سفيان ، فجعله عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدخل بين جابر وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا

744 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لئن عشت لأنهين أن يسمى نافعا وبركة ويسارا » وأشك في نافع ، لا أدري قال أم لا ؟

ذكر من حدث بهذا الحديث عن أبي الزبير ، فلم يجعل فيه بين جابر وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من غير حديث الثوري

745 - حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا روح ، حدثنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله ، يقول : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى بيعلى ، وبركة ، وبأفلح ، وبيسار ، وبنافع ، وبنحو ذلك ، ثم رأيته سكت بعد عنها فلم يقل شيئا ، ثم قبض ولم ينه عنها ، ثم أراد عمر أن ينهى عنه ، ثم تركه

746 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا سعيد بن عيسى بن تليد ، حدثنا المفضل بن فضالة ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : « هم النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى ميمونا ، وبركة ، وأفلح ، وهذا النحو ، ثم تركه »

القول في البيان عما في هذا الخبر من المعنى إن قال لنا قائل : ما معنى هذا الخبر ، وما وجهه ؟ أصحيح هو أم سقيم ؟ فإن كان صحيحا فقد بطل معنى الخبر الذي رواه سمرة بن جندب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي

747 - حدثكموه أبو كريب ، ونصر بن علي الجهضمي ، قالا : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن الركين بن الربيع ، عن أبيه ، عن سمرة ، قال : « نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسمي رقيقنا أربعة أسماء : رباحا ، وأفلح ، ونافعا ، ويسارا »

748 - حدثنا سفيان ، وابن حميد ، قالا : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الركين بن الربيع الفزاري ، عن أبيه ، عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسم غلامك بيسار ، ولا رباح ، ولا أفلح ، ولا نجيح ، ولا نافع »

749 - حدثنا ابن حميد ، وسفيان ، قالا : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن ربيع بن عميلة ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تسم غلامك أفلح ، ولا نجيحا ، ولا رباحا ، ولا يسارا »

750 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن ربيع بن عميلة ، عن سمرة بن جندب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسم غلامك أفلح ، ولا نجيحا ، ولا يسارا ، ولا رباحا » وقال منصور ، عن هلال بن يساف ، عن الربيع بن عميلة ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله

751 - حدثني زيد بن أخزم الطائي ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثني أبي ، عن محمد بن جحادة ، عن منصور ، عن عمارة بن عمير ، عن الربيع بن عميلة ، عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسموا رقيقكم رباحا ، ولا يسارا ، ولا أفلح ، ولا نجيحا ، إن شاء الله »

752 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن هلال بن يساف ، عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسمين غلامك أفلح ، ولا رباحا ، ولا نجيحا ، ولا يسارا »

753 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن هلال بن يساف ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تسم أفلح ، ولا يسارا ولا نجيحا ، ولا رباحا » ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا محمد بن بشر العبدي ، حدثنا يزيد بن زياد الأشجعي ، عن سلمة بن كهيل ، عن هلال بن يساف ، عن سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله

754 - حدثني موسى بن سهل الرملي ، حدثنا موسى بن داود ، حدثنا زهير بن معاوية ، عن منصور ، وحصين بن عبد الرحمن ، عن هلال بن يساف ، عن الربيع بن عميلة ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تسم غلامك رباحا ، ولا يسارا ، ولا نجيحا ، ولا أفلح ، فإنك تقول : أثم فلان ؟ فلا يكون . ويقول : إنما هن أربع فلا تزيدن » وإن كان سقيما ، فما وجه سقمه ، وقد قضيت عليه بالصحة بشهادتك لنقلته بالعدالة ؟ أم تقول : إنهما جميعا صحيحان ؟ فبأيهما تقول يلزمنا العمل ؟ بالذي روي عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن تسمية الأرقاء : أفلح ، ونافعا ، ورباحا ، ويسارا ، ولا يجوز تسمية مملوك لنا ببعض هذه الأسماء ، فما وجه الخبر الذي

755 - حدثكموه أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له غلام يسمى رباحا » أم بالذي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أراد النهي عن تسمية المماليك بهذه الأسماء ، ثم قبض قبل نهيه عن ذلك ؟ فما معنى الخبر الذي روي عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك ؟ قيل : كلا الخبرين صحيح ، وليس أحدهما دافعا صاحبه ولا محيلا معناه . فأما الخبر الذي روي عن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : « لئن عشت لأنهين أن يسمى نافعا ، وبركة ، ويسارا » ، وما أشبه ذلك فإنه جائز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك ، ثم عاش بعد حتى نهى عن التسمية بهذه الأسماء ، على ما روى عنه سمرة ، فسمع سمرة النهي عنها ، ورواه عنه على ما سمع منه ، ولم يسمع ذلك جابر ، فأدى ما سمع منه من قيله : « لئن عشت لأنهين عنه » ، وأخبر عنه أنه قبض صلى الله عليه وسلم قبل أن ينهى عنه ؛ إذ لم يعلم نهيه عنه حتى قبض ومضى لسبيله . وذلك الواجب كان عليه أن يقول أو يفعل ؛ لأن كل من علم علما ، ثم لم يعلم تغير ذلك عن حاله التي علمه عليها ، فله القيام بالشهادة عليه على ما علمه به ، وإن كان جائزا تغيره عما كان عليه في حال علمه به . وذلك كالرجل يعلم وراثة رجل عن ميت له دارا أو أرضا أو غير ذلك من الأملاك ، فيأتيه مدع بعد حين يدعي ذلك ، ويزعم أنه له دون الذي هو في يده ، فلا خلاف بين الجميع أن للذي علم وراثة ذلك الوارث عن ميته ما ادعاه المدعي ، أن يشهد له بأن ذلك الذي ادعاه للذي علم وراثته عن ميته ، مع جواز خروج ذلك عن ملكه ، إما ببيع أو هبة ، وغير ذلك من الأسباب التي تزول بها الأملاك . وكذلك الشهادات على الأشياء الممكن تغير أحوالها على السبيل التي وصفنا . فقد تبين بالذي ذكرنا أن قول جابر ما قال خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غير دافع ما روى سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ولا رواية سمرة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ، محيل ما قال جابر وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ كلا الخبرين صحيح معناهما ، ممكن استعمالهما على الصحة . وإذ كان كذلك فخبر سلمة بن الأكوع وقوله : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يقال له رباح ، إن كان صلى الله عليه وسلم سمى غلامه ذلك هذا الاسم قبل نهيه عن التسمية ، فلا حجة فيه لمحتج به . وإن تسمية المسمي مملوكه في معنى تسميته إياه بوثاب وسوار وغيرهما ، فيه أن كل واحد منهما لم يأت ما يرغب له عنه ، إذ كان في إطلاقه صلى الله عليه وسلم ما أطلق وحظره ما حظر ، ناسخ ومنسوخ ، على النحو الذي قد بيناه في كتابنا المسمى ( كتاب البيان عن أصول الأحكام ) . وكان جائزا أن تكون التسمية بهذه الأسماء التي ذكرنا أنه نهى عنها ، كانت سبيل التسمية بغيرها من الأسماء ، ثم نهى عنها بعد . وإن كان صلى الله عليه وسلم سمى غلامه بذلك بعد نهيه عن التسمية به ، فذلك منه إبانة عن أن نهيه عن التسمية بذلك ، وبما روي عنه أنه نهى عن التسمية به ، إنما هو نهي تكره ، لا نهي تحريم ، على ما قد تقدم وصفناه قبل من نهيه عن أكل لحوم الضباب ، وإطلاقه لآكليها أكلها على مائدته . وأي ذلك كان فإن في إجماع الحجة على تسمية الرجل مماليكه بهذه الأسماء - التي ذكر سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التسمية بها - غير موجبة له إثما ، ولا مستوجب بها مسميه من ربه عقابا ، ما ينبئ عن صحة ما قلنا من أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، كان على ما ذكرنا من الكراهة لا على التحريم . وبعد ، ففي تسمية عبد الله بن عمر مملوكه نافعا بنافع ، وتسمية أبي أيوب الأنصاري غلامه أفلح بأفلح ، بين المهاجرين والأنصار ، من غير إنكار منكر ذلك عليهما ، ما يوضح عن صحة ما قلنا في ذلك ؛ لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، لو كان نهي تحريم ؛ لم يقر المهاجرون والأنصار من ذكرنا ، على التقدم على ما ثبت عندهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريمه ، بل لم يكونوا هم يتقدمون على ما قد حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما قد صح عندهم تحريمه إياه . ولكن ذلك كان عندهم - إن شاء الله عز وجل - من رسول الله صلى الله عليه وسلم على التكره ، تقدم عليه قوم وتأخر عنه آخرون ، كالذي كان منهم في نهيه عن أكل لحوم الضباب ، على ما قد بيناه قبل . وقد كره جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن يسموا مماليكهم بأسماء أخر غير التي ذكرنا عن سمرة أنه روى النهي عن التسمية بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لعلل شبيهة بالعلل فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تسميتهم به من أجلها . ذكر بعض ذلك

756 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن معاوية ، عن أبي الخير بن تميم الضبي ، عن سعيد بن جبير ، قال : « كنت عند ابن عباس سنة ، لا أكلمه ولا يعرفني ، حتى أتاه ذات يوم كتاب من امرأة من أهل العراق ، فدعا غلمانه ، فجعل يكني عن عبيد الله ، وعبد الله ، وأشباهه ، وجعل يدعو : يا مخراق ، يا وثاب ، نحوا من هذه الأسماء »

757 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن شباك ، قال : سمعت إبراهيم يقول : « إني لأعجب من سهم بن منجاب كيف سمى غلاما له عبد الملك »

758 - حدثني أبو السائب ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : « كانوا يكرهون أن يسمي الرجل غلامه عبد الله مخافة أن يكون ذلك يعتقه »

759 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم : « أنه كره أن يسمي مملوكه عبد الله ، وعبيد الله ، وعبد الملك ، وعبد الرحمن ، وأشباهه ؛ مخافة العتق » فهذا الذي ذكرنا عن ابن عباس ، ومن ذكرنا عنه كراهة تسمية عبد الله وعبد الرحمن نظير الذي روي عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره من تسمية الرجل مملوكه برباح ، ونافع ، وأفلح ؛ لأن كراهيته صلى الله عليه وسلم ذلك كانت حذارا من أن يقال : هاهنا نافع ؟ فيقال : لا ، أو : هاهنا أفلح ، أو بركة ؟ فيجاب بلا . ومعلوم أن السائل عن إنسان اسمه أفلح ، أو نافع ، أو رباح هل هو في مكان كذا ؟ إنما مسألته تلك مسألة عن شخص من أشخاص بني آدم ، سمي باسم جعل عليه دليلا يعرف به إذا ذكر ؛ إذ كانت الأسماء العواري المفرقة بين الأشخاص المتشابهة إنما هي أدلة على المسمى بها ، لا مسألة عن شخص صفته النفع والفلاح والبركة . وذلك من كراهته صلى الله عليه وسلم ذلك ، نظير كراهته تسمية امرأة كانت تسمى برة ببرة ، حتى حول اسمها عن ذلك فسماها جويرية ، وكتحويله اسم أخرى من عاصية إلى جميلة ، وكتغييره اسم أرض طابت تدعى عفرة خضرة ، ونحو ذلك مما يكثر عدده ، سنذكر جميعه إن شاء الله في موضعه . ومعلوم أن تحويله صلى الله عليه وسلم ما حول من هذه الأسماء عما كانت عليه ، لم يكن لأن التسمية بما كان المسمى به منها مسمى قبل تحويله ذلك كان حراما التسمية به ؛ ولكن ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم على وجه الاستحباب ، واختيار الأحسن على الذي هو دونه في الحسن ، إذ كان لا شيء في القبيح من الأسماء إلا وفي الجميل الحسن منها مثله من الدلالة على المسمى به ، مع بينونة الأحسن بفضل الحسن والجمال ، من غير مؤونة تلزم صاحبه بسبب التسمي به . وكذلك كراهة من كره تسمية مملوكه عبد الله ، وعبد الرحمن ، إنما كانت كراهته ذلك ؛ حذارا أن يوجب ذلك له العتق بانفراده بهذا الاسم ، ولا شك أن جميع بني آدم لله عبيد أحرارهم وعبيدهم ، وصفهم بذلك واصف أو لم يصفهم ، ولكن كارهي التسمية بذلك صرفوا هذه الأسماء عن رقيقهم ؛ لئلا يقع اللبس على السامع لذلك من أسمائهم ؛ فيظن أنهم أحرار ؛ إذ كان استعمال أكثر الناس التسمية بهذه الأسماء في الأحرار ، فتجنبوا إلى ما يزيل اللبس عنهم من أسماء المماليك . وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا ، والذي به استشهدنا ، فالاختيار لكل من له مملوك أن يتجنب تسمية مملوكه بهذه الأسماء التي روينا عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تسميته بها ، وعن نظائرها ، وذلك كتسميته بنجاح ، فإنه نظير رباح ، وكتسميته سماحا ، وخيرا ، ونصرا ، وسعدا ، وكثيرا ، فإنه كما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كره تسميته برباح ، ونافع - وإن كان خسارا وضارا ، لا رباحا ولا نافعا - حذارا من أن يقال : هل هناك رباح ، أو نافع ؟ فيقال : لا ، فكذلك ينبغي أن يتقى أن يقال : هناك نجاح ، أو سماح ، أو خير ، أو سعد ؟ فيقال : لا . وكذلك ينبغي أن يتجنب من تسميته من الأسماء بما كان نظيرا لما ذكرنا ، وله شبيها ؛ للعلة التي وصفنا من كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسميته بالأسماء التي ذكرنا ، في الخبر الذي روينا عنه ، من غير أن يكون مسميه ببعض ذلك - إن سماه به - حرجا ، أو مكتسبا بتسميته به إثما ، أو متقدما به لله على معصية ، ولكنه متقدم بتسميته إياه به على خلاف ما اختاره له رسول الله صلى الله عليه وسلم من تسميته مملوكه به من الأسماء

ذكر خبر آخر من أخبار عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما روى عنه أبو قتادة الأنصاري

760 - حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا الحسن بن موسى الأشيب ، حدثنا أبو هلال ، حدثنا غيلان بن جرير المعولي ، حدثنا عبد الله بن معبد الزماني ، عن أبي قتادة ، عن عمر ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمررنا برجل ، فقالوا : يا رسول الله ، هذا لم يفطر منذ كذا وكذا ؟ فقال : « لا صام ولا أفطر » أو « ما صام وما أفطر » . فلما رأى عمر غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يسكنه ، فقال عمر : صوم يومين وإفطار يوم ؟ فقال : « أيطيق ذلك أحد » ؟ قال : يا رسول الله ، صوم يوم وإفطار يومين ؟ قال : « وددت أني طوقت لذاك » . قال : يا نبي الله ، فصوم يوم وإفطار يوم ؟ فقال : « ذلك صوم أخي داود » . قال : يا نبي الله ، فصوم يوم الاثنين ؟ قال : « ذلك يوم ولدت فيه ، ويوم أنزلت علي فيه النبوة » . قال : يا نبي الله ، فصوم يوم عرفة وعاشوراء ؟ كذا علمت قال . قال : « أحدهما يعدل السنة ، والآخر يكفره الباقي » ، أو قال : « أحدهما يكفر ما قبله وما بعده »

القول في علل هذا الحديث وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، لا علة فيه توهنه ، ولا سبب يضعفه ؛ لعدالة من بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقلته ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح . وذلك أنه خبر قد حدث به عن غيلان بن جرير جماعة ، فجعلوه عن أبي قتادة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثانية : أنه قد حدث به أيضا عن أبي قتادة غير عبد الله بن معبد ، فوافق فيه رواية من جعله عن أبي قتادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يدخل بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عمر . والثالثة : أنه خبر لا يعرف له عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مخرج إلا من هذا الوجه

ذكر من حدث به عن غيلان بن جرير ، عن عبد الله بن معبد ، عن أبي قتادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يدخل بين أبي قتادة وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحدا

761 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الأعلى السامي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن غيلان بن جرير ، عن عبد الله بن معبد الزماني ، عن أبي قتادة الأنصاري ، قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه أعرابي ، فقال : يا رسول الله ، كيف صومك ؟ أو كيف تصوم ؟ قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي الغضب في وجهه . وردد قوله : كيف صومك ؟ فلما سكت عنه الغضب ، أقبل عليه عمر فقال : أرأيت رجلا يصوم الدهر ؟ قال : « لا صام ولا أفطر » ، أو : « ما صام وما أفطر » . قال : يا رسول الله ، صوم ثلاثة أيام من الشهر ؟ قال : « ذلك صوم الدهر كله » . قال : يا نبي الله ، صوم يومين ، وإفطار يوم ؟ قال : « من يطيق ذلك » ؟ قال : فصوم يوم وإفطار يومين ؟ قال : « وددت أني أطيق ذلك » . قال : يا نبي الله ، فصوم يوم وإفطار يوم ؟ قال : « ذلك صوم أخي داود صلى الله عليه » . قال : يا نبي الله ، فصوم يوم عاشوراء ؟ قال : « يكفر السنة » . قال : يا رسول الله ، فصوم يوم عرفة ؟ قال : « يكفر السنة وما قبلها »

762 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن غيلان بن جرير ، سمع عبد الله بن معبد الزماني ، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صومه قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، وببيعتنا بيعة . قال : فسئل عن صيام الدهر ؟ فقال : « لا صام ولا أفطر » أو : « ما صام وما أفطر » . قال : وسئل عن صوم يومين وإفطار يوم ، قال : « ومن يطيق ذلك » . قال : وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم . قال : « ذلك صوم أخي داود » . قال : وسئل عن صوم الاثنين ، فقال : « ذاك يوم ولدت فيه ، ويوم بعثت - أو أنزل علي - فيه » . قال : وقال : « صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، ورمضان إلى رمضان ، صوم الدهر » . قال : وسئل عن صوم يوم عرفة ؟ فقال : « يكفر السنة الماضية والباقية » . قال : وسئل عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : « يكفر السنة الماضية » ، حدثني القاسم بن بشر بن معروف ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا شعبة ، عن غيلان بن جرير المعولي ، عن عبد الله بن معبد الزماني ، عن أبي قتادة الأنصاري ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فذكر نحوه ، إلا أنه زاد فيه : قال : ثم سئل عن صوم يوم وإفطار يومين ؟ فقال : « ليت أن الله قوانا لذلك » . وقال أيضا : وسئل عن صوم يوم عرفة ، فقال : « يكفر السنة الماضية ، والسنة المستقبلة » . قال : وسئل عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : « يكفر السنة المستقبلة »

763 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، ح وحدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا أبي ، عن مهدي بن ميمون ، عن غيلان بن جرير ، عن عبد الله بن معبد الزماني ، عن أبي قتادة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : « أحتسب على الله بكفارة سنة » . فقال : يا رسول الله ، فصوم يوم عرفة . فقال : « أحتسب على الله كفارة (1) سنتين ، سنة ماضية ومستقبلة » . قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا يصوم الدهر كله ؟ قال : « لا صام ولا أفطر » أو : « ما صام وما أفطر » . قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا يصوم يوما ويفطر يوما ؟ قال : « ذاك صوم أخي داود » . قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا يصوم يوما ويفطر يومين ؟ قال : « وددت أني طوقت ذلك » . قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا يصوم يومين ويفطر يوما ؟ قال : « ومن يطيق ذلك ؟ »
__________
(1) الكفارة : الماحية للخطأ والذنب

ذكر من حدث ببعض هذا الحديث عن أبي قتادة ، فوافق في روايته إياه الذين لم يدخلوا بين أبي قتادة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا

764 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن إياس بن حرملة ، عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « صوم يوم عاشوراء يكفر سنة ، وصوم يوم عرفة يكفر سنة ماضية ، وسنة مستقبلة »

765 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، وأحمد بن المقدام العجلي ، وسليمان بن ثابت الخزاز الواسطي ، جميعا عن سفيان بن عيينة ، عن داود بن شابور ، عن أبي قزعة ، عن أبي الخليل ، عن أبي حرملة ، عن أبي قتادة ، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم : « صوم عرفة يعدل السنة والتي تليها ، وصوم عاشوراء يعدل كفارة (1) سنة »
__________
(1) الكفارة : الماحية للخطأ والذنب

766 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، ح وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن أبي الخليل ، عن أبي قتادة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « صوم يوم عرفة كفارة (1) سنتين : ماضية ومستقبلة ، وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة » وقد وافق عمر رحمة الله عليه فيما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ذكر عنه في هذا الخبر ، جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان سياقهم ذلك مخالفا سياق عمر ؛ بتفريقهم كل معنى من ذلك منفردا ، والرواية دون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جميع ذلك في موطن واحد ، كالذي ذكرناه عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه قبل ، ونحن ذاكرو موافقيه في روايتهم ، كل ذلك على ما انتهى إلينا ونقل عنه إن شاء الله ، وموضحو البيان عن جميعه بعد فراغنا منه . ذكر موافقي عمر في روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن صيام الدهر
__________
(1) الكفارة : الماحية للخطأ والذنب

767 - حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا يزيد ، أنبأنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن صيام الدهر ، فقال : « لا صام ولا أفطر » ، أو : « ما صام وما أفطر »

768 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا يزيد بن هارون ، وأبو داود ، قالا : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من صام الدهر ما صام وما أفطر » ، أو : « لا صام ولا أفطر » ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله حدثنا ابن المثنى ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله حدثنا ابن المثنى ، حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

769 - حدثني العباس بن الوليد العذري ، أخبرني أبي ، سمعت الأوزاعي ، قال : حدثني قتادة بن دعامة ، حدثني مطرف بن عبد الله بن الشخير ، قال : حدثني أبي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرجل ذكر عنده أنه يصوم الدهر ، فقال : « لا صام ولا أفطر »

770 - حدثني عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني ، حدثنا أبي ، حدثنا الأوزاعي ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه ، قال : بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فتذاكروا الأعمال ، فذكروا رجلا يصوم الدهر . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا صام ولا أفطر »

771 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا الجريري ، عن أبي العلاء بن الشخير ، عن مطرف ، عن عمران بن الحصين ، قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فلانا لا يفطر نهار الدهر . قال : « لا أفطر ولا صام »

772 - حدثني عصام بن رواد ، حدثنا أبي ، حدثنا الأوزاعي ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من صام الأبد فلا صام »

773 - حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من صام الأبد فلا صام »

774 - حدثني يونس ، أنبأنا بشر بن بكر ، عن الأوزاعي ، حدثني عطاء بن أبي رباح ، حدثني من ، سمع ابن عمر ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صام الأبد فلا صام » حدثني العباس بن الوليد البيروتي ، أخبرني أبي ، سمعت الأوزاعي ، قال : حدثني عطاء بن أبي رباح ، قال : حدثني من سمع ابن عمر ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكر مثله

775 - حدثني الحسين بن علي الصدائي ، حدثنا محمد بن مصعب ، عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عمرو ، قال أبو جعفر : هكذا حدثنا به الحسين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من صام الأبد فلا صام »

776 - حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا يحيى بن عيسى ، عن عبيدة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا صام من صام الأبد »

777 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن مسعر ، وسفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، قال أبو جعفر : أبو العباس السائب بن فروخ الشاعر الذي قال : إني وجدت الشعر في فعل أصم فلم أزل أضربه حتى انفصم مولى بني أمية عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا صام من صام الأبد » ، حدثني محمد بن عبد الله المخرمي ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

778 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن حبيب ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا صام من صام الأبد »

779 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أسباط ، عن مطرف ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا صام من صام الأبد »

780 - حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا حماد بن يحيى الأبح ، عن سعيد بن ميناء ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا نبي الله ، إني رجل أسرد الصوم ، أفأصوم الدهر ؟ قال : « لا »

781 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن أبي عمرو الندبي ، عن أبي سعيد الخدري : « أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أصوم الدهر ؟ فنهاه »

782 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي ، وابن بشار ، قالا : حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي تميمة ، عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الذي يصوم الدهر تضيق عليه جهنم كضيق هذه » ، وعقد تسعين ، حدثنا ابن بشار ، وابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي تميمة ، عن الأشعري بنحوه

783 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي تميمة طريف الهجيمي أن الأشعري ، قال : « من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا » وعقد تسعين

784 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، قال : سمعت أبا تميمة الهجيمي ، قال : سمعت أبا موسى يخطب على منبر البصرة وهو يقول : « من صام الأبد ضيقت عليه جهنم هكذا » وعقد تسعين ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي تميمة ، عن الأشعري ، بنحوه غير مرفوع

ذكر البيان عن معاني الأخبار التي ذكرناها بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر وذكر اختلاف السلف في ذلك اختلف العلماء من السلف في صوم الدهر ، فقال بعضهم بتصحيح الأخبار التي ذكرناها ، وقالوا : غير جائز لأحد صوم الدهر ، وإن أفطر الأيام المحرم صومهن . وقالوا : من صام الدهر فقد تقدم على نهي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأثم بربه ؛ لتجشيمه نفسه ما يضر بها ، وتكليفه إياها من العمل الذي قد نهاه الله عز وجل عنه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما لا طاقة لها به

ذكر من قال بذلك

785 - حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، أنبأنا إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن عاصم بن كليب الجرمي ، عن نباتة أو ابن نباتة الحارثي ، قال : أتيت على أبي ذر بالربذة ، فقلت له : إن رجلا أمرني أن أسألك ، فإنه يصوم الدهر . قال : فغضب وقال : « لا صام ولا أفطر - أو : لم يصم ولم يفطر » ، فقال له رجل : كيف صومك أنت يا أبا ذر ؟ قال : « إني لأرجو أن أكون أصوم الدهر » ، قال : قلت : يرحمك الله ، فذلك الذي يفعل صاحبي . قال : « إني لأصوم من كل شهر ثلاثة ؛ وذلك بأن الله تعالى يقول : الحسنة بعشر أمثالها »

786 - حدثنا محمد بن خلف ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا صالح بن عمر ، عن عاصم بن كليب ، عن سلمة بن نباتة الحارثي ، قال : خرجنا عمارا أو حجاجا ، فمررنا بالربذة ، فلقينا أبا ذر ، قال : فسأله رجل عن رجل يصوم الدهر إلا الفطر والأضحى . قال : « لم يصم ولم يفطر » فعاوده ، فقال مثل ذلك ، فسأله بعض القوم : كيف تصوم ؟ قال : « أطمع من ربي أن أصوم الدهر كله » ، قال : فهذا الذي عبت على صاحبي . قال : « كلا ، أصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وأطمع من ربي أن يجعل لي مكان كل يوم عشرة أيام ، وذلك صوم الدهر كله »

787 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن شبيب ، عن سلمة بن هرثمة ، عن مسروح بن الحكم ، قال : صحبت سلمان فصمت يوما ، فقال : « حسن » . ثم صمت يوما آخر ، فقال : « حسن » . ثم صمت يوما آخر ، فقال : « حسن » . ثم صمت يوما آخر ، فقال : « إن لنفسك عليك حقا ، وإن لأهلك عليك حقا ، وإن لضيفك عليك حقا ، وإن صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله »

788 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا هشام بن عبد الملك ، حدثنا شعبة ، أخبرني يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني ، قال : سمعت أبي يقول : سئل ابن مسعود عن صوم الدهر ، فكرهه ، وسئل عما دون ذلك (1) ، فقال : « صيام ثلاثة أيام من الشهر »
__________
(1) دون ذلك : أقل منه

789 - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد ، أنبأنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن عمر بن الخطاب ، قال : بلغه أن رجلا يصوم الدهر ، فبعث إليه ، فجعل يضربه بالمخفقة (1) ويقول : « كل يا دهر »
__________
(1) المخفقة : الدِّرَّة التي يضرب بها

790 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، أنبأنا هشيم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال : بلغ عمر بن الخطاب أن رجلا يصوم الدهر ، قال : فجعل يضربه بالدرة ويقول : « كل يا دهر ، كل يا دهر »

791 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا أبو إسحاق ، عن عبد الله بن شداد ، قال : « من صام الدهر فلا صام ولا ترك » وسألت مسروقا وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، فكرهوه كلهم

792 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق : أن ابن أبي نعم كان يصوم الدهر - أو قال : كان رجل يصوم الدهر - فقال عمرو بن ميمون : « لو أدرك هذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجموه » واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن صوم الدهر ؛ لما في ذلك من الإضرار بالنفس والحمل عليها ، في منعها شهوتها من الطعام والشراب ، وحاجتها من القوت والغذاء الذي به قوامها وقوتها على ما هو أفضل من الصوم ، كالصلاة النافلة ، وقراءة القرآن ، والجهاد في سبيل الله عز وجل ، وقضاء حق الزور والضيف . قالوا : وذلك بين في أخبار كثيرة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحاح ، وأن نهيه عن صوم الدهر إنما كان لما ذكرنا من العلة . قالوا : ولو كان المفطر الأيام المنهي عن صومهن ، غير داخل بصومه أيام السنة كلها سواهن في صائمي الدهر ؛ لم يكن لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو - إذ نهاه عن صوم الدهر : « إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ، ونفهت له النفس » ، وقوله : « لا تفعل ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينيك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا » - معنى معقول ؛ لأنه ليس في صوم يومين أو ستة أيام ما يوجب له هذه المعاني ، وإن كان صوم سائر أيام السنة غير موجبها له . قالوا : وإذ كان معلوما أن السبب الذي من أجله نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر هو ما ذكرنا ؛ صح بذلك ما قلنا من أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر مقصود به سرد الصوم من الأيام الكثيرة تباعا ، لا إفطار بينهن ، كالشهر والأشهر ، وإن أفطرت الأيام المنهي عن صومهن . ذكر قول من خالف قولنا في ذلك ، ذكر الأخبار التي اعتل بها قائلو هذه المقالة لقولهم هذا

793 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا جعفر بن عون ، عن أبي العميس ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وبين أبي الدرداء ، فجاء سلمان يزور أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة (1) ، فقال : ما لك ؟ قالت : إن أخاك ليست له حاجة في النساء ولا الدنيا ، يصوم النهار ويقوم الليل . قال : وجاء أبو الدرداء ، فرحب به سلمان ، ثم دعا له بطعام ، فقال : ما أنا بطاعم اليوم حتى تطعم . قال : وأكل وبات عنده ، فلما كان من الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان وقال : « إن لربك ولجسدك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه . فلما كان السحر ، قال له : قم الآن . فقاما فركعا ، ثم خرجا إلى الصلاة » فذكر ذلك أبو الدرداء للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له مثل ما قال سلمان
__________
(1) التبذُّل : ترك التزيُّن والتجمُّل

794 - حدثني العباس بن الوليد البيروتي ، أخبرني أبي ، سمعت الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ » . قال : قلت : بلى يا رسول الله . قال : « فلا تفعل ، نم وقم ، وصم وأفطر ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا ، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وإن كل حسنة بعشر أمثالها ، وإذا ذاك صيام الدهر كله » . قال : فشددت ؛ فشدد علي ، قلت : يا رسول الله ، إني أجد قوة . قال : « فصم من كل جمعة ثلاثة أيام » . قال : فشددت ؛ فشدد علي ، قلت : يا رسول الله : إني أجد قوة . قال : « فصم صيام نبي الله داود ، لا تزد على ذلك » . قال : قلت : وما كان صيام نبي الله داود ؟ قال : « نصف الدهر »

795 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أسباط ، عن مطرف ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار . قال : قلت : يا رسول الله ، ما أريد بذلك إلا الخير . قال : » فلا تفعل ، فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين (1) ، ونفهت له النفس ، ولا صام من صام الأبد . ألا أدلك على صوم الدهر ؟ ثلاثة أيام من كل شهر « . قال : قلت : فإني أطيق أفضل من ذلك . قال : » فصم خمسا « . قلت : فإني أطيق أفضل من ذلك . قال : » فصم صوم داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما «
__________
(1) هجمت العين : غارت ودخلت في موضعها

796 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن بشر ، عن مسعر ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألم أنبأ أنك تقوم الليل وتصوم النهار » ؟ قلت : نعم . قال : « إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين (1) ، ونفهت له النفس ، فصم من كل شهر ثلاثة أيام ، فذلك صوم الدهر - أو كصوم الدهر » . قلت : إني أجد بي قوة . قال : « صم صوم داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى »
__________
(1) هجمت العين : غارت ودخلت في موضعها

797 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن حبيب ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا عبد الله بن عمرو إنك تصوم الدهر وتقوم الليل ، وإنك إذا فعلت ذلك هجمت العينان ، ونهمت له النفس ، لا صام من صام الأبد ، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله » . قال : قلت : يا رسول الله ، إني أطيق أكثر من ذلك . قال : « صم صوم داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى » وقال آخرون بمثل قول هؤلاء في تصحيح الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن صوم الأبد ، غير أنهم خالفوهم في معانيها . فقالوا : معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الأبد ، أن يصام الدهر كله ، فلا يفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن . قالوا : فأما إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن ، فغير داخل في معنى قوله : « لا صام من صام الأبد » ، ولا هو بفعله ذلك متقدم على نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو لله عز وجل مطيع ، وبثوابه على صومه له مستحق . واعتلوا أيضا بأن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صام بعضهم الدهر كله بعلم منه عليه السلام ، وبعضهم بغير علمه ، فلم يفطروا إلا الأيام المنهي عن صومهن ، فلم ينكر صلى الله عليه وسلم على من علم ذلك من فعله

ذكر من فعل ذلك وقاله

798 - حدثنا حميد بن مسعدة السامي ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، قال : « كانت عائشة تصوم الدهر »

799 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة : « كانت تصوم الدهر . قال : قلت : الدهر ؟ قال : كانت تسرد »

800 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، أخبرني سعد بن إبراهيم : أن عائشة كانت تصوم الدهر . قال : فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن القاسم ، فقال : سمعت القاسم ، يقول : كانت عائشة تصوم الدهر . قال : قلت : تصوم الدهر ؟ قال : كانت تسرد

801 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة : « أنها كانت تصوم الدهر ، تسرد »

802 - حدثنا محمد بن معمر البحراني ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا زمعة بن صالح ، عن حبيبة ابنت عمرو ، عن أم كلثوم ، قال : قيل لعائشة : تصومين الدهر ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر ؟ قالت : « نعم قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صيام الدهر ، ولكن من أفطر يوم الفطر ويوم النحر ، فلم يصم الدهر »

803 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا حماد يعني ابن سلمة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن عمر كان يسرد الصوم قبل موته سنتين

804 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن أنس ، قال : « كان أبو طلحة يقل الصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما مات ، كان لا يفطر إلا في سفر أو مرض »

805 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم القرشي ، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، أنبأنا حيوة بن شريح ، أنبأنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير ، يحدث عن أبي مراوح ، قال : كان حمزة بن عمرو الأسلمي يصوم الدهر ، فيصوم في السفر وفي الحضر ، وكان عروة بن الزبير يصوم الدهر ، فيصوم في السفر وفي الحضر (1) ، حتى إن كان ليمرض فما يفطر ، وكان أبو مراوح يصوم الدهر ، فيصوم في السفر وفي الحضر
__________
(1) الحضر : الإقامة والاستقرار

806 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه : « أنه كان يصوم الدهر »

807 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الأعلى ، أنبأنا سعيد ، عن قتادة ، قال : « إذا أفطر يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق (1) ، لم يدخل في صوم الدهر » واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الأبد وصوم الدهر . قالوا : ومن أفطر من السنة بعضها ، لم يستحق أن يوصف بأنه صام الأبد ، إذ كان لا خلاف بين الجميع في أن حالفا لو حلف لا يكلم رجلا سماه ، أبدا أو الدهر ، فكلمه ساعة من دهر أنه حانث . فمعلوم بذلك أن الدهر والأبد إنما هو أيام حياة المرء إلى حين وفاته ، فمن أفطر في بعضه كان غير صائم الأبد . قالوا : وأخرى ، أن الأيام التي حظر صومها على صائم الأبد ، غير الأيام المنهي عن صومها ممن حظر ذلك عليه ، ولا يخلو من أن يكون جائزا لغيره من المسلمين صومها ، أو يكون ذلك محظورا على جميع المسلمين . فإن يكن جائزا صومها لغيره من المسلمين ، فسبيله سبيل غيره فيما يجوز له من ذلك ، إذ كان ما تقدم ذلك من صومه أو تأخر ، لا يحرم عليه صومه ما أطاق وإن كان ذلك محظورا على جميعهم ، فحكمه في ذلك حكمهم . قالوا : وفي إجماع الجميع من أهل العلم أن لغيره أن يصوم تلك الأيام ، أوضح الدلالة على أن له من ذلك مثل الذي لهم منه . قالوا : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله فيصله برمضان ، من غير إفطار بينهما . قالوا : فلو كان غير جائز للمرء صوم أيام السنة كلها - إذا هو أفطر الأيام المنهي عن صومهن - لدخوله في معنى من صام الأبد ؛ لكان صلى الله عليه وسلم لا يوالي بين صوم شهرين من غير إفطار بينهما ، إذ كان أخذ ذلك من بدن الصائم وقواه ، نظير أخذ صوم السنة وأكثر . قالوا : وفي جواز موالاة الموالي بين صوم الشهرين ، عند منكري صوم الأبد ، إذا أفطر الأيام المنهي عن صومهن ، أوضح الدليل على أن أولى القولين في ذلك بالصواب ، قول من أطلق صوم الأيام كلها ، إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن . قالوا : وقد قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال إذ سئل عن صوم الدهر : « لا صام ولا أفطر » ، لمن صام حتى هلك من صومه ، ورووا بذلك خبرا
__________
(1) أيام التشريق : الأيام الثلاثة التي تلي يوم عيد الأضحى

808 - حدثنيه يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن خالد ، عن أبي قلابة : « أن امرأة صامت حتى ماتت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا صامت ولا أفطرت « قالوا : ومن صام حتى بلغ به الصوم هذا الحد ؛ فلا شك أنه بصوم ذلك آثم . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن صوم الأبد غير جائز ، وإن من صامه فقد دخل فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وتحمل بفعله ذلك من الإثم عظيما . وذلك إذا صام الدهر كله ، فلم يفطر الأيام المنهي عن صومهن . وإن أطاق المرء صوم الدهر ، ولم تكن له زوجة ، ولم ينهك صومه ذلك بدنه ، ولا أضر به ، ولم يضعفه عن شيء من فرائض الله عز وجل ، لا عن النوافل المؤكدة ، فصام ذلك ، وأفطر الأيام المنهي عن صومهن ، فقد دخل في ما كره له رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ؛ وذلك لصحة الأخبار عنه بقوله عليه السلام : » أحب الأعمال إلى الله ما ديم عليه وإن قل « ، وقوله عليه السلام لأمته : » اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا « ، وأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا داوم عليه ، وقوله لرجل من أصحابه : » يا فلان ، لا تكن كفلان ، كان يقوم الليل فترك قيام الليل « ، وقوله لعبد الله ، إذ أذن له في صوم يوم وإفطار آخر ، فقال له : إني أجدني أقوى : » إنك لعلك أن يطول بك العمر فتضعف « . فإذا كان غير مأمون على المرء أن يبلغ من السن ما يضعف عن المداومة على ما ألزم نفسه من صوم الأبد معها ، وإن أفطر الأيام المنهي عن صومهن ، فالصواب له أن يكلف منه ما إن ضعف بدنه أطاق عمله . ولست - وإن كرهت له ذلك ؛ لكراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه له - بمؤثمه في فعله ، وملحقه في ركوبه ما ركب من ذلك ، بحكم الذي صام الدهر كله ، فلم يفطر الأيام المنهي عن صومهن ؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي

809 - حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، أنبأنا حيوة بن شريح ، أنبأنا أبو الأسود ، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن أبي مراوح ، عن حمزة الأسلمي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رسول الله ، إني أسرد (1) الصيام ، أفأصوم في السفر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما هي رخصة من الله للعباد ، فمن قبلها فحسن جميل ، ومن تركها فلا جناح عليه » ، فكان حمزة يصوم الدهر ، فيصوم في السفر وفي الحضر
__________
(1) السرد : المتابعة بين الأيام في الصوم

810 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثني أبي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عمران بن أبي أنس ، عن حنظلة بن علي ، وسليمان بن يسار ، وعن أبي مراوح ، عنهم جميعا ، عن حمزة بن عمرو الأسلمي ، قال : كنت امرأ أسرد (1) الصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألته ، فقلت : يا رسول الله ، إني أصوم فلا أفطر ، أفأصوم في السفر ؟ قال : « إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر » فلم ينه صلى الله عليه وسلم حمزة بن عمرو عن سرد الصوم ، إذ أخبره أنه يسرده ، وأنه سرده وصام الدهر هو وجماعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، على ما قد ذكرت الرواية عنهم . فإن كان صومه الدهر - على إفطاره الأيام المنهي عن صومهن - مضرا ببدنه ، أو حائلا بينه وبين أداء شيء من فرائض الله عز وجل ، كالجهاد عند وجوبه عليه ، وحضوره حرب المسلمين أهل الكفر بالله تعالى ، وعند التقائهم للقتال ، أو كالصلاة المكتوبة ، أو غير ذلك من حقوق الله التي تلزمه ، فلم يفطر وصام ، وأثر صومه ذلك على الفرائض التي لزمته حتى أعجزه ذلك عنها ، كان حكمه فيما يلحقه من المأثم عندي ، حكم الذي صام الدهر ، فلم يفطر الأيام المنهي عن صومهن ، أو أعظم منه إثما ؛ لتضييعه ما أوجبه الله تعالى عليه من فرائضه . وإن كان صومه الدهر مع إفطاره الأيام المنهي عن صومهن لا يورث بدنه عن أداء شيء من فرائض الله ضعفا ، ولكنه يورثه ضعفا عما هو أفضل منه من نوافل الأعمال ؛ كرهت له صومه ذلك ، وأحببت له الإفطار وإيثار الأفضل من نوافل الأعمال عليه ؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
__________
(1) السرد : المتابعة بين الأيام في الصوم

811 - حدثنا به أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن مسعر ، وسفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصوم صوم أخي داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى »

812 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن بشر ، عن مسعر ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صم صوم داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى » ، حدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن حبيب ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . فأخبر صلى الله عليه وسلم أن فضل صوم داود نبي الله صلى الله عليه وسلم على غيره إنما كان من أجل أنه كان مع صومه ذلك لا يضعف عن القيام من الأعمال التي هي أفضل من الصوم ، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحوف ، وتركه الفرار منهم هنالك والهرب . فإذ كان صلى الله عليه وسلم إنما قضى لصوم داود بالفضل على غيره من معاني الصوم النفل ؛ لما ذكرنا من السبب ، فكل من كان صومه لا يورثه ضعفا عن أداء فرائض الله تعالى ، وعما هو أفضل من صومه ذلك من نفل الأعمال في حال من أحوال عمره وهو صحيح ، فغير مكروه له صومه ذلك . وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيء من فرائض الله عز وجل ؛ فغير جائز له أن يصوم صومه ذلك ، بل هو محظور عليه ، وهو بصومه ذلك حرج ، فإن لم يكن يضعفه صومه ذلك عن أداء شيء من فرائض الله ، وكان يضعفه عما هو أفضل منه من نفل الأعمال ، فإن صومه ذلك له مكروه ؛ غير محبوب ، وإن لم يؤثمه ؛ للذي وصفنا من تركه ما اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من ذلك على غيره

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أيضا جماعة من السلف ، ذكر بعض من حضرنا ذكره منهم

813 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، وحدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، جميعا ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله كان يقل الصوم ، فقيل له ، فقال : « إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة ، والصلاة أحب إلي من الصوم »

814 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله ، قال : « إذا صمت ضعفت عن الصلاة ، والصلاة أحب إلي من الصيام » فكان لا يكاد يصوم ، وإن صام صام ثلاثة أيام

815 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ح وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : كان عبد الله يقل الصوم ، فقيل له ، فقال : « إني إذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن ، وقراءة القرآن أحب إلي من الصوم »

816 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، ح وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن عبد الكريم الجزري ، عن أبي عبيدة بن عبد الله ، عن أمه ، قالت : ما رأيت ابن مسعود صام من السنة إلا يومين . قال أبو عبيدة : « ما أدري أي يومين هما ؟ »

817 - حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا أبو النضر ، حدثنا شعبة ، قال : ثابت أخبرنا قال : سمعت أنسا ، قال : « كان أبو طلحة لا يكاد يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الغزو ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيته مفطرا إلا يوم فطر أو أضحى » ، حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا شعبة ، عن حميد ، عن أنس ، عن أبي طلحة ، بمثله

818 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، ح وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، قال : كان أبي يكثر الصوم ، فسألت إبراهيم ، فقال : « كانوا يقولون : الصوم أقل أنواع البر أجرا »

819 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن الحكم ، قال : « كان من أقل أعمالهم الصوم » فإن قال قائل : فهل تحد - لمن أحب إلزام نفسه من الصوم النفل ما ألزم نفسه من نفل الصلاة وقتا من بعض الليل - حدا لا يكون بإلزامه نفسه ذلك داخلا في الذي تكره له منه ؟ قيل : قد بينا فيما مضى أن الذي ينبغي لكل امرئ من أهل الإسلام أن يلزم نفسه من نفل أعمال الخير ، ما كان الأغلب عنده أن نفسه له مطيقة ، وهي على الإدمان عليه قادرة ، وما يخف عليها احتماله ، ولا يثقل عليها تكلفه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا » ، وكما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه المرء وإن قل » . فإن كانت نفس العبد مطيقة أداء فرائض الله عز وجل ، غير ضعيفة عن شيء منها ، نشيطة لنوافل الأعمال التي هي أفضل من الصوم ، ولم يكن الصوم يضعفها ولا يعجزها عن شيء من ذلك ، فإن أحسن ما تكلف من نفل الصوم صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، بعد أداء فرض الله عز وجل الذي أوجبه عليه من صوم شهر رمضان ، فإن ذلك أربى للجسم القوي أن يطيق الدوام عليه وإن طالت حياته ، وأقرب للضعيف إلى السلامة مما يخاف عليه ، بتكلفه أكثر منه ، من تضييع فرض ، أو تفريط فيما هو أفضل منه من نفل ، ورجونا له مع ذلك أن يكون له في الأيام التي أفطرها من الشهر بعد ذلك من الثواب والأجر ، مثل الذي كان له منه في الأيام التي صامها ؛ لأنه تعالى ذكره قد أخبر عباده المؤمنين أن من جاء منهم بالحسنة فله عشر أمثالها . وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمل به السلف ، واختاره على سائر الصوم غيره . ذكر الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك

820 - حدثني أحمد بن عثمان بن عبد النور المعروف بأبي الجوزاء ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، قال : سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة : أن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول : لأصومن النهار ولأقومن الليل . قال : « أنت الذي قلت كذا وكذا » ؟ قلت : نعم . فقال : « إنك لا تستطيع ذلك ، فأفطر وصم ، ونم وقم ، صم من الشهر ثلاثة أيام ، إن الحسنة بعشر أمثالها ، فذلك صوم الدهر » ، حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا أبي وشعيب بن الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن ابن أبي هلال ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول : لأصومن الدهر ، ولأقومن الليل ما عشت . ثم ذكر نحوه

821 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا شعيب بن الليث ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألم أخبر أنك تصوم النهار لا تفطر ، وتصلي الليل لا تنام » ؟ قلت : بلى . قال : « بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، فيكون ذلك كصيام الدهر »

822 - حدثنا يحيى بن درست السري ، حدثنا أبو إسماعيل القناد ، حدثنا يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدثه عن عبد الله بن عمرو ، قال : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرتي فقال : « ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار » ؟ قلت : بلى . قال : « لا تفعل ، إن حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، فذلك صيام الدهر كله ، بالحسنة عشر أمثالها » ، حدثنا حميد بن مسعدة السامي ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثني حسين المعلم ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه . حدثني العباس بن الوليد العذري ، أخبرني أبي ، قال : سمعت الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله

823 - حدثني أبو كريب ، حدثنا محمد بن بشر ، ومسعر ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صم من كل شهر ثلاثة أيام ، فذلك صوم الدهر أو كصوم الدهر » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا أسباط ، عن مطرف ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه

824 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي العباس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله »

825 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا موسى بن داود ، حدثنا شعبة ، عن زياد بن فياض ، قال : سمعت أبا عياض ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صم من الشهر يوما ، ولك أجر ما بقي »

826 - حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت البناني ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « صوم شهر الصبر ، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، صوم الدهر »

827 - حدثني محمد بن معمر البحراني ، حدثنا أبو هشام ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا عاصم ، عن أبي عثمان ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام السنة كلها » . قال : فصدق الله رسوله في كتابه فقال : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (1)
__________
(1) سورة : الأنعام آية رقم : 160

828 - حدثني مخلد بن الحسن ، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة »

829 - حدثني محمد بن إسحاق ، حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد يعني ابن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن جرير بن عبد الله ، قال : « صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر ، صبيحة ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة » ذكره جرير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

830 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وإفطاره »

831 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، قال : سمعت أبي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صوم ثلاثة أيام من الشهر صوم الدهر وإفطاره »

832 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من صام ثلاثة أيام من الشهر ، فذلك صوم الدهر وإفطاره »

833 - حدثني العباس بن أبي طالب ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن يزيد ، حدثنا معاوية بن قرة ، عن كهمس الهلالي ، قال : أسلمت ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بإسلامي ، ثم غبت عنه حولا (1) ، ثم رجعت إليه وقد ضمر بطني ونحل جسمي ، فخفض في الطرف ثم رفعه . قال : قلت : وما تعرفني ؟ قال : « ومن أنت » ؟ قلت : أنا كهمس الهلالي الذي أتيتك عام أول . قال : « ما بلغ بك ما أرى » ؟ قلت : ما أفطرت بعدك نهارا ، ولا نمت ليلا . قال : « ومن أمرك أن تعذب نفسك ؟ صم شهر الصبر ، ومن كل شهر يوما » . قلت : زدني . قال : « صم شهر الصبر ، ومن كل شهر يومين » . قال : قلت : زدني فإني أجد قوة . قال : « صم شهر الصبر ، ومن كل شهر ثلاثة أيام »
__________
(1) الحول : العام أو السنة

834 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ح وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن الأسود بن شيبان ، عن أبي نوفل بن أبي عقرب ، عن أبيه ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوم ، فقال : « صم يوما من الشهر » . قلت : يا رسول الله ، إني أقوى . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إني أقوى ، إني أقوى صم يومين من الشهر » . قلت : يا رسول الله ، زدني . فقال النبي عليه السلام : « زدني ، زدني صم ثلاثة أيام من كل شهر »

835 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أنس بن سيرين ، عن عبد الملك بن المنهال ، عن أبيه ، قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام البيض ، وقال : « هو صوم الدهر »

836 - حدثني عبد الله بن الحجاج بن المنهال الأنماطي ، حدثنا أبي ، حدثنا همام بن يحيى ، حدثنا أنس بن سيرين ، حدثنا عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ليالي البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، وقال : « هو كهيئة الدهر » يعني صومه

ذكر من قال ذلك من السلف وفعله

837 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، عن كثير بن مرة ، قال : حدثنا معاذ بن جبل ، قال : « لتصومن الدهر كله ، أو لتخضمن الدهر كله . قيل له : وما ذاك ؟ قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر »

838 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عمران ، عن قتادة ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، عن كثير بن مرة ، قال : كنا عند معاذ بن جبل ، فقال : « إني صائم » . قال : فأتي بطعام فأكل ، فقلنا : يا أبا عبد الرحمن ، ألم تقل إني صائم ؟ فقال : « إني صمت ثلاثة أيام ، فذلك صوم الدهر كله »

839 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا أبو إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : « صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر ، وهن يذهبن وحر الصدر »

840 - حدثنا أبو السائب ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن عمارة بن عبد ، قال : قال علي : « صوم شهر الصبر ، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر ، وهن يذهبن بلابل الصدر »

841 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا الجريري ، عن أبي السليل ، عن نعيم بن قعنب الرياحي ، قال : أتيت أبا ذر ، فدعا المرأة لي بطعام ، فجاءت بثريدة (1) كأنها قطاة (2) ، فقال : « كل ، لا أهولنك ، فإني صائم » ثم قام يصلي ، فجعل يهذب الركوع ويخفه . قال : ورأيته تحرى أن أشبع أو أقارب ، ثم جاء فوضع يده معي ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال : « ما شأنك ؟ » ، فقلت : من كنت أخشى أن يكذبني من الناس ، فما كنت أخشى أن تكذبني ، فقال : « لله أبوك ، إن كذبتك كذبة منذ لقيتني » فقلت : ألم تخبرني أنك صائم ؟ فقال : « بلى إني صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر ؛ فوجب لي أجره ، وحل لي الأكل معك »
__________
(1) الثريد : الطعام الذي يصنع بخلط اللحم والخبز المفتت مع المرق وأحيانا يكون من غير اللحم
(2) القطاة : نوع من اليمام

842 - حدثنا موسى بن سهل الرملي ، حدثنا القعنبي إسماعيل بن مسلمة بن قعنب ، حدثني حرب بن الخليل ، عن عطاء العطار ، عن نعيم بن قعنب ، قال : أتيت أبا ذر ومعه امرأته ، فعاج برأسه إلى امرأته ، فجاءته بثريدة كأنها قطاة (1) ، فقال : « كل ولا أهولنك ، فإني صائم » ، قال : فجعلت آكل ، ورأيته يتحين شبعي ، حتى إذا شبعت ، أو قاربت شبعي ، وضع يده فجعل يأكل معي . قال : فقلت : سبحان الله يا أبا ذر ، من كنت أرى من الناس يكذبني ، لم أكن أراك تكذبني ، قال : « وما ذاك ، لله أبوك ؟ ما كذبتك كذبة منذ رأيتني » قال : قلت : ألم تخبرني آنفا أنك صائم ، وأنت هذا تأكل ؟ قال : « إني صمت ثلاثة أيام ، فوجب لي صومه ، وحل لي الطعام معك »
__________
(1) القطاة : نوع من اليمام

843 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن عبد الله بن شقيق ، عن أبي ذر أنه دعي إلى طعام ، فقال : « إني صائم » . ثم رئي بعد ذلك يأكل ، فقيل له ، فقال : « إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فذلك صوم الدهر »

844 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن يمان ، عن إسرائيل ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : أن أبا هريرة دعي إلى طعام ، فقال : « إني صائم » . ثم أكل ، فقيل له ، فقال : « إني صمت ثلاثة أيام من الشهر »

845 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن يمان ، عن أبي يونس القوي ، قال : سمعت سعيد بن جبير ، يقول : « صوم ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر » وأما ما روي عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر الذي ذكرناه من حديث أبي قتادة عنه في صوم يوم عرفة ، ويوم عاشوراء ، فلا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عنه الوفاق له في رواية ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه يصح سنده ، ولكن ذلك قد روي عن بعضهم بأسانيد فيها نظر عندنا . فمما روي في ذلك في صوم يوم عرفة ما

846 - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : قرأت على فضيل ، عن أبي حريز ، أنه سمع سعيد بن جبير ، يقول : سأل رجل عبد الله بن عمر عن صوم يوم عرفة ، فقال : « كنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعدله بصوم سنة »

847 - وحدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي ، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن أبي حفص الطائفي ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صام يوم عرفة غفر له سنتين متتابعتين » فهذا ما في صوم يوم عرفة ، من رواية موافقي عمر في روايته ما روي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما في إحداهما من الخلاف لمعنى حديثه الذي حدث به عنه أبو قتادة ، وذلك أن أبا قتادة يروي عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « صوم يوم عرفة كفارة سنتين » ، وفي حديث ابن عمر الذي ذكرناه أنهم كانوا يعدلون صومه بصوم سنة . ولكن مثل الذي روي عن أبي قتادة ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، قد روي عن بعض التابعين

ذكر من حضرنا ذكره منهم

848 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا عيسى بن عبيد ، عن إبراهيم الصائغ ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : « صيام عرفة يعدل سنة قبله وسنة بعده »

849 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان ، حدثنا عمر بن ذر ، عن مجاهد ، قال : « صيام عرفة يعدل سنة قبله ، وسنة بعده » وأما صوم يوم عاشوراء فلا نعلم راويا روى خبرا عن أحد من أصحاب رسول الله بمثل المعنى الذي روي عن أبي قتادة ، عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، ولكن ذاك مروي عن بعض السلف ، وذلك ما

850 - حدثنا به ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا عيسى بن عبيد ، عن إبراهيم الصائغ ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : « صوم عاشوراء كفارة (1) سنة »
__________
(1) الكفارة : الماحية للخطأ والذنب

ذكر القول في البيان عن الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صوم يوم عرفة إن قال لنا قائل : إنك قد ذكرت لنا أن الخبر الذي روي عن عمر - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صوم يوم عرفة أنه كفارة سنتين - خبر صحيح ، فإن كان الأمر في ذلك كما قلت : فما أنت قائل فيما

851 - حدثكم به محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، وبكر بن يونس العكلي ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي جميعا ، عن موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، قال : سمعت عقبة بن عامر الجهني ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق (1) عيد لأهل الإسلام ، وهن أيام أكل وشرب »
__________
(1) أيام التشريق : الأيام الثلاثة التي تلي يوم عيد الأضحى

852 - حدثني يحيى بن نصر الخولاني ، قال : قرئ على شعيب بن الليث ، فقيل : أخبرك موسى بن علي ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق (1) عيدنا أهل الإسلام ، هن أيام أكل وشرب »
__________
(1) أيام التشريق : الأيام الثلاثة التي تلي يوم عيد الأضحى

853 - حدثني سعيد بن يحيى الأموي ، حدثني أبي ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، قال : دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس يوم عرفة إلى الطعام ، فقال : إني صائم . فقال عبد الله : « لا تصم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه يوم عرفة حلاب لبن فشرب منه ، فلا تصم ؛ فإن الناس يستنون (1) بكم »
__________
(1) يَسْتَن : يقتدي

854 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو أسامة ، عن ابن جريج ، حدثنا عطاء ، قال : دعا الفضل بن عباس عبد الله بن عباس يوم عرفة إلى طعام يأكل ، فقال : إني صائم . فقال ابن عباس : « إنكم أهل بيت يقتدى بكم ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم وضع على يده محلبا من لبن فشربه »

855 - حدثنا أبو كريب ، وسفيان بن وكيع ، قالا : حدثنا حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، حدثنا عطاء ، عن ابن عباس ، عن الفضل بن عباس ، قال : « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب يوم عرفة »

856 - حدثنا سفيان ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، حدثنا عطاء ، عن ابن عباس ، أنه دعا أخاه عبيد الله بن عباس إلى طعام يوم عرفة ، فقال : إني صائم . فقال : « أنتم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يقتدى بكم ، لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم وأتي بحلاب فشربه »

857 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا ابن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن عمير مولى أم الفضل ، عن أم الفضل ، قالت : شك الناس في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فقالت أم الفضل : أنا أعلم لكم . فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب

858 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن سالم أبي النضر ، عن عمير مولى أم الفضل ، عن أم الفضل : « أنهم تماروا (1) في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فبعثت إليه بقدح من لبن ، فشرب »
__________
(1) المراء : المجادلة على مذهب الشك والريبة

859 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن سالم أبي النضر ، عن عمير مولى أم الفضل : « أنهم تماروا (1) في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فقالت أم الفضل : أنا أعلم لكم ذلك فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلبن ، فشرب »
__________
(1) المراء : المجادلة على مذهب الشك والريبة

860 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا معاوية بن هشام ، وقبيصة ، وعبيد الله ، عن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، قال : « أرسلتني أم الفضل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلبن وهو يخطب الناس يوم عرفة ، فشربه »

861 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس : « أنهم تماروا (1) في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فأرسلت إليه أم الفضل بلبن ، فشرب » قيل : القول في ذلك عندنا أن جميع هذه الأخبار صحاح ، ومعانيها متفقة غير مختلفة ، وبعض ذلك يؤيد بعضا ، وبعضه يصحح بعضا . فأما الخبر الذي روي عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن صوم يوم عرفة كفارة سنتين ، فإنه معني به صومه في غير عرفة . وكذلك كل ما روي في ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ، فإنه مراد به صومه بغير عرفة . وليس في قوله صلى الله عليه وسلم : « يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، هن أيام أكل وشرب » دلالة على نهيه عن صوم شيء من ذلك ، وإن كان صوم يوم النحر غير جائز عندنا ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه نصا ، ولإجماع الأمة نقلا عن نبيها صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز صومه . وإنما قلنا : لا دلالة له في ذلك من قوله على نهيه عليه السلام عن صوم شيء من ذلك ؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقه لأمته صوم يوم الجمعة ، إذا صاموا يوما قبله أو يوما بعده ، وهو لهم عيد ، فلم يحرم صومه عليهم من أجل أنه عيد لهم ، بل وعدهم - من الله على صومه على ما أطلقه لهم - الجزيل من الثواب ، فكذلك يوم عرفة لا يمنع كونه عيدا من أن يصومه بغير عرفة من أراد صومه ، بل له على ذلك الثواب الجزيل والأجر العظيم . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « هن أيام أكل وشرب » ، إنما عنى به أنهن أيام أكل وشرب لمن أراد ذلك ، فأما من لم يرد الأكل والشرب فيهن ، فغير حرج بترك الأكل والشرب فيهن ، إذا لم يكن تركه ذلك على وجه صوم الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهن ، على ما قد بينا قبل . وأما الأخبار التي رويت عن ابن عباس التي ذكرناها قبل ، من أن أم الفضل أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلاب لبن يوم عرفة فشربه ، فإن ذلك كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، ولا شك أن الاختيار - في ذلك اليوم ، في ذلك الموضع - للحاج الإفطار دون الصوم ، ؛ كي لا يضعف عن الدعاء ، وقضاء ما فرضه الله تعالى من مناسك الحج . وبالذي قلنا - من أن إرسال أم الفضل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماأرسلت به من حلاب اللبن يوم عرفة ، إنما كان بعرفة - تتابعت الأخبار عن ابن عباس ، وباختيار الفطر على الصوم هنالك وردت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر ما حضرنا ذكره مما صح من ذلك سنده
__________
(1) المراء : المجادلة على مذهب الشك والريبة

862 - حدثنا سفيان ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس : « أن أم الفضل ، بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلبن وهو يخطب الناس بعرفة ، فشربه »

863 - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن أبا النضر ، حدثه أن عميرا مولى ابن عباس حدثه أنه سمع أم الفضل ، تقول : « شك ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عرفة ، ونحن بمنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلت إليه أم الفضل بقعب فيه لبن وهو بعرفة فشربه »

864 - حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : « أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه »

865 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، حدثنا أيوب ، عن سعيد بن جبير ، قال أيوب : لا أدري أسمعت أنا منه أو حدثت عنه ، قال : « أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمانا ، فحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعرفة ، فبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه »

866 - حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب ، قال : لا أدري أسمعته من سعيد بن جبير أو نبيته عنه ، قال : أتيت على ابن عباس وهو يأكل رمانا بعرفة ، فقال : « أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه »

867 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا حسين الجعفي ، عن ابن عيينة ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، قال : أتيت ابن عباس بعرفة ، فإذا هو يأكل الرمان ، قال : « ادن فاطعم ، لعلك صائم ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم هذا اليوم »

868 - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي ، حدثني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله الأشج ، عن كريب مولى ابن عباس ، عن ميمونة بنت الحارث ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : « إن الناس شكوا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فأرسلت إليه ميمونة بحلاب (1) وهو واقف في الموقف فشرب منه ، والناس ينظرون »
__________
(1) الحلاب : إناء يسع قدر حلب ناقة

869 - حدثنا محمد بن هارون القطان الرازي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، أن رجلا سأل ابن عمر عن صوم عرفة ، فقال : « حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ، ومع أبي بكر فلم يصمه ، ومع عمر فلم يصمه ، ومع عثمان فلم يصمه ، وأنا لا أصومه ، ولا آمرك ولا أنهاك عنه »

870 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، قال : سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة ، فقال : حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يصمه ثم ذكر نحوه

871 - حدثني نصر بن مرزوق المصري ، حدثنا خالد بن نزار ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، حدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر أنه قال في صوم يوم عرفة : « لم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا أصومه أنا ، ولا آمر به ، ولا أنهى عنه »

872 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت عبد الله بن أبي نجيح ، عن أبيه ، عن رجل ، سأل ابن عمر ، أو سمع ابن عمر ، وسئل عن صوم يوم عرفة ، فقال : « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نصمه ، ومع أبي بكر فلم يصمه ، ومع عمر فلم يصمه ، ومع عثمان فلم يصمه ، وأنا لا أصومه ، ولا آمرك ولا أنهاك ، فإن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر » وبالذي روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من اختياره الفطر على الصوم بعرفة يوم عرفة ، قال كثير من السلف الصالحين ، على اختلاف بينهم في ذلك

ذكر من أفطر ذلك اليوم هنالك ، ومن اختار الفطر فيه على الصوم من الصحابة والتابعين

873 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا حرمي بن عمارة ، حدثنا شعبة ، حدثني عمارة يعني ابن أبي حفصة ، عن عكرمة ، قال : كان عمر واقفا بعرفات وعن يمينه سيد أهل اليمن ، فأتي بشراب فشرب ، ثم ناول سيد أهل اليمن ، فقال : إني صائم . فقال : « أقسمت عليك لما شربت وسقيت أصحابك »

874 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن عمر بن الوليد الشني ، عن شهاب بن عباد العصري ، عن أبيه ، قال : وقف علينا عمر بعرفة ، فقال : « لمن هذه الأخبية » فقالوا : لعبد القيس . فدعا لهم واستغفر لهم ، وقال : « لا تصوموا هذا اليوم ؛ فإن هذا يوم الحج الأكبر »

875 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن عمارة بن زاذان ، قال : سألت سالم بن عبد الله عن صوم يوم عرفة ، فقال : « لم يصمه عمر ، ولا أحد من آل عمر ، يا بني »

876 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي ، حدثنا قحذم بن النضر الجرمي ، قال : وقفت مع سالم بن عبد الله بعرفات ، فتناول إداوة (1) من ماء فشرب ، فقلت : أما تصوم هذا اليوم ؟ قال : ما أصومه ، وما أنا بصائم . ثم قال لي محمد بن موسى : قال قحذم : حدثني بعض من كان معي أنه قال : « وقفت مع عبد الله بن عمر فلم يصمه ، وقال : وقفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ، ووقفت مع أبي بكر فلم يصمه ، ووقفت مع عمر فلم يصمه ، ووقفت مع عثمان فلم يصمه »
__________
(1) الإداوة : إناء صغير من جلد يحمل فيه الماء وغيره

877 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، عن الفضل بن عطية ، قال : كنت عند عطاء بن أبي رباح ، فسأله رجل عن صوم يوم عرفة بعرفات ، فقال له شيخ عنده من قريش ، يقال له محمد بن عبد الرحمن : سألت ابن عمر عنه فنهاني

1042 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني بلج القشيري ، قال : لما كان يوم عرفة وأنا بعرفة : أتيت أبا بكر بن محمد ، وهو في فسطاط (1) ، وإذا هو بين يديه طعام ، فقال : اقترب . قلت : إني صائم . فقال أبو بكر : « هذا يوم يحب أن يفطر فيه » ثم أتاه رجلان من أهل العراق ، فقال أبو بكر : « اقتربا من الطعام » ، فقالا : إنا صائمان . فقال أبو بكر : « أفطرا ، فإن هذا يوم كان يحب أن يفطر فيه » فأبيا (2) أن يفطرا ، فقال أبو بكر : « انظروا إلى أهل الشام ، ما أيسر مؤونتهم »
__________
(1) الفسطاط : بيت من شعر ، وضرب من الأبنية ، والجماعة من الناس
(2) أبى : رفض وامتنع

1043 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، عن الفضل بن عطية ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن أبيه : أنه كان لا يصوم يوم عرفة بعرفات . قال : وكان يقول : « هو يوم عبادة واجتهاد ودعاء »

1044 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، قال : سألت سعيد بن المسيب عن صوم يوم عرفة ، فقال : « كان ابن عمر لا يصومه . فقلت : هل ترفع ذلك إلى غيره ؟ فقال : » حسبك به شيخا «

1045 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي قال : كان سفيان الثوري لا يرى الصوم يوم عرفة ، وكان يصلي الظهر والعصر مع الإمام بعرفة ، ثم يرجع إلى رحله فيتعشى ، ثم يقف قال أبو جعفر : قد بينت هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إفطاره - لا شك - أفضل لمن خاف أن يضعف بالصوم عما هو أفضل من الصوم من الأعمال ، وذلك الاجتهاد في الدعاء ، وذكر الله عز وجل ، والتضرع إليه ، فإن ذلك أفضل من الصوم النفل هنالك . فإن قال لنا قائل : فإن الذي ذكرت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه - من إفطارهم بعرفة يوم عرفة ، وكراهتهم الصوم هنالك ، وإن كان كما ذكرت - فليس بموجب أن يكون صلى الله عليه وسلم والذين كرهوا الصوم هنالك من أصحابه ، لم يكونوا من كراهتهم ذلك في غير ذلك الموضع ، على مثل الذي كانوا عليه من كراهتهم في ذلك الموضع . فما برهانك على أن كراهة من كره الصوم ذلك اليوم ، مخصوص به ذلك الموضع ، دون سائر بقاع الأرض ، ودون سائر الناس من الحاج وغير الحاج ؟ وقد صح عندك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه جعله في أيام العيد التي آثر الأكل فيها والشرب على الصوم ، وثبت عندك عن جماعة من السلف كراهتهم صوم ذلك اليوم لكل أحد ، في كل موضع وكل بقعة من بقاع الأرض ، وإنكار بعضهم الخبر الذي روي عن أبي قتادة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل صومه

ذكر من كره صوم يوم عرفة لكل أحد بكل موضع وذلك ما

1046 - حدثنا خلاد بن أسلم ، أنبأنا النضر بن شميل ، أنبأنا شعبة ، عن عمرو ، قال : أخبرني عطاء ، عن عبيد بن عمير : أن عمر نهى عن صوم يوم عرفة

1047 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، وشعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير : أن عمر نهى عن صوم يوم عرفة

1048 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا هشام بن عبد الملك ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي السوار : أنه سأل ابن عمر عن صوم يوم عرفة فنهاه

1049 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن العمري ، حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، وعمر : « أنهما كانا لا يصومان يوم عرفة »

1050 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن رجل ، عن ابن عمر ، قال : « لم يصم يوم عرفة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان »

1051 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن شريك ، عن السدي ، عن بشر القرشي ، قال : « دخلت على الحسين بن علي عليه السلام يوم عرفة وهو يأكل »

1052 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، عن عروة يعني ابن عبد الله بن قشير ، قال : سمعت عطاء ، يقول : « من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الدعاء ، كتب الله له مثل أجر الصائم »

1053 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن محمد بن شريك أبي عثمان المكي ، عن سليمان الأحول ، قال : ذكرنا لطاوس صوم يوم عرفة ، وأنه كان يقال : كفارة (1) سنتين ، فقال طاوس : « فأين كان أبو بكر وعمر عن ذلك ؟ يعني أنهما كانا لا يصومانه » قيل : أما الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يوم من أيام عيدنا ، فقد بينا معناه ، وأن كونه من أيام العيد غير مانع صائمه صومه ؛ للعلة التي وصفنا قبل . وأما كراهة من كره صومه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين في غير عرفة ، ولغير الحاج ، فإن كراهته ذلك له ؛ لما قد تقدم بياننا قبل من إيثارهم الأفضل من نفل الأعمال على ما هو دونه . ولعل من كره ذلك منهم إنما كرهه إذ كان الصوم يضعف المجتهد عن الاجتهاد في الدعاء ، فآثر الفطر ليتقوى به على الدعاء ، كالذي ذكرنا عن عطاء ، وسعيد بن جبير . وبعد ، فإن كراهة الصوم ذلك اليوم لمن صامه غير مجمع عليه ، بل ذلك مختلف فيه . وقد اختار صومه على إفطاره جماعة من الصحابة والتابعين ، حتى لقد صامه جماعة منهم بعرفة ، ففي ذلك الدليل الواضح على صحة قولنا من أن إفطار من أفطر منهم ، وكراهة من كره صومه منهم ، إنما كان إيثارا منه غيره من نفل الأعمال عليه ، وإبقاء منه على نفسه ليتقوى بالإفطار على الدعاء ، والاجتهاد في العبادة
__________
(1) الكفارة : الماحية للخطأ والذنب

ذكر من كان يؤثر صوم يوم عرفة على الإفطار فيه ، ومن كان يأمر بذلك من الصحابة والتابعين

1054 - حدثنا حميد بن مسعدة السامي ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا شعبة ، عن أبي قيس ، عن هزيل بن شرحبيل ، عن مسروق ، قال : قالت عائشة : ما من السنة يوم أحب إلي من أن أصوم من يوم عرفة ، حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، ح وحدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا شبابة بن سوار ، قالا جميعا : حدثنا شعبة ، عن أبي قيس ، عن هزيل ، عن مسروق ، عن عائشة مثله

1055 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، حدثنا النضر بن شميل ، أنبأنا أشعث بن عبد الملك ، عن الحسن ، أنه كان يعجبه صوم يوم عرفة ويأمر به حتى الحاج يأمرهم به ، وقال : « رأيت عثمان بعرفات في يوم شديد الحر صائما ، وهم يروحون عنه »

1056 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، عن حميد الطويل ، حدثنا الحسن ، قال : « رأيت عثمان بن أبي العاص ، وهو بعرفات صائما قد جهده الصوم . قال : وهو يرش عليه الماء ، ويروح عنه »

1057 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة ، وحدثنا عثام بن علي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : « ما شهد أبي عرفة قط إلا وهو صائم »

1058 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ، قال : « كانت عائشة تصوم يوم عرفة »

1059 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، قال : سمعت القاسم بن محمد ، قال : « رأيت عائشة عشية عرفة يدفع الإمام ، فتقف بعد حتى يقصى ما بينها وبين الناس من الأرض ، ثم تدعو بالشراب فتفطر »

1060 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن أبي قيس الأودي عبد الرحمن بن ثروان ، عن الهزيل بن شرحبيل ، عن مسروق ، عن عائشة : « أنها كانت تصوم يوم عرفة »

1061 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : قرأت على فضيل بن ميسرة ، عن أبي حريز أن سعيد بن جبير كان يقول : « أيقظوا خدمكم يتسحروا لصوم يوم عرفة »

1062 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ، عن أبيه : « أنه كان يصوم يوم عرفة »

1063 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي ، حدثنا أبو عوانة ، عن مغيرة ، قال : أتي إبراهيم يوم عرفة ، قال : « أحسبه بماء » فشرب . قال : « فكان إذا قيل : تكره صوم هذا اليوم ؛ لأنه يوم عيد ؟ قال : لا . قيل : فيصام ؟ قال : من شاء صام وإذ كان مختلفا في صومه الاختلاف الذي ذكرنا ، ولم يكن بالنهي عن صومه بغير عرفة خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت لا يحتمل تأويلا ، وكان الله عز وجل قد وصف الصائمين في كتابه بما وصفهم به فيه بقوله تعالى : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات (1) إلى قوله تعالى : والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ، حاثا لهم بذلك على الصوم ؛ كان الواجب علينا أن نقضي لكل صائم متقرب بصومه إلى الله عز وجل - إذ كان بالصفة التي وصفه الله عز وجل بها - أن له من الله تعالى مغفرة وأجرا عظيما ، إلا صائما صوما متقربا بصومه إلى الله تعالى ، أخرجه من أن يكون ممن أعد له المغفرة والأجر العظيم ربنا تبارك وتعالى ، إما في كتابه ، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما صوم يوم عاشوراء . فإن الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متتابعة بأنه كان يصومه ويحث على صومه قبل أن يفرض شهر رمضان . ثم اختلف أهل العلم في حكم صومه اليوم ، هل هو في فضله وعظم ثوابه على مثل الذي كان عليه قبل أن يفرض رمضان ، أم ذلك اليوم بخلافه يومئذ ؟ فقال بعضهم : كان ذلك يوما يصومه أهل الجاهلية في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام صامه المسلمون قبل أن يفرض صوم شهر رمضان ، فلما فرض صوم رمضان ترك صومه ، فكان من شاء صامه ، ومن شاء لم يصمه . وقال آخرون : بل كان ذلك يوما تصومه اليهود ؛ شكرا لله تعالى على أن نجى الله موسى وبني إسرائيل من فرعون وقومه ، وقطع به وبهم البحر ، وأغرق فرعون وقومه ، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم قبل أن يفرض عليه صوم شهر رمضان ، وأمر بصومه ، فلما نزل فرض صومه لم يأمر بصومه ولم ينه عنه ، فكان من شاء صامه ، ومن شاء أفطره . وقال آخرون : بل لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، ويحث على صومه أمته حتى مضى لسبيله . ونحن مبينو الصواب لدينا من القول في ذلك ، بعد ذكرنا الأخبار المروية عن قائلي الأقوال التي وصفنا ، وبعد بياننا ما يحتمله كل قول من العلة المؤيدته
__________
(1) سورة : الأحزاب آية رقم : 35

ذكر من قال : كان ذلك يوما يصومه أهل الجاهلية ، فلما نزل فرض شهر رمضان ترك صومه ، فمن شاء صامه ومن شاء أفطره

1064 - حدثني سلم بن جنادة ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : دخل الأشعث بن قيس على عبد الله يوم عاشوراء وهو يتغدى ، فقال له عبد الله : « ادن يا أبا محمد ، فاطعم » ، قال : إني صائم . قال : « ولم ؟ » قال : اليوم عاشوراء . قال عبد الله : « وهل تدرون ما كان عاشوراء ؟ » ، قال : وما كان ؟ قال : « كان يوما يصومه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل رمضان ، ثم تركه »

1065 - حدثنا محمد بن إبراهيم السليمي المعروف بابن صدران ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا محمد بن طلحة ، عن الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن قيس بن سكن ، قال : كنا عند عبد الله بن مسعود في يوم عاشوراء ، وبين يديه قصعة من ثريد (1) ، فدخل الأشعث بن قيس ، فقال : ألا تدنو (2) إلى الغداء يا أبا محمد ؟ قال : أوما صمتم هذا اليوم ؟ قال : « هذا يوم كنا نصومه قبل أن ينزل رمضان ، فلما نزل رمضان صمناه ، وتركنا ما سواه »
__________
(1) الثريد : الطعام الذي يصنع بخلط اللحم والخبز المفتت مع المرق وأحيانا يكون من غير اللحم
(2) الدنو : الاقتراب

1066 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا سفيان ، قال : حدثني زبيد ، عن عمارة بن عمير ، عن قيس بن سكن أن الأشعث بن قيس دخل على ابن مسعود وهو يتغدى يوم عاشوراء ، فقال : يا أبا محمد ، ادن فاطعم . قال : « إني صائم » ، قال : « كان هذا يوما نصومه قبل رمضان ، فلما فرض رمضان تركناه »

1067 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن زبيد بن الحارث ، عن عمارة بن عمير ، عن قيس بن سكن ، قال : كنا عند عبد الله بن مسعود يوم عاشوراء ، فأتينا بطعام ، فقال : « إنا كنا نصوم هذا اليوم قبل أن ينزل رمضان »

1068 - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أنبأنا إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : دخل الأشعث بن قيس يوم عاشوراء على عبد الله ، وهو يطعم ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، اليوم يوم عاشوراء . فقال : « قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان ، فلما نزل رمضان ترك ، فإما أنت مفطر ، فادن فاطعم »

1069 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان يوم عاشوراء يوما يصومه أهل الجاهلية ، فلما فرض صوم رمضان ، سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : « هو يوم من أيام الله ، فمن شاء صامه ، ومن شاء تركه »

1070 - حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، أنبأنا عبد الله بن نمير ، أنبأنا عبيد الله ، عن نافع ، قال : حدثني ابن عمر أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان . فلما افترض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن عاشوراء يوم من أيام الله ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه »

1071 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال في عاشوراء : صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه ، فلما فرض رمضان ترك . قال : فكان عبد الله لا يصومه إلا أن يأتي على صومه

1072 - حدثني علي بن سهل الرملي ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن نافع ، قال : قال ابن عمر : « كنا نصوم يوم عاشوراء ، حتى إذا فرض صوم رمضان ، كانوا لا يصومون عاشوراء إلا أن يوافق يوما كانوا يصومونه »

1073 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا الفضيل بن سليمان النميري ، حدثنا موسى بن عقبة ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر أنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء ، فقال : « هو يوم كان يصومه أهل الجاهلية ، فمن شاء منكم فليصم ، ومن كره منكم فليتركه »

1074 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء ، فقال : « يوم كان يصومه أهل الجاهلية ، فمن شاء صامه ومن شاء فليدع »

1075 - حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي ، حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة القرشي ، عن الوليد بن كثير ، قال : حدثني نافع : أن عبد الله بن عمر حدثهم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في يوم عاشوراء : « إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية ، فمن أحب أن يصومه فليصمه ، ومن أحب أن يتركه فليتركه » فكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه

1076 - حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري ، حدثنا عمي ، حدثني أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في يوم عاشوراء : « إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية ، فمن أحب أن يصومه فليصمه ، ومن أحب أن يترك فليترك » . قال : فكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه «

1077 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، حدثني عبد الله بن عمر ، والليث بن سعد ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أحب منكم أن يصوم يوم عاشوراء فليصمه ، ومن لم يحب فليدعه »

1078 - حدثنا ابن وكيع ، ويونس بن عبد الأعلى ، وأحمد بن حماد ، قالوا : حدثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت : « كان يوم عاشوراء يوما يصام في الجاهلية قبل أن ينزل رمضان ، فلما نزل رمضان كان من شاء صامه ، ومن شاء أفطر »

1079 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، حدثني يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيامه - تريد يوم عاشوراء - قبل أن يفرض رمضان ، فلما فرض رمضان كان من شاء صام يوم عاشوراء ، ومن شاء أفطر » قال يونس : وكان الزهري لا يدعه

1080 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : « كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صامه ، وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان ، كان رمضان هو الفريضة ، وترك عاشوراء ، فمن شاء صامه ، ومن شاء تركه » ، حدثنا علي بن مسلم الطوسي ، حدثنا عباد بن عباد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة بنحوه

1081 - حدثني يعقوب ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : « كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما قدم المدينة صامه ، وأمر بصيامه حتى فرض رمضان ، فكان رمضان هو الفريضة ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه »

1082 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : « إن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوما ، فمن شاء صامه ، ومن شاء أفطر » تعني عاشوراء ، حدثنا عمرو بن علي الباهلي ، حدثنا يحيى بن محمد ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية . ثم ذكر نحو حديث يعقوب ، عن عيسى ، حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، قال : سمعت عمرو بن الحارث ، يحدث عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت : كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية . ثم ذكر نحوه

1083 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا أبي ، وشعيب ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن عراكا ، أخبره أن عروة أخبره : أن عائشة أخبرته : أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من شاء فليصمه ، ومن شاء فليفطره »

1084 - حدثنا ابن بشار ، حدثني مسلمة بن إبراهيم ، حدثنا همام بن يحيى ، حدثنا قتادة ، عن أبي حسان : أن عمار بن ياسر ، قال : « أمرنا بصيام عاشوراء قبل أن ينزل رمضان ، فلما نزل رمضان لم نؤمر به »

1085 - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني ، حدثنا أبو داود ، وحدثني محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا آدم ، قالا جميعا : حدثنا شيبان ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن جعفر بن أبي ثور ، عن جابر بن سمرة ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصوم عاشوراء ، ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده ، فلما افترض رمضان لم يأمرنا به ، ولم يحثنا عليه » زاد ابن خلف في حديثه : ولم ينهنا عنه ، ولم يتعاهدنا عنده - ولم يقل ذلك ابن أبي زياد في حديثه - وكنا نفعله

1086 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن أبي عمار الهمداني ، عن قيس بن سعد ، قال : « أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان ، فلما نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ، ونحن نفعله »

1087 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن قيس بن سعد ، قال : « كنا نصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان ، فلما نزل رمضان لم نؤمر به ، ولم ننه عنه ، ونحن نفعله »

1088 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سمعت القاسم بن مخيمرة ، يحدث عن عمرو بن شرحبيل ، عن قيس بن سعد بن عبادة ، أنه قال : « كنا نصوم عاشوراء ونعطي زكاة الفطر قبل أن ينزل علينا صوم رمضان والزكاة ، فلما نزل لم نؤمر به ، ولم ننه عنه ، ونحن نفعله » ، حدثني علي بن سهل الرملي ، حدثني حجاج بن محمد ، حدثني شعبة ، عن الحكم ، قال : سمعت القاسم بن مخيمرة ، يحدث عن عمرو بن شرحبيل ، عن قيس بن سعد ، مثله

ذكر من قال : كان يوم عاشوراء يوما يصومه اليهود ، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم

1089 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وإذا اليهود يصومون يوم عاشوراء . قال : فسألهم ، فقالوا : هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنتم أولى بموسى منهم ، فصوموا »

1090 - حدثنا ابن وكيع ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال : « ما هذا » ؟ قالوا : هذا يوم نجى الله فيه موسى وأغرق فرعون . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا أولى بموسى منكم » . فصامه ، وأمر أصحابه أن يصوموه

1091 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، عن عبد الله بن سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة واليهود تصوم يوما ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما هذا اليوم » ؟ قالوا : هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى ، وأهلك عدوهم ، وأقطعهم البحر ، فصامه موسى ، فنحن نصومه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نحن أحق بموسى منكم » . فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بصومه

1092 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب ، عن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة واليهود تصوم يوما ، فقال : « ما هذا اليوم الذي تصومون » ؟ فقالوا : هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى صلوات الله عليه على فرعون ، وهذا اليوم الذي نجى الله فيه بني إسرائيل من البحر . فأحسبه قال : « نحن أولى بموسى منهم » . فأمرهم بصومه يعني عاشوراء

1093 - حدثنا ابن البرقي ، حدثنا ابن أبي مريم ، أنبأنا يحيى بن أيوب ، حدثني إسماعيل بن أمية أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري يقول : سمعت عبد الله بن عباس ، يقول : حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه ، قالوا : يا رسول الله ، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإذا كان العام المقبل إن شاء الله ، صمنا اليوم التاسع » . قال : فلم يأت المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر من قال : لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء ، ويحث على صومه حتى مضى لسبيله

1094 - حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، سمع ابن عباس ، يقول : « ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله ، إلا يوم عاشوراء ، أو شهر رمضان »

1095 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن ميسر الخراساني ، عن ابن جريج ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس ، قال : « ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام يوم ، يبتغي (1) فضله على ما سواه إلا هذين اليومين : يوم عاشوراء ، وشهر رمضان »
__________
(1) الابتغاء : الطلب والالتماس

1096 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، ومالك بن إسماعيل ، عن ورقاء بن عمر ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، قال : سمعت ابن عباس ، يقول : « ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يطلب فضله سوى رمضان ، إلا يوم عاشوراء » ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا ابن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه

1097 - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي ، حدثنا عبادة بن الورد ، وكان ثقة حافظا قال : سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء »

1098 - حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا عون بن سلام ، حدثنا عبد الجبار وهو ابن الورد ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قال عبيد الله بن أبي يزيد : قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ، ويوم عاشوراء »

1099 - حدثني سليمان بن عبد الملك ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا أبو شهاب ، عن ابن أبي ليلى ، عن داود بن علي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صوموا يوم عاشوراء ، صوموا قبله يوما ، وبعده يوما ، وخالفوا يهود »

1100 - حدثنا علي بن سهل الرملي ، حدثنا مؤمل ، حدثنا إسرائيل ، حدثنا ثوير ، قال : سمعت عبد الله بن الزبير على المنبر وهو يقول : « هذا يوم عاشوراء فصوموه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بصومه » قال أبو جعفر : واختلف السلف من الصحابة والتابعين في صوم يوم عاشوراء ، فكان بعضهم يصومه ، ويرى له فضلا في الصوم على سائر الأيام غيره سوى شهر رمضان ، وكان بعضهم يكره صومه ، ولا يصومه

ذكر من كان يصومه ، ويأمر بصومه منهم

1101 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا سليمان الشيباني ، حدثنا أبو ماوية ، قال : سمعت عليا رحمة الله عليه يقول يوم عاشوراء : « يا أيها الناس من أكل منكم فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليتم صومه »

1102 - حدثنا أحمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود أنه قال : « ما أدركت أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمر بصوم عاشوراء من علي ، وأبي موسى »

1103 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا وكيع ، عن مسعر ، وعلي بن صالح ، وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود بن يزيد ، قال : « ما رأيت أحدا كان آمر بصوم عاشوراء من علي وأبي موسى »

1104 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن فليت ، عن جسرة بنت دجاجة ، قالت : قيل لعائشة : إن عليا أمر بصيام يوم عاشوراء . قالت : « هو أعلم من بقي بالسنة »

1105 - حدثني بحر بن نصر الخولاني ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن جده عبد الرحمن بن عوف : « أنه أضحى يوم عاشوراء حتى ارتفع النهار ولا يعلم ، ثم علم بعد ، ففزع لذلك ، ثم صام ، وأمرنا بالصيام بعد أن أضحى »

1106 - حدثني بحر بن نصر ، أنبأنا ابن وهب ، قال : قال مالك : وبلغني أن عمر رضوان الله عليه أرسل إلى الحارث بن هشام : « إن غدا يوم عاشوراء فصم ، وأمر أهلك أن يصوموا »

1107 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن منصور يعني ابن عبد الرحمن ، عن الشعبي ، عن علقمة ، قال : « أتيت ابن مسعود فيما بين رمضان إلى رمضان ، ما مر يوم إلا آتيه فيه ، وما رأيته في يوم صائما إلا يوم عاشوراء »

1108 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : « أنه كان يصوم قبله يوما وبعده يوما »

1109 - حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس : « أنه كان يصوم في السفر يوم عاشوراء ، ويوالي بين اليومين فرقا أن يفوته » قال أبو جعفر : قال لي يونس : قال لنا ابن وهب : اليوم التاسع والعاشر « حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس مثله ، إلا أنه قال : مخافة أن يفوته

1110 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، سمع عطاء يقول : سمعت ابن عباس يقول : « صوموا التاسع والعاشر ، وخالفوا اليهود »

1111 - حدثني سلم بن جنادة السوائي ، حدثنا حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : « أنه كان يصوم اليوم التاسع واليوم العاشر »

1112 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن علي بن صالح ، وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود بن يزيد ، قال : سألت عبيد بن عمير عن صوم عاشوراء ، فقال : « إن قوما أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم ، فإن استطعت أن لا يمر بك إلا وأنت صائم فافعل »

1113 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا سلم بن قتيبة ، حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيب : « أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر أمروا بصوم عاشوراء »

1114 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثني عمي ، حدثنا يونس ، عن الزهري : « أنه كان لا يدع صومه . يعني يوم عاشوراء »

1115 - حدثنا خلاد بن سلم ، أنبأنا النضر بن شميل ، أنبأنا ابن عون ، عن ابن سيرين : أنه كان يصوم العاشور اليوم العاشر ، فأكثروا فقالوا : إن ابن عباس قال : « هو التاسع ، فكان يصوم التاسع والعاشر »

ذكر من كان يكره صومه ولا يصومه

1116 - حدثني الحسن بن محمد الذارع ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاذ بن العلاء ، عن نافع ، قال : « رأيت ابن عمر يدعو بالماء يوم عاشوراء من غير ظمأ »

1117 - حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، حدثنا أيوب ، عن نافع : أن ابن عمر كان لا يصوم يوم عاشوراء إلا أن يأتي على صومه

1118 - حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، قال : كان ابن عمر لا يصوم عاشوراء ، وكان القاسم يصومه

1119 - حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي ، حدثنا أبو أسامة ، عن الوليد بن كثير ، قال : حدثني نافع : أن عبد الله كان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صيامه ، حدثني عبيد الله بن سعد الزهري ، حدثنا عمي ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر مثله حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله

1120 - حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا شعيب بن الليث بن سعد ، حدثني الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، عن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل : أنه سأل عبد الله بن عمر عن يوم عاشوراء - وهو يوم عاشوراء - فقال : « والله ما أنا بصائم »

1121 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي ، حدثني الحشرج بن عبد الله بن الحشرج المزني ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سعد المزني ، قال : أتينا عائذ بن عمرو المزني يوم عاشوراء في داره التي في الجبان في بني مازن ، فقال للغلام : « يا غلام ، احلب الناقة » فحلب وجاء بالعس ، فقال لرجل : « اشرب » ، فقال : إني صائم . ثم قال للذي يليه : « اشرب » ، فقال : إني صائم . قال : « تقبل الله منا ومنكم » ثم قال للذي يليه : « اشرب » ، فقال : إني صائم . قال : « يوشك أن تتخذوا هذا اليوم بمنزلة رمضان ، إنما كان هذا اليوم واجبا قبل أن يفترض رمضان ، فلما نزل صوم رمضان نسخ هذا اليوم ، فصار صومه تطوعا ، فمن شاء صام ، ومن شاء أفطر ، ولا بأس » والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن صوم يوم عاشوراء كان مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمته قبل نزول فرض شهر رمضان ، كالذي تتابعت به الأخبار التي ذكرناها قبل عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يأمرهم بذلك قبل وجوب صوم شهر رمضان ، فلما فرض الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به صوم شهر رمضان ، لم ينههم عن صومه ، ولم يأمرهم بصومه الأمر الذي كان يأمرهم به قبل وجوب صوم شهر رمضان ، ولكنه كان يندبهم إلى صومه ، بتعريفه إياهم ما لهم فيه من الأجر والثواب ، فمن صامه طالبا به الأجر من الله عز وجل ، متحريا بصومه إدراك ما وعد الله تعالى صائميه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب ، رجونا له إدراك ما أمل ورجا به من الله تعالى ، ومن ترك صومه ، وآثر الإفطار فيه على صومه ؛ إيثارا منه ما هو أفضل منه من الأعمال عليه ، رجونا له أيضا بذلك أن يدرك ما أمل بإفطاره وإيثار غيره من العمل الذي هو أفضل عليه ، ومن أفطره لقولي ذلك ، فإنما هو تارك فضل ، لا لوم عليه في تركه . فإن قال لنا قائل : فما وجه كراهة من كره صومه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم ؟ قيل : وجه كراهتهم ذلك نظير كراهة من كره صوم رجب ؛ إذ كان شهرا كانت الجاهلية تعظمه ، فكره من كره صومه أن يعظمه في الإسلام بصومه تعظيم أهل الجاهلية إياه في الشرك ، فأراد بإفطاره وضع منار الكفر ، وهدم أعلام الشرك . وكذلك عاشوراء ، كان - كما قد ذكرنا الخبر قبل عمن ذكرنا ذلك عنه - يوما يصومه أهل الشرك في الجاهلية ، فأراد بإفطاره والنهي عن صومه - من أفطره وكره صومه - إبطال ما أبطله الله تعالى بما شرع لعباده من فرض صوم شهر رمضان ، من سنة أهل الجاهلية في صومه ، ومن غير تحريم منه صومه على من صامه ، ولا موئسه من الثواب الذي وعد الله تعالى صائميه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، إذا صامه مبتغيا بصومه إياه استنجاز وعده ذلك ، لا مريدا به إحياء سنة أهل الشرك ، وكذلك ذلك في صوم رجب

القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب فمن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو : « فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ، ونفهت له النفس » ، يعني بقوله صلى الله عليه وسلم : « هجمت له العين » : غارت في الحجاج ، ودخلت في عظمه . ومنه قيل : هجم فلان على فلان منزله : إذا ولج عليه فيه بغير إذن . ويقال أيضا : هجم على القوم منزلهم : إذا سقط عليهم وأما قوله عليه السلام : « ونفهت له النفس » ، فإنه يعني : وكلت له النفس ورزحت ، كالناقة النافهة من السير . ومنه قول رؤبة بن العجاج : به تمطت غول كل ميله بنا حراجيج المهاري النفه والنفه : جمع نافه ، وهو الذي قد كل من السير وأعيا . وأما قوله في الخبر الآخر : « فإنك إذا فعلت ذلك هجمت العينان ونهمت النفس » ، فإني أخشى أن يكون غير محفوظ ؛ وذلك أن النهم : إفراط الشهوة في الطعام ، وأن لا يشبع الآكل ولا تمتلئ عينه ، وليس ذلك من فعل الصوم بصاحبه ، بل هو إلى الفطم عن الشهوات إذا توبع أقرب منه إلى أن يورث ذلك صاحبه . والنهم - بسكون الهاء - معنى غير هذا ، وهو زجر الإبل . وليس لذلك في هذا الموضع أيضا وجه . ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : « وإن لزورك عليك حقا » ، والزور : الضيف ، والرجل يأتيه زائرا ، الواحد والاثنان والثلاثة ، والمذكر والمؤنث ، في ذلك بلفظ واحد . يقال : هذا رجل زور ، وهذان رجلان زور ، وهم قوم زور ، فيوحد في كل حالة ؛ لأنه مصدر وضع مواضع الأسماء ، ومثل ذلك : هم قوم صوم ، وفطر ، وعدل ، الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث بلفظ واحد . والزور في غير هذا : أعلى الصدر ، وإياه عنى ابن ميادة بقوله : كأن قرادي زوره طبعتهما بطين من الجولان كتاب أعجم وأما الزور بضم الزاي : فالباطل والكذب ، والعرب تسمي كل ما عبد من دون الله تعالى زورا ، وزونا . ومن الزور قول الراجز : جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم شيخ لنا قد كان من عهد إرم شيخ لنا معاود ضرب البهم ومن الزون - بالنون في ذلك - قول رؤبة بن العجاج : وهنانة كالزون يجلى صنمه تضحك عن أشنب عذب ملثمه وللزور معنى آخر ، وهو أن يقال للرجل الذي لا رأي له : رجل ليس له زور . وأما الزير بكسر الزاي ، فإنه غير ذلك كله ، وهو الرجل الذي يعتاد النساء ، ويميل إلى محادثتهن وملاعبتهن . ومنه قول رؤبة بن العجاج : قلت لزير لم تصله مريمه ضليل أهواء الصبا يندمه وقول مهلهل : فلو نبش المقابر عن كليب فيعلم بالذنائب أي زير والزير أيضا : أحد أوتار العود . وأما قول المنهال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام البيض . فإن أيام البيض من كل شهر ثلاثة أيام : وهو الثالث العشر ، والرابع العشر ، والخامس العشر . وإنما قيل لهن البيض ؛ لاتصال البياض فيهن من أول الليل إلى آخره ، بطلوع القمر فيهن ، مع مغيب الشمس ، إلى أن يبدو وضح النهار من صبيحة كل ليلة منهن . ولهن أسماء غير ذلك ، فاسم ليلة ثلاث عشرة من ذلك عند العرب : ليلة السواء ، وإنما قيل لها ليلة السواء ؛ لأنه يستوي فيها القمر ، وهي ليلة التمام ، يقال هذه ليلة تمام القمر ، وذلك وفاء ثلاث عشرة ، واسم ليلة أربع عشرة : ليلة البدر ، وإنما قيل لها ذلك ؛ لأن القمر يبادر الشمس بالغداة ، ويطلع بالعشي قبل غروبها ، وأما ليلة خمس عشرة ، فإنها يقال لها : ليلة النصف . وأما قول نعيم بن قعنب : فجعل - يعني أبا ذر - يهذب الركوع ويخفه . فإنه يعني بقوله : يهذب : يسرع ويعجل فيه ، والعرب تقول للخيل إذا أسرعت الركض : مرت تهذب ، ومرت تلهب ، ومرت تحصب . وأما قول معاذ : لتخضمن الدهر ، ولتصومن الدهر . فإنه يعني بقوله : لتخضمن الدهر : لتأكلن الدهر أكلا بسعة . والخضم : الأكل بجميع الفم ، والقضم دون ذلك ، يقال في مثل : قد يبلغ الخضم بالقضم ، يقال : خضمت الشيء فأنا أخضمه خضما . وحدثت عن الأصمعي ، عن ابن أبي طرفة ، قال : قدم أعرابي على ابن عم له مكة وقال : إن هذه بلاد مقضم ، وليست بلاد مخضم . وإنما أراد معاذ بقوله : لتخضمن الدهر ، ولتصومن الدهر : أنا إذا صمنا ثلاثا من كل شهر ، وأفطرنا سائره ، فقد صمنا الدهر كله ، وأكلنا بسعة الدهر كله ؛ لأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كله

ذكر ما لم يمض ذكره من حديث أنس بن مالك ، عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

1122 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس بن مالك ، قال : قال عمر بن الخطاب : « وافقت ربي في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت : يا رسول الله ، لو اتخذت المقام مصلى ؟ فأنزل الله عز وجل : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (1) ، وقلت : لو حجبت عن أمهات المؤمنين ؛ فإنه يدخل عليك البر والفاجر ، فنزلت آية الحجاب . قال : وبلغني عن أم المؤمنين شيء ، فاستقريتهن أقول لهن : لتكفن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن ، حتى أتيت على إحدى أمهات المؤمنين ، فقالت : يا عمر ، أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ؟ فكففت ، فأنزل الله هذه الآية : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات (2) » الآية ، حدثنا أبو كريب ، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا حميد ، عن أنس ، قال : قال عمر بن الخطاب : وافقت ربي في ثلاث . ثم ذكر نحوه ، إلا أنه قال : فقلت لهن : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ، فنزلت كذلك
__________
(1) سورة : البقرة آية رقم : 125
(2) سورة : التحريم آية رقم : 5

15362 - أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء ، « أن عائشة ابنة أبي بكر ، كانت نذرت جوارا في جوف ثبير ، فكان أخوها عبد الرحمن يمنعها حتى مات ، فجاورت ثم (1) »
__________
(1) ثَمَّ : اسم يشار به إلى المكان البعيد بمعنى هناك

القول في علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، لا علة فيه توهنه ، ولا سبب يضعفه ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ؛ وذلك أنه خبر لا يعرف له مخرج عن عمر إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه

ذكر ما في هذا الخبر من فائدة العلم والذي في هذا الخبر من فائدة العلم الدلالة على أن أصح القراءتين في قوله : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (1) كسر الخاء من قوله : واتخذوا على وجه الأمر ؛ لإخبار عمر عن تنزيل الله إياه على رسوله صلى الله عليه وسلم ، أمرا منه له باتخاذه من ذلك مصلى . وفيه أيضا الدلالة الواضحة على أن سبيل النساء - فيمن كان يلزمهم أن يحتجبن منه من الرجال برهة من الزمان ، بعد إرسال الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى خلقه ، وفيمن كان لهن أن يظهرن له - كانت سبيل الرجال ، حتى فرق الله بين أحكامهن وأحكامهم في ذلك ، مما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من آية الحجاب ، وذلك لقول عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو حجبت أمهات المؤمنين . وفيه أيضا الدلالة على أن الذي هو أفضل للمرء وأحسن به ، الصبر على أذى أهله والإغضاء عنهم ، والصفح عما يناله منهم من مكروه في ذات نفسه ، دون ما كان في ذات الله ؛ وذلك للذي ذكر عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبره على ما كان يكون إليه منهن بقوله : بلغني عن بعض أمهات المؤمنين شدة على رسول الله وأذاهن إياه . ولم يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عاقبهن على ذلك ، بل ذكر أنه هو الذي وعظهن عليه دون رسول الله ، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل . وبنحو الذي ذكر عمر عنه من خلقه معهن ، تتابعت الأخبار عنه ، وإلى مثل الذي كان يستعمل معهن من الأخلاق ندب أمته صلى الله عليه وسلم . ذكر ما صح سنده من الأخبار الواردة علينا عنه بذلك
__________
(1) سورة : البقرة آية رقم : 125

1124 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « خيركم خيركم لأهله »

1125 - حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي ، قال : حدثنا الفريابي ، عن سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي »

1126 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خياركم خياركم لنسائه »

1127 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا الطفاوي ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة ، قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر النساء ، فقال : « علام يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد ، ولعله يضاجعها من يومه »

1128 - حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم ، قال : حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة ، عن أبيه لقيط ، قال : قلت : يا رسول الله ، إن لي امرأة ، وإن في لسانها شيئا - يعني البذاء . قال : « فطلقها إذا » . قال : قلت : يا رسول الله ، إن لها صحبة ، ولي منها ولد . قال : « فمرها - يقول : عظها - فإن كان فيها خير فستقبل ، ولا تضرب ظعينتك كضربك أميتك » فإن قال لنا قائل : فإن كان الفضل في الصفح عنهن ، والصبر على أذاهن ، واحتمال مكروههن ، فما وجه الخبر الذي

1129 - حدثكموه ابن وكيع ، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي ، عن ابن أبي ليلى ، عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « علق سوطك حيث يراه الخادم »

1130 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن راشد أبي محمد ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : أوصاني خليلي أبو القاسم ، وقال : « أنفق من طولك على أهلك ، ولا ترفع عصاك عنهم ، أخفهم لله »

1131 - حدثنا ابن خلف ، قال : حدثنا كثير بن هشام ، قال : حدثنا النضر بن معبد ، عن محمد بن واسع ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : قام رجل فقال : يا رسول الله ، أوصني . فقال : « أخف أهلك ، ولا ترفع عنهم عصاك »

1132 - حدثني ابن البرقي ، وابن عسكر البخاري ، قالا : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن يزيد ، قال : حدثني سيار بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن قوذر عن سلمة بن شريح ، عن عبادة بن الصامت ، قال : أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : « لا تضع عصاك عن أهلك ، وأنصفهم من نفسك » وما أشبه ذلك من الأخبار المروية عن رسول الله في ذلك ؟ قيل : قد اختلف أهل العلم في ذلك . فقال بعضهم : هذه أخبار غير جائز الاحتجاج بها في الدين لوهاء أسانيدها ، وضعف بعض من في نقلتها ورواتها . قالوا : وإذ كان الأمر في ذلك كذلك ، فأفضل الأخلاق التي يتخلق بها الرجل في أهله ، الصبر عليهم ، والصفح عنهم ، على ما تتابعت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخبار الصحاح الأسانيد . وقال آخرون بتصحيح هذه الأخبار ، ثم اختلف مصححو ذلك بينهم في معناه . فقال بعضهم : معنى ذلك : أن يضرب الرجل امرأته إذا رأى منها ما يكره ، فيما يجب عليها في طاعته ، واعتلوا بأن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين كانوا يفعلون ذلك ؛ اتباعا منهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه

ذكر الأخبار عن بعض من كان يفعل ذلك

1133 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن أم موسى ، قالت : « كانت ابنة علي بن أبي طالب رحمه الله تحت عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، فربما ضربها ، فتجيء إلى الحسن بن علي فتشتكي ، وقد لزق درع من حديد بجسدها من الضرب ، فيقسم عليها لترجعن إلى بيت زوجها »

1134 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : « كنت رابع أربع نسوة تحت الزبير ، فكان إذا عتب على إحدا